هذا الحديث فيه فوائد كثيرة، فلو أراد الإنسان أن يستنبط مافيه من الفوائد منطوقًا ومفهومًا وإشارة لكتب مجلدًا، لكن نشير إشارة قليلة إلى ما يحضرنا إن شاء الله تعالى، فمنها:.
١بيان حسن خلق النبي ﷺ وأنه يجلس مع أصحابه ويجلسون إليه، وليس ينفرد ويرى نفسه فوقهم، بل إن الجارية تأخذ بيده حتى توصله إلى بيتها ليحلب لها الشاة من تواضعه ﷺ (١)
_________________
(١) ورد في معناه في حديث الهجرة عندما قدم النبي ﷺ خيمة أم معبد الخزاعية ولم يجد عندها طعامًا ولا شرابًا فحلب لها الشاة الضعيفة الهزيلة التي لا لبن لها بيديه الشريفتين بعد أن مسح على ضرعها، رواه الحاكم في المستدرك، كتاب: الهجرة، (٤٢٧٤)
[ ٥٦ ]
واعلم أنك كلما تواضعت لله ازددت بذلك رفعة، لأن من تواضع لله رفعه الله ﷿.
. ٢جواز جلوس الأصحاب إلى شيخهم ومن يفوقهم، لكن هذا بشرط: إذا لم يكن فيه إضاعة وقت على الشيخ ومن يفوقه علمًا. لأن بعض الناس يأتي إلى من يحافظ على وقته ويستغله في العلم، فيجلس عنده ويطيل الحديث، فالمحافظ على وقته، يتململ ويوري مثلًا بقصر الليل أو ما أشبه ذلك، ولكن الآخر لشدة محبته له والتحدث إليه يبقى.
. ٣إن الملائكة ﵈ يمكن أن يتشكلوا بأشكال غير أشكال الملائكة، لأن جبريل أتى بصورة هذا الرجل كما جاء في الحديث.
فإن قال قائل: وهل هذا إليهم، أو إلى الله ﷿؟
فالجواب: هذا إلى الله ﷿، بمعنى: أنه لايستطيع الملك أن يتزيَّى بزيّ الغير إلا بإذن الله ﷿.
. ٤الأدب مع المعلم كما فعل جبريل ﵇، حيث جلس أمام النبي ﷺ جلسة المتأدب ليأخذ منه.
. ٥جواز التورية لقوله: يامُحَمَّد) وهذه العبارة عبارة الأعراب، فيوري بها كأنه أعرابي، وإلا فأهل المدن المتخلقون بالأخلاق الفاضلة لاينادون الرسول ﷺ بمثل هذا..
٦فضيلة الإسلام، وأنه ينبغي أن يكون أول ما يسأل عنه، ولهذا كان النبي ﷺ إذا أرسل الرسل للدعوة إلى الله أمرهم أن يبدؤوا قبل كل شيء بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
. ٧إن أركان الإسلام هي هذه الخمسة، ويؤيده حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْس (١) وسيأتي شرحه.
_________________
(١) - أخرجه البخاري- كتاب: الإيمان، باب: (دعاؤكم إيمانكم) لقوله ﷿: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم) (٨) . ومسلم - كتاب: الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، (١٦)، (٢١)
[ ٥٧ ]
٨فضل الصلاة وأنها مقدمة على غيرها بعد الشهادتين.
. ٩الحث على إقامة الصلاة، وفعلها قويمة مستقيمة، وأنها ركن من أركان الإسلام.
. ١٠إن إيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من أركان الإسلام، وكذلك بقية الأركان.
ولو قائل قال: إذا ترك الإنسان واحدًا من هذه الأركان هل يكفر أم لا؟
فالجواب: أن نقول: إذا لم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله فهوكافر بالإجماع، ولا خلاف في هذا. وأما إذا ترك الصلاة والزكاة والصيام والحج أو واحدًا منها ففي ذلك خلاف، فعن الإمام أحمد - ﵀ - رواية: أن من ترك واحدًا منها فهو كافر، يعني: من لم يصلِّ فهو كافر، ومن لم يزكِّ فهو كافر، ومن لم يصم فهو كافر، ومن لم يحج فهو كافر.
لكن هذه الرواية من حيث الدليل ضعيفة.
والصواب: أن هذه الأربعة لا يكفر تاركها إلا الصلاة، لقول عبد الله بن شقيق - ﵀ - كان أصحاب النبي ﷺ لايرون شيئًا من الأعمال تركه كفرٌ إلا الصلاة ولذلك أدلة معروفة (١) .
وكذا لو أنكر وجوبها وهو يفعلها فإنه يكفر، لأن وجوبها أمرٌ معلوم بالضرورة من دين الإسلام.
وإذا تركها عمدًا فهل يقضيها أو لا؟
نقول: الموقت لا يقضى، فلو ترك الصلاة حتى خرج وقتها بلا عذر قلنا لا تقضها، لأنه لو قضاها لم تنفعه لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
_________________
(١) - فصل شيخنا- غفر الله له- مسألة حكم تارك الصلاة في مجموع الفتاوى المجلد الثاني عشر.
[ ٥٨ ]
(البقرة: الآية٢٢٩) والظالم لا يمكن أن يقبل منه، ومن أخرج الصلاة عن وقتها بلاعذر فهو ظالم. ولقول النبي ﷺ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَليْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ (١) .
وكذلك يقال في الصوم: فلو ترك الإنسان صوم يوم عمدًا بلا عذر ثم ندم بعد أن دخل شوال وأراد أن يقضيه، فإننا نقول له: لا تقضه، لأنك لو قضيته لم ينفعك، لكونك تعديت حدود الله، ولقول النبي ﷺ: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَليْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ
وعلى من ترك الصلاة بلا عذر حتى خرج الوقت، أوترك الصوم بلا عذر حتى خرج الوقت أن يكثر من الطاعات والاستغفار والعمل الصالح والتوبة إلى الله توبة نصوحًا.
