(عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁، سمعت رسول الله ﷺ يقول)، قال الزركشيُّ (١): هذا ممَّا يتكرَّر كثيرًا، وفي المنصوبينِ بعدَ (سمعتُ) قولانِ، والجمهورُ على أنَّ الأوَّل مفعولٌ به، وجملة (يقول) حاليَّةٌ (٢)، ثمَّ الأوَّل بتقدير مضافٍ أي: سمعتُ كلامه؛ لأنَّ السَّمع لا يقع على الذوات، ثم بيَّن المحذوفَ بالحال المذكور وهو (يقول) وهي حال مُبيِّنَةٌ لا يجوز حذفها (٣) (٤).
_________________
(١) هو أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشيُّ الشافعيُّ، وله تصانيف نافعة، منها: تنقيحه للبخاريّ في مجلدة، وشرح جمع الجوامع في مجلدين، وشرح المنهاج، والبحر المحيط في أصول الفقه، والنكت على ابن الصَّلاح، توفي سنة (٧٩٤ هـ). انظر: إنباء الغُمر لابن حجر (١/ ٤٤٦)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ١٦٧).
(٢) لأنَّ القاعدة: (أنَّ الجمل الخبريّة -التي لم يطلبها العامل لزومًا- إن وقعت بعد النكرات المحضة: فصفاتٌ، أو بعد المعارف المحضة: فأحوال)، وخرج بقيد: (التي لم يطلبها العامل لزومًا): الجملة الخبريَّة نحو: زيدٌ قام أبوه، والمحكيَّة بالقول نحو: قال زيدٌ: عمرو قام أبوه. انظر: موصّل الطلاب إلى قواعد الإعراب لخالد الأزهري (١٢٦ - ١٢٧).
(٣) لم أقف على كلام الزركشيِّ، ولعلَّه في شرح الأربعين الذي نسبه له الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمته في الدر الكامنة (٥/ ١٣٤) ..
(٤) قال أبو حيَّان في البحر المحيط في التفسير (٣/ ٤٧٢): (سمع إن دخل على مسموعٍ تعدَّى لواحدٍ نحو: سمعت كلام زيد، كغيره من أفعال الحواسِّ، وإن دخل على ذاتٍ وجاء بعده فعلٌ أو اسمٌ في معناه نحو: (سمعت زيدًا يتكلَّم)، و(سمعت زيدًا يقول كذا)، ففي هذه المسألة خلافٌ، منهم من ذهب إلى أنَّ ذلك الفعل أو الاسم إن كان قبله نكرةٌ كان صفةً لها، أو معرفةٌ كان حالًا منها، ومنهم من ذهب إلى أنَّ ذلك الفعل أو الاسم هو في موضع المفعول الثاني لـ (سمع)، وجعل (سمع) مما يعدَّى إلى واحدٍ إن دخل على مسموعٍ، وإلى اثنين إن دخل على ذاتٍ، وهذا مذهب أبي عليٍّ الفارسي. والصحيح القول الأول). وقد تبع أبا عليٍّ الفارسيَّ: ابنُ آجرُّومَ ﵀ في مقدِّمته في النحو ص (١٤)، وانظر: التذييلَ والتكميلَ (٦/ ٤٦ - ٤٩) وارتشافَ الضَّرَبِ (٤/ ٢١٠٥) كلاهما لأبي حيَّان، وعقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد للسيوطي (١/ ٧١).
[ ١٧٤ ]
وقول الفارسيِّ (١) في الإيضاح (٢) (٣):
إنَّ الواقع بعد (سمعت) إن كان يُسمع: تعدَّت إلى مفعولٍ، كـ (سمعت القرآنَ والحديثَ) أو لا: فإلى مفعولين كـ (سمعت رسول الله يقول) فجملة (يقول) مفعولٌ ثانٍ، رُدَّ: بأنَّه لو كان يتعدَّى لاثنين كان إمَّا من باب (أعطيت) ولا يجوز؛ لأنَّ ثاني مفعوليه لا يكون جملةً ولا مُخْبَرًا به عن الأوَّل، و(سمعت) بخلافه، أو (ظننت) ولا يجوز؛ لصحَّة (سمعت كلام زيد) فتُعَدِّيْه إلى واحدٍ، ولا ثالث للبابين وقد بطلا، فتعيَّنَ الأوَّلُ (٤).
_________________
(١) هو أبو عليّ الحسن بن أحمد بن عبد الغفَّار النحوي المشهور، قال السيوطيّ: واحد زمانه في علم العربية، أخذ عن الزَّجَّاج وابن السَّرَّاج، وقال كثيرٌ من تلامذته: إنَّه أعلم من المبرّد، وبرع من طلبته جماعةٌ: كابن جنِّيٍّ وعليِّ بن عيسى الرَّبَعيِّ، وكان متَّهمًا بالاعتزال. توفِّي (٣٧٧ هـ). انظر: بغية الوعاة (١/ ٤٩٦).
(٢) قريبٌ من معنى هذا النصِّ في كتابه الإيضاح (ص ١٥٣).
(٣) الإيضاح كتابٌ شامل لأبواب النحو، واضح العبارة، يميل إلى الاختصار والرصانة، وتقسيماته رائعة، ولذا حرص عليه العلماء ما بين شارحٍ له، ومعتنٍ بشواهده، وقد أرْبتْ أعمال العلماء عليه على خمسين عملًا انظر: مقدِّمة محقّق الكتاب في ص (٣٥)، ولعبد القاهر الجُرجاني ثلاثةَ شروحٍ عليه ..
