. ١أن من أسماء الله تعالى الطيّب، لقوله: إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ وهذا يشمل طيب ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه.
فأسماؤه كلّها حسنى، ولا يوجد في أسماء الله ما يكون فيه النقص لاحقيقة ولافرضًا، فكلّ أسماء الله تعالى ليس فيها نقصٌ بوجه من الوجوه، لأن الله تعالى قال: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الأعراف: الآية١٨٠) والحسنى اسم تفضيل، يقابلها في المذكر: الأحسن.
ولذلك لاتجد في أسماء الله ما يحتمل النقص أبدًا، ولهذا باب الصفات أوسع من باب الأسماء، لأن كل اسم متضمن لصفة، وأفعاله لامنتهى لها، كما أن أقواله لامنتهى لها، (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) (لقمان: ٢٧) فمن صفات الله المجيء، والإتيان والبطش كما قال تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ) (الفجر: الآية٢٢) وقال: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) (البروج: ١٢)
فنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولانسمّيه بها، فلا نقول من أسمائه: الجائي والممسك والباطش. وإن كنا نخبر بذلك عنه سبحانه ونصفه به
وهو ﷾ طيب في صفاته: فكل صفات الله تعالى طيبة ليس فيها نقص بوجه من الوجوه، فمثلًا:
القدرة والسمع، والبصر، والتكلم، كل هذه صفات طيبة يتصف الله تعالى بها.
[ ١٤٤ ]
وهناك من الصفات ما تكون كمالًا في حال ونقصًا في حال، وهذه الصفات لاتكون جائزة في حق الله ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تثبت له سبحانه إثباتًا مطلقًا، ولا تنفى عنه نفيًا مطلقًا، بل لابد من التفصيل: فتجوز في الحال التي تكون كمالًا، وتمنع في الحال التي تكون نقصًا، وذلك كالمكر، والكيد، والخداع ونحوها، فهذه الصفات تكون كمالًا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها، لأنها حينئذٍ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد، وتكون نقصًا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها، كقوله تعالى: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال: الآية٣٠) و(إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا* وَأَكِيدُ كَيْدًا) (الطارق: ١٥ (.
وأما الخيانة فلا يوصف الله بها، لأنها نقص بكل حال، فلا يوصف الله تعالى بالخيانة، ويدل لهذا قول الله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُم) (البقرة: الآية٩) وقوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) (النساء: الآية١٤٢) فأثبت الخداع لأنه يدل على القوة.
لكن في الخيانة قال الله ﷿: (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ) (لأنفال: الآية٧١) ولم يقل: فقد خانوا الله من قبل فخانهم، لأن الخيانة خِدعة في مقام الأمان، وهي صفة ذمّ مطلقًا، وبذا عرف أن القول "خان اللهُ من يخون" قول منكر فاحش يجب النّهي عنه ووصف ذم لا يوصف الله به.
إذًا صفات الله تعالى كلها طيبة، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) (النحل: الآية٦٠) أي الوصف الأعلى من كل وجه.
كذلك أيضًا هو طيبٌ في أفعاله، فأفعال الله تعالى كلها طيبة، لايفعل إلا خيرًا، وتقدم لنا الجواب عن قوله في القدر: "خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" فأفعاله كلّها خيرٌ وأحكامه كذلك كلّها متضمنة لمصلحة العباد في معاشهم ومعادهم، ولذا فهي طيبة صالحة لكلّ زمان
[ ١٤٥ ]
ومكان وحال.
. ٢كمال الله ﷿ في ذاته، وصفاته وأفعاله، وأحكامه.
. ٣أن الله تعالى غنيّ عن الخلق فلا يقبل إلا الطيب، لقوله: "لايَقبَلُ إلاَّ طَيِّبًَا" فالعمل الذي فيه شرك لايقبله الله ﷿ لأنه ليس بطيب، وكذا التصدّق بالمال المسروق لا يقبله الله لأنه ليس بطيب، والتصدّق بالمحرّم لعينه لا يقبله الله لأنه ليس بطيب.
. ٤تقسيم الأعمال إلى مقبول ومردود، لقول: "لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًَا" فنفي القبول يدل على ثبوته فيما إذا كان طيبًا، وهذا شيء ظاهر.
ومن ذلك أيضًا قول النبي ﷺ: (لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ) (١) هذا في العمل المقبول.
ومنها قوله: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (٢) وهذا في العمل المردود..
