واسترسلوا في ذلك استرسالَ غيرِ متحرزٍ ولا محتاط، فتخيلوا وتحجَّلوا، وأطالوا وما تطولوا، وأبدوا وجوهًا ليس في صفحاتها نور، وذكروا أوهامًا لا تميل إليها العقول الراجحة ولا تَصُور، حتى نُقل عن بعضهم أنه ادَّعى الاستدلالَ على جميع مسائل مذهبه الذي تقلَّدهُ من الكتاب العزيز.
الوجه الحادي عشر: تهذيب كثير مما ذكره الشارحون للحديث، وتلخيصه، والتحقيق فيه، والمؤاخذة فيما عساه يُؤخَذ على قائله.
الوجه الثاني عشر: جلب الفوائد المتبددة من كتب الأحكام التي تقع مجموعة في كلام الشارحين للأحاديث، فيما علمناه على حسب ما تيسَّر، انتهى.
هذا ما يخصُّ الصناعة الفقهية لدى المؤلف على حسب ما انتهجه في ذكر هذه الوجوه.
وحسبك أن تعرف أن عدد الفوائد والمباحث المستنبطة والمذكورة لدى المؤلف في هذا الباب قد بلغت أكثر من (١٩٠٠) فائدة واستنباط فقهي، وذلك من سبعة وخمسين حديثًا، فما ظنك؟! ثم أعودُ إلى ذكر بعض الفوائد المتعلقة بطريقة استنباط المؤلف ﵀، فمن ذلك:
قوله في الفائدة (٣٥٦) من الحديث الأول من باب الآنية: "وقد عرف أن ما هو في معنى الأصل نذكره في فوائد الحديث؛ لأنه بمثابة دلالة اللفظ".
[ مقدمة / ٦٣ ]
وقوله في الفائدة (٢٢) من الحديث الأول من باب الطهارة: "ليس من شرط ما يستنبط من الحديث أن لا يكون مختلفًا فيه، ولا أيضًا من شرطه أن لا يدل عليه نص آخر".
وقوله في الفائدة (١٧) من الحديث الثالث من باب الوضوء: "والطرق الجدلية تُستمدُّ من سَعَة الخيال، ودقة الوهم، ودُربة الاستعمال، والسيف فيها بضاربه، لا بحدة مضاربه، وهي بمعزل عن الطرق التي يجب على المجتهد المحقق أن يسلكها في إثبات الأحكام الشرعية، ولذلك لا تجد شيئًا من هذه الجدليات المتأخرة في شيء من كلام المتقدمين الذين رجع الناس إليهم في الأحكام".