(٤) قال البطَلْيُوسي -بفتح الياء وضمِّها- في كتابه: الحُلل في شرح أبيات الجُمل (١٩٢ - ١٩٣) - بعد أن ذكر رأي أبي عليٍّ الفارسيِّ - قال: (وهذه من مسائله التي غلط فيها؛ لأنَّ (سمعت) لو كان ممَّا يتعدَّى إلى مفعولين لم يخْلُ أن يكون من باب ما يتعدَّى إلى مفعولين لا يجوز السُّكوت على أحدهما، وهو من باب (ظننت وأخواتها)، أو يكون من باب ما يجوز فيه السكوت على أحد المفعولين، وليس في العربيَّة بابٌ آخر له حكم ثالثٌ؛ فلا يجوز أن يكون من باب (ظننت)؛ لأنهم قد عدَّوه إلى مفعولٍ واحدٍ، فقالوا: سمعت كلام زيدٍ، ولا يجوز أن يكون من باب (أعطيتُ)؛ لأنَّ باب (أعطيتُ) لا يجوز أن يكون المفعول الثاني فيه إلَّا اسمًا محضًا، ولا يجوز أن يقع موقعه فعلٌ ولا جملةٌ، وأنت تقول: (سمعت زيدًا يتكلَّم)، و(سمعت زيدًا وهو يتكلَّم)، فيأتي بعده بفعلٍ أو بجملةٍ، فثبت أنَّه مما يتعدَّى إلى مفعول واحدٍ).
[ ١٧٥ ]
قال ابن الدّهَّان (١): (ولا يُخْتَار: (سمعت زيدًا قائلًا) إلا أن يعلِّقه بشيء آخر؛ لأنَّ (قائلًا) موضوعٌ للذات، والذات غير موضوعةٍ للسمع) (٢).
(مَنْ رَأَى) أي: علِمَ فهي عِلْميَّة، ويصحُّ كونُها بصريَّةً، وقِيْسَ ما علِمَهُ على ما رآه (مِنْكُمْ) معشر المكلَّفين القادرين، فهو خطابٌ لجميع الأُمَّةِ الذين يمكنهم ذلك، الحاضرُ بالمشافهة، والغائبُ تبعًا، أخرج بذلك نحوَ: الصبيِّ والمجنونِ والعاجزِ.
(مُنْكَرًا) أي: شيئًا قبيحًا قبَّحه الشرعُ قولًا أو فعلًا ولو صغيرةً، خلافًا لما يوهمه كلام الإمام (٣)، (فليُغَيِّره) أي: يُزلْه ويبدِّلْه بغيره وجوبًا بالشرع لا بالعقل، -خلافًا للمعتزلة (٤)
- على الكفاية (٥) إن عَلِمَ بِهِ أَكْثرُ مِنْ واحِدٍ، وإلّا فعينًا ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ
_________________
(١) سعيد بن المبارك بن علي المعروف بابن الدَّهَّان البغدادي، من شيوخه: أحمد بن الحسن بن البنَّاء، ومن مؤلفاته: شرح الإيضاح والتكملة، والأضداد، وكان واسع العلم بالعربية، حتى نعت بسيبويه عصره، وكان يعدّ من نحاة بغداد الأربعة وهم: ابنُ الجواليقيِّ، وابنُ الشجريِّ، وابنُ الخشَّاب، وابن الدَّهَّان، توفي سنة (٥٦٩ هـ). وقد عَمِيَ في آخر عُمُرِه بسبب قصَّةٍ عجيبةٍ ذكرها القِفطيُّ في إنباه الرواة، انظر: إنباه الرواة (٢/ ٥١) وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٩) وبغية الوعاة (٢/ ٣٨٩).
(٢) لم أقف على كلامه؛ ولعلَّه في كتابه: (شرح الإيضاح والتكملة) - شرحان على كتابين لأبي عليٍّ الفارسي- ذكره القفطيُّ وياقوتُ وغيرهما، وذكروا أنَّه في ثلاثةٍ وأربعين مجلَّدًا، انظر: إنباه الرواة (٢/ ٥٠)، ومعجم الأدباء (٣/ ١٣٧١).
(٣) هو إمام الحرمين أبو المعالي الجوينيُّ ﵀وتقدَّمت ترجمته في ص (١٧١ - ١٧٢) - ونصُّ كلامه - في: الإرشاد إلى قواطع الأدلَّة ص (٣٦٩ - ٣٧٠):) ويسوغُ لآحادِ الرعيَّة أن يصدَّ مرتكب الكبيرة إن لم يندفع عنها بقوله؛ ما لم ينتهِ الأمر إلى نصبِ قتالٍ، وشهرِ سلاحٍ، فإن انتهى الأمر إلى ذلك رُبطَ الأمر بالسلطان).
(٤) هذا الذي قاله المصنِّفُ هو الحقُّ، وخلافُ أهلِ السُّنَّة والأشاعرة من جهةٍ، والمعتزلة من جهة أخرى في هذه المسألة مشهورٌ في علمِ أصول الفقه باسم: (التَّحسين والتَّقبيح العقليَّين)، وذكر هذه المسألةَ الأصوليّونَ لارتباطها بمبحث الحكم التكليفيِّ؛ إذ إنَّ من قال بالتحسين والتقبيح بإطلاقٍ رتَّب على ذلك الإيجاب والتحريم والندب والكراهة كما يأتي. =
[ ١٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = واختلف الناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ: الأوَّل: النفي بإطلاقٍ، أي: أنَّ العقل لا يدرك حسن الأشياء وقبحها، وأنَّ الأفعال لا توصف بالحسن والقبح لذواتها، وهذا القول ينسب إجمالًا إلى الأشاعرة انظر: رسالة السجزي إلى أهل زبيد (٩٥)، والمستصفى للغزالي (١/ ٥٧) والتسعينية لابن تيمية (٣/ ٧٤٧) والقول الثاني: إثبات التحسين والتقبيح العقليين بإطلاقٍ، بمعنى: أنَّ العقل يدرك حسن الأشياء أو قبحها، ويرتِّب على ذلك المدح والثواب، أو الذمَّ والعقاب، وهذا القول اشتهر عن المعتزلة، انظر: المعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي (٢/ ٣٢٨)، ونهاية الإقدام للشهرستاني (٣٧١) والإحكام للآمدي (١/ ٨٠) وشرح تنقيح الفصول للقرافي (٩١). والقول الثالث: أنَّ العقل يمكنه إدراك حسن أو قبح كثيرٍ من الأفعال والأشياء لما تشتمل عليه من صفات الحسن أو القبح الذاتيين، فتسمَّى الأشياءُ والأفعالُ قبل الشرع حسنةً أو قبيحةً، لكن لا يترتب على ذلك الإدراك: وجوبٌ ولا تحريمٌ، ولا ثوابٌ ولا عقابٌ، بل ذاك متوقّفٌ على ورود الدليل الشرعيِّ به، وهذا القول وسطٌ بين القولين السابقين، وإليه ذهب الجمهور من السلف والخلف، ونصَّ عليه: أبو نصر السجزي في رسالته إلى أهل زبيد (٩٥، ١٤٠)، ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية في كثيرٍ من كتبه منها: التسعينيَّة (٣/ ٧٤٧)، ودرء التعارض (٨/ ١٤) وكما في مجموع الفتاوى (٣/ ١١٤) وابن القيم في مفتاح دار السعادة (٢/ ٥١) فيفرِّقون بين أمرين: إدراك العقل لحسن الحسن وقبح القبيح، وترتّب الوجوب والتحريم والثواب والعقاب على ذلك الإدراك العقليّ، ومن أسباب الخلاف في هذه المسألة: الخلاف العقديُّ في أفعال الله تعالى وأوامره ونواهيه هل هي معلَّلةٌ بالحكم والغايات أو لا؟ والحقُّ ما عليه السلف من أنَّ الله تعالى خلق المخلوقات، وفعل المفعولات، ونهى عن المنهيَّات لحكمةٍ مقصودةٍ، انظر: كتاب: (التحسين والتقبيح العقليان، وأثرهما في مسائل أصول الفقه، مع مناقشة علميَّة لأصول المدرسة العقليَّة الحديثة) للدكتور/عائض بن عبد الله الشهراني، وهي رسالة علميَّة، طبعت في ثلاث مجلدات، في كنوز إشبيليا عام ١٤٢٩ هـ.
