قوله: "وَعَظَنا" الوعظ: التذكير بما يلين القلب سواء كانت الموعظة ترغيبًا أو ترهيبًا، وكان النبي ﷺ يتخول أصحابه بالموعظة أحيانًا.
وقوله: "وَجلَت مِنهَا القُلُوبُ" أي خافت منها القلوب كما قال الله تعالى: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) (الأنفال: الآية٢) .
" وَذَرَفَت مِنهَا العُيون" أي ذرفت الدموع، وهو كناية عن البكاء.
" فَقُلنَا يَا رَسُول الله: كَأنَّها" أي هذه الموعظة "مَوعِظَةَ مُوَدِّعٍ" وذلك لتأثيرها في إلقائها، وفي موضوعها، وفي هيئة الواعظ لأن كل هذا مؤثر، حتى إننا في عصرنا الآن
_________________
(١) أخرجه أبو داود - كتاب: السنة، باب: في لزومالسنة، (٤٦٠٧) . والدارمي - كتاب: المقدمة، باب: اتباع السنة، (٩٦) . والترمذي- كتاب: العلم، باب: ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، (٢٦٧٦)
[ ٢٧٤ ]
تسمع الخطيب فيلين قلبك وتخاف وتبكي، فإذا سمعته مسجلًا لم تتأثر، فتأثير المواعظ له أسباب منها: الموضوع، وحال الواعظ، وانفعاله.
" قَالَ أوصيكُم بِتَقوَى الله ﷿" هذه الوصية مأخوذة من قول الله تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) (النساء: الآية١٣١) فتقوى الله رأس كل شيء.
ومعنى التقوى: طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه على علم وبصيرة.
ولهذا قال بعضهم في تفسيرها: أن تعبد الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما حرم الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله.
وقال بعضهم:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واعمل كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى
لاتحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
" وَالسَّمعُ والطَّاعَة" أي لولاة الأمر بدليل قوله وَإِن تَأمَّر عَليكُم والسمع والطاعة بأن تسمع إذا تكلم، وأن تطيع إذا أمر، وسيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد حكم هذه الجملة العظيمة، لكن انظر أن النبي ﷺ خصها بالذكر بعد ذكر التقوى مع أن السمع والطاعة من تقوى الله لأهميتها ولعظم التمرد عليها.
" وَإن تَأمَّر عَلَيكُم" أي صار أميرًا "عبد" أي مملوكًا.
"فَإِنَّهُ مَن يَعِش مِنكُم" أي تطول به الحياة "فَسَيَرى" والسين هنا للتحقيق اختِلاَفًا كَثيرًا في العقيدة، وفي العمل، وفي المنهج، وهذا الذي حصل، فالصحابة ﵃ الذين عاشوا طويلًا وجدوا من الاختلاف والفتن والشرور ما لم يكن لهم في الحسبان.
[ ٢٧٥ ]
ثم أرشدهم ﷺ إلى ما يلزمونه عند هذا الاختلاف، فقال: "فَعَلَيكُم بِسَّنتي" أي الزموا سنتي، والمراد بالسنة هنا: الطريقة التي هو عليها، فلا تبتدعوا في دين الله ﷿ ما ليس منه، ولا تخرجوا عن شريعته.
" وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَاشِدين" الخلفاء الذين يخلفون رسول الله ﷺ في أمته، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق ﵁.
فإن أبا بكر الصديق ﵁ هو الخليفة الأول لهذه الأمة، نص النبي ﷺ على خلافته نصًا يقرب من اليقين، وعامله بأمور تشير إلى أنه الخليفة بعده.
مثال ذلك: أتته امرأة في حاجة لها فوعدها وعدًا، فقالت: يا رسول الله إن لم أجدك؟ قال: "ائتِي أَبَا بَكر" (١) وقال: "يَأَبَى اللهُ وَرَسُولُهُ وَالمُؤمِنونَ إِلا أَبَا بَكرٍ" (٢) وأمر أن تسد جميع الأبواب المشرَّعة على المسجد إلا باب أبي بكر (٣)، وجعله خليفته في الصلاة بالمسلمين حين مرض (٤)، وهذه إمامة صغرى، يشير بذلك إلى أنه يتولى الإمامة الكبرى، وجعله أميرًا على الحجيج في السنة التاسعة خلفًا عنه. فهو الخليفة بالنص الذي يقرب من اليقين.
ثم الخليفة من بعده عمر بن الخطاب ﵁ لأنه أولى الناس بالخلافة بعد أبي بكر الصديق ﵁ فإنهما صاحبا رسول الله ﷺ وكان كثيرًا ما يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وجئت أنا وأبو بكر وعمر، فرأى أبو بكر ﵁ أن
_________________
(١) أخرجه البخاري - كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي ﷺ لو كنت متخذًا خليلًا، (٣٦٥٩) . ومسلم - كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق، (٢٣٨٦)، (١٠)
(٢) أخرجه البخاري - كتاب: المرضى، باب: ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع، (٥٦٦٦) . ومسلم - كتاب: فضائل الصحابة، من فضائل أبي بكر الصديق، (٢٣٨٧)، (١١) .
(٣) أخرجه البخاري- كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد، (٤٦٦) ومسلم - كتاب: فضائل الصحابة، من فضائل أبي بكر الصديق، (٢٣٨٢)، (٢) .
(٤) أخرجه البخاري - كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ)، (٣٣٨٥) . ومسلم - كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الغمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما من يصلي بالناس، (٤٢٠)، (١٠١) .
[ ٢٧٦ ]
أحق الناس بالخلافة عمر ﵁.
وخلافة عمر ﵁ ثابتة شرعًا لأنها وقعت من خليفة، ثم صارت الخلافة لعثمان ﵁ بمشورة معروفة رتبها عمر ﵁، ثم صارت بعد ذلك لعلي ﵁ هؤلاء هم الخلفاء الراشدون لا إشكال فيهم.
وقوله: "المهديين" صفة مؤكدة لما سبق، لأنه يلزم من كونهم راشدين أن يكونوا مهديين، إذ لا يمكن رشد إلا بهداية، وعليه فالصفة هنا ليست صفة احتراز ولكنها صفة توكيد وبيان علة، يعني أنهم رشدوا لأنهم مهديون.
"عَضُّوا عَلَيهَا" أي على سنتي وسنة الخلفاء "بالنَّوَاجِذِ" وهي أقصى الأضراس ومن المعلوم أن السنة ليست جسمًا يؤكل، لكن هذا كناية عن شدة التمسك بها، أي أن الإنسان يتمسك بهذه السنة حتى يعض عليها بأقصى أضراسه.
"وَإيَّاكُم" لما حث على التمسك بالسنة حذر من البدعة.
"وَإيَّاكُم وَمُحدَثَاتِ الأُمور" أي اجتنبوها، والمراد بالأمور هنا الشؤون، والمراد بالشؤون شؤون الدين، لا المحدثات في أمور الدنيا، لأن المحدثات في أمور الدنيا منها ما هو نافع فهو خير، ومنها ما هو ضار فهو شر، لكن المحدثات في أمور الدين كلها شر، ولهذا قال: "فَإِنَّ كُلَّ مُحدَثَةٍ بِدعَة" لأنها ابتدعت وأنشئت من جديد.
"كُل بِدعَةٍ ضَلالَة" أي كل بدعة في دين الله ﷿ فهي ضلالة.