٥أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يؤمرون وينهون، لقوله: إِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤمِنينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرسَلِيْنَ وهو كذلك فالرسل عليهم الصلاة والسلام أكمل العباد عبادة لله ﷿، ولهذا كان النبي ﷺ يقوم في الليل حتى تتورّم قدماه، فقيل له في ذلك: إنه قد غفر الله له ماتقدّم من ذنبه وما تأخّر. فقال: "أَفَلا أَكُوْنُ عَبْدًَا شَكُوْرًَا" (٣) صلوات الله وسلامه عليه. وقس حال النبي ﷺ بحالنا اليوم، فالإنسان منا ينام إلى طلوع الفجر مع أن نعم الله علينا لا تحصى، ولقد قام مع النبي ﷺ ثلاثة رجال شبّان
_________________
(١) - أخرجه البخاري - كتاب: الحيل، باب: في الصلاة، (٦٩٥٤)، ومسلم -كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة، (٢٢٥) ن (٢)
(٢) سبق تخريجه صفحة (١٣)
(٣) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب (ليغفر للك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) (٤٨٣٦)، مسلم، كتاب صفات المنافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة (٢٨١٩)
[ ١٤٦ ]
وعجزوا أن يلحقوه في تهجّده.
فهذا الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان ﵁ قام مع النبي ﷺ ذات ليلة يتهجّد يقول: فقرأ سورة البقرة فقلت يركع عند المائة فمضى حتى أكملها، فقلت يركع، فشرع في سورة النساء وأكملها، ثم شرع في سورة آل عمران وأكملها (١)، وهو شاب.
وابن عباس ﵄ قام مع النبي ﷺ ذات ليلة ورأى من تهجّده ما يطول. والحاصل: أن الرسل مأمورون منهيون وأنهم أقوم الناس بعبادة الله ﷿..
٦أن المؤمنين مأمورون منهيون لقوله: "وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرسَلِينَ" وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أكثر امتثالًا لأمر الله ﷿، وإذا رأيت من نفسك هبوطًا في امتثال الأوامر فاتّهمها بنقص الإيمان وصحح الوضع قبل أن يستشري هذا المرض فتعجز عن الاستقامة فيما بعد.
. ٧استعمال ما يشجع على العمل، وجهه: قول النبي ﷺ: "إِنَّ الله أَمَرَ المُؤمنينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرسَلِيْنَ" فإذا علم المؤمن أن هذا من مأمورات المرسلين فإنه يتقوَّى ويتشجّع على الامتثال.
. ٨الأمر بالأكل من الطيبات للمؤمنين والمرسلين.
ويتفرّع على هذا فائدة: ذم من امتنع عن الطيبات بدون سبب شرعي، فلو أن إنسانًا بعد أن منَّ الله على الأمة بالغنى وأنواع الثمار والفواكه قال: أنا لن آكل هذه تورّعًا لا لعدم الرّغبة، فإنه قد أخطأ وعمله خلاف عمل السلف الصالح، لأن السلف الصالح لما فتحوا البلاد صاروا يأكلون ويشربون أكلًا وشربًا لايعرفونه في عهد النبي ﷺ، فمن امتنع عن الطيبات بغير سبب شرعي فهو مذموم رادٌّ لمنّة الله ﷿ عليه،
_________________
(١) - أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل (٧٧٢) .
[ ١٤٧ ]
ومن المعلوم بالعقل أن ردّ منّة ذي المنّة إساءة أدب، فلو أن رجلًا من الكرماء أهدى إليك هدية ورددتها فإن هذا يعتبر سوء خلق وأدب، ولهذا كان النبي ﷺ لا يرد الهدية (١)، ولو كانت الهدية شيئًا قليلًا فإنه يقبلها ويثيب عليها.
والخلاصة: أن الامتناع عن الطيّبات لغير سبب شرعي مذموم..
٩أنه يجب شكر نعمة الله ﷿ بالعمل الصالح لقوله تعالى: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) (المؤمنون: الآية٥١) وفي المؤمنين قال: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّه) (البقرة: الآية١٧٢)
ويتفرّع من الجمع بين الآيتين: أن الشكر هو العمل الصالح، لقول النبي ﷺ: "إِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤمِنِيْنَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ" والذي أمر به المرسلين شيئان:
الأول: الأكل من الطيبات.
والثاني: العمل الصالح.