أما الزكاة: إذا تركها الإنسان ثم تاب فإنه يزكي، نقول: زكِّ لأنه ليس للزكاة وقت محدد يقال فيه لاتزكي إلا في الشهر الفلاني.
ومن مات وهو لم يزكِّ تهاونًا، فهل تخرج الزكاة من ماله، أم لا؟
والجواب: الأحوط -والله أعلم- أن الزكاة تخرج، لأنه يتعلق بها حق أهل الزكاة فلا تسقط، لكن لاتبرأ ذمته، لأن الرجل مات علىعدم الزكاة.
والحج كذلك، لوتركه الإنسان القادر المستطيع تفريطًا حتى مات، فإنه لايحج عنه، لأنه لايريد الحج فكيف تُحج عنه وهو لايريد الحج.
وهنا مسألة: هل يجب على ورثته أن يخرجوا الحج عنه من تركته؟
والجواب: لا، لأنه لاينفعه ولم يتعلق به حق الغير كالزكاة، قال ابن القيم في تهذيب السنن: هذا هو الذي ندين الله به أوكلمة نحوها، وهو الذي تدل عليه الأدلة.
فيجب على الإنسان أن يتقي الله ﷿ لأنه إذا مات ولم يحج مع قدرته على الحج فإنه لوحُجَّ عنه ألف مرة لم تبرأ ذمته.
_________________
(١) سبق تخريجه صفحة (١٣)
[ ٥٩ ]
١١ الانتقال من الأدنى إلى الأعلى، فالإسلام بالنسبة للإيمان أدنى، لأن كل إنسان يمكن أن يسلم ظاهرًا، كما قال الله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) (الحجرات: الآية١٤) لكن الإيمان - اللهم حقق إيماننا- ليس بالأمر الهين فمحله القلب والاتصاف به صعب.
. ١٢ أن الإسلام غير الإيمان، لأن جبريل ﵇ قال: أخبرني عن الإسلام وقال: أخبرني عن الإيمان وهذا يدل على التغاير.
وهذه المسالة نقول فيها ما قال السلف: -
إن ذكر الإيمان وحده دخل فيه الإسلام، وإن ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان، فقوله تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا) (المائدة: الآية٣) يشمل الإيمان، وقوله تعالى: (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) (آل عمران: الآية٢٠) يشمل الإيمان.
كذلك الإيمان إذا ذكر وحده دخل فيه الإسلام، قال الله تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (الصف: الآية١٣) بعد أن ذكر (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) (الصف: الآية١١) قال: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (الصف: ١٣.
- أما إذا ذكرا جميعًا فيفترقان، ويكون الإسلام بالأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وعمل الجوارح، والإيمان بالأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وأعمالها. مثاله: هذا الحديث الذي معنا، ويدل على التفريق قول الله ﷿: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات: الآية١٤) .
فإن قال قائل: يرد على قولنا: إذا اجتمعا افترقا إشكال، وهو قول الله تعالى في قوم لوط: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ*فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الذّاريات: ٣٥-٣٦) فعبر بالإسلام عن الإيمان؟
فالجواب: أن هذا الفهم خطأ، وأن قوله: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
[ ٦٠ ]
يخص المؤمنين وقوله: (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) يعم كل من كان في بيت لوط، وفي بيت لوط من ليس بمؤمن، وهي امرأته التي خانته وأظهرت أنها معه وليست كذلك، فالبيت بيت مسلمين، لأن المرأة لم تظهر العداوة والفرقة، لكن الناجي هم المؤمنون خاصة، ولهذا قال: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وهم ما عدا هذه المرأة، أما البيت فهو بيت مسلم.
ويؤخذ من هذه الآية فائدة هي: أن البلد إذا كان المسيطر عليه هم المسلمون فهوبلد إسلامي وإن كان فيه نصارى أو يهود أومشركون أوشيوعيون، لأن الله تعالى جعل بيت لوط بيت إسلام مع أن امرأته كافرة، هذا هو التفصيل في مسألة الإيمان والإسلام.
والحاصل أنه إذا ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان، وإن ذكر الإيمان وحده دخل فيه الإسلام، وإن ذكرا جميعًا افترقا، فصار الأمر كما قال بعضهم: إن اجتمعا افترقا، إن افترقا اجتمعا ولهذا نظائر: كالمسكين والفقير، والبر والتقوى، فهذه الألفاظ إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت.
. ١٣ أن أركان الإيمان ستة كما سبق، وهذه الأركان تورث للإنسان قوة الطلب في الطاعة والخوف من الله ﷿.
. ١٤ أن من أنكر واحدًا من هذه الأركان الستة فهو كافر، لأنه مكذّب لما أخبر به رسول الله ﷺ.
. ١٥ إثبات الملائكة وأنه يجب الإيمان بهم.
وهنا مسألة: هل الملائكة أجسام، أم عقول، أم قوى؟
والجواب: الملائكة أجسام بلا شك، كما قال الله ﷿: (جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ) (فاطر: الآية١) وقال النبي ﷺ: أطت السماء والأطيط: صرير الرحل، أي إذا كان على البعير حمل ثقيل، تسمع له صريرًا من ثقل الحمل، فيقول ﵊:
[ ٦١ ]
وحق لها أن تئط، مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِع إِلاَّ وَفِيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ للهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِد (١) ويدل لهذا حديث جبريل ﵇: أنه له ستمائة جناح قد سد الأفق، والأدلة على هذا كثيرة.
وأما من قال: إنهم أرواح لا أجسام لهم، فقوله منكر وضلال، وأشد منه نكارةً من قال: إن الملائكة كناية عن قوى الخير التي في نفس الإنسان، والشياطين كناية عن قوى الشر، فهذا من أبطل الأقوال..
