١مشروعية الموعظة، ولكن ينبغي أن تكون في محلها، وأن لا يكثر فيُمِل، لأن الناس إذا ملوا ملوا الواعظ والموعظة، وتقاصرت هممهم عن الحضور، ولهذا كان النبي ﷺ يتخول أصحابه بالموعظة، وكان بعض الصحابة يعظ أصحابه كل يوم خميس، يعني
[ ٢٧٧ ]
في الأسبوع مرة.
. ٢أنه ينبغي للواعظ أن تكون موعظته مؤثرة باختيار الألفاظ الجزلة المثيرة، وهذا على حسب الموضوع، فإن كان يريد أن يعظ الناس لمشاركة في جهاد أو نحوه فالموعظة تكون حماسية، وإن كان لعمل الآخرة فإن الموعظة تكون مرققة للقلوب.
. ٣أن المخاطب بالموعظة إذا كانت بليغة فسوف يتأثر لقوله: "وَجِلَت مِنهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَت مِنهَا العُيونُ".
. ٤أن القلب إذا خاف بكت العين، وإذا كان قاسيًا، نسأل الله ﷿ أن يبعدنا وإياكم من قسوة القلب، لم تدمع العين.
. ٥أنه جرت العادة أن موعظة المودع تكون بليغة مؤثرة، لأن المودع لن يبقى عند قومه حتى يكرر عليهم الموعظة فيأتي بموعظة مؤثرة يُذَكر بها بعد ذلك لقولهم: "كَأَنَّهَا مَوعِظَةُ موَدِّعٍ".
. ٦طلب الإنسان من العالم أن يوصيه، لقولهم ﵃ "فَأَوصِنَا".
ولكن هل هذا يكون بدون سبب، أو إذا وجد سبب لذلك؟
الظاهر الثاني: بمعنى أنه ليس كلما قابلت أحدًا تقول: أوصني، فإن هذا مخالف لهدي الصحابة فيما يظهر، لكن إذا وجد سبب كإنسان قام وعظ وبيَّن فلك أن تقول أوصنا وأما بدون سبب فلا، ومن ذلك السفر، أي إذا أراد الإنسان أن يسافر وقال مثلًا للعالِم أوصني، فهذا مشروع.
. ٧أن أهم ما يوصى به العبد تقوى الله ﷿ لقوله: "أُوصيكُم بِتَقوَى الله".
. ٨فضيلة التقوى حيث كانت أهم وأولى وأول ما يوصى به العبد..
٩وصية النبي ﷺ بالسمع والطاعة لولاة الأمور، والسمع والطاعة لهم واجب
[ ٢٧٨ ]
بالكتاب والسنة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: الآية٥٩) فجعل طاعة أولي الأمر في المرتبة الثالثة ولكنه لم يأت بالفعل (أطيعوا) لأن طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ، ولهذا لو أمر ولاة الأمور بمعصية الله ﷿ فلا سمع ولا طاعة.
وظاهر الحديث وجوب السمع والطاعة لولي الأمر وإن كان يعصي الله ﷿ إذا لم يأمرك بمعصية الله ﷿، لأن النبي ﷺ قال: "اسمَع وَأَطِع وَإِن ضَرَبَ ظَهرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ" (١) وضرب الظهر وأخذ المال بلا سبب شرعي معصية لا شك، فلا يقول الإنسان لولي الأمر: أنا لا أطيعك حتى تطيع ربك، فهذا حرام، بل يجب أن يطيعه وإن لم يطع ربه.
أما لو أمر بالمعصية فلا سمع ولا طاعة، لأن رب ولي الأمر ورب الرعية واحد ﷿، فكلهم يجب أن يخضعوا له ﷿، فإذا أمرنا بمعصية الله قلنا: لا سمع ولا طاعة.
. ١٠ثبوت إمرة العبد، لقوله: "وَإِن تَأَمرَ عَلَيكُم عَبدٌ" ولكن هل يلزم طاعة الأمير في كل شيء، أو فيما يتعلق بالحكم؟
الجواب: الثاني، أي فيما يتعلق بالحكم ورعاية الناس، فلو قال لك الأمير مثلًا: لا تأكل اليوم إلا وجبتين. أو ما أشبه ذلك فلم يجب عليك أن توافق إلا أنه يحرم عليك أن تنابذ، بمعنى أن تعصيه جهارًا لأن هذا يفسد الناس عليه..
