قال المؤلف في الوجه الرابع من المقدمة أثناء الكلام عن طريقته في شرح الأحاديث: الكلام على تفسير شيء من مفردات ألفاظه إذا تعلق بذلك فائدة؛ إما لغرابته عن الاستعمال العادي، أو لفائدة لا تظهر عند أكثر المستعملين.
وطريقة المؤلف - ﵀ - في عرضه وشرحه لغريب الألفاظ جدُّ مفيدة، فيذكر اللغات الواردة في اللفظة، وتصريفاتها، وجموعها، وما ترجع إليه اللفظة، وما يتلخص من كلام أهل اللغة فيها، ويذكر استعمالات العرب للكلمة وما تطلق عليه، ويعضد ذلك بالشواهد القرآنية والشعرية، ويذكر من كلام أصحاب المعاجم والكتب، ثم يوجه كلامهم، ويرجح قولًا من الأقوال المذكورة فيها، وهو في كل هذا ينوع في ذكر مصادر المادة اللغوية المتكلم عليها،
[ مقدمة / ٦٤ ]
فهو إذن يخلص إلى الحكمة في استعمال هذه اللفظة في الحديث دون غيرها.
ثم هو يذكر - أحيانًا شيئًا من علم الإعراب إن احتيج إليه.
ويذكر في بعض الأماكن شيئًا من علم البيان، ويظهر في كل ذلك قوة لغوية تدل على سعة دائرته في هذا الباب.
هذا ما يتصل بما كان المؤلف قد ذكره، وضربت الأمثلة عليه، وبينته من خلال هذا الشرح.
ومما يلحظ المطالع - أيضًا - في هذا الشرح جملة من الأمور أُجملها في الآتي:
١ - أكثر الشارح - ﵀ - من النَّقلِ عن كتب الشافعية وذِكْرِ مذاهبهم في المسألة (١)، ثم تلاه في الأكثرية فقه المالكية، بينما ذكر مذهب الحنفية والحنابلة في مواضع قليلة من هذا الشرح، ويرجع هذا إلى تفقه الإمام ابن دقيق - ﵀ - بمذهب المالكية أولًا، ثم تمذهبه واستقراره على فقه الشافعية، والله أعلم.
_________________
(١) قال الأُدفُوي في "الطالع السعيد" (ص: ٥٨٠): أخبرني شيخنا الفقيه سراج الدين الدندري: أنه لما ظهر "الشرح الكبير" - وهو: فتح العزيز فى شرح الوجيز - للرافعي، اشتراه ابن دقيق بألف درهم، وصار يصلي الفّرائض فقط، واشتغل بالمطالعة، إلى أن أنهاه مطالعة، وذُكر عنده هو والغزالي، فقال: الرافعي في السماء، انتهى. قلت: وقد أكثر المؤلف - ﵀ - من النقل عنه في هذا الشرح كما تجده مبينًا في التعليقات.
[ مقدمة / ٦٥ ]
٢ - دقته في نقل المذاهب؛ كأن يقول: قال الشافعية، أو من قال منهم، قال بعض المالكية، قال بعض المتأخرين من المالكية، قال بعض الحنابلة، وهكذا.
٣ - قد ينكر بعض من لم يتأمل مقاصد المؤلف في هذا الكتاب الإطالة في بعض المواضع من هذا الكتاب، لذا كان ينبه المؤلف - ﵀ - في مواضع إلى حكمة إطالته، ومن ذلك: قوله في آخر الفائدة (٢٧٠) من حديث البراء في باب الآنية - بعد أن ذكر صفحات من "الإحياء" للغزالي، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - قال (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣): هذا ما تيسَّر ذكره على وجه الحكاية عن "الإحياء"، ثم قال: ووجه الحاجة إلى هذه الأمور في الكلام على الحديث ظاهر؛ لأنها أمور قد تعود على العموم بالتخصيص، ومن ضرورة الكلام على الحديث التنبيه على ذلك؛ لأن العمل بالعموم في محل التخصيص خطأ.
وعندما أطال الكلام على بيت عاتكة بنت عبد المطلب:
بُعكاظ يُعشي الناظر ين إذا همُ لمحوا شعاعُه
قال (٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥): وقد أطلنا الكلام على هذا البيت لشهرته، وشهرة تعليل المنع بما تقدم، فجرَّ ذلك إلى اجتلاب اعتراض على المشهور من وجه الامتناع، وهو كلام أبي إسحاق ابن ملكون، فاغتفرنا الإطالة، وإن كانت سبب المَلال، لغرابة الاعتراض، ودقة النظر في البيت، على أن كتابنا هذا ليس موضوعًا
[ مقدمة / ٦٦ ]
على الاختصار، فتُنكر الإطالة، إلا أن المنكر إطالة ما يقتضي المقصود خلافه، أو يقتضي المعرف إنكاره.
٤ - تورعه وتخويفه من القول في الدين دون علم، أو الإفتاء دون بذل الجهد والتأمل في الفتوى.
قال في الفائدة (١٣٢) من الحديث الأول من باب الآنية: فيدخل تحت ذلك - أي: التسبب إلى نصرة المظلوم - إبداء العالم والمفتي الحكم الشرعي الذي يحصل به نصر المظلوم، وهو من الواجبات عليه بشرطه، ويترتب عليه أن كل مظلوم نَصَره بقوله، فإن ثواب النصرة له.
ثم قال: وهذا فضل عظيم، ومنقبة عالية للعلماء، لا سيما الذين أسسوا القواعد من المُدد المديدة والسنين العديدة، ويقابله الخطر العظيم فيه على تقدير الخطأ، وكثيرًا ما رأيتهم يستهينون في هذا بقولهم: الواجب في ذلك بذل الجهد، والخطأ بعد بذل الجهد معفو عنه، وهذا صحيح، ولكن الشان في بذل الجهد، فهاهنا تسكب العبرات.
وللتقصير أسباب كثيرة، وبعضها قد يخفى، ومن أسبابها ، فذكرها. انظر: (٢/ ١٥٧ - ١٥٨).
وقال في ترجمة ابن حبان (١/ ٤٨٢) محذِّرًا من وقوع الناس بعضهم في بعض، خصوصا في العقائد: "واختلاف الناس في العقائد والمذاهب جزيلًا طويلًا، وأرتع بعضُهم في أعراض بعض
[ مقدمة / ٦٧ ]
مرتعًا وبيلًا، وسدَّد في الطعن من السهام ما لا تردُّه دروع الزجر ولا المَلام، وبثَّ في الأرض داهية يحِقُّ أن يقال لها: صَمِّي صَمامَ ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: ٢٥].
* * *
[ مقدمة / ٦٨ ]