فليس كل من قال: الشكر لله، والحمد لله يكون شاكرًا حتى يعمل صالحًا، ولهذا قال بعض الفقهاء: الشكر طاعة المنعم، أي القيام بطاعته، وهذا معنى قوله (وَاعْمَلُوا صَالِحًا) المؤمنون ٥١)
. ١٠توجيه الأمر لمن هومتّصف به، لقوله: وَاعْملُوا صَالِحًَا فوجه الأمر بالعمل الصالح للمرسلين مع أنهم يعملون الصالحات ولا شك في ذلك، وهذا كقوله تعالى لرسوله محمد: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) (الأحزاب: الآية١) وقوله: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) (الأحزاب: ٣٧) ففي هذه الآيات أمر الله رسوله ﷺ بالتقوى مع أنه ﷺ أتقى الناس لله ﷿ والواحد منا -ونحن مفرطون - إذا قيل له: اتق الله. انتفخ غضبًا، ولو قيل
_________________
(١) - أخرجه البخاري - كتاب: الهبة، باب: المكافأة في الهبة، (٢٥٨٥)
[ ١٤٨ ]
له: الله يهديك، لقال: وما الذي أنا واقع فيه، ورسول الله ﷺ يخاطبه ربه بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) (الأحزاب: ١) .
فالرسل عليهم الصلاة والسلام مأمورون بالعمل الصالح وإن كانوا يعملونه تثبيتًا لهم على ماهم عليه ليستمرّوا عليه..
١١تحريم الخبائث، لقوله: (مِنْ الطَيِّبَاتِ) وقوله في المؤمنين: (مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (البقرة: ١٧٢) .
* لكن ماهو مدار الخبث: أعلى ما يستخبثه الناس وكل إنسان بطبيعته أو أن نقول: الخبيث ما استخبثه الشرع.
والجواب: الخبيث ما استخبثه الشرع، لأنه لايمكن أن يرد هذا إلى عقول الناس، لأنه يفتح من الشر والخلاف ما هو معلوم، ولنضرب لهذا مثالًا: بعض الناس يستقذر ويستخبث أكل الجراد. ومن الناس من يستخبث الضب، وهما حلال، وعلى هذا فالاستخباث ليس مرجعه للكراهة الطبيعية، لأن كل إنسان يكره ما لا يعتاد أكله.
وعلى هذا فالمرجع في كون الشيء طيبًا أو خبيثًا إلى الشرع لا إلى أذواق الناس، فبعض العرب كما قيل عنهم: يأكل كل ماهب ودب إلاالخنفساء أو شيءٍ مثل الخنفساء، والباقي كله يؤكل.
. ١٢استبعاد إجابة آكل الحرام لو عمل من أسباب الإجابة ما عمل، لأن النبي ﷺ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر وقال بعد ذلك "أَنَّى يُسْتَجَابُ" لذلك وهذا استفهام استبعاد.
لكن هل هذا يعني أنه يستحيل أن يجاب؟
والجواب: لا، لأن الإنسان قد يستبعد شيئًا ولكن يقع، وإلا فإن النبي ﷺ استبعد هذا تنفيرًا عن أكل الحرام.
.
[ ١٤٩ ]
١٣أن السفر من أسباب إجابة الدعاء، وجه هذا: أنه وردت أحاديث في أن المسافر لاتردّ دعوته (١)، ثم إن ذِكْرَ الرسول ﷺ السفر يدل على أن للسفر تأثيرًا في إجابة الدعاء، ولاسيما إذا أطال السفر وبعد عن الوطن فإن قلبه يكون أشد انكسارًا ولجوءًا إلى الله ﷿.
. ١٤أن الشعث والغبرة من أسباب إجابة الدعاء.
لكن هذا قد يرد عليه أن التورع عن المباحات بدون سبب شرعي مذموم، فيقال المراد بالحديث: أن هذا الرجل يهتم بأمور الآخرة أكثر من اهتمامه بأمور الدنيا.
. ١٥أن رفع اليدين في الدعاء من أسباب الإجابة.
ويكون الرفع بأن ترفع يديك تضم بعضهما إلى بعض على حذاء الثُّندُؤتين أي أعلى الصدر، ودعاء الابتهال ترفع أكثر من هذا، حتى إن النبي ﷺ في دعاء الاستسقاء رفع يديه كثيرًا حتى ظن الظانّ أن ظهورهما نحو السماء من شدة الرفع، وكلما بالغت في الابتهال فبالغ في الرفع.
وهنا مسألة: هل رفع اليدين مشروع في كل دعاء؟
الجواب: هذا على ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما ورد فيه رفع اليدين. والقسم الثاني: ماورد فيه عدم الرفع. والقسم الثالث: مالم يرد فيه شيء.
