أوَّلًا: يسلك المؤلِّف في شرحه طريقة الدمج والمزج، بحيث يضمن شرحه الأصلَ المشروح.
ثانيًا: ترجمته للصحابيِّ راوي الحديث: بذكر اسمِه ونسبِه، وإسلامِه ومبايعتِه وغزواتِه مع النبيِّ ﷺ، وفقهِه وعلمِه ﵁، وشيءٍ من صفاته، وسنةِ وفاتِه ومكان دفنِه أحيانًا، فمثلًا قال عن أبي سعيدٍ الخدريِّ -﵁-:
(عن) حليفِ الصبر ومؤثرِ الفقر (أبي سعيدٍ الخدريِّ) سعدِ بنِ مالك بن سِنان ابن عبيد الأنصاريّ الخزرجيّ (الخُدْريّ) بضمِّ الخاء المعجمة نسبةً إلى جدّه خُدرة، بمعجمة فمُهملة، ووهِم من جعلها معجمة، وقيل نسبة إلى الخُدْرة، - قومٌ من أهل اليمن- ابن عوف بن الحارث بن الخزرج، أسلمَ وبايعَ المصطفى ﷺ على أن لا تأخذه في الله لومةُ لائمٍ، وغزا اثني عشر غزوة، ولم يكن أحدٌ من الصحابةِ الأحداثِ أفقهَ منه، وكان من الرُّماة المشهورينَ المذكورينَ في الصحابة، وهو معدودٌ من أهل الصُّفَّة،
_________________
(١) ص (١٥٦ - ١٥٧) من هذا الكتاب.
(٢) ص (١٥٤) من هذا الكتاب.
[ ٥٦ ]
مات سنة أربعٍ وسبعين، ودُفن بالبقيع) (١).
ثالثًا: إبرازُ الشَّارحِ الجانبَ الفقهيَّ في الحديث، وذكر اختلاف الفقهاء، مع ذكر أدلَّتهم ومناقشتها مع الاختصار، فمثلًا قال -في شرح حديثِ: «لا ضرر ولا ضرار» -:
(وأخذ منه الشافعيّةُ: أنَّ للجار منعَ جارِه مِن وضعِ جِذعه على جداره وإن احتاج، وخالف الحنابلةُ تمسُّكًا بخبر: «لا يمنعْ أحدٌ جاره أن يضعَ خشبةً على جداره»، وأجيب بأنَّه ضعيفٌ لضعفِ جابرٍ الجُعفيِّ، وبفرض صحّته فقد قال ابن جريرٍ: (هو -وإن كان ظاهرُه الأمرَ- معناه الإباحةُ والإطلاقُ؛ بدليل هذا الخبر، وخبر: «إنّ دماءكُم وأموالكم عليكم حرام») (٢).
رابعًا: من ميزات الشرح: تحرير محلِّ النزاع، ومن ذلك قوله -﵀-:
(واعلم أنَّه قام الإجماعُ على استحلاف المدَّعَى عليه في المال، واختلف في غيره:
فذهب الشافعيُّ وأحمدُ إلى وجوبها على كلِّ من ادُّعِيَ عليه في حَدٍّ، أو طلاقٍ، أو نكاحٍ، أو عِتْقٍ، أو غيرها؛ أخذًا بظاهر عموم الحديث، فإنْ نَكَلَ حلف المدَّعِيْ وثَبتتْ دعواه.
وقال الحنفيَّة: يحلف على النِّكاحِ والعِتقِ، فإنْ نَكَلَ لزمه ذلك كلُّه.
واتفق الثَّلاثةُ على: أنَّ اليمينَ يتوجَّهُ على كلِّ مَنِ ادُّعِيَ عليه حقٌّ، سواءٌ كان بينه وبين المدَّعِيْ اختلاطٌ أم لا، وشَرَطَ المالِكيَّةُ-كالفقهاءِ السَّبعةِ فقهاءِ المدينة- في كونها عليه: أن يكون بينهما اختلاطٌ؛ لئلّا تبتذلَ السفهاءُ الأكابرَ بتحليفهم) (٣).
خامسًا عناية الشَّارح بالجانب اللغويِّ والإعرابيِّ في الحديث، وإطالة النفسِ في هذا مع النقل عن كبار الأئمة في الفنِّ، ومن ذلك قول الشارح- -﵀- في إعراب: (سمعت رسول الله يقول) قال:
(قال الزركشيُّ: هذا ممَّا يتكرَّر كثيرًا، وفي المنصوبينِ بعدَ (سمعتُ) قولانِ، والجمهورُ
_________________
(١) ص (١٤٨) من هذا الكتاب.
(٢) ص (١٥١) من هذا الكتاب.
(٣) ص (١٦٦ - ١٦٧) من هذا الكتاب.
[ ٥٧ ]
على أنَّ الأوَّل مفعولٌ به، وجملة (يقول) حاليَّةٌ، ثمَّ الأوَّل بتقدير مضافٍ أي: سمعتُ كلامه؛ لأنَّ السَّمع لا يقع على الذوات، ثم بيَّن المحذوفَ بالحال المذكور وهو (يقول) وهي حال مُبيِّنَةٌ لا يجوز حذفها.