١١وجوب طاعة الأمير وإن لم يكن السلطان، لقوله: "وَإِن تَأَمرَ عَلَيكُم" ومعلوم أن الأمة الإسلامية من قديم الزمان فيها خليفة وهو السلطان، وهناك أمراء للبلدان، وإذا وجبت طاعة الأمير فطاعة السلطان من باب أولى.
_________________
(١) أخرجه مسلم كتاب: الأمارة، باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة، (١٨٤٧)، (٥٢)
[ ٢٧٩ ]
وهنا سؤال يكثر: إذا أمَّر الناس عليهم أميرًا في السفر، فهل تلزمهم طاعته؟
فالجواب: نعم، تلزمهم طاعته، وإذا لم نقل بذلك لم يكن هناك فائدة من تأميره، لكن طاعته فيما يتعلق بأمور السفر لا في كل شيء، إلا أن الشيء الذي لا يتعلق بأمور السفر لا تجوز منابذته فيه، مثال ذلك:
لو قال أمير السفر: اليوم كل واحد منكم يلبس ثوبين لأنه سيكون الجو باردًا. فهنا لا تلزم طاعته، لكن لا تجوز منابذته بمعنى: لا يجوز لأحد أن يقول لن ألبس ثوبين، لأن مجرد منابذة ولاة الأمور تعتبر معصية.
. ١٢ظهور آية من آيات النبي ﷺ في قوله: "فَإِنَّهُ مَن يَعِش مِنكُم فَسَيَرَى اختِلافًا كَثيرًَا" فقد وقع الأمر كما أخبر به النبي ﷺ.
فإن قيل: وهل يمكن أن نطبق هذه الجملة في كل زمان، بمعنى أن نقول: من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا؟
فالجواب: لا نستطيع أن نطبقها في كل زمان، لكن الواقع أن من طال عمره رأى اختلافًا كثيرًا.
كان الناس فيما سبق أمة واحدة، حزبًا واحدًا، ليس هناك تشتت ولا تفرق ثم اختلفوا، في بلادنا هذه كان الناس منقادين لأمرائهم، منقادين لعلمائهم حتى إن الرجل يأتي مع خصمه إلى القاضي وهو يرى أن الحق له فيحكم القاضي عليه، ثم يذهب مطمئن القلب مستريحًا، وإذا قيل له: يا فلان كيف غلبك خصمك؟ قال: الشرع يُخْلِفُ. والآن الأمر بالعكس، تجد الخصم إذا حُكِم عليه والحكم حق ذهب يماطل، ويطالب برفع المعاملة للتمييز، ومجلس القضاء الأعلى وإن كان يرى الحق عليه وليس له لكن يريد أن يضر بصاحبه، والاختلاف الآن وقع، أحص مثلًا أفكار الناس لا تكاد تحصيها، منهم من فكره إلحاد، ومنهم من فكره دون ذلك، ومنهم من فكره سيء في الأخلاق،
[ ٢٨٠ ]
ومنهم من دون ذلك.
. ١٣وجوب التمسك بسنة النبي ﷺ عند الاختلاف، لقوله: "فَعَلَيكُم بِسنَّتي" والتمسك بها واجب في كل حال لكن يتأكد عند وجود الاختلاف.
. ١٤أنه يجب على الإنسان أن يتعلم سنة النبي ﷺ، وجه ذلك: أنه لا يمكن لزومها إلا بعد علمها وإلا فلا يمكن.
. ١٥أن للخلفاء سنة متبعة بقول النبي ﷺ، وعلى هذا فما سنه الخلفاء الراشدون أُعتبر سنة للرسول ﷺ بإقراره إياهم، ووجه كونه أقره أنه أوصى باتباع سنة الخلفاء الراشدين.