(٢) جاء في هامش الأصل قطعةٌ من شرح ابن حجر الهيتميِّ وهي: (واعلم: أن فرض الكفاية إذا لم يقم به أحدٌ أثمَ كلُّ من علم به وتمكَّن منه، وكذا من جَهِلَه وكان يمكنه البحث عنه لقربه منه فتركه؛ إذ يلزمه البحث بما يليق به، ويختلف بكبر البلد وصغرها، وإذا قام الكلُّ بفرض الكفاية ولو مرتَّبًا كان كلُّ منهم مثابًا عليه، فلا مزيَّة لبعضهم على بعضٍ، والقيام به مع عدم تعيُّنِه أفضل منه [مع تعيُّنِه، نعَم؛ القيام بفرض عينٍ لذاته أفضل منه] بفرض الكفاية، ما لم يتعين على خلافٍ فيه، ولا ينافي ما تقرَّر من الوجوب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ =
[ ١٧٧ ]
أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١)
ويكون ذلك بالمعروف لحديث: (من أمَرَ بمعروفٍ فليكنْ أمرهُ بمعروفٍ) (٢).
/ [١٢٩/أ] وظاهر الحديث: أنَّه لا يتوقَّف على إذنِ الإمام أو نائبه، ومحلُّه إن لم يَخفْ من عدم استئذانه مفسدةً راجحةً أو مُسَاويةً، وإلا توقَّف على إذنه.
(بِيَدِهِ) لأنَّها أبلغ في تغييره، كإراقة الخمر، وتفكيك آلة اللهو، والحيلولة بين الضارب
_________________
(١) = أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية؛ لأنه ﷺ سئل عنها فقال: (ائتمروا بالمعروف، وتناهَوا عن المنكر، فإذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوى متَّبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كلِّ ذي رأيٍ برأيه، ورأيت أمرًا لا يد لك به فعليك بنفسك) الحديث، ففيه تصريحٌ بأنَّ الآية محمولةٌ على ما إذا عجز المنكِر عن إزالة المنكَر، ولا شكَّ في سقوط الوجوب حينئذٍ، على أنَّ معناها عند المحققين: إنكم إذا فعلتم ما كلِّفتم به لا يضرُّكم تقصيرُ غيركم، نحو: ﴿ولا تزرُ وازرةٌ وزر أخرى﴾، ومما كلِّفنا به الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فإذا لم يمتثلهما المخاطب فلا عَتب حينئذ؛ لأن الواجب الأمر والنهي لا القبول). الفتح المبين (٥٤٤ - ٥٤٥) وما بين معقوفتين ساقطٌ من الهامش ومستدركٌ من الكتاب.
(٢) آل عمران: (١٠٤) ..
(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٠/ ٨١) من طريق سَلْمٍ يعني ابن ميمون الخواص، عن زفر، حدثني المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا. وسلْم بن ميمون على جلالته وزهده قال ابن عَدِيٍّ في الكامل في ضعفاء الرجال (٤/ ٣٥١): (وله أحاديث مقلوبة، مقلوب الإسناد والمتن، وهو في عِداد المتصوِّفة الكِبار، وليس الحديث مِنْ عمله، ولعلّه كان يقصد أن يصيبَ فيخطئ في الإسناد والمتن؛ لأنَّه لم يكن من عمله)، وذكره الذهبيّ في ديوان الضعفاء (ص ١٦٧)، وضعَّف الحديثَ الشارحُ المناويُّ في التيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٤٠٥) وأخرجه الشِّهابُ القُضاعيُّ في مسنده (١/ ٢٨٥) من طريق المقدام بن داود عن علي بن معبد، ثنا بقية بن الوليد، عن إسحاق بن مالك الحضرمي، عن أبي برزة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان آمرا بمعروف فليكن أمره ذلك بمعروف» وإسحاق ابن مالك ضعفه الأزديّ، انظر: لسان الميزان (٢/ ٧٠) وبقيَّة يدلِّس، وضعَّف الحديثَ الغماريُّ، انظر: المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي (٦/ ٢١٦).
[ ١٧٨ ]
والمضروب، كذا قرَّره شارحٌ (١)، وقال آخرُ: يغيِّرُهُ بيده إن توقَّفَ تغييره عليها (٢).
(فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) ذلك بيده (فَبِلِسَانِهِ) أي: بقوله، كأن يصيحَ عليهم فيتركوه، أو يسلِّط عليهم من يغيِّره، كذا قرَّره جمع من الشرَّاح (٣).
