الوجه الأول: التعريف بمن ذكر من رواة الحديث والمخرجين له، والتكلم فيما يتعلق به على وجه الاختصار.
الوجه الثاني: التعريف بوجه صحته، إما على جهة الاتفاق أو الاختلاف، على وجه الإيجاز أيضًا.
الوجه الثالث: الإشارة أحيانًا إلى بعض المقاصد في الاختيار، لِمَ الاختيار عليه؟
أما الوجه الأول: فقد ترجم المؤلف - ﵀ - لرواة الحديث من الصحابة والتابعين وأتباعهم على حسب ما ذكر في الأصل وهو "الإلمام"، ثم الترجمة لمخرجي الحديث.
ويبدأ الترجمة بذكر اسم المترجم ونسبه، وأسماء الآخذ منهم، والآخذين عنه، ويذكر بعض مناقبه وأقواله أحيانًا، ثم يذكر عدد أحاديثه أحيانًا أيضًا، ثم يختم بسنة وفاته.
وإن كان الراوي من غير الصحابة متكلمًا فيه أو مغموزًا، ذكر فيه أقوال أهل العلم في جرحه أو تعديله، وتوثيقه أو توهينه.
وكان في كل ذلك ينوِّع في مراجع الترجمة ومصادرها التي ذكرها.
وأما الوجه الثاني: فقد شرط المؤلف - ﵀ - في خطبة الأصل (١/ ٢٤): "ألا يورد إلا حديث من وثقه إمام من مزكِّي رواة الأخبار، وكان صحيحًا على طريقة بعض أهل الحديث الحفاظ، أو بعض أئمة الفقهاء النظَّار".
[ مقدمة / ٥٦ ]
ثم شرح ذلك فقال: "اعتبر هذا الشرط، ولم يشترط الاتفاق من الطائفتين، لأن ذلك الاشتراط يضيق به الحال جدًا، ويوجب تعذر الاحتجاج بكثير مما ذكره الفقهاء؛ لعسر الاتفاق على وجود الشروط المتفق كليها، ولأن الفقهاء قد اعتادوا أن يحتجوا بما هو نازل عن هذه الدرجة، فرجوعهم إلى هذه الدرجة ارتفاع عما قد يعتادونه، فهو أولى بالذكر، ولأن كثيرًا مما اختلف فيه من ذلك يرجع إلى أنه قد لا يقدح عند التأمل في حق كثير من المجتهدين، فالاقتصار على ما أُجمع عليه تضييعٌ لكثير مما تقوم به الحجة عند جمع من العلماء، وذلك مفسدة، ولأنه بعد أن يوثَّق الراوي من جهة بعض المزكين، قد يكون الجرح مبهمًا غير مفسَّر، ومقتضى قواعد الأصول عند أهله أن لا يقبل الجرح إلا مفسَّرًا، فتركُ حديثِ من هو كذلك تضييع أيضًا، ولأنه إذا وثَّق، قد يكون القدح فيه من غير الموثِّق بأمرٍ اجتهادي، فلا يساعده عليه غيره".
ومن أمثلة ذلك عند المؤلف ﵀: قوله في الحديث الخامس من باب الطهارة: وقد ذكرنا أن الترمذي صححه، فحصل شرطنا، وبسطنا القول في رواية عكرمة وسماك.
وكذا قوله في الحديث العاشر من باب الوضوء عند الكلام عن تصحيح حديث: "الأذنان من الرأس" المروي من طريق سنان ابن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، به. قال: قد تقدم التعريف بحال رواته، وأنه ليس فيهم إلا من وثق، فحصل شرطنا.
[ مقدمة / ٥٧ ]
ثم قال: وعلى الجملة فإن توقف تصحيحه عند أحد على ذكر طريق لا علة فيها، ولا كلام في أحد من رواتها، فقد يتوقف في ذلك؛ لأن اعتبار ذلك صعب ينتقض عليهم في كثير مما استحسنوه وصححوه من هذا الوجه، فإن السلامة من الكلام في الناس قليل، ولو شرط ذلك، لما كان لهم حاجة إلى تعليل الحَسَن بالتضافر والمتابعة، والمجيء من طرق أو وجوه، فيتقلب النظر، وتتناقض العبر، ويقع الترتيب، أو يُخاف التعذيب.
ثم قال: وما ذكرته عُرض عليك، لا التزام أتقلد عهدته، وفي كلامي ما يشير إلى المقصود.
وكذا قوله في الحديث السادس عشر من باب الوضوء: وقد ذكرنا أن البيهقي قال: إنه إسناد صحيح، فحصل شرطنا في ذكره في الكتاب.
وأما الوجه الثالث: فقد ذكر المؤلف في مقدمة الكتاب (١/ ١٨ - ١٩) كيفية إيراده للأحاديث، والمقاصد التي يقصدها من وراء إيرادها، فذكر منها:
١ - أنه لا يذكر أحاديث متعددة للدلالة على حكم واحد إلا لمعارض.