وبهذا نعرف سفه هؤلاء القوم الذين يدعون أنهم متبعون للسنة وهم منكرون لها، ومن أمثلة ذلك:
قالوا: إن الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، لأنه ليس معروفًا في عهد النبي ﷺ إنما هو من سنة عثمان ﵁، فيقال لهم: وسنة عثمان ﵁ هل هي هدر أو يؤخذ بها مالم تخالف سنة الرسول ﷺ؟
الجواب: الثاني لا شك، عثمان ﵁ لم يخالف الرسول ﷺ في إحداث الأذان الأول، لأن السبب الذي من أجله أحدثه عثمان ﵁ ليس موجودًا في عهد النبي ﷺ، ففي عهد النبي ﷺ كانت المدينة صغيرة، متقاربة، لا تحتاج إلى أذان أول، أما في عهد عثمان ﵁ اتسعت المدينة وكثر الناس وصار منهم شيء من التهاون فاحتيج إلى أذان آخر قبل الأذان الذي عند مجيء الإمام.
وهذا الذي فعله عثمان ﵁ حق وسنة النبي ﷺ، ثم إن له أصلًا من سنة النبي ﷺ وهو أنه في رمضان كان يؤذن بلال وابن أم مكتوم ﵁، بلال ﵁ يؤذن قبل الفجر، وبيَّن النبي ﷺ أن أذانه لا لصلاة الفجر ولكن ليوقظ النائم،
[ ٢٨١ ]
ويرجع القائم للسحور (١)، فعثمان ﵁ زاد الأذان الأول من أجل أن يقبل الناس البعيدون إلى المسجد ويتأهبوا فهو إذًا سنة من وجهين:
من جهة أن النبي ﷺ أمر باتباع سنة الخلفاء ورأي عثمان ﵁ خير من رأينا.
ومن جهة أخرى أن له أصلًا في سنة النبي ﷺ.
. ١٦أنه إذا كثرت الأحزاب في الأمة فلا تنتم إلى حزب، فقد ظهرت طوائف من قديم الزمان مثل الخوارج والمعتزلة والجهمية والرافضة، ثم ظهرت أخيرًا إخوانيون وسلفيون وتبليغيون وما أشبه ذلك، فكل هذه الفرق اجعلها على اليسار وعليك بالأمام وهو ما أرشد إليه النبي ﷺ في قوله: "عَلَيكُم بِسُنَّتي وَسُنَّة الخُلَفَاء الرَاشِدين"
ولا شك أن الواجب على جميع المسلمين أن يكون مذهبهم مذهب السلف لا الانتماء إلى حزب معين يسمى السلفيين، والواجب أن تكون الأمة الاسلامية مذهبها مذهب السلف الصالح لا التحزب إلى من يسمى (السلفيون) فهناك طريق السلف وهناك حزب يسمى (السلفيون) والمطلوب اتباع السلف، إلا أن الإخوة السلفيين هم أقرب الفرق إلى الصواب ولكن مشكلتهم كغيرهم أن بعض هذه الفرق يضلل بعضًا ويبدعه ويفسقه، ونحن لا ننكر هذا إذا كانوا مستحقين، لكننا ننكر معالجة هذه البدع بهذه الطريقة، والواجب أن يجتمع رؤساء هذه الفرق، ويقولون: بيننا كتاب الله ﷿ وسنة رسوله فلنتحاكم إليهما لا إلى الأهواء والآراء، ولا إلى فلان أو فلان، فكلٌّ يخطئ ويصيب مهما بلغ من العلم والعبادة ولكن العصمة في دين الإسلام.
فهذا الحديث أرشد فيه النبي ﷺ إلى سلوك طريق مستقيم يسلم فيه الإنسان، ولا
_________________
(١) أخرجه البخاري - كتاب: الأذان، باب: الأذان قبل الفجر، (٦٢٢) . ومسلم - كتاب: الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر، (١٠٩٢)، (٣٨)
[ ٢٨٢ ]
ينتمي إلى أي فرقة إلا إلى طريق السلف الصالح سنة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين المهديين.
. ١٧الحث على التمسك بسنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين تمسكًا تامًا، لقوله: "عضوا عَلَيهَا بالنَّوَاجِذِ".
. ١٨التحذير من البدع، أي من محدثات الأمور، لأن (إيَّا) في قوله "وَإيَّاكم" معناها التحذير من محدثات الأمور لكن في الدين، أما في الدنيا إما مطلوب وإما مذموم حسب ما يؤدي إليه من النتائج.