١٦ أنه لابد من الإيمان بجميع الرسل، فلو آمن أحد برسوله وأنكر من سواه فإنه لم يؤمن برسوله، بل هو كافر، واقرأ قول الله ﷿: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء: ١٠٥)
مع أنهم إنما كذبوا نوحًا ولم يكن قبله رسول، لكن تكذيب واحد من الرسل تكذيب للجميع. وكذلك تكذيب واحد من الكتب في أنه نزل من عند الله تكذيب للجميع.
. ١٧ إثبات اليوم الآخر الذي هو يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم.
وقد أنكر البعث كل المشركين، قال الله ﷿: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) (يّس: ٧٨) أي يتفتت، فأجاب الله ﷿ بأن أمر نبيه أن يقول: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) (يّس: ٧٩) فهذا دليل، ووجه كونه دليلًا: أن القادر على الإيجاد قادر على الإعادة، وقال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه) (الروم: الآية٢٧) فإذا كان ابتداء الخلق هينًا وأنتم أيها المشركون تقرون به فإعادته أهون، والكل هين على الله عزّ
_________________
(١) - أخرجه الإمام أحمد في مسنده- باب: الأنصار عن أبي ذر الغفاري، (٢١٨٤٨)، والترمذي - كتاب: الزهد، باب: في قول النبي ﷺ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، (٢٣١٢) . وابن ماجه -كتاب: الزهد، باب: الحزن والبكاء، (٤١٩٠) .
[ ٦٢ ]
وجل وهذا الدليل الأول في الرد على منكري البعث.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) يعلم كيف يخلق ﷿ ويقدر على خلقه، فكيف تقولون إن هذا ممتنع؟ ثم قال تعالى: (الذي جعل لكم) (يس: ٨٠) أي جعل لكم أيها المنكرون ولغيركم، (مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا) (يّس: الآية٨٠) معنى الآية: أن في بلاد الحجاز شجرًا يقال له المرخ والعفار يضربونه بالزند ثم يشتعل نارًا، مع أنه أخضر ورطب وبارد أبعد ما يكون عن النار، ومع ذلك تخلق منه النار، فالقادر على أن يخلق من الشيء ضده قادر على أن يعيد الشيء نفسه، ثم قال ﷾: (فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) (يّس: الآية٨٠) وهذا إلزام لهم، وليس أمرًا غريبًا عليكم بل أنتم تستعملونه.
الدليل الثالث: من الأدلة في الرد على منكري البعث قول الله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) (يّس: ٨١)
فالجواب: (بَلَى) (يس: ٨١) وقد أجاب ﷾ نفسه، لأن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس (وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) (يس: ٨١) أي ذو الخلق التام مع القدرة التامة: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّس: ٨٢) من كان أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، فلا يعجزه شيء، فإن أمر موجودًا أن يعدم عدِم، أومعدومًا أن يوجد وُجِد مهما كان.
وفي قصة موسى ﵇ لما وقف على البحر العميق أمره الله تعالى أن يضرب البحر فضربه مرة واحدة فانفلق وصار اثني عشر طريقًا يبسًا في الحال، فمن يقدر على أن يمايز بين الماء؟ لا يقدر أحد إلاالله ﷿ لأنه إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
وبهذه المناسبة أودّ أن أنبّه علىكلمة دارجة عند العوام، حيث يقولون (يا من أمره بين الكاف والنون) وهذا غلط عظيم، والصواب: (يا من أمره بعد الكاف والنون) لأن ما بين الكاف والنون ليس أمرًا، فالأمر لا يتم إلا إذا جاءت الكاف والنون لأن الكاف
[ ٦٣ ]
المضمومة ليست أمرًا والنون كذلك، لكن باجتماعهما تكون أمرًا.
فالصواب أن تقول: (يا من أمره -أي مأموره- بعد الكاف والنون) كما قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (يس: ٨٢-٨٣)
المهم أنه يجب علينا أن نؤمن باليوم الآخر وإن كانت العقول الضعيفة تستبعده، لأن الله تعالى إذا أمر حصل هذا فورًا، كما قال تعالى: (إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً) (يّس: الآية٥٣) فبصيحة واحدة تأتي الخلائق كلها.
. ١٨ أن تؤمن بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر معترك عظيم من زمن الصحابة إلى زماننا هذا، وسبق لنا أن له مراتب أربع وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، فلنتكلم عن كل واحد منها تفصيلًا، وذلك لأهميته: -
المرتبة الأولى: العلم
بأن تؤمن بأن الله ﷿ عالم بكل شيء جملة وتفصيلًا مما يتعلق بفعله بنفسه كالخلق والإحياء أو بفعل عباده، والأدلة على هذا كثيرة، قال الله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: الآية٢٨٢) وقال ﷿: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: ١٤)
والجواب: بلى.
وأما التفصيل ففي آية الأنعام قوله: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام: ٥٩)
فإن قال قائل: لدينا إشكال: مثل قول الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد: ٣١)
وقال الله ﷿: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْب) (المائدة: الآية٩٤) وقال: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا
[ ٦٤ ]
مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران: ١٤٢)
وأمثال هذه الآيات مشكلة، لأن ظاهرها تجدد علم الله ﷿ بعد وقوع الفعل؟
والجواب عن هذا الإشكال من أحد وجهين:
الوجه الأول: إن علم الله ﷿ بعد وقوعه غير علمه به قبل وقوعه، لأن علمه به قبل وقوعه علم بأنه سيقع، وعلمه به بعد وقوعه علم بأنه واقع، نظير هذا من بعض الوجوه: الله ﷿ مريد لكل شيء حتى المستقبل الذي لانهاية له، مريد له لاشك، لكن الإرادة المقارنة تكون عند الفعل: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّس: ٨٢)
فهاهنا إرادتان: إرادة سابقة، وإرادة مقارنة للفعل، فإذا أراد الله تعالى أن يخلق شيئًا فإنه يريده عند خلقه، لكن كونه أراد أن يخلق في المستقبل فهذا غير الإرادة المقارنة، كذلك العلم.