فمثال القسم الأول: إذا دعا الخطيب باستسقاء، أو استصحاء فإنه يرفع يديه والمأمومون كذلك، لما رواه البخاري في حديث أنس ﵁ في قصّة الأعرابي الذي طلب من الرسول ﷺ في خطبة الجمعة أن يستسقي فرفع النبي ﷺ يدعو ورفع الناس أيديهم معه يدعون (٢)
_________________
(١) - (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، دعوى المظلوم) أخرجه الإمام أحمد (٢/٢٥٨) والبخاري في الأدب المفرد (٣٢)، وابن حبان كما في الموارد (٢٤٠٧) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٠٣١) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة (١٠١٤) ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء (٨٩٧) .
[ ١٥٠ ]
ومما جاء في السنة رفع اليدين في القنوت في النوازل أو في الوتر. وكذلك رفع اليدين على الصفا وعلى المروة، وفي عرفة، وما أشبه ذلك فالأمر في هذا واضح.
الثاني: ماورد فيه عدم الرفع كالدعاء حال خطبة الجمعة في غير الاستسقاء والاستصحاء، فلو دعا الخطيب للمؤمنين والمؤمنات أو لنصر المجاهدين في خطبة الجمعة فإنه لايرفع يديه، ولو رفعهما لأنكر عليه، ففي صحيح مسلم عن عمارة بن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه فقال: "قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد أن يقول بيده هكذا. وأشار بإصبعه المسبحة" (١)، وكذلك رفع اليدين في دعاء الصلاة كالدعاء بين السجدتين، والدعاء بعد التشهّد الأخير، وما أشبه ذلك، هذا أيضًا أمره ظاهر.
الثالث: ما لم يرد فيه الرفع ولا عدمه: فالأصل الرّفع لأنه من آداب الدعاء ومن أسباب الإجابة، قال النبي ﷺ "إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيْمٌ يَسْتَحْيِيْ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهَ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًَا" (٢) .
لكن هناك أحوال قد يُرَجَّحُ فيها عدم الرّفع وإن لم يرد كالدعاء بين الخطبتين مثلًا، فهنا لا نعلم أن الصحابة كانوا يدعون فيرفعون أيديهم بين الخطبتين، فرفع اليدين في هذه الحال محلّ نظر، فمن رفع على أن الأصل في الدعاء رفع اليدين فلا يُنْكَرُ عليه، ومن لم يرفع بناءً على أن هذا ظاهر عمل الصحابة فلا ينكر عليه، فالأمر في هذا إن شاء الله واسع.
. ١٦أن من أسباب إجابة الدعاء التوسل إلى الله تعالى بالربوبية لقوله: "يَا رَبّ يَا رَبّ" وقد ورد في حديث: أن الإنسان إذا قال: يارب يارب يارب قال الله تعالى: ماذا
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (٨٧٤) .
(٢) تقدم تخريجه ص ١٤٣
[ ١٥١ ]
تريد، أو كلمة نحوها، ثم استجاب له، ولهذا تجد أكثر الأدعية الموجودة في القرآن مصدرة بـ: يارب.
ولما سمع بعض السلف داعيًا يقول: ياسيدي، فقال: لاتقل ياسيدي، قل ما قالت الرسل: يارب. وذلك لأن العدول عن الألفاظ الشرعية غلط؛ وإن كان الإنسان يجد أن ذلك أشد تعظيمًا.
وهذه بليّة ابتُليَ بها كثير من الناس، تجدهم يأتون بأسجاع كثيرة من الأدعية لا زمام لها، وربما يكون بعضها محذورًا، ويعدلون عن الأدعية الشرعية، ولهذا أوصي بأن لا تعدلوا عن الأدعية الشرعية إلى غيرها، إلامن له حاجة خاصة، يريد أن يسأل ربه إياها، فهذا شيء آخر، لكن تأتي بأسجاع طويلة عريضة لاأصل لها ولا زمام، فهذا خلاف ما ينبغي للإنسان إذا دعا الله ﷿.
. ١٧التحذير البالغ من أكل الحرام، لأن أكل الحرام من أسباب ردّ الدعاء وإن توفرت أسباب الإجابة، لقول النبي ﷺ: "فَأنى يُسْتَجَابُ لذلك" هذا مع أن أكل الحرام - والعياذ بالله - سبب لانصراف الإنسان عن القيام بواجب الدين، لأن البدن يكون متغذّيًا على شيءٍ فاسد، والمتغذي على فاسد سيؤثر عليه هذا الغذاء. والله المستعان.
[ ١٥٢ ]