. ١أن النبي ﷺ عبد مأمور يوجه إليه الأمر كما يوجّه إلى غيره لقوله: أُمِرْتُ.
. ٢جواز إبهام المعلوم إذا كان المخاطب يعلمه، لقوله: أُمِرْتُ فأبهم الآمر لأن المخاطب يعلم ذلك.
. ٣وجوب مقاتلة الناس حتى يقوموا بهذه الأعمال.
فإذا قال قائل: لماذا لا يكون الأمر للاستحباب؟
والجواب: لا يكون للاستحباب، لأن هذا فيه استباحة محرّم، واستباحة المحرّم لاتكون إلا لإقامة واجب.
ولهذا استدل بعض الفقهاء - ﵏ - على وجوب الختان بأن الختان قطع شيء من الإنسان محترم، والأصل التحريم فلا يجوز قطع أي عضو أوجلدة من بدنك، فلما استبيح هذا القطع دلّ على وجوب الختان، إذ لا يستباح المحرّم إلا لأداء واجب وعلى هذا فنقول: الأمر هنا للوجوب.
[ ١٢٨ ]
فرضية الجهاد: الجهاد قد يكون فرض كفاية، وقد يكون فرض عين، ولا يمكن أن يكون فرض عين على جميع الناس لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا) (التوبة: ١٢٢)
أي القاعدون (فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: ١٢٢) .
. ٤وجوب شهادة أن لا إله إلا الله بالقلب واللسان، فإن أبداها بلسانه ولاندري عما في قلبه أخذنا بظاهره ووكلنا سريرته إلى الله ﷿ ووجب الكفّ عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، ولا يجوز أن نتهمه ونقول: هذا الرجل قالها كاذبًا، أو خوفًا من قتل أو أسر، لأننا لا ننقب عن قلوب الناس.
. ٥أنه لابد أن يعتقد الإنسان أن لا معبود حق إلا الله، فلا يكفي أن يعتقد أن الله معبود بحق، لأنه إذا شهدأن الله تعالى معبود بحق لم يمنع أن غيره يعبد بحق أيضًا. فلا يكون التوحيد إلا بنفي وإثبات: لا إله إلا الله، نفي الألوهية عما سوى الله وإثباتها لله ﷿.
. ٦أن المقاتلة لا ترتفع إلا بشهادة أن محمدًا رسول الله، وأما الدخول في الإسلام فيكون بشهادة أن لا إله إلا الله، لكن لو شهدت طائفة أن لا إله إلا الله وأبت أن تشهد أن محمدًا رسول الله فإنها تقاتل.
وشهادة أن محمدًا رسول الله تستلزم: تجريد المتابعة له، وأن لايتبع من سواه، وتصديقه فيما أخبر واجتناب ماعنه نهى وزجر، وأن لايعبد الله إلا بما شرع.
. ٧ وجوب إقامة الصلاة، لأنه إذا لم يقمها فإنه لا يمتنع قتاله، بل قد قال الفقهاء - ﵏ - يُقاتَل أهل بلد تركوا الأذان والإقامة وإن صلوا، لأن الأذان والإقامة من شعائر الدين الظاهرة، فإذا قال قوم: نحن لا نؤذن ولانقيم ولكن نصلي، وجب أن يقاتلوا.
[ ١٢٩ ]
واستدلّوا بأن النبي ﷺ كان إذا غزا قومًا أمسك حتى يطلع الفجر، فإن سمع أذانًا كفّ عن قتالهم، وإلا قاتلهم (١) .
كذلك قال الفقهاء: يقاتل أهل بلد تركوا صلاة العيد وإن لم تكن فرضًا على الأعيان كفريضة الصلوات الخمس.
قالوا: لأن صلاة العيد من شعائر الإسلام الظاهرة، فيقاتل أهل البلد إذا تركوا صلاتي العيدين
. ٨وجوب إيتاء الزكاة، لأنها جزء مما يمنع مقاتلة الناس.
ولابد أن يكون إيتاء الزكاة إلى مستحقّها، فلا يكفي أن يعطيها غنيًّا من أقاربه أو أصحابه لأن ذلك لايجزئ، لقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٦٠) .
٩إطلاق الفعل على القول، لقوله: إِذَا فَعَلُوْا ذَلِكَ مع أن في جملة هذه الأشياء الشهادتين، وهما قول، ووجه ذلك: أن القول حركة اللسان، وحركة اللسان فعل، ويصح إطلاق الفعل على القول بأن يكون القول في جملة أفعال، كما في الحديث، فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من الأفعال بلا شك.
