. ١-رواية النبي ﷺ عن ربه ﷿، وهذا أعلى مراتب السند، لأن غاية السند: إما الرب ﷿ وهذا في الأحاديث القدسية، وإما النبي ﷺ وهذا في الأحاديث المرفوعة، وإما عن الصحابة وهذا في الأحاديث الموقوفة، وإما عن التابعين ومن بعدهم وهذا في الأحاديث المقطوعة.
فإذا روينا أثرًا عن عمر بن الخطاب ﵁ فنسميه موقوفًا لأنه صحابي، وإذا روينا أثرًا عن مجاهد - ﵀ - فنسميه مقطوعًا لأنه تابعي..
٢إن أحسن ما يقال في الحديث القدسي: إنه ما رواه النبي ﷺ عن ربه ﷿، ونقتصر علىهذا ولانبحث هل هو من قول الله لفظًا ومعنى، أو من قول الله معنى ومن لفظ النبي ﷺ، لأن هذا فيه نوع من التكلّف وقد نهينا عن التكلّف، ونهينا عن التنطّع وعن التعمّق.
. ٣إثبات القول لله ﷿ وهذا كثير في القرآن الكريم، وهو دليل على ما ذهب إليه أهل السنة من أن كلام الله يكون بصوت، إذ لا يطلق القول إلا على المسموع.
فإن قال قائل: أليس الله تعالىيقول: (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ) (المجادلة: الآية٨) وهذا قول يقولونه بقلوبهم؟
فالجواب: بلى، لكن هذا القول مقيد (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ) وأما إذا أطلق القول فالمراد به مايُسمع.
. ٤أن الله تعالى قادر على الظلم لكنه حرّمه على نفسه لكمال عدله، وجه ذلك: أنه لو كان غير قادر عليه لم يثن على نفسه بتحريم الظلم لأنه غير قادر.
. ٥أن من صفات الله ماهو منفي مثل الظلم، ولكن اعلم أنه لايوجد في صفات الله ﷿ نفي إلا لثبوت ضده، فنفي الظلم يعني ثبوت العدل الكامل الذي لانقص فيه.
[ ٢٤٣ ]
٦أن لله ﷿ أن يحرم على نفسه ما شاء لأن الحكم إليه، فنحن لا نستطيع أن نحرم على الله لكن الله يحرم على نفسه ما شاء، كما أنه يوجب علىنفسه ما شاء. اقرأ قول الله تعالى: (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (الأنعام: الآية١٢) وكتب ﷿ عنده: "إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي" (١) .
فلو سألنا سائل: هل يحرم على الله شيء، وهل يجب على الله شيء؟
فالجواب: أما إذا كان هو الذي أوجب على نفسه أو حرم فنعم، لأن له أن يحكم بما شاء. وأما أن نحرم بعقولنا على الله كذا وكذا، أو أن نوجب بعقولنا على الله كذا وكذا فلا، فالعقل لايوجب ولايحرم، وإنما التحريم والإيجاب إلى الله ﷿.
قال ابن القيم - ﵀ - في النونية:
ما للعباد عليه حقٌّ واجبٌ هو أوجبَ الأجرَ العظيم الشانِ
كلاَّ ولا عملٌ لديه ضائع ٌ إن كانَ بالإخلاصِ والإحسانِ
والإحسان يعني المتابعة.
. ٧إطلاق النفس على الذات لقوله: "عَلَى نَفْسِيْ" والمراد بنفسه ذاته ﷿، كما قال تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) (آل عمران: الآية٢٨) وليس النفس صفة كسائر الصفات: كالسمع والعلم والقدرة، فالنفس يعني الذات، فقوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) يعني ذاته، وقوله هنا: "عَلَى نَفْسِي" يعني على ذاتي، وكلمة النفس أصوب من كلمة ذات لكن شاع بين الناس إطلاق الذات دون إطلاق النفس، ولكن الأصل العربي: النفس.
. ٨أن الله تعالى حرّم الظلم بيننا فقال: "وَجَعَلتُهُ بَينَكُمْ مُحَرَّمًَا" وهذا يشمل ظلم
_________________
(١) أخرجه البخاري- كتاب: التوحيد، باب، (٧٤٢٢) . ومسلم- كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، (٢٧١٥)، (١٤) .