فمثلًا: أساليب الحرب وأساليب الاتصالات، وأساليب المواصلات كلها محدثة، لم يوجد لها نوع فيما سبق، ولكن منها صالح ومنها فاسد حسب ما تؤدي إليه، فالمُحَذَّر منه المحدث في الدين عقيدة، أو قولًا، أو عملًا، فكل محدثة في الدين صغرت أو كبرت فإنها بدعة، هكذا قال النبي ﷺ، فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الكلية العامة الواضحة البينة: "كُلَّ مُحدَثَةٍ بدعَةٌ" وبين قوله ﷺ "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجرُها وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوم القِيامَةِ" (١)
فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن معنى قوله ﷺ: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً" أي من ابتدأ العمل بالسنة، ويدل لهذا أن النبي ﷺ ذكره بعد أن حث على الصدقة للقوم الذين وفدوا إلى المدينة ورغب فيها، فجاء الصحابة كلٌّ بما تيسر له، وجاء رجل من الأنصار بصرة قد أثقلت يده فوضعها في حجر النبي ﷺ فقال: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةَ فَلَهُ أَجرَها وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا إِلَى يَومِ القِيامَةِ" أي ابتدأ العمل سنة ثابتة، وليس أنه يأتي هو بسنة جديدة، بل يبتدئ العمل لأنه إذا ابتدأ العمل سن الطريق للناس وتأسوا
_________________
(١) أخرجه مسلم - كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأناه حجاب من النار، (١٠١٧)، (٦٩)
[ ٢٨٣ ]
به وأخذوا بما فعل.
الوجه الثاني: أن يقال: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً" أي سن الوصول إلى شيء مشروع من قبل كجمع الصحابة المصاحف على مصحف واحد، فهذا سنة حسنة لاشك، لأن المقصود من ذلك منع التفرق بين المسلمين وتضليل بعضهم بعضًا.
كذلك أيضًا جمع السنة وتبويبها وترتيبها، فهذه سنة حسنة يتوصل بها إلى حفظ السنة.
إذًا يُحمَل قوله: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةَ" على الوسائل إلى أمور ثابتة شرعًا، ووجه هذا أننا نعلم أن كلام النبي ﷺ لا يتناقض، ونعلم أنه لو فُتِحَ الباب لكل شخص أو لكل طائفة أن تبتدع في الدين ما ليس منه لتمزقت الأمة وتفرقت، وقد قال الله ﷿: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (الأنعام: ١٥٩)
. ١٩أن جميع البدع ضلالة ليس فيها هدى، بل هي شر محض حتى وإن استحسنها من ابتدعها فإنها ليست حسنى، بل ولا حسنة لقول النبي ﷺ: "كُلَّ بِدعَةٍ ضَلالَة" ولم يستثنِ النبي ﷺ شيئًا.
وبناءً على هذا يتبين خطأ من قسم البدع إلى خمسة أقسام أو إلى ثلاثة أقسام، وأنه ليس على صواب، لأننا نعلم علم اليقين أن أعلم الناس بشريعة الله رسول الله ﷺ، وأن أنصح الخلق لعباد الله رسول الله ﷺ، وأن أفصح الخلق نطقًا محمد ﷺ، وأن أصدق الخلق خبرًا رسول الله ﷺ، أربعة أوصاف كلها مجتمعة على الأكمل في قول النبي ﷺ ثم يأتي مَنْ بعده ويقول: البدعة ليست ضلالة، بل هي أقسام: حسنة، ومباحة، ومكروهة، ومحرمة، وواجبة.
سبحان الله العظيم، يعني لولا إحسان الظن بهؤلاء العلماء لكانت المسألة كبيرة، أن
[ ٢٨٤ ]
يقسموا ما حكم النبي ﷺ بأنه ضلالة إلى أقسام: حسن وقبيح.
إذًا نقول: من ابتدع بدعة وقال: إنها حسنة. فإما أن لا تكون بدعة، وإما أن لا تكون حسنة قطعًا.