الوجه الثاني: (حَتَّى نَعْلَمَ) (محمد: ٣١) أي علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب، لأن علم الله الأزلي السابق لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، فالثواب والعقاب يكون بعد الامتحان والابتلاء، كما قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد: ٣١)
وحينئذ قد زال الإشكال ولله الحمد.
وقد قال غلاة القدرية: إن علم الله تعالى بأفعال العباد مستأنف حيث يقولون: الأمر أنف يعني مستأنف، فيقولون: إن الله لايعلم الشيء، إلا بعد وقوعه، فهؤلاء كفرة بلا شك لإنكارهم ما دلّ الكتاب والسنة عليه دلالة قطعية، وأجمع عليه المسلمون.
المرتبة الثانية: الكتابة وهي أنواع:
. ١الكتابة العامة في اللوح المحفوظ، كتب الله تعالى كل شيء.
. ٢ الكتابة العُمريّة، وهي أن الجنين في بطن أمه إذا تم له أربعة أشهر بعث الله إليه
[ ٦٥ ]
الملك الموكل بالأرحام، وأمرَ أن يكتب: أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد. فهذه كتابة عمرية لأنها مقيدة بالعمر، أي تكتب مرة واحدة، ولايعاد كتابتها.
. ٣ الكتابة الحولية، وهي التي تكون ليلة القدر، كما قال الله ﷿: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (الدخان: ٤)
يعني يبيّن ويفصل (كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) وليس أمر من أمر الله إلا وهو حكيم.
وذكر بعضهم: كتابة يومية، واستدل لذلك بقوله ﷿: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (الرحمن: ٢٩)
ولكن الآية ليست واضحة في هذا المعنى.
وهنا مسألة: هل الكتابة تتغير أو لاتتغير؟
الجواب: يقول رب العالمين ﷿: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (الرعد: ٣٩)
أي اللوح المحفوظ ليس فيه محو ولا كتاب، فما كتب في اللوح المحفوظ فهو كائن ولاتغيير فيه، لكن ما كتب في الصحف التي في أيدي الملائكة فهذا: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) قال ﷿: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود: الآية١١٤) .
وفي هذا المقام يُنكَرُ على من يقولون: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) فهذا دعاء بدعي باطل، فإذا قال: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) معناه أنه مستغن، أي افعل ما شئت ولكن خفف وهذا غلط، فالإنسان يسأل الله ﷿ رفع البلاء نهائيًا فيقول مثلًا: اللهم عافني، اللهم ارزقني وما أشبه ذلك.
وإذا كان النبي ﷺ قال: لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللَّهَمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ (١) فقولك: (لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللّطف فيه) أشد.
_________________
(١) - أخرجه البخاري - كتاب: التوحيد، باب: في المشيئة والإرادة، (٧٤٧٧)، ومسلم - كتاب: الذكر والدعاء، باب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاهان (٢٦٩٧)، (٨) .
[ ٦٦ ]
واعلم أن الدعاء قد يرد القضاء، كما جاء في الحديث: لًا يَرُدُّ القَدَرَ إِلاَّ الدُّعَاءُ (١) وكم من إنسانٍ افتقر غاية الافتقار حتى كاد يهلك، فإذا دعا أجاب الله دعاءه، وكم من إنسان مرض حتى أيس من الحياة فيدعو فيستجيب الله دعاءه.
قال الله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الانبياء: ٨٣)
فذكر حاله يريدُ أنّ اللهَ يكشفُ عنهُ الضُّرَّ، قال الله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ) (الانبياء: الآية٨٤)
المرتبة الثالثة: المشيئة:
ومعناها: أن تؤمن بأن كل كائن وجودًا أو عدمًا فهو بمشيئة الله، كالمطر، والجفاف، ونبات الأرض، والإحياء، والإماتة، وهذا لا إشكال فيه، وهو مشيئة الله ﷿ لفعله، وكذلك ما كان من فعل المخلوق فهو أيضًا بمشيئة الله، ودليل ذلك قوله تعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير: ٢٨-٢٩) وقال الله ﷿: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) (البقرة: ٢٥٣) وأجمع المسلمون على هذه الكلمة: (ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.)
ففعل العبد بمشيئة الله. ويرد إشكال وهو إذا كان فعل العبد بمشيئة الله صار الإنسان مجبرًا على العمل، لأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فيؤدي هذا الاعتقاد إلى مذهب الجبرية، وهو مذهب الجهمية.
* والجهمية: لهم ثلاث جيمات كلها فساد:
الجهم: وهذا يتعلق بالصفات، والجبر: يتعلق بالقدر، الإرجاء: يتعلق بالإيمان، ثلاث جيمات كلها لاخير فيها.
_________________
(١) -أخرجه البخاري- كتاب: القدر، باب: ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء، (٢١٣٩)، وابن ماجه - كتاب: المقدمة، باب: في القدر، (٩٠)، والإمام أحمد - في مسند الأنصار عن ثوبان، (٢٢٧٤٥) .
[ ٦٧ ]
ولهذا قول القائل: إذا كان كل شيء بمشيئة الله وبكتابة الله، فنحن مجبرين على أعمالنا؛ قولٌ لايخفى مافيه من الفساد، لأنه إذا كان الإنسان مجبرًا وفعل الفعل ثم عُذب عليه، ولهذا لو حدث من بشر لصاح الناس به، فكيف بالخالق ﷿؟
ولذلك يعتبر هذا القول من أبطل الأقوال، ونحن نشعر بأنهم لايجبرون على الفعل ولا على الترك، وأننا نفعل ذلك باختيارنا التام.
