. ١تحريم إحداث شيء في دين الله ولو عن حسن قصد، ولو كان القلب يرق لذلك ويقبل عليه، لأن هذا من عمل الشيطان.
فإن قال قائل: لو أحدثت شيئًا أصله من الشريعة ولكن جعلته على صفة معينة لم يأتِ بها الدين، فهل يكون مردودًا أو لا.؟
والجواب: يكون مردودًا، مثل ما أحدثه بعض الناس من العبادات والأذكار والأخلاق وما أشبهها، فهي مردودة.
* وليعلم أن المتابعة لا تتحقق إلا إذا كان العمل موافقًا للشريعة في أمور ستة: سببه، وجنسه، وقدره، وكيفيته، وزمانه، ومكانه.
فإذا لم توافق الشريعة في هذه الأمور الستة فهو باطل مردود، لأنه أحدث في دين الله ما ليس منه.
أولًا: أن يكون العمل موافقًا للشريعة في سببه: وذلك بأن يفعل الإنسان عبادة لسبب لم يجعله الله تعالى سببًا مثل: أن يصلي ركعتين كلما دخل بيته ويتخذها سنة، فهذا مردود.
مع أن الصلاة أصلها مشروع، لكن لما قرنها بسبب لم يكن سببًا شرعيًا صارت مردودة.
[ ٩٨ ]
مثال آخر: لو أن أحدًا أحدث عيدًا لانتصار المسلمين في بدر، فإنه يرد عليه، لأنه ربطه بسبب لم يجعله الله ورسوله سببًا.
ثانيًا: أن يكون العمل موافقًا للشريعة في الجنس، فلو تعبّد لله بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة، مثال ذلك: لو أن أحدًا ضحى بفرس، فإن ذلك مردود عليه ولا يقبل منه، لأنه مخالف للشريعة في الجنس، إذ إن الأضاحي إنما تكون من بهيمة الأنعام وهي: الإبل، والبقر، والغنم.
أما لو ذبح فرسًا ليتصدق بلحمها فهذا جائز، لأنه لم يتقرب إلى الله بذبحه وإنما ذبحه ليتصدق بلحمه.
ثالثًا: أن يكون العمل موافقًا للشريعة في القدر: فلو تعبد شخص لله ﷿ بقدر زائد على الشريعة لم يقبل منه، ومثال ذلك: رجل توضأ أربع مرات أي غسل كل عضو أربع مرات، فالرابعة لا تقبل، لأنها زائدة على ما جاءت به الشريعة، بل قد جاء في الحديث أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا وقال: مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ (١) .
رابعًا: أن يكون العمل موافقًا للشريعة في الكيفية: فلو عمل شخص عملًا، يتعبد به لله وخالف الشريعة في كيفيته، لم يقبل منه، وعمله مردود عليه.
ومثاله: لو أن رجلًا صلى وسجد قبل أن يركع، فصلاته باطلة مردودة، لأنها لم توافق الشريعة في الكيفية.
وكذلك لو توضأ منكسًا بأن بدأ بالرجل ثم الرأس ثم اليد ثم الوجه فوضوؤه باطل، لأنه مخالف للشريعة في الكيفية.
_________________
(١) -أخرجه الإمام أحمد- في مسند المكثرين، (٦٦٨٤)، والنسائي - كتاب: الطهارة، باب الاعتداء في الوضوء، (١٤٠، وابن ماجه، كتاب: الطهارة وسننها، باب: ما جاء في القصد في الوضوء وكراهة التعدي فيه، (٤٢٢)
[ ٩٩ ]
خامسًا: أن يكون العمل موافقًا للشريعة في الزمان: فلو صلى الصلاة قبل دخول وقتها، فالصلاة غير مقبولة لأنها في زمن غير ما حدده الشرع.
ولو ضحى قبل أن يصلي صلاة العيد لم تقبل لأنها لم توافق الشرع في الزمان.
ولو اعتكف في غير زمنه فإنه ليس بمشروع لكنه جائز، لأن النبي ﷺ أقرّ عمر ابن الخطاب ﵁ على الاعتكاف في المسجد الحرام حين نذره.
ولو أن أحدًا أخّر العبادة المؤقتة عن وقتها بلا عذر كأن صلى الفجر بعد طلوع الشمس غير معذور، فصلاته مردودة، لأنه عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله.
سادسًا: أن يكون العمل موافقًا للشريعة في المكان: فلو أن أحدًا اعتكف في غير المساجد بأن يكون قد اعتكف في المدرسة أو في البيت، فإن اعتكافه لا يصح لأنه لم يوافق الشرع في مكان الاعتكاف، فالاعتكاف محله المساجد.