وقضيَّته: أنَّه لو أمكنه إزالتُه بالمباشرة [وإزالتُه بالقول: أنَّه يجب إزالته بالمباشرة] (٤) ولا يكفي إزالته بالقول، كصياحٍ واستغاثة، وهذا لا يسوغ المصير إليه؛ لأنَّ المقصود من الأمر: إنَّما هو الإزالة بأيِّ طريقٍ كان (٥)، فلزوم تقديم الإزالة باليد (٦) التي هي عبارةٌ عن التصرُّف الفعليِّ بأن يريق الخمر مثلًا بنفسه، أو يصيح على من أَوْلَج أو يريد الإيلاج في أجنبيَّةٍ ليفارقها، أو يهدِّده إن لم يترك شرب الخمر أو الزِّنا بإحضار أعوان السلطان والقبض عليه ونحو ذلك، فإن أمكنه ذلك فهو الواجب أصالةً، وإن عجز عنه سقط التكليف بذلك، ولزمه الإنكار باللسان بنحو: توبيخٍ، وتحذيرٍ من لحوق العارِ بِه، وسقوط جاهه ومنزلته من القلوب، وتذكيره بالله وأليم عقابه، مع لينٍ أوإغلاظٍ بحسب ما يقتضيه الحال، وقد يبلغ في ذلك بالرفق ما لم يبلغ بغيره (٧).
حكى التَّاج السبكيُّ (٨) عن أبيه (٩): أنَّه كان يجتمع ببعض الأمراء، وكان الأمير يُلَازم
_________________
(١) لعلَّه يقصد الطوفي، فهذا الكلام في شرحه التعيين في شرح الأربعين (٢٩٠).
(٢) لعلَّه يقصد ابن حجر، فهذا الكلام في شرحه الفتح المبين (٥٤٠).
(٣) انظر: التعيين (٢٩٠)، والفتح المبين (٥٤١).
(٤) ما بين معقوفتين زيادة من نسخة (ب).
(٥) وفي (ب): (إنَّما هو لإزالة الأذى بأيِّ طريقٍ).
(٦) في هامش نسخة الأصل سطرٌ لا أدري علاقته بالكلام، وهو: (الإزالة باليد لا معنى له، والمعنى الظاهر من الحديث أنَّ المأمور به أوَّلًا).
(٧) في (ب): (ما لا يبلغ).
(٨) هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي العلامة تاج الدين ابن الشيخ العلَّامة تقي الدين السبكي، واشتغل على والده وعلى غيره وقرأ على الحافظ المزِّي، ولازم الذهبيَّ وتخرَّج عليه، وقد ذكره الذهبيّ في (المعجم المختص) وأثنى عليه، وقال ابن كثير: (جرى عليه من المحن والشدائد مالم يجرِ على قاضٍ قبله، وحصل له من المناصب مالم يحصل لأحدٍ قبله) وحصَّل فنونًا من العلم من الفقه والأصول، وكان ماهرًا فيهما وفي الحديث، وشارك في العربية وكان له يد في النظم والنثر، ومؤلفاته كثيرة من أشهرها: جمع الجوامع، وطبقات الشافعية الوسطى، والكبرى، انظر: طبقات الشافعية لابن قاضى شهبة (٣/ ١٠٥).
(٩) هو علي بن عبد الكافي بن علي السبكي، الشيخ العلَّامة الفقيه الأصولي، وصفه الذهبيّ في المعجم المختص بالمحدثين (ص: ١٦٦): بـ (القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء)، وكان ممن جمع فنون العلوم، وقد حصلت بينه وبين شيخ الإسلام ابن تيمية مناقشات مشهورة في مسألتي: شدِّ الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ، وتعليق الطلاق، له التآليف الكثيرة من أشهرها: الإبهاج في شرح المنهاج، وقضاء الأرب في أسئلة حلب، وإكمال شرح المهذَّب، انظر: الوافي بالوفيات (٢١/ ١٦٦)، وذيل تذكرة الحفاظ للحسيني (٢٥). وطبقات الشافعية الكبرى (١٠/ ١٣٩) وما بعدها.
[ ١٧٩ ]
الحرير، فقال يا أميرُ: بِكَمْ هذا الذِّراعُ؟ قال: بدينارٍ، قال: من الصوف ما كلّ ذراعٍ منه بدنانيرَ، ومماليكُكَ وخدَمُك يشاركونك في لُبس الحرير، ولا يليق بشَهامتك أن يُساووكَ؛ فاعدل إلى الصوف؛ فإنَّه أعلى وأغلى، مع ما فيه من السلامة من العقاب الأخرى! (١) فاستحسن كلامه وترك الحرير (٢)،
ولو قال له ابتداءً: هذا حرامٌ فاتركه لم يُفِدْ، فهذا النوع من الرفق والتلطف واجبٌ فيمن يليق به.
وقول الشيخ الهيتميِّ: عقب قوله: (فبلسانه): (أي: بقوله المرتَجَى نفعه) (٣): غير سديدٍ؛ إذ لا يُلائِمُ المصحَّحَ في مذهبه في وجوب / [١٢٩/ب] الإنكار، وإن عَلم أنه لا يفيد، كما نَقَل هو عن الروضة (٤) -بعد ذلك- أنَّه حكى عليه فيها إجماع العلماء وانتصر له وردَّ على من خالفه (٥).
_________________
(١) في (ب): (الأخروي).
(٢) انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٢/ ٥٩ - ٦٠) ..
(٣) الفتح المبين (٥٤١).
(٤) روضة الطالبين (١٠/ ٢١٩).