وبهذا التقرير يبطل هذا الاستفهام الحادث المحدث، هل الإنسان مسير أو مخير؟
وهذا سؤال غير وارد وعلى من يسأل هذا السؤال أن يسأل نفسه: هل أجبره أحد على أن يسأل هذا السؤال؟ وكلٌّ يعرف أن الإنسان مخير لا أحد يجبره، فعندما أحضر من بيتي إلى المسجد هل أشعر بأن أحدًا أجبرني؟ لا، وكذا عندما أتأخر باختياري لا أشعر بأن أحدًا أجبرني، فالإنسان مخيّر لا شك، لكن ما يفعله الإنسان نعلم أنه مكتوب من قبل، ولهذا نستدل على كتابة الله ﷿ لأفعالنا وإرادته لها وخلقه لها بعد وقوعها، أما قبل الوقوع فلا ندري، ولهذا قال الله ﷿: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إن الله عليم خبير) (لقمان: الآية٣٤) فإذا كان هذا هو الواقع بالنسبة للمشيئة: أن الله تعالى يشاء كل شيء لكن لا يجبر العباد، بل العباد مختارون فلا ظلم حينئذ، ولهذا إذا وقع فعل العبد من غير اختيار رُفِع عنه الإثم، إن كان جاهلًا أو مكرهًا أو ناسيًا، فإنه يُرفع عنه الإثم لأنه لم يختره.
ولهذا لما قال النبي ﷺ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّار قَالُوْا: يَا رَسُوْلَ اللهِ أَفَلا نَدَعُ العَمَلَ وَنَتَّكِلُ عَلَى مَا كُتِبَ، قَالَ: لا، اعْمَلُوْا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ -اللهم اجعلنا منهم- فَيُيَسَّرُوْنَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُوْنَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَة ثُمَّ قَرَأَ النبي ﷺ - مستدلًا ومقررًا لما قال- قول الله ﷿: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ
[ ٦٨ ]
وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (الليل: ٥-١٠) (١)
إذًا نعمل. الرّزق مكتوب ومراد لله، ومع ذلك الإنسان يسعى للرزق.
وكذا الولد مكتوب أي أن الإنسان سيولد له مكتوب، ومع ذلك فالإنسان يسعى لهذا ويطلب الأولاد بالنكاح، ولا يقول: سأنام على الفراش وإن كان الله مقدرًا لي الولد سيأتي به، فلو قال أحد هذا الكلام لقالوا: إنه مجنون.
كذلك العمل الصالح: اعمل عملًا صالحًا من أجل أن تدخل الجنة، ولا أحد يمنعك من الطاعة، ولا أحد يكرهك على المعصية.
وقد احتجّ المشركون بالقدر على شركهم، كما قال الله عنهم: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام: ١٤٨) .
والجواب: قال الله تعالى: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) (الأنعام: ١٤٨) فلم تقبل منهم هذه الحجة، لأن الله تعالى جعل ذلك تكذيبًا وجعل له عقوبة: (حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) .
فإن قال قائل: إن لدينا حديثًا أقرّ فيه النبي ﷺ الاحتجاج بالقدر، وهو أن آدم وموسى تحاجا -أي تخاصما- فقال موسى لآدم: أنت أبونا خيبتنا، أخرجتنا ونفسك من الجنة -لأن خروج آدم من الجنة من أجل أنه أكل من الشجرة التي نُهِيَ عن الأكل منها -فقال له آدم: أتلومني على شيء قد كتبه الله عليَّ قبل أن يخلقني، قال النبي ﷺ: حَجَّ آدَمُ مُوْسَى مرتين أو ثلاثًا وفي لفظ: فَحَجَّهُ آدَمُ (٢) يعني غلبه في الحجة.
هذا يتمسّك به من يحتجّ بالقدر على فعل المعاصي.
_________________
(١) - أخرجه البخاري- كتاب: التفسير، باب: قوله: (فأمام من أعطى واتقى) (الليل: ٥)، (٤٩٤٥)، ومسلم- كتاب: القدر، باب: خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، (٢٦٤٧)، (٦) .
(٢) - أخرجه البخاري- كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: وفاة موسى، (٣٤٠٩)، ومسلم - كتاب: القدر، باب: حجاج موسى وآدم ﵉، (٢٦٥٢)، (١٣)
[ ٦٩ ]
ولكن كيف المخرج من هذا والحديث في الصحيحين؟
أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - بجواب، وأجاب تلميذه ابن القيم - ﵀ - بجواب آخر.
شيخ الإسلام قال: إن آدم ﵊ فعل الذنب، وصار ذنبه سببًا لخروجه من الجنة، لكنه تاب من الذنب، وبعد توبته اجتباه الله وتاب عليه وهداه، والتائب من الذنب كمن لاذنب له، ومن المحال أن موسى ﵊وهو أحد أولي العزم من الرسل- يلوم أباه على شيء تاب منه ثم اجتباه الله بعده وتاب عليه وهداه، وإنما اللوم على المصيبة التي حصلت بفعله، وهي إخراج الناس ونفسه من الجنة، فإن سبب هذا الإخراج هو معصية آدم، على أن آدم ﵊ لاشك أنه لم يفعل هذا ليخرج من الجنة حتى يلام، فكيف يلومه موسى؟
وهذا وجه ظاهر في أن موسى ﵇ لم يرد لوم آدم على فعل المعصية، إنما على المصيبة التي هي من قدر الله وحينئذ يتبين أنه لاحجة في الحديث لمن يستدل على فعل المعاصي.
