" الحمد لله منزِّلِ الشرائع والأحكام، ومفصِّلِ الحلال والحرام، والهادي مَن اتَّبع رضوانه سُبَلَ السلام، وأشهد أن لا إله إلا الله توحيدًا هو في التحرير (١) مُحْكمُ النظام، وفي الإخلاص وافرُ الأقسام، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله الذي أرسله رحمة للأنام، فعليه منه أفضلُ صلاةٍ وأكملُ سلام، ثم على آله الطيبين الكرام، وأصحابِه نجومِ الهدى الأعلام".
" الحمد": هو الثناء على الممدوح بصفاته الجميلة وأفعاله الحسنة، والشكر يتعلق بالإحسان الصادر منه، وقد تكلموا في العموم والخصوص بينهما، مع أن المدح قد يعمّهما معًا، والذي يتحرر: أن الشكر يُطْلَق على الفعل والقول جميعًا، قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] وقال - ﷺ - لما قام حتى تفطرت قدماه، وقيل: [لم] (٢) تفعلُ هذا وقد غُفِر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:
_________________
(١) في المطبوع من "الإلمام" (١/ ٤٦) "التقرير" بدل "التحرير"، وكذا في النسخة الخطية للإلمام بيد الإِمام ابن عبد الهادي (٢ / أ).
(٢) في الأصل: "لما"، والصواب ما أثبت.
[ ١ / ١١ ]
"أفلا أكونُ عبدًا شَكورًا" (١).
والحمدُ يخصُّ القول، فإذا نظرنا إليهما بالنسبة إلى القول خاصةً كان الحمد أعمَّ في هذا المحل، لأنه يحمدُ على صفاته الجميلة وعلى الإحسان الصادر منه، يقال: حمدته على الشجاعة وعلى الإحسان، والشكر محلُّه الإحسان (٢).
وقوله: "منزل الشرائع والأحكام": استفتاح خطبة الكتاب بما يناسبُ مقصوده، ويدلّ على غرضه؛ إذ هو كتاب أحكام، وفيه أيضًا إشارةٌ إلى أن الأحكام الواردة من الرسول - ﷺ - منزلة، لكون
_________________
(١) رواه البخاري (٤٥٥٧)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ومسلم (٢٨٢٠)، كتاب: صفة الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، من حديث عائشة ﵂، ووقع عند البخاري: "لم تصنع هذا"، وعند مسلم: "أتصنع هذا". ورواه البخاري (٤٥٥٦)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ومسلم (٢٨١٩)، كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -، ووقع عند مسلم: "أتكلف هذا". وقد رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٢٠٩)، من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - بلفظ: "لم تفعل هذا وقد غفر الله لك " الحديث.
(٢) وانظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (٢/ ٢٥١)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٢/ ٤٩٣)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (١/ ١٣٣)، و"مجموع الفتاوى" لشيخ الإِسلام ابن تيمية (١١/ ١٣٣)، و"مدارج السالكين" لابن القيم (٢/ ٢٤٦)، و"لسان العرب" لابن منظور (٤/ ٤٢٥)، (مادة: شكر).
[ ١ / ١٢ ]