٢ - الاكتفاء بأتم الحديثين وأكثرهما فائدة عن أقلهما، أو لدخول مدلوله تحت الأعم فائدة، وقد يقوم في مثل هذا معارض، وهو أن يكون الحديث الأقل فائدة، هو الحديث المشهور، أو المخرج في "الصحيحين" فيُذكر لذلك، ويُتبَع بالحديث الذي فيه
[ مقدمة / ٥٨ ]
الزيادة، فإنَّ إهمالَ ما في "الصحيحين" وما اشتُهر بين العلماء الاستدلالُ به غير مستحسن، وربما أوقع إهمالُه وذكرُ غيرِه من الكتب الخارجة عيبًا في الاختيار عند من لم يفهم المقصود، وربما اكتفى بالزائد لمعارض آخر.
٣ - أن الحديث الذي يستدل به قد يكون مطولًا في الصحاح أو في الكتب المشهورة، ويكون موضع الاحتجاج مقتصرًا عليه، مختصرًا في غير ذلك من الكتب، فيقتصر على المختصر، ويترك التخريج من الصحاح؛ لأنه أليق بالكتاب.
ثم قال: إلى غير ذلك من المقاصد التي أبهمها.
ثم قال: وترجيحُ بعض المقاصد على بعض يكون بحسب حديث حديث، ومحل محل، انتهى.
ومن أمثلة ذلك:
قوله في الحديث الثامن عشر من باب الوضوء، حيث أورد رواية النسائي في حديث جابر ﵁: "ابدؤوا بما بدأ الله به"، فقال: قد ذكر أن النسائي أخرجه، ولم يُضِفْه إلى كتاب مسلم، وإن كان مسلم أخرج الحديث بكماله؛ لأن المقصود هنا بإيراد هذه القطعة منه: ذكر ما احتج به على وجوب الترتيب، وهو قوله: "ابدؤوا بما بدأ الله به"، والمأخذ صيغة الأمر التي ظاهرها الوجوب، وصيغة الأمر لم ترد في كتاب مسلم، ولم يحسن من يقول - إذا احتج بهذه اللفظة -: أخرجه مسلم، وإنما قلنا ذلك لشيء نذكره الآن.
[ مقدمة / ٥٩ ]
ثم ذكر فائدة جليلة قال فيها: "معلوم أن نظر المحدِّث من حيث هو محدِّث، إنما هو في الإسناد وما يتعلق به، لا من جهة استنباط الأحكام من الألفاظ ومدلولاتها، فإن تكلم في ذلك، فمن حيث هو فقيه، وكذلك العكس، نظر الفقيه فيما يتعلق بالاستنباط من الألفاظ ومدلولاتها، فإن تكلم في الأسانيد فمن حيث إنه محدِّث، فإذا كان كذلك، فالمحدِّث إذا قال بعد حديث: أخرجه فلان؛ فإنما يريد أصل الحديث، ولا يريد أنه أخرجه بتلك الألفاظ بعينها، لأن موجب صناعته تقتضي ذلك، ولهذا عملوا الأطراف، واكتفوا بذكر طرف الحديث وقالوا: أخرجه فلان وفلان.
والفقيه إذا أراد أن يحتج بلفظة يقتضي مدلولها حكما يذهب إليه وقال: أخرجه مسلم، أو فلان من الأئمة، فعليه أن تكون تلك اللفظة التي استنبط منها الحكم موجودة في رواية مسلم؛ لأنه مقتضى ما يلزمه من صناعته.
ثم قال: فمن قال بعد إيراد هذا الحديث للاحتجاج بهذه اللفظة: أخرجه مسلم، لم يَحسُن؛ لأن موضع الحجة صيغة الأمر، وليست في كتاب مسلم.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: قوله في الحديث الأول من باب الطهارة: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته": ليس المقصود الأكبر بهذا الحديث الاستدلال محلى طهورية ماء البحر، لأنه كالمتفق عليه بين الفقهاء، فكان يكتفي بذلك؛ لأن الكتاب كتاب اختصار، لكن لما كان يتعلق به
[ مقدمة / ٦٠ ]
فوائد كثيرة، منها ما يخص هذا الكتاب، ومنها ما يدخل في غيره، ويستدل على ذلك الغير في المكان اللائق به، كان أكثر فائدة من الأحاديث التي تدل على ما يتعلق بهذا الباب خاصة.
وكذا قوله في حديث أبي ثعلبة الخشني الرابع من باب الآنية: الموجب لإدخال هذا الحديث هاهنا: حكم استعمال أواني المشركين، واختير هذا الحديث؛ لكثرة الأحكام الواردة فيه.