إذًا احتج على المصيبة وهي الإخراج من الجنة، ولهذا قال: أخرجتنا ونفسك من الجنة ولم يقل: عصيت ربك، فهنا كلام موسى مع أبيه آدم على المصيبة التي حصلت، وهي الإخراج من الجنة، وإن كان السبب هو فعل آدم. وقال ﵀: اللوم على المصائب وعلى المعائب إن استمر الإنسان فيها.
أما تلميذه ابن القيم - ﵀ - فأجاب بجواب آخر قال: إن اللوم على فعل المعصية بعد التوبة منها غلط، وإن احتجاج الإنسان بالقدر بعد التوبة من المعصية صحيح. فلو أن إنسانًا شرب الخمر، فجعلت تلومه وهو قد تاب توبة صحيحة وقال: هذا أمر مقدر عليَّ وإلا لست من أهل شرب الخمر، وتجد عنده من الحزن والندم على المعصية، فهذا يقول ابن القيم: لابأس به.
[ ٧٠ ]
وأما الاحتجاج بالقدر الممنوع فهو: أن يحتج بالقدر ليستمر على معصيته، كما فعل المشركون، أما إنسان يحتج بالقدر لدفع اللوم عنه مع أن اللوم قد اندفع بتوبته فهذا لابأس به.
وهذا الجواب جواب واضح يتصوره الإنسان بقرب، وإن كان كلام شيخ الإسلام - ﵀ - أسد وأصوب، لكن لامانع بأن يُجاب بما أجاب به العلامة ابن القيم.
وقال ابن القيم: نظير هذا أن النبي ﷺ حين طرق ابنته فاطمة وابن عمه عليًَّا ﵄ ليلًا فوجدهما نائمين، فقال: أَلاَ تُصَلِّيَانِ؟ فكأنه عاب عليهما، أي لماذا لم تقوما لصلاة التهجّد فقال علي ﵁: يَا رَسُوْلَ اللهِ إِنَّ أَنْفُسَنَا بِيَدِ اللهِ ﷿ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا؛ بَعَثَنَا، فَخَرَجَ النبي ﷺ وَهُوَ يَضْرِبُ عَلَى فَخِذِهِ وَيَقُوْلُ: وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا (١) لأن عليًّا ﵁ دافع عن نفسه بأمرٍ انتهى وانقضى.
ولو أن إنسانًا فعل معصية وأردنا أن نقيم عليه العقوبة حدًّا أو تعزيرًا وقال: أنا مكتوب عليَّ هذا. ولنفرض أنه زنا وقلنا: اجلدوه مائة جلدة وغربوه عامًا عن البلد، فقال: مهلًا، هذا شيء مكتوب عليَّ، أتنكرون هذا؟ فسنقول: لاننكره، فيقول: لالوم عليّ، فنقول: ونحن سنجلدك ونقول هذا مكتوب علينا.
وذكر أن سارقًا رفع إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فأمر بقطع يده، فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله، وهذا جواب صحيح، فقال عمر: ونحن لا نقطعك إلا بقدر الله، فغلبه عمر ﵁، بل نقول: إننا نقطع يده بقدر الله وشرع الله، فالسارق سرق بقدر الله، لكن لم يسرق بشرع الله، ونحن نقطع يده بقدر الله وشرع الله، ولكن عمر ﵁ سكت عن مسألة الشرع من
_________________
(١) - أخرجه البخاري- أبواب: التهجد، باب: ترك القيام للمريض، (١١٢٧)، ومسلم - كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: ما روى فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، (٧٧٥)، (٢٠٦) .
[ ٧١ ]
أجل أن يقابل هذا المحتج بمثل حجته.
فتبين الآن أن الاحتجاج بالقدر على المعاصي باطل، والاحتجاج بالقدر على فوات المطلوب باطل أيضًا، ولذلك نرى الناس الآن يتسابقون إلى الوظائف باختيارهم ولا يفوتونها، ولو أن الإنسان تقاعس ولم يتقدم لامه الناس على هذا، مما يدل دلالة واضحة على أن الإنسان له إرادة وله اختيار.
فبطل بذلك احتجاج العاصي بقدر الله على معاصي الله، ونقول له: أنت قدرت الآن أن الله قد كتب عليك المعصية فعصيت، فلماذا لم تقدر أن الله كتب لك الطاعة وأطعت، لأن القدر سر مكتوم لا يعلمه إلا الله، ولا نعلم ماذا قضى الله وقدر إلا بعد الوقوع، فإذا كنت أقدمت على المعصية فلماذا لم تقدم على الطاعة وتقول إنها بقضاء الله وقدره.
والأمر والحمد لله واضح، ولولا ما أثير حول القضاء والقدر لكان لا حاجة إلى البحث فيه لأنه واضح جدًا، وأنه لا حجة بالقدر على المعاصي ولا على ترك الواجبات.
المرتبة الرابعة: الخلق:
فكل مافي الكون فهو مخلوق لله ﷿، بالنسبة لما يحدثه الله تعالى من فعله فهو واضح: كالمطر وإنبات الأرض وما أشبه ذلك، فهو مخلوق لله تعالى لا شك.
لكن بالنسبة لفعل العبد، هل هو مخلوق لله أم لا؟
الجواب: نعم مخلوق لله، فحركات الإنسان وسكناته كلها مخلوقة لله، ووجه ذلك:
أولًا: أن الله ﷿ خلق الإنسان وأعطاه إرادة وقدرة بهما يفعل، فسبب إيجاد العبد لما يوجده الإرادة الجازمة والقدرة التامة، وهاتان الصفتان مخلوقتان لله، وخالق السبب خالق للمسبب.
ثانيًا: أن الإنسان إنسان بجسمه ووصفه، فكما أنه مخلوق لله بجسمه فهو مخلوق له
[ ٧٢ ]
بوصفه، ففعله مخلوق لله ﷿، كما أن الطول والقصر والبياض والسواد والسمن والنحافة كلها مخلوقة لله فهكذا أيضًا أفعال الإنسان مخلوقة لله، لأنها صفة من أوصافه، وخالق الأصل خالق للصفة.