(٥) قال الهيتميّ: (وسواءٌ أعَلم عادةً أنَّ كلامه لا يؤثِّر أم لا؛ على ما في (الروضة) للمصنف، لكن خالفه كثيرون فقالوا أخذًا من أحاديثَ مصرِّحة بذلك: إذا علم ذلك سقط الوجوب عنه، ونقل الإمام عليه الإجماع، لكنَّه ليس في محلِّه، بل ظاهر كلام المصنِّف: أن الإجماع على الأوَّل؛ فإنه نقله عن العلماء، وهذه الصيغة تفيد الإجماع أو الأكثر منهم). الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: ٥٤١). واختار بعض العلماء منهم العلَّامةُ محمَّدٌ الأمينُ الشَّنقيطيُّ -﵀- في تفسير قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أنَّه إذا كان الإنكارُ لا يُجْدِيْ نفعًا -بأن عَلِم عادةً أنَّ كلامه لا يؤثِّر- فيجبُ عليه أن ينكِرَ أوَّلًا إقامةً لِلحجَّة، وتبرئةً للذِّمَّة، ويندبُ الإنكار عليه بعد ذلك، ثمَّ ذكر الشَّيخُ الأمينُ -﵀- أنَّ للذكرى ثلاثَ حِكَمٍ: خروجُ فاعلها من عُهْدة الأمرِ بها، ورجاءُ النَّفع لمن يوعظ بها، وإقامةُ الحجَّة على الخلق، قال:) فالنبي ﷺ إذا كرَّر الذكرى حصلت الحكمة الأولى والثالثة، فإن كان في الثانية طمع استمر على التذكير وإلا لم يكلف بالدوام، والعلم عند الله تعالى، وإنَّما اخترنا بقاء الآية على ظاهرها -مع أنَّ أكثر المفسِّرين على صرفها عن ظاهرها المتبادر منها، وأنَّ معناها: فذكر مطلقا إن نفعت الذكرى، وإن لم تنفع- لأنَّنا نرى أنَّه لا يجوز صرف كتاب الله عن ظواهره المتبادرة منه إلَّا لدليلٍ يجب الرُّجوع له، وإلى بقاء هذه الآية على ظاهرها. انظر: دفعَ إيهام الاضطراب (٢٥٩ - ٢٤٠).
[ ١٨٠ ]
نعم (١) يشترط ألَّا يغلب على الظنِّ (٢) أنَّ المنهيَّ يزيد فيها عِنَادًا، وألَّا يتولَّد من الأمر ما هو أنكرُ (٣)، وأن يكون المنكَر مُجْمَعًا عليه (٤)، وأن يعتقد فاعلُه تحريمَه، أو حِلَّه وضعفتْ
_________________
(١) كلمة (نَعَم) في هذا السياق للاستدراك، انظر: الكلِّيَّات لأبي البقاء الحنفي (٩١٣).
(٢) في الأصل: (أنَّ الظنَّ)، و(أن) كأنها مقحمة في السياق، والمثبت من نسخة (ب).
(٣) ونقل الشنقيطيّ في أضواء البيان (١/ ٤٦٤) إجماع المسلمين على هذا، فقال: (يشترط في جواز الأمر بالمعروف ألَّا يؤدِّيَ إلى مفسدةٍ أعظم من ذلك المنكر; لإجماع المسلمين على ارتكاب أخفِّ الضررين).
(٤) قال العلَّامة الشنقيطيّ في أضواء البيان (١/ ٤٦٤): (وأمَّا إن كان من مسائل الاجتهاد فيما لا نصَّ، فلا يحكم على أحد المجتهدين المختلفين بأنَّه مرتكبٌ منكرًا، فالمصيب منهم مأجورٌ بإصابته، والمخطئ منهم معذور كما هو معروفٌ في محلِّه). وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيميّة أنَّ قولهم: (لا إنكار في مسائل الخلاف غير صحيح؛ لأنّ الإنكار إمَّا أن يتوجَّه إلى القول بالحكم أو العمل، أمَّا الأوَّل فإذا كان القولُ يخالفُ سنَّةً، أو إجماعًا قديمًا وجب إنْكارُه وفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإنَّه ينكرُ بمعنى بيانِ ضعفِه عندَ من يقول: المصيبُ واحدٌ، وهم عامَّة السلف والفقهاء، وأمَّا العملُ: فإذا كان على خلافِ سنَّةٍ، أو إجماعٍ وجب إنكاره أيضًا بحسب درجات الإنكار كما ذكرناه من حديث "شارب النبيذ" المختلف فيه، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سُنَّةً، -وإن كان قد اتَّبَع بعضَ العلماء-). الفتاوى الكبرى لابن تيميَّة (٦/ ٩٦).
[ ١٨١ ]
شُبْهَتُه جدًّا كنكَاحِ مُتْعَةٍ، ولا يناقضُ الحديثَ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ (١) لأنَّ معناه: إذا فعلتمْ ما أُمرتمْ به لا يضرُّكم تقصيرُ غيرِكم.
وظاهر الحديثِ: أنَّه يلزمه الأمر والنهي وإن كان هو لم يمتثلْ ذلك، وبه صرَّح في رواية الطبرانيِّ من حديث أنسٍ: «قلت يا رسول الله: لا نأمرُ بالمعروف حتى نفعلَه، ولا ننهَى عن المنكر حتَّى نجتنبَه، فقال: مُرُوا بالمعروف وإن لم تفعلوه، وانهَوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله» (٢).
أي: لأنَّه يجب ترك المنكر وإنكاره، فلا يسقُط بترك أحدهما وجوب الآخر، ولهذا قيل للحسن: فلانٌ لا يعظُ، ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال وأيُّنا يفعل ما يقول؟ ودَّ الشيطان لو ظفر بهذا، فلم يأمر أحدٌ بمعروفٍ، ولم ينهَ عن منكرٍ (٣).
ولو توقَّف الأمرُ والنَّهيُ على الِاجتناب لرُفع الأمرُ بالمعروف، وتعطَّل النَّهيُ عنِ المنكر،
_________________
(١) سورة المائدة: (١٠٥).
(٢) رواه الطبرانيّ في المعجم الأوسط (٦/ ٣٦٥) من طريق عبد القدوس بن عبد السلام بن عبد القدوس، حدثني أبي، عن جدِّي، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: قلنا: يا رسول الله، لا نأمر بالمعروف حتى نعمل به، ولا ننهى عن المنكر حتى نجتنبه كله؟ فقال رسول الله ﷺ: «بل مروا بالمعروف، وإن لم تعملوا به كله، وانهوا عن المنكر، وإن لم تجتنبوه كله» وهو حديثٌ ضعيفٌ جدًّا، قال العراقيّ: في عبد القدوس: (أَجمعُوا عَلَى تَركه)، انظر: المغني عن حمل الأسفار (ص ٨١١)، وضعَّفه أيضًا الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٧٧).
