. ١أن الدعوى تكون في الدماء والأموال، لقوله "أَموَال قَوم وَدِمَاءهُم" وهو كذلك، وتكون في الأموال الأعيان، وفي الأموال المنافع، كأن يدعي أن هذا أجره بيته لمدة سنة فهذه منافع، وتكون أيضًا في الحقوق كأن يدعي الرجل أن زوجته لا تقوم بحقه أو بالعكس، فالدعوى بابها واسع، لكن هذا الضابط، وذكر المال والدم على سبيل المثال، وإلا قد يدعي حقوقًا أخرى.
. ٢أن الشريعة جاءت لحماية أموال الناس ودمائهم عن التلاعب..
٣أن البينة على المدعي، والبينة أنواع منها: الشهادة، قال الله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) (البقرة: الآية٢٨٢)
[ ٣٢٩ ]
ومن البينة: ظاهر الحال فإنها بينة، مثال ذلك: رجل ليس عليه عمامة يلحق رجلًا عليه عمامة وبيده عمامة ويقول: يا فلان أعطني عمامتي. فالرجل الذي ليس عليه عمامة معه ظاهر الحال، لأن الملحوق عليه عمامة وبيده عمامة ولم تَجرِ العادة بأن الإنسان يحمل عمامة وعلى رأسه عمامة.
فالآن شاهد الحال للمدعي، فهو أقوى، فنقول في هذه الحال: الذي ادعى أن العمامة التي في يد الهارب له هو الذي معه ظاهر الحال، لكن لا مانع من أن نحلفه بأنها عمامته.
كذلك أيضًا لو اختلف الزوجان في أواني البيت، فقالت الزوجة: الأواني لي، وقال الزوج: الأواني لي. فننظر حسب الأواني: إذا كانت من الأواني التي يستعملها الرجال فهي للزوج، وإذا كانت من الأواني التي يستعملها النساء فهي للزوجة، وإذا كانت صالحة لهما فلابد من البينة على المدعي.
فإذًا القرائن بينة، وعليه فالبينات لا تختص بالشهود.
ومن العمل بالقرائن قصة سليمان ﵇، فإن سليمان ﵇ مرت به امرأتان معهما ولد، وكانت المرأتان قد خرجتا إلى البر فأكل الذئب ولد الكبرى، واحتكمتا إلى داود ﵇، فقضى داود ﵇ بأن الولد للكبيرة اجتهادًا منه، لأن الكبيرة قد تكون انتهت ولادتها والصغيرة في مستقبل العمر.
فخرجتا من عند داود ﵇ وكأنهما - والله أعلم - في نزاع، فسألهما سليمان ﵇ فأخبرتاه بالخبر، فدعا بالسكين وقال: سأشق الولد نصفين، أما الكبيرة فوافقت، وأما الصغيرة فقالت: الولد ولدها يا نبي الله، فقضى به للصغيرة (١)، لأن هنا بينة وهي القرينة الظاهرة التي تدل على أن الولد للصغيرة لأنها أدركتها
_________________
(١) أخرجه البخاري - كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب)، (٣٤٢٧) . ومسلم - كتاب: الأقضية، باب: بيان اختلاف المجتهدين، (١٧٢٠)، (٢٠)
[ ٣٣٠ ]
الشفقة وقالت: كونه مع كبيرة ويبقى في الحياة أحب إلي من فقده الحياة، والكبيرة لا يهمها هذا، لأن ولدها قد أكله الذئب.
كذلك قصة يوسف ﵇ مع امرأة العزيز لما قال الحاكم: (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ*وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ*فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) (يوسف: ٢٦-٢٨)
ومن ذلك أيضًا: امرأة ادعت على زوجها أن له سنة كاملة لم ينفق، والرجل يشاهد هو يأتي للبيت بالخبز والطعام وكل ما يحتاجه البيت، وليس في البيت إلا هو وامرأته، وقال هو: إنه ينفق فالظاهر مع الزوج، فلا نقبل قولها وإن كان الأصل عدم الإنفاق لكن هنا ظاهر قوي وهو مشاهدة الرجل يدخل على بيته بالأكل والشرب وغيرهما من متطلبات البيت.
في القسامة: القسامة أن يدعي قوم قتل لهم قتيل بأن القبيلة الفلانية قتلته، وبين القبيلتين عداوة، فادعت القبيلة التي لها القتيل أن هذه القبيلة قتلت صاحبهم وعينت القاتل أنه فلان، فهنا مدعي ومدعىً عليه، المدعي أولياء المقتول، والمدعى عليه القبيلة الثانية.
فإذا قلنا: البينة على المدعي واليمين على من أنكر وقلنا البينة ليست الشاهد، بل ما أبان الحق اختلف الحكم.
ولو قلنا إن البينة الشاهد لقلنا للمُدَّعين هاتوا بينة على أن فلانًا قتله وإلا فلا شيء لكم، ولكن السنة جاءت على خلاف هذا، جاءت بأن المُدَّعين يحلفون خمسين يمينًا على هذا الرجل أنه قتل صاحبهم (١)، فإذا حلفوا فهو كالشهود تمامًا، فيأخذونه برمته ويقتلونه.
_________________
(١) أخرجه البخاري- كتاب: الادب، باب: إكرام الكبير ويبدأ الاكبر بالكلام والسؤال، (٦١٤٢)، (٦١٤٢) . ومسلم - كتاب: القسامة والمحاربين، باب: القسامة، (١٦٦٩)، (١)
[ ٣٣١ ]
وهذه وقعت في عهد النبي ﷺ وقضى بها هكذا، على أنه إذا حلف خمسون رجلًا من أولياء المقتول فإنهم يستحقون قتل المدعى عليه، وهذا هو الحق، وإن كان بعض السلف والخلف أنكر هذا وقال: كيف يُحكم لهم بأيمانهم وهم مدعون.
فيقال: السنة هنا مطابقة تمامًا للواقع، لأن مع المُدَّعين قرينة تدل على أنهم قتلوا صاحبهم وهي العداوة، فهذا القتيل رؤي عند القبيلة الأخرى المدعى عليها، ولا نقول: هاتوا شهودًا، لأن قرينة الحال أقوى من الشهود.
فإذا قال قائل: لماذا كررت الأيمان خمسين يمينًا؟
فالجواب: لعظم شأن الدماء، فليس من السهل أن نقول احلف مرة واقتل المدعى عليه.
فإن قال قائل: كيف يحلف أولياء المقتول على شخص معين وهم لا يدرون عنه؟
فالجواب: أننا لا نسلم أنهم لا يدرون عنه، فربما يكونون شاهدوه وهو يقتل صاحبهم، وإذا سلمنا جدلًا أو حقيقة أنهم لم يشاهدوه فلهم أن يحلفوا عليه بناء على غلبة الظن وتتم الدعوى، والحلف بناء على غلبة الظن جائز.
ولذلك القسامة قال عنها بعض العلماء: إنها تخالف القياس من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الأيمان صارت في جانب المُدَّعين، والأصل أن اليمين في جانب المنكر.
الوجه الثاني: أنها كررت إلى خمسين يمينًا.
الوجه الثالث: أن أولياء المقتول يحلفون على شخص قد لايكونون شاهدوا قتله.
وسبق الجواب عن هذا، وأن القسامة مطابقة تمامًا للقواعد الشرعية.
. ٤فيه أنه لو أنكر المنكر وقال لا أَحلف فإنه يقضي عليه بالنكول، ووجه ذلك أنه إذا أبى أن يحلف فقد امتنع مما يجب عليه، فيحكم عليه بالنكول، والله أعلم.
[ ٣٣٢ ]