مثال ذلك: قالوا من البدع الحسنة جمع المصاحف في مصحف واحد، ومن البدع الحسنة كتابة الحديث، ومن البدع الحسنة إنشاء الدور لطلاب العلم وهكذا.
فنقول هذه ليست بدعة، وهي حسنة لا شك لكن ليست بدعة، هذه وسيلة إلى أمر مقصود شرعًا، نحن لم نبتدع عبادة من عندنا لكن أمرنا بشيء ورأينا أقرب طريق إليه هذا العمل فعملناه.
وهناك فرق بين الوسائل والذرائع وبين المقاصد، لأن جميع الأمثلة التي قالوا: إنها حسنة تنطبق على هذا، أي أنها وسائل إلى أمر مشروع مقصود.
ومثال آخر قول جماعة: إن الميكرفون الذي يؤدي الصوت إلى البعيد بدعة ولا يجوز العمل به؟
فنقول: هو وسيلة حسنة، لأنه يوصل إلى المقصود، وقد اختار النبي ﷺ للأذان مَنْ هو أندى صوتًا (١) لأنه يبلغ أكثر، وقال للعباس ﵁ في غزوة حنين: نادى يا عباس لأنه كان صيتًا ﵁ (٢) .
إذًا رفع الصوت مطلوب، وهذه وسيلة من وسائله، ولهذا لما رُكِّبَ الميكرفون (مكبّر الصوت) في المسجد - الجامع الكبير بعنيزة- أول ما ركب على زمن شيخنا عبد الرحمن بن سعدي - ﵀ - خطب في ذلك خطبة وأثنى على الذي أتى به وهو
_________________
(١) أخرجه أبو داود- كتاب: الصلاة، باب: كيف الأذان، (٤٩٩) . والترمذي- كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في بدء الأذان، (١٨٩) . وابن ماجه - كتاب: الأذان والسنة فيه، باب: بدء الأذان، (٧٠٦) . والإمام أحمد - أول مسند المدنيين عن عتبان بن مالك، (١٦٥٩١)
(٢) أخرجه مسلم- كتاب: الجهاد والسير، باب: في غزوة حنين، (١٧٧٥٩
[ ٢٨٥ ]
أحد المحسنين﵀ - وقال: هذا من النعمة. وصدق، وهو من النعمة لأنه وسيلة إلى أمر مقصود.
كذلك أيضًا الاتصالات، الآن نتصل عن طريق الهاتف إلى أقصى العالم، فهل نقول استعمال هذا الهاتف بدعة لا تجوز؟
الجواب: لا نقول هذا، لأنه وسيلة، وقد يكون إلى خير أو إلى شر.
فعلى كل حال: يجب أن نعرف الفرق بين ما كان غاية وما كان ذريعة.
يوجد أناس أحدثوا أذكارًا يذكرون الله فيها على هيئات معينة، وقالوا: إن قلوبنا ترتاح إلى هذا الشيء، فهل نقول: هذا بدعة حسنة أو لا؟
الجواب: لا، لأنهم أحدثوا في دين الله ما ليس منه، فإن النبي ﷺ لم يتعبد الله ﷿ على هذا الوجه، وعلى هذا فقس.
إذًا الواجب علينا أن نقول: سمعنا وآمنا وصدقنا بان كل بدعة ضلالة، وأنه لا حسن في البدع تصديقًا لرسول الله ﷺ ونقول: ما ادعى صاحبه أنه بدعة حسنة فهو إما أن لا يكون حسنًا وظنه حسنًا، وإما أن لا يكون بدعة، أما أن يكون بدعة وحسنًا فهذا لايمكن، ويجب علينا أن نؤمن بهذا عقيدة.
ولا يمكن أن نجادل أهل الباطل في بدعهم إلا بهذا الطريق بأن نقول: كل بدعة ضلالة.
