للعلَّامة ابن حجرٍ الهيتميِّ - بعض العناية بالصناعة الحديثيَّة- ونقد المرويَّات -وإن لم يكن مكثرًا - لكن له مشاركاتٌ جيِّدةٌ منها:
قوله في حديث معاذ التاسع والعشرين:
(حديثٌ حسنٌ) بل صحَّحه ابن الصلاح، وممن حسَّنه أيضًا الحافظ أبو بكر بن السَّمعانيُّ في "أماليه"، وقول الذَّهبيِّ: إنَّ راويه مكحولًا لم يدرك أبا ثعلبة تبع فيه إنكار أبي مسهرٍ لسماعه منه، ووافقه أبو زرعة وأبو حاتمٍ فقال: دخل عليه ولم يسمع منه، لكن خالفهم ابن معينٍ فقال: إنَّه سمع منه، والقاعدة الأصوليَّة: أنَّ الإثبات مقدَّمٌ على النَّفي ترجَّح ما قاله ابن معينٍ؛ فلذا اعتمده المصنِّف وغيره.
ويؤيِّده: أنَّه معاصرٌ له بالسِّنِّ والبلد، فاحتمال سماعه منه أقرب من عدمه، وكونه
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١٧٤).
(٢) المنهج المبين (٤٨٧).
[ ٦٨ ]
مدلِّسًا لا ينافي حُسنَ حديثه ولا صحَّته؛ كما هو مقرَّرٌ في محلِّه.
ويحتمل أنَّ تحسين المصنِّف له؛ لكونه رُوي من طرقٍ بعضها ضعيفٌ، وبعضها منقطعٌ، فإذا انضمَّ بعضها إلى بعضٍ قوِيتْ فيكون حسنًا لغيره لا لذاته، وأنَّ تصحيح ابن الصَّلاح أخذه من قول البزَّار في روايته: إسنادها صالحٌ، والحاكمِ فيها: إنَّها صحيحة الإسناد ومن زعم وقفه على أبي ثعلبة فقد أبعد، ومن ثم قال الدارقطني: (الأشبه بالصواب: المرفوع، وهو الأشهر) (١).
وقال في حديث سهل بن سعد الساعديِّ:
(حديث حسن ) واعترض على تحسينِه روايةَ ابن ماجه بأنَّ في سندها من قال أحمدُ فيه: إنَّه منكر الحديث ليس بثقة، وابنُ معين: ليس حديثه بشيء، والبخاريُّ وأبو زرعة: منكر الحديث، وأبو حاتمٍ: متروكٌ ضعيفٌ، وابنُ عدِيٍّ وغيرُه: وضَّاع، وابنُ حبَّان في "الضعفاء": كان ينفرد عن الثقات بالموضوعات، لا يحلُّ الاحتجاجُ بخبره.
ويُجاب بأنَّ ابن حبان ذكره في كتاب "الثقات" ولو سُلِّم أنَّه ضعيفٌ فهو لم ينفرد به، بل رواه آخرون غيره، فالتَّحسين إنما جاء من ذلك، وإن قيل: إنَّ هؤلاء كلَّهم ضُعفاءٌ، إذ غاية الأمر أنَّه حسنٌ لغيره لا لذاته، وكلاهما يحتجُّ به، بل بعض رواته وثَّقه كثيرون من الحفاظ، (وغيره) كالعقيليِّ، وابن عديٍّ، وابن أبي حاتم، والخطيب (بأسانيدَ حسنة) لغيرها لا لذاتها بالنَّظر لما قرَّرته) (٢).