[ ٢٤٤ ]
الإنسان نفسه وظلم غيره، لكن هو في المعنى الثاني أظهر لقوله: "فَلا تَظَالَمُوا" أي فلا يظلم بعضكم بعضًا، وإلا فمن المعلوم أن الظلم يكون للنفس ويكون للغير، قال الله تعالى: (وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) (هود: الآية١٠١)
ومدار الظلم على النقص كما قال الله تعالى: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئا ً) (الكهف: ٣٣)
ويدور على أمرين:
إما منع واجب للغير، وإما تحميله ما لايجب عليه.
مثال الأول: أن تمنع شخصًا من دين عليك فلا توفّيه، أو تماطل به، لقول النبي ﷺ: "مطْلُ الغَنِيِّ ظُلمٌ" (١) .
ومثال الثاني: كأن تدعي عليه دينًا وتأتي بشهادة زور فيُحكم لك به، فهذا ظلم.
فإن قال قائل: هل يستثنى من قوله: "فَلا تَظَالَمُوا" شيء؟
الجواب: لا يستثنى.
فإن قال: أليس يجوز لنا أن نأخذ أموال الكفار المحاربين؟
فالجواب: بلى، لكن هذا ليس بظلم، لأنه أبيح لنا هذا.
فإن قال قائل: وهل يحل لنا أموال المعاهدين؟
فالجواب: لايحلّ لنا أموال المعاهدين ولا دماء المعاهدين، حتى إن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًَا لَم يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّة" (٢) نسأل الله العافية.
وبهذا نعرف عدوان وظلم وضلال أولئك المغرورين الذين يعتدون على أموال الكفار المعاهدين سواء كان الكافر عندك في بلدك وهو معاهد، أو أنت في بلده، فإننا
_________________
(١) أخرجه البخاري - كتاب: الحوالات، باب: في الحوالة وهل يرجع في الحوالة، (٢٢٨٧) . ومسلم - كتاب: المساقاة، باب: تحريم مطل الغني وصحة الحوالة واستحباب قبولها إذا أحيل على ملي، (١٥٦٤)، (٣٣)
(٢) أخرجه البخاري - كتاب: الجزية والموادعة، باب: إثم من قتل معاهدًا بغير جرم، (٣١٦٦)
[ ٢٤٥ ]
نسمع من بعض الشباب الذين في بلاد الكفر من يقول: إنه لابأس أن نفسد أموال هؤلاء الكفار، فتجدهم يعتدون على أنوار الشوارع، ويعتدون على المتاجر، ويعتدون على السيارات وهذا حرام عليهم - سبحان الله - قوم احتضنوكم وأنتم في عهدهم وليسوا هم في عهدكم فتخونون، هذا أشد ما يكون تشويهًا للإسلام وقدحًا في الإسلام.
والقدح هنا والتشويه ليس للإسلام في الواقع لكن لهؤلاء الذين ينتسبون للإسلام، ولذلك يجب أن نعلم أن أموال المعاهدين محترمة سواء كانوا معاهدين عندك أو أنت عندهم، فلا يحل الاعتداء عليهم لأنه ظلم.
. ٩أن الإنسان ضال إلا من هدى الله، ويتفرع على هذه الفائدة:
أن تسأل الله الهداية دائمًا حتى لا تضلّ.
فإن قال قائل: هنا إشكال وهو أن النبي ﷺ أخبر أن كل مولود يولد على الفطرة (١)، وهنا يقول: كلكم ضال؟
فالجواب: أن النبي ﷺ قال: "كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ" لكن قال: "أَبَوَاه يُهَوِّدَانِهِ، أَو يُنَصِّرَانِهِ، أَو يُمَجِّسَانِهِ" وهنا يخاطبُ ﷿ المكلّفين الذين قد تكون تغيرت فطرتهم إلى ما كان عليه آباؤهم، فهم ضلاَّلٌ حتى يهديهم الله ﷿.
. ١٠الحثّ على طلب العلم، لقوله: "كُلُّكُم ضَالٌّ" ولاشكّ" أن طلب العلم من أفضل الأعمال، بل قد قال الإمام أحمد - ﵀ -: العلم لايعدله شيء لمن صحت نيته لاسيما في هذا الزمن الذي كثر فيه الجهل، وكثر فيه الظن وأفتى من لايستحق أن يفتي، فطلب العلم في هذا الزمان متأكد.
_________________
(١) أخرجه البخاري - كتاب: الجنائز، باب: ما قيل في أولاد المشركين، (١٣٨٥) . ومسلم - كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، (٢٦٥٨)، (٢٢)
[ ٢٤٦ ]
١١أن لاتطلب الهداية إلا من الله لقوله: "فَاستَهدُونِي أَهدِكُم".