فإن قال قائل: ماذا تقولون في قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ حين جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد، وخرج ليلة من الليالي فوجد الناس يصلون بإمام واحد فقال: نعمت البدعة هذه (١) فسماها بدعة؟
_________________
(١) أخرجه البخاري - كتاب: صلاة التروايح، باب: فضل من قام رمضان، (٢٠١٠)
[ ٢٨٦ ]
أجاب بعض العلماء بأن المراد بالبدعة هنا البدعة اللغوية لاالشرعية، ولكن هذا الجواب لا يستقيم، كيف البدعة اللغوية وهي صلاة؟
والصواب أنها بدعة نسبية بالنسبة لهجران هذا القيام بإمام واحد، وذلك لأن النبي ﷺ أول من سن القيام بإمام واحد - أعني التراويح - فقد صلى بأصحابه ثلاث ليال في رمضان ثم تخلف خشية أن تفرض (١)، وتُرِكَت، وأصبح الناس يأتون للمسجد يصلي الرجل وحده، والرجلان جميعًا، والثلاثة أوزاعًا، فرأى عمر ﵁ بثاقب سياسته أن يردهم إلى السنة الأولى وهي الاجتماع على إمام واحد فجمعهم على تميم الداري وأُبي بن كعب ﵄ وأمرهما أن يصليا بالناس إحدى عشرة ركعة (٢)، كما كان النبي ﷺ لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة (٣) .
فيكون قوله: نعمت البدعة يعني بالبدعة النسبية، أي بالنسبة إلى أنها هجرت في آخر عهد النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر الصديق ﵁ وفي أول خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وإلا فنحن نؤمن بأن كل بدعة ضلالة، ثم هذه الضلالات تنقسم إلى: بدع مكفرة، وبدع مفسقة، وبدع يعذر فيها صاحبها.
ولكن الذي يعذر صاحبها فيها لا تخرج عن كونها ضلالة، ولكن يعذر الإنسان إذا صدرت منه هذه البدعة عن تأويل وحسن قصد.
وأضرب مثلًا بحافظين معتمدين موثوقين بين المسلمين وهما: النووي وابن حجر
_________________
(١) أخرجه البخاري - كتاب: أبواب التهجد، باب: تحريض النبي ﷺ على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب، (١١٣٩) . ومسلم - كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في قيام رمضان وهو التروايح، (٧٦١)، (١٧٧) .
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه - ج٢/ص١٦٢، (٧٦٧١)
(٣) أخرجه البخاري كتاب: الوتر، باب: ما جاء في الوتر، (٩٩٤) . ومسلم- كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ في الليل وأن الوتر ركعة وأن ركعة صلاة صحيحة، (٧٣٦)، (١٢٢)
[ ٢٨٧ ]
رحمهما الله تعالى.
فالنووي: لا نشك أن الرجل ناصح، وأن له قدم صدق في الإسلام، ويدل لذلك قبول مؤلفاته حتى إنك لا تجد مسجدًا من مساجد المسلمين إلا ويقرأ فيه كتاب (رياض الصالحين)
وهذا يدل على القبول، ولا شك أنه ناصح، ولكنه - ﵀ - أخطأ في تأويل آيات الصفات حيث سلك فيها مسلك المؤولة، فهل نقول: إن الرجل مبتدع؟
نقول: قوله بدعة لكن هو غير مبتدع، لأنه في الحقيقة متأول، والمتأول إذا أخطأ مع اجتهاده فله أجر، فكيف نصفه بأنه مبتدع وننفر الناس منه، والقول غير القائل، فقد يقول الإنسان كلمة الكفر ولا يكفر.
أرأيتم الرجل الذي أضل راحلته حتى أيس منها، واضطجع تحت شجرة ينتظر الموت، فإذا بالناقة على رأسه، فأخذ بها وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، وهذه الكلمة كلمة كفر لكن هو لم يكفر، قال النبي ﷺ: "أَخطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَح" (١) أرأيتم الرجل يكره على الكفر قولًا أو فعلًا فهل يكفر؟
الجواب: لا، القول كفر والفعل كفر لكن هذا القائل أو الفاعل ليس بكافر لأنه مكره.
أرأيتم الرجل الذي كان مسرفًا على نفسه فقال لأهله: إذا مت فأحرقوني وذرُّوني في اليمِّ - أي البحر - فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين (٢)، ظن أنه بذلك ينجو من عذاب الله، وهذا شك في قدرة الله ﷿، والشك في قدرة الله كفر، ولكن هذا الرجل لم يكفر.