ويدل لهذا قول إبراهيم ﵇ لقومه: (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ* وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات: ٩٥-٩٦) تحتمل معنيين:
المعنى الأول: أن تكون (ما) مصدرية والمعنى: خلقكم وخلق عملكم، وهذا نص في أن عمل الإنسان مخلوق لله تعالى.
والمعنى الثاني: أن تكون (ما) اسمًا موصولًا، ويكون المعنى: خلقكم وخلق الذي تعملونه؟ فكيف يمكن أن نقول: إن الآية دليل على خلق أفعال العباد على هذا التقدير؟
والجواب: أنه إذا كان المعمول مخلوقًا لله، لزم أن يكون عمل الإنسان مخلوقًا، لأن المعمول كان بعمل الإنسان، فالإنسان هو الذي باشر العمل في المعمول، فإذا كان المعمول مخلوقًا لله، وهو فعل العبد، لزم أن يكون فعل العبد مخلوقًا فيكون في الآية دليل على خلق أفعال العباد على كلا الاحتمالين.
ومن فوائد هذا الحديث:
. ١٩أن القدر ليس فيه شر، وإنما الشر في المقدور، وتوضيح ذلك بأن القدر بالنسبة لفعل الله كله خير، ويدل لهذا: قول النبي ﷺ: وَالشّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ (١) أي لاينسب إليك، فنفس قضاء الله تعالى ليس فيه شرٌّ أبدًا، لأنه صادر عن رحمة وحكمة، لأن الشر المحض لا يقع إلا من الشرير، والله تعالى خير وأبقى.
إذًا كيف نوجّه وتؤمن بالقدر خيره وشرّه؟
الجواب: أن نقول: المفعولات والمخلوقات هي التي فيها الخير والشر، أما أصل فعل
_________________
(١) - أخرجه مسلم - كتاب: الصلاة، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه، (٧٧١)، (٢٠١) .
[ ٧٣ ]
الله تعالى وهو القدر فلا شرّ فيه، مثال ذلك: قول الله ﷿: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) (الروم: الآية٤١) هذا بيان سبب فساد الأرض، وأما الحكمة فقال: (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: الآية٤١) إذن هذه مصائب من جدب في الأرض ومرض أو فقر، ولكن مآلها إلى خير، فصار الشرّ لايضاف إلى الرب، لكن يضاف إلى المفعولات والمخلوقات مع أنها شر من وجه وخير من وجه آخر، فتكون شرًا بالنظر إلى ما يحصل منها من الأذية، ولكنها خير بما يحصل منها من العاقبة الحميدة (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١) .
ومن الحكمة أن يكون في المخلوق خير وشر، لأنه لولا الشر ما عُرف الخير، كما قيل: (وبضدها تتبين الأشياء) فلو كان الناس كلهم على خير ما عرفنا الشر، ولو كانوا كلهم على شر ما عرفنا الخير، كما أنه لا يعرف الجمال إلا بوجود القبيح، فلو كانت الأشياء كلها جمالًا ما عرفنا القبيح.
إذا إيجاد الشر لنعرف به الخير، لكن كون الله تعالى يوجد هذا الشر ليس شرًا، فهنا فرق بين الفعل والمفعول، ففعل الله الذي هو تقديره لا شر فيه، ومفعوله الذي هو مُقدرهُ ينقسم إلى خير وشر، وهذا الشر الموجود في المخلوق لحكمة عظيمة.
فإذا قال قائل: لماذا قدر الله الشر؟
فالجواب: أولًا: ليُعرف به الخير.
ثانيًا: من أجل أن يلجأ الناس إلى الله ﷿.
ثالثًا: من أجل أن يتوبوا إلى الله.
فكم من إنسان لا يحمله على الورد ليلًا أو نهارًا إلا مخافة شرور الخلق، فتجده يحافظ على الأوراد لتحفظه من الشرور، فهذه الشرور في المخلوقات لتحمل الإنسان على الأذكار والأوراد وما أشبهها، فهي خير.
[ ٧٤ ]
ولنضرب مثلًا في رجل له ابن مشفق عليه تمامًا، وأصيب الابن بمرض وكان من المقرر أن يكوى هذا الابن بالنار، ولا شك أن النار مؤلمة للابن، لكن الأب يكويه لما يرجو من المصلحة بهذا الكي، مع أن الكي في نفسه شر، لكن نتيجته خير.
وإذا علمت أن فعل الله ﷿ الذي هو فعله كله خير اطمأننت إلى مقدور الله ﷿ واستسلمت تمامًا، وكنت كما قال الله ﷿: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) (التغابن: الآية١١) قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
والإنسان إذا رضي بالقدر حقًا استراح من الحزن والهم، بدليل قول الرسول ﷺ: المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعِيْفِ، وَفِيْ كُلٍّ خَيْر، اِحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وِاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أَنِّيْ فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا، فَإِنَّ - لَوْ - تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ (١) فأمر النبي ﷺ بالحرص على ما ينفع، ثم إذا اختلفت الأمور فقل: هذا قدر الله وما شاء فعل.
وليس المراد بقول النبي ﷺ: المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعِيْفِ قوي العضلات، بل المراد: المؤمن القوي في إيمانه لا في جسمه، فكم من إنسان قوي الجسم لكن لا خير فيه، وبالعكس. وبهذه المناسبة لو كتبت هذه الجملة المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعِيْفِ على لوحة كبيرة فوق ملعب رياضي، على أن المراد بالمؤمن القوي قوي العضلات فإن هذا لايجوز
فالمهم أن الشر لاينسب إلى الله تعالى، لأن النبي ﷺ قال: وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ (٢) وإنما ينسب الشر إلى المخلوقات، قال الله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ* مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) (الفلق: ١-٢) فالشرّ ينسب إلى المخلوقات.