(٣) لم أقف عليه بلفظه، لكن أخرج قريبًا منه: عبد الله بن أحمد في الزهد (ص ٢١٧) من طريق شيبان، والرامهرمزيّ في المحدِّث الفاصل (ص ٣٥٤) من طريق شعيب بن زريق، أنَّه سمع عطاء الخراسانيّ، كلاهما عن الحسن أنّه قال للعلاء بن الشخّير: حدِّثنا يا علاء، قال: إنَّا لم نبلغ ذلك يا أبا سعيدٍ، قال الحسن: «فأيُّنا يبلغ ذلك؟ والله لولا ما اعتقده الله تعالى [أي: عقده] على العلماء لم ننطق، ودَّ الشيطان لو يمكِّنونه من هذا». وهو سندٌ صحيح.
[ ١٨٢ ]
وانسدَّ بابُ النَّصيحة التي حثَّ الشَّارعُ عليها، سيَّما في هذا الزمان الذي صار التلبُّس فيها بالمعاصي شعارَ الأنام، ودثارَ الخاصِّ والعامِّ! .
ولهذا قال العارفُ ابن عربيٍّ (١): لو كُشِفَ لوليٍّ أنَّ فلانًا لا بدَّ أن يزنيَ بفلانةَ، أو يشربَ الخمرَ لزمه النَّهيُ ولم يسقُطْ عنه؛ لأنَّ نور الكشف لا يطغى (٢) نورَ الشَّرْع، فمشاهدته من طريق الكشْفِ لا يسقط النهي عنه؛ لأنَّه -تعالى- تعبَّدَنا بإزالة المنكر، وإن شهدنا كشفًا أنَّه [منكرٌ] (٣)
متحتِّمُ الوقوع، ولا يعارِض ذلك: أنَّ المصطفى: (رأى في النَّار قومًا يدورون كما تدور الرَّحَى، فسأل جبريلَ، فقال: كانوا يأمرون بالمعروف ولا يفعلونه، وينْهَون عن المنكر ويفعلونه) (٤)، ما ذاك إلَّا لأنَّ تعذيبهم إنما هو على [فعل] (٥) المنكر،
_________________
(١) هو محمَّد بن علي بن محمد بن عربيّ، أبو بكر الحاتمي الطائي الأندلسي، المعروف بمحيي الدين ابن عربي، وهو كما يقول الذهبي: (قدوة القائلين بوحدة الوجود)، وهو صاحب شطحاتٍ كثيرة، وأقوال مخالفة للشريعة، لا سيَّما في كتابه (فصوص الحكم)، وقد اختلف الناس في شأنه اختلافًا كثيرًا، يقول شيخ الإسلام ابن تيميَّة: (وإنما كنت قديمًا ممن يحسّن الظن بابن عربيّ ويعظّم؛ لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من "الفتوحات " ولم نكن بعدُ اطلعنا على حقيقةِ مقصوده، ولم نطالع الفصوص ونحوه، وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه، ونكشف حقيقة الطريق، فلما تبيَّن الأمرُ عرفنا نحن ما يجب علينا). مجموع الفتاوى (٢/ ٤٦٥ و٢/ ١٣٠). انظر: لسان الميزان (٥/ ٣١١ - ٣١٥)، وطبقات المفسرين للسيوطي (١١٣ - ١١٤)، وتنبيه الغبيّ إلى تكفير ابن عربيّ للبِقاعيِّ (١٨) وما بعدها.
(٢) كذا في النسختين، ولعلها (لا يطفئ) والله أعلم.
(٣) ما بين معقوفتين زيادة من نسخة (ب) ..
(٤) أخرجه في صحيحيهما: البخاريّ في كتاب الفتن، باب الفتنة التي تموج كموج البحر، (٩/ ٥٥، ح ٧٠٩٨)، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله، (٤/ ٢٢٩٠، ح ٢٩٨٩) كلاهما من طرقٍ عن الأعمش عن شقيقٍ عن أسامة بن زيدٍ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقْتابُ بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرَّحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه». واللفظ لمسلمٍ. وتندلق أقتاب بطنه: أي: إذا خرجت أمعاؤه. انظر: مقاييس اللغة (٢/ ٢٩٧)، وقال ابن السكيت: واحدها قِتْب، وهي مؤنثة، وتصغيرها قُتَيبة، وبه سمي قُتَيبة. انظر: إصلاح المنطق (ص ٣٠٣).
(٥) في النسختين: (ترك المنكر)، لكن أشيرَ في هامش نسخة الأصل أنَّ في نسخة (ظ وق): (فِعْل)، وبها يستقيم المعنى.
[ ١٨٣ ]
لا على إنكاره مع التلبُّس بفعله بشهادة الحديث المتقدِّم.
وعلى الإمام نصبُ محتسِبٍ (١) يأمرُ وينهى وإن لم يختصَّ بذلك به.
(فإن لم يستطع) الإنكارَ بلسانه لوجود مانعٍ كخوف فتنةٍ، وشَهْرِ سلاحٍ، أو خوفٍ على نفسٍ أو عضوٍ أو مالٍ محترمٍ أو نحو ذلك (فبقلبه) ينكرُهُ وجوبًا بأن يكرهه به، / [١٣٠/أ] ويعْزِم أنَّه لو قدر بقولٍ أو فعلٍ فَعلَ، وهذا واجبٌ عينًا على كلِّ أحدٍ بخلاف الّلَذَين قبله، وذلك لأنَّهُ يجب على الإنسان كراهة ما يكرهه الله من المعاصي، والأعمال بالنيَّات، وهذا تدرُّجٌ في تغييره بحسَبِ الاستطاعة الأبلغ فالأبلغ، كما في قول المصطفى ﷺ لعمرانَ بنِ حُصَينٍ: (صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ) (٢).
وعكسُهُ قول الفقهاء في دفع الصَّائل (٣): يُتنزَّل من الكلام، إلى العصا، إلى السَّيف، الأسهل فالأسهل (٤).
وأفاد الحديثُ: وجوبَ تغيير المنكر بكلِّ طريقٍ ممكنٍ، وأنَّه لا يكتفي بالوعظ لمن أمكنه
_________________
(١) احتسب فلانٌ عليه: أنكَر عليه قبيح عمله، ومنه المحتسب. انظر: تاج العروس (٢/ ٢٧٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في أبواب تقصير الصلاة، بابٌ إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنبٍ (٢/ ٤٨) عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين ﵁، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: «صَلِّ قائمًا ».
