قوله "جَاءَ رَجُلٌ" لم يعين اسمه، ومثل هذا لا حاجة إليه، ولاينبغي أن نتكلف بإضاعة الوقت في معرفة هذا الرجل، وهذا يأتي في أحاديث كثيرة، إلا إذا كان يترتب على معرفته بعينه اختلاف الحكم فلابد من معرفته.
وقوله: "دُلني عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَملتُهُ أَحَبَّني الله، وَأَحبَّني النَّاس" هذا الرجل طلب حاجتين عظيمتين، أولهما محبة الله ﷿ والثانية محبة الناس.
فدله النبي ﷺ على عمل معين محدد، فقال: "ازهَد في الدُّنيَا" والزهد في الدنيا الرغبة عنها، وأن لا يتناول الإنسان منها إلا ما ينفعه في الآخرة، وهو أعلى من الورع، لأن الورع: ترك ما يضر من أمور الدنيا، والزهد: ترك مالا ينفع في الآخرة، وترك ما لا ينفع أعلى من ترك ما يضر، لأنه يدخل في الزهد الطبقة الوسطى التي ليس فيها ضرر ولا نفع، فالزهد يتجنب مالا نفع فيه، وأما الوَرَع فيفعل ما أبيح له، لكن يترك ما يضره.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه - كتاب: الزهد، باب: الزهد في الدنيا، (٤١٠٢)
[ ٣١٨ ]
وقوله: "يُحِبكَ الله" هو بالجزم على أنه جواب: ازهَد
والدنيا: هي هذه الدار التي نحن فيها، وسميت بذلك لوجهين:
الوجه الأول: دنيا في الزمن.
الوجه الثاني: دنيا في المرتبة.
فهي دنيا في الزمن لأنها قبل الآخرة، ودنيا في المرتبة لأنها دون الآخرة بكثير جدًا، قال النبي ﷺ: "لَمَوضِعُ سوطِ أَحَدِكُم في الجَنَّةِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فيهَا" (١) وقال النبي ﷺ "ركعَتَا الفَجرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فيهَا" (٢) إذًا الدنيا ليست بشيء.
ولذلك لا تكاد تجد أنه يمر عليك شهر أو شهران أو أكثر إلا وقد أصبت بالسرور ثم أعقبه حزن، وما أصدق وصف الدنيا في قول الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر
وقوله: "وازهَد فيمَا عِندَ النَاس يُحِبكَ النَّاس" أي لا تتطلع لما في أيديهم، ارغب عما في أيدي الناس يحبك الناس، وهذا يتضمن ترك سؤال الناس أي أن لا تسأل الناس شيئًا، لأنك إذا سألت أثقلت عليهم، وكنت دانيًا سافلًا بالنسبة لهم، فإن اليد العليا المعطية خير من اليد السفلى الآخذة.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد - ج٥/ص٣٣٠، في مسند الأنصار عن أبي مالك سهل بن سعد، (٢٣١٨٣) . والبخاري - بلفظ " خير من الدنيا وما عليها"، كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل رباط يوم في سبيل الله، (٢٨٩٢) . والترمذي - بلفظ" وموضع سوط.." كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل المرابط، (١٦٦٤) .
(٢) أخرجه مسلم- كتاب: صلاةالمسافرين وقصرها، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر، والحث عليهما، وتخفيفهما، والمحافظةعليهما، وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما، (٧٢٥)، (٩٦)
[ ٣١٩ ]