المعنى فيهم - ﵁ -، لانتشار الشريعة من جهتهم إلى الأمة.
وقوله: "وبعدُ: فهذا مختصرٌ في علم الحديث، تأملتُ مقصودَه تأمُّلًا": إنَّ الواجب لمن شَرَع في أمر أن ينظرَ في المقصود
_________________
(١) = اثنان ووثق، فلا يقال فيه مجهول. نعم الراوي عنه - يعني: سلام بن سليمان - قال فيه أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن عدي والعقيلي: منكر الحديث، ونقل النسائي في "الكنى" عن بعض مشايخه: أنه وثقه. قلت: وقد رواه من طريق الدارقطني أيضًا: ابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٢٤٤) وقال: أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام ابن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك، فهذه رواية ساقطة من طريق ضعيف إسنادها. كما رواه ابن منده في "فوائده" (ص: ٢٩) من طريق سلام بن سليمان، عن الحارث بن غصين، به. قال الحافظ ابن حجر في "أماليه" (ص: ٦١): وأما حديث عمر الذي أشار إليه البزار، فأخرجه البيهقي في "المدخل" (ص ١٦٢) من طريق نعيم بن حماد، عن عبد الرحيم. قلت: وعبد الرحيم كذاب، كما في "التلخيص الحبير" (٤/ ١٩١). وأخرجه أيضًا من رواية جويبر بن سعيد أحد المتروكين فقال: تارة عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، وقال تارة: عن جواب بن عبيد الله، عن النبي - ﷺ - معضلًا. قال البيهقي: هذا المتن مشهور، ولا يثبت له سند، انتهى. وروى الحديث أيضًا: القضاعي في "مسند الشهاب" (١٣٤٦)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وفي إسناده: جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، وهو كذاب. وبالجملة: فهذا حديث مشهور على الألسنة، مذكور في كتب الفقهاء، وليس له إسناد صحيح يثبت به، أو يعوَّل عليه.
[ ١ / ١٩ ]
منه، ويجعل فضلَ العناية به، فإن كان مقصودُه البيانَ والبسطَ اعتنى بذلك، وأوضح ومال إلى الإسهاب بحيثُ لا يخرجه إلى الهذَرَ، وإن كان مقصودُه الاختصارَ لَمَح هذا المعنى واعتنى به، وترك ما يمكنه تركُه، واستغنى بما يذكره عن غيره إذا كان الذي يذكره يغني عنه، إلى ما يناسب هذا.
ولما وقع في جمع بعض المخُتصِرين ما ينافي هذا المقصود أشار إلى تنبيهه لذلك، واعتبار مقصود الاختصار، فربما ترك الأحاديث التي يكفي في الاستدلال على حكمها كتابُ الله تعالى أو إجماع الأمة، وإن وقع من هذا شيء فيكون المقصود أمرًا آخر يتعلق بدلالة الحديث، وتنجر الدلالة إلى الحكم المجمع عليه انجرارًا غيرَ مقصود بالوضع وحدَهُ، كما في قوله ﵇: "لا يَقبلُ اللهُ صلاةَ أحدِكُمْ إذا أحدَثَ حتىَّ يتوضأ" (١)، فإنه استدلَّ به على وجوب طهارة الحدث، وهو أمر مجمع عليه، وليس هو المقصودُ بإيراد الحديث وحده، وإنما استدلَّ به على أنَّ سبقَ الحدث مُبطِلٌ للصلاة، مانعٌ من البناء.
ومن المقاصد - أيضًا -: ألا يذكرَ أحاديثَ متعددة للدَّلالة على حكم واحد إلا لمعُارِضٍ.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٥٤)، كتاب: الحيل، باب: في الصلاة، واللفظ له، ومسلم (٢٢٥)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١ / ٢٠ ]