(٣) قال ابن فارسٍ في مقاييس اللغة (٣/ ٣٢٢): (الصاد والواو واللام أصلٌ صحيحٌ، يدلّ على قهرٍ وعلوٍّ، يقال: صال عليه يصول صولةً، إذا استطال). وحكى الزبيديّ في تاج العروس (٢٩/ ٣٣٨) أنَّ مضارعها يأتي أيضًا على (يصيل) وإن أهمله الجوهريّ في الصحاح.
(٤) انظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٦٣٧)، ومنح الجليل لمحمد عليش (٩/ ٣٦٨)، وروضة الطالبين للنووي (١٠/ ١٨٧)، والكافي في فقه الإمام أحمد لابن قدامة (٤/ ١١٢).
[ ١٨٤ ]
تغييره باليد ولم يخفْ فتنةً، ولا بالقلب لمن يمكنه اللسان.
(وذلك) أي: الإنكار بالقلب (أضعفُ الإيمان) أي: أقلُّ خصاله، فالمراد به: الإسلام، وأقلُّ آثار الإيمان وثمراته (١)؛
لما مرَّ في حديث جبريل: أن الإيمان هو التصديق (٢).
وصلاحُ الإيمان، وجرَيانُ شرائع الأنبياء الكرام: إنَّما يستمرُّ عند استحكام هذه القاعدة.
وإنَّما كان تغييره بالقلب أضعفَ الإيمان لأنَّ مجرَّد كراهته له بقلبه لا يحصل بها زوالُ
_________________
(١) وضّح هذا ابن جماعة في التبيين في شرح الأربعين النوويّة (ص ١٨٨) فقال: (الظاهر أنّه بالنسبة إلى آثار الإيمان ومقتضاه، لا إلى حقيقته ومعناه؛ إذ سبق في حديث جبريل أنَّ الإيمان هو التصديق بالله فوجب التأويل لما ذكرنا جمعًا بن الحديثين)، ويشير الشارح ﵀ إلى ما تقرَّر عند الأشاعرة من إخراج الأعمال الصالحة عن مسمَّى الإيمان، فقد سمَّى العمل (ثمرةً)؛ لأنَّ الشجرة تكتمل بدون الثمرة، وهذه المسألة من أعظم المسائل التي حصل فيها الاختلاف بين أهل السنة وبين المرجئة، ولأجل إخراج المرجئة (العمل) عن الإيمان سُمُّوا مرجئةً؛ لأنَّهم أرجؤوا -أي: أخَّروا العمل عن الإيمان- قال شيخ الإسلام ابن تيمية:) الأعمال الظاهرة من موجبِ إيمان القلب ومقتضاه، وهي تصديقٌ لما في القلب، ودليلٌ عليه، وشاهد له، وهي شعبة من مجموع الإيمان المطلق، وبعضٌ له؛ لكن ما في القلب هو الأصل لما على الجوارح ولهذا ظنَّ طوائف من الناس: أنَّ الإيمان إنَّما هو في القلب خاصة، وما على الجوارح ليس داخلًا في مسمَّاه، ولكن هو من ثمراته ونتائجه الدالَّة عليه). مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٤) ..
(٢) تعريف الإيمان بالتصديق اشتهر في كتب أهل العلم؛ بل حكى الأزهريّ اتفاق أهل اللغة على أنَّ: (معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أيْ: مُصَدِّقٍ لنا)، انظر: تهذيب اللغة (١٥/ ٣٦٩) لكن ناقشَ شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في كون الإيمان في الّلغة بمعنى الإقرار لا التصديق؛ لأنَّ لفظة (أقرَّ) أصدق في الدلالة على معنى الإيمان من غيرها من الألفاظ، وذكر أسبابًا لذلك منها: أنَّ لفظة (آمن) تختلف عن لفظة (صدَّق) من جهة التعدي، حيث إنَّ آمن لا تتعدَّى إلا بحرفٍ إما الباء أو اللام، وثانيًا: ليس بينهما ترادفٌ في المعنى، فإنَّ الإيمان يستخدم في الأمور التي يؤتمن فيها المخبر مثل الأمور الغيبية، لأنه مشتقّ من الأمن، أما الأمور المشاهدة فلا يقال فيها: آمن، بل يقال: صدَّق. انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٢٩٠ - ٢٩٣) و(٧/ ٥٢٩ - ٥٣٤).
[ ١٨٥ ]
مفسدةِ المنكر المطلوب زوالُه، فهو قاصرٌ بخلافه باليد واللسان فإنه متعدٍّ؛ لأنَّه كراهةٌ وإزالةٌ.
وفي رواية زيادةُ: (وليس وراء ذلك من الإيمان حبَّةُ خردلٍ) (١) أي: ليس وراء هذه المرتبة مرتبةٌ أخرى؛ لأنَّه إذا لم يكرهه بقلبه رضي به، وذلك ليس شأن أهل الإيمان، وقد قيل: التغيير باليد للأمراء، وباللِّسان للعلماء (٢)، وبالقلب للعامَّة (٣) (٤).
قال بعض الأعيانِ: وينبغي للآمر بالمعروف: أن يقصدَ به وجه الله، وإعزازَ الدين لينصره الله تعالى، فإنه بذلك القصد لا يخِيْبُ.
ولو رضي بالمنكَر بقلبه: فإنْ رضيَه معتقِدًا جوازَه كَفَرَ؛ لتضمِّنِه تكذيبَ الشرع في تحريمه، أو رَضِيَ به لغلبة الهوى والشهوة مع اعتقاد تحريمه: فَسَقَ.
والحديث يصلُح أن يكون نصف الإسلام، من حيث إنَّ أعمال الشريعة إمَّا: معروفٌ يجب الأمر به، أو منكرٌ يجب النَّهي عنه، وهو أصلٌ في صفة التغيير، فلمن قام به أن يغيِّره بكل طريقٍ أمكن زواله به قولًا أو فعلًا، بنفسه أو بغيره مخلصًا بنيَّتِه، ولا يهابُ من يُنكَر عليه وإن علت رتبته؛ فإن الله ينصره بدليل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (٥)
_________________
(١) هذه الزيادة من حديث ابن مسعودٍ ﵁، لا من هذا الحديث -حديث أبي سعيدٍ-، وهي في صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، (١/ ٦٩، ح ٨٠).
(٢) في الأصل: (وباللسان للعمل) والمثبت من نسخة (ب).