_________________
(١) - أخرجه مسلم - كتاب: القدر، باب: في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، (٢٦٦٤)، (٣٤)
(٢) - أخرجه مسلم - كتاب: صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه، (٧٧١)، (٢٠١) .
[ ٧٥ ]
وهنا مسألة: هل في تقدير المخلوقات الشريرة حكمة؟
والجواب: نعم، حكمة عظيمة، ولولا هذه المخلوقات الشريرة ما عرفنا قدر المخلوقات الخيّرة، فالذئب مثلًا صغير الجسم بالنسبة للبعير، ومع ذلك الذئب يأكل الإنسان كما قال الله تعالى في سورة يوسف علىلسان يعقوب ﵇: (وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) (يوسف: الآية١٣) ومعلوم أن البعير لا يأكل الإنسان، بل إن البعير القوي الكبير الجسم ينقاد للصبي الصغير، قال الله ﷿: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ*وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) (يس: ٧١-٧٢) فتأمل الحكمة البالغة أن الله تعالى خلق الإبل، وهي أجسام كبيرة، وأمرنا الله تعالى أن نتدبر حيث قال: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) (الغاشية: ١٧)
وخلق الذئاب وأشباهها مما يؤذي بني آدم حتى يعلم الناس بذلك قدرة الله ﷿، وأن الأمور كلها بيده.
٢٠- أن الساعة لا يعلمها أحد إلا الله ﷿، لأن أفضل الرسل من الملائكة سأل أفضل الرسل من البشر عنها، فقال: ما المَسْؤولُ عَنْهَا بَأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ.
ويترتب على هذه الفائدة أنه لو صدَّق أحد من الناس شخصًا ادعى أن الساعة تقوم في الوقت الفلاني، فإنه يكون كافرًا، لأنه مكذب للقرآن والسنة.
. ٢١عظم الساعة، ولهذا جاءت لها أمارات وعلامات حتى يستعد الناس لها - رزقنا الله وإياكم الاستعداد لها -.
. ٢٢أننا إذا كنا لانعلم الشيء فإننا نطلب ما يكون من علاماته، لأن جبريل ﵇ قال: أخبرني عن أماراتها.
٢٣ضرب المثل بما ذكره النبي ﷺ: أن تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا وفي لفظ: ربَّهَا والعلامة الثانية: أنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رُعَاءَ الشَّاءِ يَتْطَاوَلُوْنَ فَي البُنْيَانِ.
[ ٧٦ ]
فإن قال قائل: لم يذكر النبي ﷺ أمارات أخرى أوضح من هذا؟
فالجواب: أن العلامات الأخرى بيّنة واضحة لا يحتاج السؤال عنها، ولذلك عدل النبي ﷺ عنها إلى ذكر هذه الصورة.
. ٢٤أن الملائكة يمشون إذا تحولوا إلى بشر، لقوله: ثم انْطَلَقَ
وهل يمشون إذا كانوا على صفةالخلق الذي خلقواعليه؟
الجواب: قال الله ﷿: (قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا) (الاسراء: ٩٥)
ولهم أجنحة يطيرون بها، كما قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) (فاطر: ١)
. ٢٥إلقاء العالم على طلبته ما يخفى عليهم، لقول النبي ﷺ: أَتَدْرُوْنَ مَنِ السَّائِل
. ٢٦أن السائل عن العلم يكون معلمًا لمن سمع الجواب، لأن النبي ﷺ قال: فإنه جبريل أَتَاكُم يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ مع أن الذي علمهم النبي ﷺ لكن لما كان سؤال جبريل هو السبب جعله هو المعلم.
ويتفرع على هذا: أنه ينبغي لطالب العلم إذا كان يعلم المسألة وكان من المهم معرفتها أن يسأل عنها وإن كان يعلمها، وإذا سأل عنها وأجيب صار هو المعلم.
. ٢٧أن السبب إذا بني عليه الحكم صار الحكم للسبب، ولهذا ذكر العلماء لهذه القاعدة مسائل كثيرة منها:
لو شهد رجلان على شخص بما يوجب قتله من ردة أو حرابة، ثم حكم القاضي بذلك ثم رجعوا وقالوا: تعمدنا قتله، فإن هؤلاء الشهود يقتلون، لأن الحكم مبني على شهادتهم وهم السبب.
ولكن إذا اجتمع متسبب ومباشر فالضمان على المباشر إلا إذا تعذرت إحالة
[ ٧٧ ]
الضمان عليه، فيكون على المتسبب، مثال ذلك:
رجل حفر حفرة في الطريق فوقف عليها رجل فجاء رجل ثالث فدفع الرجل وسقط في الحفرة ومات، فالضمان على الدافع، لأنه هو المباشر.
مثال آخر: رجل ألقى بشخص بين يدي الأسد فأكله، فالمباشر هنا هو الأسد، والمتسبب الرجل الذي ألقى الآخر بين يدي الأسد، فالضمان على الرجل لتعذر إحالة الضمان على الأسد.
. ٢٨-أن ما ذكر في هذا الحديث هو الدين، لقوله: يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ ولكن ليس على سبيل التفصيل، بل على سبيل الإجمال.
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قال: الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ ثلاث مرات: للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُوله، وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ، وَعَامَّتِهِمْ (١)؟
فالجواب: بلى، لكن هذه النصيحة لا تخرج عما في حديث جبريل، لأنها من الإسلام.
_________________
(١) - أخرجه البخاري تعليقًا- كتاب: الإيمان، باب: قول النبي ﷺ: «الدين النصيحة»، ص (٣٥) طبعة بيت الأفكار الدولية. وأخرجه مسلم- كتاب: الإيمان، باب: بيان أن الدين النصيحة، (٥٥)، (٩٥)
[ ٧٨ ]