فانتبه لهذه الأصول الستة وطبق عليها كل ما يرد عليك.
وهذه أمثلة على جملة من الأمور المردودة لأنها مخالفة لأمر الله ورسوله.
المثال الأول: من باع أو اشترى بعد الأذان الثاني يوم الجمعة وهو ممن تجب عليه الجمعة فعقده باطل، لأنه مخالف لأمر الله ورسوله.
فلو وقع هذا وجب رد البيع، فيرد الثمن إلى المشتري وترد السلعة إلى البائع، ولهذا لما أُخبِر النبي ﷺ بأن التمر الجيد يؤخذ منه الصاع بصاعين والصاعين بثلاثة قال: رده، أي رد البيع لأنه على خلاف أمر الله ورسوله.
المثال الثاني: لو تزوج بلا ولي فالزواج باطل، لأن النبي ﷺ قال: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيّ (١) .
_________________
(١) - أخرجه أبو داود- كتاب: النكاح، باب: في الولي، (٢٠٨٣)، وابن ماجه - كتاب: النكاح، باب: لا نكاح إلا بولي، (١٨٨١)، والترمذي - كتاب: النكاح، باب: ما جاء في استئمار البكر والثيب، (١١٠٨) .
[ ١٠٠ ]
المثال الثالث: لو طلق رجل امرأته وهي حائض فهل يقع الطلاق أو لا يقع؟.
والجواب فيه خلاف بين العلماء، ولما ذُكِر للإمام أحمد ﵀ القول بأنه لا يقع الطلاق في الحيض قال: هذا قول سوء.
وهذا قول الإمام أحمد -﵀- وناهيك به علمًا في الحديث والفقه، وقد أنكر هذا القول.
وكذلك ينكرون القول بعدم وقع الطلاق في الحيض، ويرون أن الطلاق في الحيض يقع ويحسب طلقة.
لكن هناك من يقول: إنه لا يقع كشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- والمسألة خلافية، لكني ذكرتها حتى لا تتهاونوا في إفتاء الناس بعدم وقوع الطلاق في الحيض، بل الزموهم به لأنهم التزموه، كما ألزم عمر بن الخطاب ﵁ الناس بالطلاق الثلاث لما التزموه، مع أن طلاق ثلاث في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر الثلاث واحدة، لكن لما تجرأ الناس على المحرم ألزمهم به ﵁ وقال: لا يمكن أن ترجع إلى زوجتك، فأنت الذي ألزمت نفسك.
قلت هذا لأن الناس الآن تلاعبوا، حيث يأتيك رجل عامي ويقول: إنه طلق زوجته في الحيض من عشر سنين، فتقول له: فإنه قد وقع، فيقول لك: إنه طلاق في الحيض فيكون بدعيًا، يقول هذا وهو عامي لايعرف الكوع من الكرسوع لكن لأن له هوى.
فهل يمكن أن نفتي مثل هذا ونقول له: طلاقك لم يقع؟!
الجواب: لا يمكن، لأنه أمامنا مسؤولية يوم القيامة، بل نقول: ألزمت نفسك فلزمك، أرأيت لو أنه حين انتهت عدتها من تلك الطلقة وتزوجها رجل آخر فهل تأتي إليه وتقول: المرأة امرأتي؟!!.
الجواب: لا يقول هذا، فإذا كان هو الذي ألزم نفسه بذلك فكيف نفتح له المجال.
[ ١٠١ ]
على كل حال؛ الطلاق في الحيض أكثر العلماء يقولون إنه يقع، والذين يقولون ليس بواقع قال الإمام أحمد عن قولهم: إنه قول سوء، يعني: لا ينبغي أن يؤخذ به.
المثال الرابع: رجل باع أوقية ذهب بأوقية ونصف، فهذا البيع باطل، لأن النبي ﷺ قال لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل سواء بسواء (١) .
المثال الخامس: رجل صلى في ثوب مغصوب فجمهور العلماء يقولون: تصح صلاته، لأن النهي ليس عن الصلاة، وإنما النهي عن الثوب المغصوب سواء صليت أو لم تصل، فالنهي هنا لا يعود إلى الصلاة، والنبي ﷺ لم يقل: لا تصلوا في الثوب المغصوب، بل نهى عن الغصب وحرمه ولم يتعرض للصلاة.
المثال السادس: رجل صلى نفلًا بغير سبب في أوقات النهي، فعمله هذا مردود لأنه منهي عنه لنفسه.
