. ١حرص الصحابة ﵃ على السؤال.
. ٢بيان غايات الصحابة ﵃، وأن غاية الشيء عندهم دخول الجنة، لا كثرة الأموال، ولا كثرة البنين، ولا الترفه في الدنيا، ولهذا لما قضى أحد الصحابة للنبي ﷺ حاجة قال له النبي ﷺ: اسْأل ماذا تريد؟ قال: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: "أِو غَيْرَ ذَلِكَ؟ " قال: هو ذاك، قال: "فَأَعِنِّيْ عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ" (١)، أي بكثرة الصلاة.
فهذا الرجل لم يسأل نقودًا ولا مواشي ولا قصورًا ولا حرثًا، بل سأل الجنة، مما يدل على كمال غاياتهم ﵃.
. ٣أن الإنسان إذا اقتصر على الصلاة المكتوبة فلا لوم عليه، ولا يحرم من دخول الجنة، لقوله: "أَرَأَيتَ إِذا صَليتُ المَكتوبَات".
فإن قال قائل: قال الإمام أحمد - ﵀- فيمن ترك الوتر: هو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة؟
فالجواب: أن كونه رجل سوء لا يمنعه من دخول الجنة، فهو رجل سوء ترك الوتر وأقله ركعة مما يدل على أنه مهمل ولا يبالي إذ لم يطلب منه ركعات كثيرة، بل ركعة
_________________
(١) أخرجه مسلم كتاب: الصوم، باب: فضل السجود والحث عليه، (٤٨٩)، (٢٢٦)
[ ٢١٧ ]
واحدة ومع ذلك يتركها.
. ٤أن الصلوات وكذلك الصوم من أسباب دخول الجنة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه (١) .
. ٥أن لا يمتنع الإنسان من الحلال، لقوله: "وَأَحلَلتُ الحَلال" فكون الإنسان يمتنع من الحلال لغير سبب شرعيٍّ مذموم وليس بمحمود.
. ٦إن الحرام: ما حرمه الله تعالى في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، وتحليل الحلال وتحريم الحرام هو عام في جميع المحللات وجميع المحرمات، ولهذا قال: أَدخُل الجَنة؟ قَالَ: نَعَم.
وفي هذا الحديث إشكال: أن الرجل قال: لم أزد على ذلك شيئًا. وقد قال له النبي ﷺ تدخل الجنة، مع أنه نقص من أركان الإسلام الزكاة والحج، والزكاة مفروضة قبل الصيام، يعني فلا يقال: لعل هذا الحديث قبل أن تفرض الزكاة، أما الحج فيمكن أن نقول إن هذا الحديث قبل فرض الحج، لكن لا يمكن أن نقول إنه قبل فرض الزكاة، فما الجواب عن هذا؟
الجواب أن يقال: لعل النبي ﷺ علم من حال الرجل أنه ليس ذا مال، وعلم أنه إذا كان ذا مال فسوف يؤدي الزكاة، لأنه قال: "وَحَرَّمتُ الحَرَام" ومنع الزكاة من الحرام.
أما الحج فما أسهل أن نقول: لعل هذا الحديث قبل فرض الحج، لأن الحج إنما فرض في السنة التاسعة أو العاشرة.
وأما قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (البقرة: الآية١٩٦) فهذا فرض إتمامه لا ابتدائه. وقد يقال: ذلك داخل في قوله: "حَرَّمتَ الحَرَامَ" لأن ترك الحج حرام وترك الزكاة حرام.
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب: الصوم، باب: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ونية، (١٩٠١) . ومسلم- كتاب: الصلاة، باب: الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، (٧٦٠)، (١٧٥)
[ ٢١٨ ]
٧أن الجواب بـ: نعم إعادة للسؤال، لأن قوله: أَأَدْخُلُ الجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ يعني تدخل الجنة، ولهذا لوسئل الرجل فقيل له: أطلّقتَ امرأتك؟ قال: نعم، فإنها تطلق لأن قوله: نعم، أي طلقتها.
ولو أوجب الولي عقد النكاح وقال للرجل: زوجتك ابنتي، فقلنا له: أَقَبلْتَ؟ قال: نعم، فإنه يكفي في القبول، لأن: نعم كإعادة السؤال.
وهكذا في كل موارد: نعم اعتبرها إعادة للسؤال.
ولو سئل: أوقفت بيتك؟ فقال: نعم، فيكون البيت وقفًا.
أبعتَ سيارتك على فلان؟ فقال: نعم، فيكون قد أقرّ بالبيع.
قال النووي - ﵀- ومعنى حَرَّمْتَ الحَرَامَ اجتنبته، ومعنى أَحْلَلْتَ الحَلالَ فعلته معتقدًا حِلَّهُ) . إهـ
وهناك معنى آخر غير الذي ذكره النووي - ﵀ وهو: أن تعتقد أن الحرام حرام ولابد، لأنك إذا لم تعتقد أن الحرام حرام فإنك لم تؤمن بالحكم الشرعي، وإذا لم تعتقد أن الحلال حلال فإنك لم تؤمن بالحكم الشرعي، فلابد من أن تعتقد الحلال حلالًا، والحرام حرامًا.
وتفسير النووي - ﵀- فيه شيء من القصور. والله أعلم.
[ ٢١٩ ]