كما يطلق القول على الفعل، وهذا كثير كما في حديث عمار بن ياسر ﵄ أن النبي ﷺ حين تيمّم قال بيديه هكذا وضرب بهما الأرض (٢)، وهذا فعل.
. ١٠أن الكفار تباح دماؤهم وأموالهم، لقوله: عَصَمُوا مِنِّيْ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ
_________________
(١) - أخرجه مسلم - كتاب: الصلاة، باب: الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان، (٣٨٢)، (٩)
(٢) - أخرجه البخاري - كتاب: التيمم، باب: المتيمم هل ينفخ فيهما، (٣٣٨)، ومسلم - كتاب: الحيض، باب: التيمم، (٣٦٨)، (١١٠)
[ ١٣٠ ]
فيقتلون، أو يؤسرون حسب ما تقتضيه الحال، وتغنم أموالهم. وهذا مما اختصّ به النبي ﷺ، فقد صحّ عنه أنه قال: أُعْطِيْتُ خَمْسًَا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِيْ: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مِسِيْرَةَ شَهْر، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًَا وَطَهُوْرًَا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ مِنْ قَبْلِيَ (١) والغنائم هي أموال الكفار إذا أخذناها بالقتال. أما الأمم السابقة فلا تحل لهم الغنائم، وقد ورد أنهم يجمعونها ثم تنزل نار من السماء فتحرقها (٢) .
١١أنه قد يستباح الدم والمال بحق الإسلام وإن لم يكن من هذه المذكورات التي في الحديث، وقد نوقش أبو بكرٍ الصّديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة فأجاب: بأن الزكاة حق المال، والنبي ﷺ قال: إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلامِ وقال ﵁: والله لو منعوني عناقًا - أو قال: عقالًا - كانوا يؤدونه إلى النبي ﷺ لقاتلتهم على ذلك (٣) .
وأسباب إباحة القتل في الإسلام ليس هذا موضع بسطها، لكنها معلومة بالتتبّع.
. ١٢أن حساب الخلق على الله ﷿، وأنه ليس على الرسول ﷺ إلا البلاغ، وكذلك ليس على من ورث الرسول إلا البلاغ، والحساب على الله ﷿.
فلا تحزن أيها الداعي إلى الله إذا لم تقبل دعوتك، فإذا أدّيت ما يجب عليك فقد برئت الذمة والحساب على الله تعالى، كما قال الله تعالى لنبيّه ﷺ: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ* إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ) (الغاشية: ٢٢-٢٣) يعني لكن من تولى وكفر (فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ*إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) (الغاشية: ٢٤-٢٦)
فلا تحزن أيها الداعي إلى الله إذا رد قولك، أو إذا لم يقبل لأول مرة، لأنك أديت
_________________
(١) - أخرجه البخاري - كتاب: التيمم، باب، (٣٢٥)، ومسلم - كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب، (٥٢١)، (٣)
(٢) - أخرجه الترمذي- كتاب: تفسير القرآن، باب: من سورة الأنفال، (٣٠٨٥)
(٣) - أخرجه البخاري- كتاب: الزكاة، باب: أخذ العناق في الصدقة، (١٤٥٦)، ومسلم- كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتالالناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، (٢٠)، (٣٢)
[ ١٣١ ]
ما يجب عليك.
ولكن اعلم أنك إذا قلت حقًا تريد به وجه الله فلابد أن يؤثر، حتى لو رد أمامك فلابد أن يؤثر، وفي قصة موسى ﵇ عبرة للدعاة إلى الله، وذلك أنه جُمعَ له السحرة من كل وجه في مصر، واجتمعوا، وألقوا حبالهم وعصيّهم حتى كانت الأرض تمشي ثعابين، حتى إن موسى ﵇ خاف (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى) (طه: ٦٧)
فلما اجتمعوا كلهم قال لهم: (وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى) (طه: ٦١)
كلمات يسيرة، قال الله ﷿: (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) (طه: ٦٢)
يعني أنهم تنازعوا فورًا، والفاء في قوله: (فَتَنَازَعُوا) للسببية والترتيب والتعقيب.
فتأمل كيف أثرت هذه الكلمات من موسى ﵇ بهؤلاء السحرة، فلابد لكلمة الحق أن تؤثر، لكن قد تؤثر فورًا وقد تتأخر. والله الموفق.
[ ١٣٢ ]