تحقيق اسم الكتاب
وقع في اسم هذا الشرح خلط كبير عند كثير من المترجمين للإمام ابن دقيق والمصنفين، فذكر جمع: منهم الصفدي، وابن قاضي شُهْبة، وابن العماد، وحاجي خليفة، وغيرهم أن اسمه: "الإمام في شرح الإلمام"، وما زال هذا الاسم شائعًا منتشرًا عند كثير من العلماء والطلبة حتى وقتنا هذا.
ولعلَّ السبب في ذلك المؤلفات الثلاثة التي صنفها الإمام ابن دقيق، وتداخل أسمائها ومضامينها، وهي: "الإمام في معرفة أحاديث الأحكام"، و"الإلمام بأحاديث الأحكام"، و"شرح الإلمام بأحاديث الأحكام"، مما أدخل كثيرًا من المصنفين والطلبة في التخليط بينها والعزو إليها.
وقد حرَّر الحافظ ابن حجر في "رفع الإصر" (ص: ٣٩٥) هذا الإشكال، وأنهى في هذا الباب السِّجال، فقال في ترجمة الإمام ابن دقيق ﵀: قرأت بخط صاحبنا الشيخ جمال الدين بن عبدالله بن أحمد البشبيشي الشاهد: أخبرني قاضي القضاة بدر الدين محمد بن أبي البقاء، عن والده، عن أبي حيان النحوي: أن ابن دقيق العيد أكمل "شرح الإلمام"، وأنه جاء في نحو ستين سِفرًا، أو أكثر من ذلك، وأن بعض المالكية حقد عليه انتقالَه عن مذهب مالك، وحسد الشافعيةَ
[ مقدمة / ٤٩ ]
كيف صار منهم، وأنه ارتصد غيبة الشيخ، فصادف فرصة، فأخذ الكتاب، فوضعه في فسقية الصالحية، فلما فقد الشيخ الكتاب تألم، وأصبح الناس، فرأوا ماء الفسقية أسود، فبحثوا عن ذلك، فوجدوا الكتاب داخل الفسقية، وأن القطعة الموجودة بأيدي الناس كان بعض الطلبة انتسخها.
قال الحافظ ابن حجر: وفي سياق هذه القصة مجازفات كثيرة، ولقد كنت أسمع شيخنا حافظ العصر أبا الفضل ابن الحسين - يعني: العراقي - يحكي أن الشيخ أكمل "الإمام" فجاء في عشرين مجلدًا، وأن بعض المحدثين حسده عليه، فترقَّب وفاته، فأخذ الكتاب فأعدمه.
قال الحافظ: وصاحبنا جمال الدين لم يفرق بين "الإمام" وبين "شرح الإلمام"، كأنه كغيره من الطلبة يظن أن "الإمام": "شرح الإلمام"، وليس كذلك، فـ "الإمام" كتاب في أحاديث الأحكام على الأبواب، وكان استمداد "الإلمام" منه؛ والموجود منه قطعة نحو الربع، لكنها مفرقة، وأكثرها من ربع العبادات، وليس فيها شيء من الاستنباط، وإنما يذكر علل الحديث كثيرًا، وأما "شرح الإلمام" فهو الذي يوجد منه قطعة من أول الطهارة، انتهى.
ومما يؤكد كلام الحافظ ﵀: أن المؤلف لم يذكر اسمًا لشرحه هذا في مقدمة خطبته للكتاب؛ إذ قال (ص: ٦): هذا ولما خرج ما أخرجته من كتاب "الإمام في معرفة أحاديث الأحكام"، وكان وضعه مقتضيًا للاتساع، ومقصوده موجبًا لامتداد الباع، عدل قوم عن
[ مقدمة / ٥٠ ]
استحسان إطابته إلى استخشان إطالته، ثم قال (ص: ٧ - ٨): غير أن ذلك الكتاب كتاب مطالعة ومراجعة عند الحاجة إليه، لا كتاب حفظ ودرس يُعتكف في التكرار عليه، فصنفت مختصرًا لتحفيظ الدارسين، وجمعت رأس مال لإنفاق المدرسين، وسميته بـ "الإلمام بأحاديث الأحكام". ثم قال: وهذا التعليق الذي نشرع فيه الآن بعون النه، فنشرح ما فيه من السنن على وجوه نقصدها، ومقاصد نعتمدها، انتهى.
هذا ولم يذكر الحافظ قطب الدين الحلبي ولا الإمام الذهبي، وكذا الأُدفُوي، وابن حجر - كما سلف - والسخاوي اسمًا لشرح ابن دقيق العيد هذا.
فالصواب في اسم الكتاب - إن شاء الله - هو ما وضع على طرة هذا الكتاب: "شرح الإلمام بأحاديث الأحكام"، والله أعلم، وهو سبحانه ولي التوفيق (١).
* * *
_________________
(١) انظر للاستزادة والتفصيل عن مؤلفات الإمام ابن دقيق العيد الثلاثة وتحرير الكلام عنها: مقدمة الشيخ سعد بن عبد الله آل حميد لكتاب "الإمام" (ص: ٢٣ - ٣١).
[ مقدمة / ٥١ ]