وقول الفارسيِّ في الإيضاح: إنَّ الواقع بعد (سمعت) إن كان يُسمع: تعدَّت إلى مفعولٍ، كـ (سمعت القرآنَ والحديثَ) أو لا: فإلى مفعولين كـ (سمعت رسول الله يقول) فجملة (يقول) مفعولٌ ثانٍ، رُدَّ: بأنَّه لو كان يتعدَّى لاثنين كان إمَّا من باب (أعطيت) ولا يجوز؛ لأنَّ ثاني مفعوليه لا يكون جملةً ولا مُخْبَرًا به عن الأوَّل، و(سمعت) بخلافه، أو (ظننت) ولا يجوز؛ لصحَّة (سمعت كلام زيد) فتُعَدِّيْه إلى واحدٍ، ولا ثالث للبابين وقد بطلا، فتعيَّنَ الأوَّلُ.
قال ابن الدّهَّان: (ولا يُخْتَار: (سمعت زيدًا قائلًا) إلا أن يعلِّقه بشيء آخر؛ لأنَّ (قائلًا) موضوعٌ للذات، والذات غير موضوعةٍ للسمع) (١).
سادسًا: عنايته بالجانب الوعظيِّ الإيمانيِّ، وترسيخ مبدأ الزهد عن الدنيا بذكر مساوئها وحقارتها، فمثلًا قال عن الحديث الحادي والثلاثين:
(وقد تضمَّن الحثَّ على التقلُّلِ من الدُّنيا فالنَّظرِ إليها بعينِ الحقارة؛ وذلك لِما تطابقتْ عليه المللُ والنِّحَلُ حتى من أنكرَ المعاد، فمِلاكُ هذا الدِّين وسلوكُ سبيل الناجين: الزُّهد فيها والإعراض عنها؛ ولهذا كان محطَّ نظرِ السَّلفِ الصَّالحِ: التَّجرُّدُ المطلقُ عن علائقها) (٢).
سابعًا: تعقّباته على الشُّرَّاح، فمثلًا تعقَّب على الطوفيِّ في مسألة المصلحة فقال:
(وعُلِمَ ممّا تقررَّ: أنّه لو ورد دليلٌ خاصٌّ بضررٍ خاصٍّ خُصِّصَ به العمومُ، على القاعدة الأصوليَّة من تقديم الخاصِّ على العامِّ، ولا نظرَ حينئذٍ لرعاية المصالح، خلافًا لما أطال به الشارح الطوفيُّ هنا، وبسط الكلام عليه في نحو كرَّاسين، وزعم أنَّ المصلحة تُقدَّم على جميع الأدلَّة حتّى النصِّ والإجماعِ!، ومع عدم الورود تُرَاعَى المصالحُ إثباتًا، والمفاسدُ
_________________
(١) ص (١٧٣) من هذا الكتاب.
(٢) ص (١٤٥) من هذا الكتاب.
[ ٥٨ ]
نفيًا؛ لأن الضرر هو المفسدة، فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة؛ لأنَّهما نقيضان لا واسطة بينهما) (١).
وأيضًا تعقَّب على الفاكهيِّ المالكيِّ والهيتميِّ الشافعيِّ، قال:
(وقد أورد الشارح الهيتميُّ هنا فروعًا كثيرةً على مذهب الشَّافعية، والفاكهيُّ فروعًا كثيرة على مذهب المالكيَّة، وذلك غيرُ جيِّدٍ، واللَّائقُ بالكُتُب الحديثيَّة: إنَّما هو ذِكْرُ مأخَذ كلٍّ من الأئمَّة المجتهدين على وجهِ الاِختصار، وأما محلُّ بَسطه: فكُتُبُ الفروع) (٢).
ثامنًا: ذكره سبب تحديث الصحابيِّ للحديث، كحديث أبي سعيدٍ -﵁-، فقال بعده:
(رواه مسلمٌ، وسببُ تحديثِ أبي سعيدٍ به: أنَّه كان أوَّلَ مَنْ بدأ بالخطبة قبل الصلاة يوم العيد مروانُ، فقام إليه رجلٌ فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد تُرِكَ ما هنالك، فقال أبو سعيد: أمَّا هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله يقول: فذكره) (٣).
تاسعًا: إبرازه منزلة الحديث بين الأحاديث الأخرى -في ختام شرحه على الحديث-. والمثال على هذا، قال عن الحديث الثلاثين: (وهذا أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام، ومِن ثَمَّ قال المنذريُّ: (هذا الحديث عليه لامعةٌ من لوامعِ أنوار النبوة) (٤).
عاشرًا: نقول المؤلِّف -﵀- في كتابه متنوِّعةٌ وكثيرة، ولكن في الأعمِّ الأغلب، حينما ينقل عن العلماء والسابقين، لا يعزز نقله بإسنادٍ، ولا يذكر كتابًا رجع إليه في روايته لهذه النقول.
_________________
(١) ص (١٥١) من هذا الكتاب.
(٢) ص (١٦٥) من هذا الكتاب.
(٣) ص (١٨٥ - ١٨٦) من هذا الكتاب.
(٤) ص (١٤٥) من هذا الكتاب.
[ ٥٩ ]