ولكن الهداية نوعان: هداية التوفيق وهذه لاتطلب إلا من الله، إذ لايستطيع أحد أن يهديك هداية التوفيق إلا الله ﷿. وهداية الدلالة: وهذه تصحّ أن تطلبها من غير الله ممن عنده علم بأن تقول: يافلان أفتني في كذا، أي اهدني إلى الحق فيه.
هل نقول إن قوله: "فَاستَهدُونِي" يدل على أن المراد هداية التوفيق، أو نقول إنه يشمل الهدايتين، وهداية الدلالة تكون باتباع الوسائل التي جعلها الله ﷿ سببًا للعلم؟
الجواب: الثاني، أي العموم.
. ١٢أن العباد في الأصل جياع، لأنهم لايملكون أن يخلقوا ما تحيى به الأجساد كما في سورة الواقعة: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ*أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ* لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ* إِنَّا لَمُغْرَمُونَ*بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ*أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُون* أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ* أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ) (الواقعة: ٦٣-٧١) فالأصل أن الإنسان قاصر جائع إلا من أطعمه الله، ويتفرع على هذه الفائدة قوله: "فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ" أي اسألوني الطعام أطعمكم، وعليه فلا تلجأ في طلب الرزق إلا من الله ﷿.
. ١٣وقوله: "اسْتَطْعِمُونِي" يشمل سؤال الله ﷿ الطعام، ويشمل السعي في الرزق وابتغاء فضل الله ﷿ كما قال تعالى في سورة الجمعة: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة: ١٠)
وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك: ١٥) وإلا فمن المعلوم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا درهمًا ولا خبزًا، بل لابد من السعي.
[ ٢٤٧ ]
١٤-أن الأصل في الإنسان العري حتى يكسوه الله ﷿، وسبق شرح أنه في الأصل العري الحسي، وقد يراد به المعنوي أيضًا، وذلك لأن الإنسان خرج من بطن أمه عاريًا ولا يكسوه إلا الله ﷿ بما قدره من الأسباب.
١٥-كرم الله ﷿ حيث يعرض على عباده بيان حالهم وافتقارهم إليه، ثم يدعوهم إلى دعائه ﷿ حتى يزيل عنهم ما فيهم من الفقر والحاجة.
١٦-أن بني آدم خطاء، أي كثير الخطأ، كما قال الله ﷿: (وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب: الآية٧٢)
١٧-أنه مهما كثرت الذنوب والخطايا فإن الله تعالى يغفرها، لكن يحتاج أن يستغفر الإنسان، ولهذا قال: "فَاسْتَغْفِرُوْنِيْ أَغْفِرْ لَكُمْ" وقد سبق في الشرح أن الاستغفار يكون على وجهين:
الوجه الأول: طلب المغفرة باللفظ بأن يقول: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله.
الوجه الثاني: طلب المغفرة بالأعمال الصالحة التي تكون سببًا لذلك كقوله: "مَنْ قَالَ: سُبحَانَ اَلله وَبِحَمْدِهِ في اليَوم مائَةَ مَرةَ غُفِرَت خَطَايَاه ُوَإِنْ كَانَت مِثْلُ زَبَدِ البَحْرِ" (١)
١٨-أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعًا، وهذا لمن استغفر، لقوله ﷿ "فَاسْتَغْفِرُونِيْ" أما من لم يستغفر فإن الصغائر تكون مكفرة بالأعمال الصالحة لقول النبي ﷺ: "الصلَواتِ الخَمسُ وَالجُمُعَة إِلى الجُمُعَةِ وَرَمَضَان إِلى رَمَضَان مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَينَهُنَّ مَا اجتَنَبَ الكَبَائِرَ" (٢)، وأما الكبائر فلابد لها من توبة خاصة، فلا تكفرها الأعمال الصالحة، أما الكفر فلابد له من توبة بالإجماع.
فالذنوب على ثلاثة أقسام:
_________________
(١) أخرجه مسلم - كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، (٢٦٩١)، (٢٨)
(٢) رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة (٢٣٣)
[ ٢٤٨ ]
قسم لابد فيه من توبة بالإجماع وهو الكفر.
والثاني: ما تكفره الأعمال الصالحة وهو الصغائر.
والثالث: ما لابد له من توبة- على خلاف في ذلك- لكن الجمهور يقولون: إن الكبائر لابد لها من توبة.
