١- أن الآثار عن الأمم السابقة قد تبقى إلى هذه الأمة، لقوله: إِنَّ مِمَا أَدرَكَ الناسُ مِن كَلاَمِ النُّبوَةِ الأُولَى وهذا هو الواقع.
وما سبق عن الأمم السابقة إما أن ينقل عن طريق الوحي في القرآن، أو في السنة، أو يكون مما تناقله الناس.
فأما في القرآن ففي قوله ﷿: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * َالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى* صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (الأعلى: ١٦-١٩)، وما جاءت به السنة فكثير، كثيرًا ما يذكر النبي ﷺ عن بني إسرائيل ما يذكر.
وأما ما يؤثر عن النبوة الأولى: فهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما شهد شرعنا بصحته، فهو صحيح مقبول.
القسم الثاني: ما شهد شرعنا ببطلانه، فهو باطل مردود.
[ ٢٠٧ ]
القسم الثالث: ما لم يرد شرعنا بتأييده ولا تفنيده، فهذا يتوقف فيه، وهذا هو العدل.
ولكن مع ذلك لا بأس أن يتحدث به الإنسان في المواعظ وشبهها إذا لم يخشَ أن يفهم المخاطَب أنه صحيح.
ومما نعلم أنه خطأ وباطل ما يذكر عن داود ﵊ حينما دخل محرابه- أي مكان صلاته - وجعل يتعبد وأغلق الباب، وكان قد جعله الله تعالى خليفة في الأرض يحكم بين الناس، فجاء الخصمان فلم يجدا الباب مفتوحًا، فتسورا الجدار فنزلا على داود، ففزع منهم، كعادة البشر، قالوا: لا تخف، وهذا يدل على أنهم أكثر من اثنين، فقالوا (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) (ص: ٢٢-٢٣)
هؤلاء خصوم ويقول: إن هذا أخي، وهذا أدب رفيع، لو كان في وقتنا هذا لقال إن هذا المجرم الظالم، لكن هذا قال: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) أي شاة (وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) (صّ: ٢٣) أي غلبني لأن عنده بيانًا وفصاحة.
قال داود: (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ* فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ) (ص: ٢٤-٢٥) .
زعم اليهود أن لداود ﵊ جنديًا له امرأة جميلة، وأرادها داود، ولكي يتوصل إليها أمر هذا الجندي أن يذهب في الغزو من أجل أن يقتل فيأخذ داود زوجته (١)
_________________
(١) انظر الروايات في ذلك في الدر المنثور للسيوطي (٧/١٥٥-١٦٣)
[ ٢٠٨ ]
وهذا لا شك أنه منكر، فهذا لا يقع من عامة الناس فكيف يقع من نبي؟ !! لكنهم افتروا على الله كذبًا وعلى رسله كذبًا.
فإن قال قائل: ما وجه قوله: (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) (ص: ٢٤) .
فالجواب: أن هذا الذي حصل من داود ﵇ فيه شيء من المخالفات، منها:
أولًا: أنه انحبس في محرابه عن الحكم بين الناس، وكان الله تعالى قد جعله خليفة يحكم بين الناس، ولكنه آثر العبادة القاصرة على الحكم بين الناس.
ثانيًا: أنه أغلق الباب مما اضطر الخصوم إلى أن يتسوروا الجدار، وربما يسقطون ويحصل في هذا ضرر.
ثالثًا: أنه ﵊ حكم للخصم قبل أن يأخذ حجة الخصم الآخر، فقال: (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) (ص: ٢٤) وهذا لا يجوز، أي لا يجوز للحاكم أن يحكم بقول أحد الخصمين حتى يسمع كلام الخصم الآخر، فعلم داود أن الله تعالى اختبره بهذه القصة فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب.
فما أثر عن بني إسرائيل في هذا نعلم أنه كذب، لأنه ينافي عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأخلاقهم، وما جاؤوا به من العدل.
٢- أن هذه الجملة: إِذا لَم تَستَحْيِ فاصنَع مَا شِئت مأثورة عمن سبق من الأمم، لأنها كلمة توجه إلى كل خلق جميل.
٣- الثناء على الحياء، سواء على الوجه الأول أو الثاني، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: الحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ (١)
_________________
(١) سبق تخريجه صفحة (١٦٢)
[ ٢٠٩ ]
والحياء نوعان:
الأول: فيما يتعلق بحق الله ﷿.
الثاني: فيما يتعلق بحق المخلوق.
أما الحياء فيما يتعلق بحق الله ﷿ فيجب أن تستحي من الله ﷿ أن يراك حيث نهاك، وأن يفقدك حيث أمرك.
وأما الحياء من المخلوق فأن تكفَّ عن كل ما يخالف المروءة والأخلاق.
فمثلًا: في المجلس العلمي لو أن إنسانًا في الصف الأول مدَّ رجليه، فإنه لا يعتبر حياءً لأن هذا يخالف المروءة، لكن لو كان مجلس بين أصحابه ومدَّ رجليه فإن ذلك لا ينافي المروءة، ومع هذا فالأولى أن يستأذن ويقول: أتأذنون أن أمدَّ رجلي؟.
ثم الحياء نوعان أيضًا من وجه آخر:
نوع غريزي طبيعي، ونوع آخر مكتسب.
النوع الأول: فإن بعض الناس يهبه الله ﷿ حياءً، فتجده حييًا من حين الصغر، لا يتكلم إلا عند الضرورة، ولا يفعل شيئًا إلا عند الضرورة، لأنه حيي.
النوع الثاني: مكتسب يتمرن عليه الإنسان، بمعنى أن يكون الإنسان غير حيي ويكون فرهًا باللسان، وفرهًا بالأفعال بالجوارح، فيصحب أناسًا أهل حياء وخير فيكتسب منهم، والأول أفضل وهو الحياء الغريزي.
ولكن اعلم أن الحياء خلق محمود إلا إذا منع مما يجب، أو أوقع فيما يحرم، فإذا منع مما يجب فإنه مذموم كما لو منعه الحياء من أن ينكر المنكر مع وجوبه، فهذا حياء مذموم، أنكر المنكر ولا تبالِ، ولكن بشرط أن يكون ذلك واجبًا وعلى حسب المراتب والشروط، وحياء ممدوح وهو الذي لا يوقع صاحبه في ترك واجب ولا في فعل محرم.
[ ٢١٠ ]
٤- أن من خلق الإنسان الذي لا يستحيي أن يفعل ما شاء ولا يبالي، ولذلك تجد الناس إذا فعل هذا الرجل ما يستحيى منه يتحدثون فيه ويقولون: فلان لا يستحيي فعل كذا وفعل كذا وفعل كذا.
٥- ومن فوائد الحديث على المعنى الثاني: أن ما لا يستحيى منه فالإنسان حل في فعله لقوله: إذَا لَم تَستَحْيِ فَاصنَع مَا شِئت.
٦- فيه الرد على الجبرية، لإثبات المشيئة للعبد. والله الموفق.
[ ٢١١ ]