_________________
(١) أخرجه مسلم - كتاب التوبة، باب: الحض على التوبة والفرح بها، (٢٧٤٧)، (٧)
(٢) أخرجه البخاري - كتاب: أحاديث الأنبياء، باب، (٣٤٨١) . ومسلم - كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى وأناه سبقت غضبه، (٢٧٥٦)، (٢٥)
[ ٢٨٨ ]
جمعه الله ﷿ وسأله لماذا صنعت هذا؟ قال: مخافتك. وفي رواية أخرى: من خشيتك، فغفر الله له.
أما الحافظ الثاني: فهو ابن حجر﵀ - وابن حجر حسب ما بلغ علمي متذبذب في الواقع، أحيانًا يسلك مسلك السلف، وأحيانًا يمشي على طريقة التأويل التي هي في نظرنا تحريف.
مثل هذين الرجلين هل يمكن أن نقدح فيهما؟
أبدًا، لكننا لا نقبل خطأهما، خطؤهما شيء واجتهادهما شيء آخر.
أقول هذا لأنه نبتت نابتة قبل سنتين أو ثلاث تهاجم هذين الرجلين هجومًا عنيفًا، وتقول: يجب إحراق فتح الباري وإحراق شرح صحيح مسلم، -أعوذ بالله- كيف يجرؤ إنسان على هذا الكلام، لكنه الغرور والإعجاب بالنفس واحتقار الآخرين.
والبدعة المكفرة أو المفسقة لا نحكم على صاحبها أنه كافر أو فاسق حتى تقوم عليه الحجة، لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (القصص: ٥٩)
وقال ﷿: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (الاسراء: الآية١٥) ولو كان الإنسان يكفر ولو لم تقم عليه الحجة لكان يعذب، وقال ﷿: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء: الآية١٦٥) والآيات في هذه كثيرة.
فعلينا أن نتئد وأن لا نتسرع، وأن لا نقول لشخص أتى ببدعة واحدة من آلاف السنن إنه رجل مبتدع.
وهل يصح أن ننسب هذين الرجلين وأمثالهما إلى الأشاعرة، ونقول: هما من الأشاعرة؟
[ ٢٨٩ ]
الجواب: لا، لأن الأشاعرة لهم مذهب مستقل له كيان في الأسماء والصفات والإيمان وأحوال الآخرة.
وما أحسن ما كتبه أخونا سفر الحوالي عما علم من مذهبهم، لأن أكثر الناس لا يفهم عنهم إلا أنهم مخالفون للسلف في باب الأسماء والصفات، ولكن لهم خلافات كثيرة.
فإذا قال قائل بمسألة من مسائل الصفات بما يوافق مذهبهم فلا نقول: إنه أشعري.
أرأيتم لو أن إنسانًا من الحنابلة اختار قولًا للشافعية فهل نقول إنه شافعي؟
الجواب: لا نقول إنه شافعي.
فانتبهوا لهذه المسائل الدقيقة، ولا تتسرعوا، ولا تتهاونوا باغتياب العلماء السابقين واللاحقين، لأن غيبة العالم ليست قدحًا في شخصه فقط، بل في شخصه وما يحمله من الشريعة، لأنه إذا ساء ظن الناس فيه فإنهم لن يقبلوا ما يقول من شريعة الله، وتكون المصيبة على الشريعة أكثر.
ثم إنكم ستجدون قومًا يسلكون هذا المسلك المشين فعليكم بنصحهم، وإذا وجد فيكم من لسانه منطلق في القول في العلماء فانصحوه وحذروه وقولوا له: اتق الله، أنت لم تُتَعَبَّد بهذا، وما الفائدة من أن تقول فلان فيه فلان فيه، بل قل: هذا القول فيه كذا وكذا بقطع النظر عن الأشخاص.
لكن قد يكون من الأفضل أن نذكر الشخص بما فيه لئلا يغتر الناس به، لكن لا على سبيل العموم هكذا في المجالس، لأنه ليس كل إنسان إذا ذكرت القول يفهم القائل، فذكر القائل جائز عند الضرورة، وإلا فالمهم إبطال القول الباطل، والله الموفق.
[ ٢٩٠ ]