١٩-كمال سلطان الله ﷿ وغناه عن خلقه، لقوله ﷿: إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوْا ضَرِّيْ وَلَنْ تَبْلُغُوْا نَفْعِيْ وذلك لكمال سلطانه ﷿ وكمال غناه، فكأنه تعالى قال: إنما طلبت منكم الاستغفار من الذنوب لالحاجتي لذلك ولا لتضرري بمعاصيكم ولكن المصلحة لكم.
٢٠-أن محل التقوى والفجور القلب، لقوله: "عَلَى أَتقَى قَلبِ رَجُلٍ وَاحدٍ مِنكُمْ" "عَلَى أَفجَرِ قَلبِ رَجُلٍ وَاحدٍ مِنكُمْ" ويشهد لهذا قول النبي ﷺ: "أَلاَ وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضغَة إِذَا صَلُحَت صَلُحَ الجَسَد كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ" (١) ويتفرع على هذا: أنه يجب علينا أن نعتني بالقلب وننظر أين ذهب، وأين حلّ حتى نُطَهِّرهُ ونصفيه.
. ٢١كمال غنى الله ﷿ وسعة غناه، لقوله: "يَا عِباديَ لَو أَنَّ أوَّلَكُم وَآَخِرَكُم وَإِنسكُم وَجِنكُم قَاموا في صَعيدٍ وَاحِدٍ " فهذا يدل على سعة غنى الله ﷿ وسعة كرمه وجوده.
. ٢٢أنه يظهر أن اجتماع الناس في مكان واحد أقرب إلى الإجابة من تفرقهم، ولهذا أمِروا أن يجتمعوا في مسجد واحد في الجمعة، وأن يجتمعوا في مصلى العيد وفي الاستسقاء، وأن يجتمعوا في عرفات في مكان واحد، لأن ذلك أقرب إلى الإجابة..
٢٣جواز المبالغة بالقول، لقوله: "إِلا كَمَا يَنقُصُ المِخيطُ إِذَا أُدخِلَ البَحرَ" وهذا له نظير كما في قوله تعالى: (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ
_________________
(١) أخرجه البخاري- كتاب: الإيمان، باب: من استبرأ لدينه، (٥٢) . ومسلم - كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات، (١٥٩٩)، (١٠٧)
[ ٢٤٩ ]
الْخِيَاطِ) (الأعراف: الآية٤٠)
. ٢٤أن الله ﷿ يحصي أعمال العباد، أي يضبطها بالعدد فلا ينقص أحدًا شيئًا، قال الله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧، ٨) وهذا على سبيل المبالغة، فلو عَمِلَ أدنى من مثقال الذرة لرآه، لكن لما كانت الذرة من أصغر المخلوقات مما تضرب به العرب المثل في الصغر قال: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧) .
. ٢٥أن الله ﷿ لا يظلم أحدًا شيئًا، بل من عمل عملًا وجده، لقوله: "ثُمَّ أُوَفِّيْكُمْ إِيَّاهَا".
. ٢٦وجوب الحمد لله ﷿ على من وجد خيرًا، وذلك من وجهين:
الأول: أن الله ﷿ يسره حتى عمله.
الثاني: أن الله تعالى أثابه.
. ٢٧جواز تحدث الإنسان عن نفسه بصيغة الغائب، لقوله: "فَمَن وَجَدَ خَيرًَا فَليَحمد الله" دون أن يقال: فمن وجد خيرًا فليحمدني، والعدول عن ضمير المتكلم إلى أن تكون الصيغة للغائب من باب التعظيم، كما يقول الملك مثلًا وهو يأمر: يقول لكم الملك افعلوا كذا وكذا، فهو أبلغ مما لو قال: أقول لكم افعلوا كذا وكذا.
. ٢٨أن من تخلف عن العمل الصالح ولم يجد الخير فاللوم على نفسه.
فإن قال قائل: كيف يكون اللوم على نفسي وأنا لم يقدر لي هذا؟
فالجواب: أنك حين فعلت المعصية أو تركت الواجب لم تكن تعلم أنه قُدِرَ لك هذا، فالعاصي يقدم على المعصية وهو لا يعلم أنها كتبت عليه إلا إذا عملها، وكذلك تارك الواجب لا يعلم أنه كتب عليه ترك الواجب إلا إذا تركه، وإلا فلا يعلم، فاللوم عليك، فالرسل بلغت والقرآن حجة ومع ذلك تركت هذا كله، فاللوم عليك أنت، والله الموفق.
[ ٢٥٠ ]