(٣) ذكر الجردانيُّ في الجواهر اللؤلؤية (٤٨٧): أنه نُقِل عن الشعرانيِّ عن إبراهيم المتبوليِّ.
(٤) هذا فيه نظرٌ؛ إذ النصُّ عمَّم، فمن خصَّص فعليه الدليل؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «من رأى منكم منكرًا» ولم يفرِّق بين العلماء والعوامِّ؛ فإذن: مناطُ الحكم هو الِاستطاعة، ومعرفة المنكر أنَّه منكرٌ، ولعلَّ منطلق هذا الكلام ظنُّ الكثيرِ أنَّ التغيير باليد مستلزمٌ للقتال؛ وهذا ليس بصحيحٍ -كما قال الحافظ ابن رجبٍ في جامع العلوم والحكم (٦٠٣): ناقلًا عن الإمام أحمد -﵀فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح).
(٥) سورة الحجِّ: (٤٠).
[ ١٨٦ ]
﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ﴾ (١) ولا يتركه لمداهنةٍ وطلب جاهٍ، / [١٣٠/ب] أو وجاهةٍ، ولا لِصَداقةٍ ومَودَّةٍ؛ لأنَّ صداقته ومودَّته تُوجب له حُرْمَةً وحقًّا، [ومن حقِّه]: (٢) أنْ يَنْصَحَه ويَهْديَهُ إلى مصالح آخرته، ويُنقذه من مَضارِّها، وصديقُ الرَّجُل: من سعى في عِمَارة آخرته، وعدوُّه: مَنْ يَسْعَى في خرابها.
هذا، ولا يُشْترط في المنكِر: كونُه مُطاعًا نافذَ الأمر [كما مَرَّ] (٣)، فإذا لم يمتثل المخاطَب فلا لوم على المنكِر؛ لأنَّه أدَّى ما عليه، ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (٤) ولا يتجسَّس إلَّا إنْ أخبره ثقةٌ بأنَّ هناك ما لا يجوز فعلُه، كرجلٍ خلَا بامرأة ليزْنيَ بها، فله البحث عنها حَذَرًا من فَوْتِ ما لا يمكنه تداركُهُ.
وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: مِنْ شُعَبِ الإيمان، وبه قِوام الدِّين ومِلاكه، وقد سدَّه الظلمة وأعوانُهم بتغلُّبهِمْ على العلماء وغيرهم حتَّى لا يبقَى للعالم معهم كلمة (٥).
تنبيه: قال الطُّوفي: الناس: إمَّا آمرٌ بمعروفٍ ناهٍ عن المنكَر فهو المؤمن العدْل، أو لا آمرٌ بمعروفٍ ولا ناهٍ عن منكَرٍ، فإن كان مع عدم الحاجة إلى ذلك فهو معذورٌ، وإن كان مع الحاجة إليه: فإن كان بعذرٍ سقط كذلك عنه، أو قام غيرُهُ مُقَامه فلا حرج عليه، وإلَّا فهو آثمٌ فاسقٌ.
أو آمرٌ بالمعروف غير ناهٍ عن المنكر ففي تركه النَّهيَ عن المنكرِ التفصيلُ المذكور.
أو ناهٍ عن المنكر غيرِ آمرٍ بالمعروف فالتفصيل المذكور.
أو آمرٌ بالمنكر ناهٍ عن المعروف فهو منافقٌ؛ لأنَّه تعالى وصف المنافقين بذلك، ثمَّ النفاقُ
_________________
(١) آل عمران: (١٠١)
(٢) قوله (ومن حقِّه) ليس في الأصل، والمثبت من نسخة (ب).
(٣) زيادة من (ب).
(٤) المائدة: (٩٩).
(٥) في (ب): حتى لم يبق لعالم.
[ ١٨٧ ]
ضربان: نفاقٌ في الإيمان، ونفاقٌ في الأعمال، وهذا لا بُدَّ له من أحدهما (١).
(رواه مسلم) (٢) وسببُ تحديثِ أبي سعيدٍ به: أنَّه كان أوَّلَ مَنْ بدأ بالخطبة قبل الصلاة يوم العيد مروانُ، فقام إليه رجلٌ فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد تُرِكَ ما هنالك، فقال أبو سعيد: أمَّا هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله يقول: فذكره (٣).
ورواه أيضًا عن أبي سعيدٍ: أحمدُ (٤) وأصحاب السنن الأربعة (٥).
_________________
(١) انظر: التعيين في شرح الأربعين للطوفيّ (٢٩٢).
(٢) وفي هامش نسخة الأصل: (وأبو داود، وابن ماجه في سننيهما، وأحمد وعبدٌ في مسنديهما، وأبو يعلى وابن أبي الدنيا وغيرهم، ذكره السخاويُّ في تخريج أحاديث المتن، وبسط فيه بيان طرق الحديث). ولعلَّ هذا من غير المصنِّف بدليل أنَّه سيأتي من كلام المصنِّف كون الحديث في مسندِ أحمدَ والسنن الأربعة، والله أعلم.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، (١/ ٦٩، ح ٧٨).
(٤) مسند أحمد (١٧/ ٣٣٩).
(٥) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، في صلاة العيد، باب الخطبة يوم العيد (١/ ٣٩٦، ح ١١٤٠)، والنسائيّ في كتاب الإيمان وشرائعه، باب تفاضل أهل الإيمان، (٨/ ١١١، ح ٥٠٠٨)، والترمذيّ في أبواب الفتن، باب ما جاء في تغيير المنكر باليد أو باللسان أو بالقلب، (٤/ ٣٩، ح ٢١٧٢)، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (٢/ ١٣٣٠، ح ٤٠١٣). وقال الترمذيّ: حديثٌ حسن، وسكت عنه أبو داود.
[ ١٨٨ ]
[٣٥ - عَنْ أَبِيْ هريرةَ ﵁، قَالَ: قال رسول الله ﷺ «لَا تَحَاسَدُوا، ولا تنَاجَشُوا ولا تبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، ولَا يَكْذِبُهُ، ولَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى ههنا - وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثًا (١) - بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعَرْضُهُ» رَواهُ مُسْلِمٌ].
_________________
(١) في الأربعين: (ثلاثَ مرارٍ).
[ ١٨٩ ]