المثال السابع: صام رجل عيد الفطر، فصومه هذا مردود لأنه منهي عنه لنفسه.
المثال الثامن: توضأ رجل بماء مغصوب، فإنه يصح لأن النّهي عن غصب الماء لا عن الوضوء بالماء المغصوب.
فإذا ورد النهي عن نفس العبادة فهي غير صحيحة، وإذا كان النهي عامًا فإنه لا يتعلق بصحة العبادة.
المثال التاسع: رجل غش إنسانًا بأن خدعه في البيع فالبيع صحيح، لأنّ النّهي عن الغش، ولذلك إذا قبل المغشوش بهذا البيع صح البيع، قال النبي ﷺ: لاَ تَلَقُّوا الجَلَبَ والجلب: هو الذي يأتي به الأعراب إلى البلد من المواشي والأطعمة وغير ذلك فَمَنْ تَلَقَّى فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوْقَ فَهُوَ بِالخَيَار (٢) ولم يقل: فإن الشراء باطل، بل
_________________
(١) - أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الفضة بالفضة، (٢١٧٦)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب الربا، (١٥٨٤) (٧٥)
(٢) أخرجه مسلم، كتاب: البيوع، باب: تحريم تلقي الجلب، (١٥١٩) (١٧)
[ ١٠٢ ]
صحح الشراء وجعل الخيار لهذا المتلقى منه. وهو المغشوش المخدوع.
إذًا فرقٌ أن ينصبَّ النّهي عن العمل نفسه أو عن أشياء خارجة عنه، فإذا كان عن العمل نفسه فلا شك أنه مردود لأنك لو صححته لكان في ذلك محادّة لله ورسوله، أما إذا كان عن أمر خارج فالعمل باق على الصحة، والإثم في العمل الذي فعلته وهو محرم.
المثال العاشر: رجل حج بمال مغصوب بأن غصب بعيرًا وحج عليها، فالحج صحيح، هذا هو قول الجمهور وهو الصحيح، لكنه آثم بغصب هذه الناقة مثلًا - أو السيارة - لأن هذا خارج عن العبادة، إذ قد يحج الإنسان بدون رحل.
وقال بعضهم: لا يصح الحج، وأنشد:
إذا حججتَ بمالٍ أصلُهُ سُحْتٌ ضفما حججتَ ولكنْ حجَّتِ العيرُ
رواية مسلم: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ منطوق الحديث: أنه إذا لم يكن عليه أمر الله ورسوله فهو مردود، وهذا في العبادات لا شك فيه، لأن الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل علىمشروعيتها.
فلو أن رجلًا تعبد لله ﷿ بشيءٍ وأنكر عليه إنسان، فقال: ما الدليل على أنه حرام؟ فالقول قول المنكر فيقول: الدليل: هو أن الأصل في العبادات المنع والحظر حتى يقوم دليل على أنها مشروعة.
أماغير العبادات فالأصل فيها الحل، سواء من الأعيان، أو من الأعمال فإن الأصل فيها الحل.
مثال الأعيان: رجل صاد طيرًا ليأكله، فأُنكر عليه، فقال: ما الدليل على التحريم؟ فالقول قوله هو، لأن الأصل الحل كما قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) (البقرة: الآية٢٩) .
[ ١٠٣ ]
ومثال الأعمال: غير العبادات الأصل فيها الحل، مثال ذلك: رجل عمل عملًا في بيته، أو في سيارته، أو في لباسه أو في أي شيء من أمور دنياه فأنكر عليه رجل آخر فقال: أين الدليل على التحريم؟ فالقول قول الفاعل لأن الأصل الحل.
فهاتان قاعدتان مهمتان مفيدتان.
فعليه فنقول: الأقسام ثلاثة:
الأول: ما علمنا أن الشرع شرع من العبادات، فيكون مشروعًا.
الثاني: ما علمنا أن الشرع نهى عنه، فهذا يكون ممنوعًا.
الثالث: ما لم نعلم عنه من العبادات، فهو ممنوع.
أما في المعاملات والأعيان: فنقول هي ثلاثة أقسام أيضًا:
الأول: ما علمنا أن الشرع أذن فيه، فهو مباح، مثل أكل النبي ﷺ من حمر الوحش (١) .
الثاني: ما علمنا أن الشرع نهى عنه كذات الناب من السباع، فهذا ممنوع.
الثالث: ما لم نعلم عنه، فهذا مباح، لأن الأصل في غير العبادات الإباحة.
_________________
(١) أخرجه مسلم كتاب: الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب: تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، (١٩٤١)، (٣٧)
[ ١٠٤ ]