الأساس، وعنه يصدر الإجماعُ ويقوم القياس، وما تقدَّم شرعًا تعيَّنَ تقديمُهُ شروعًا، وما كان محمولًا على الرأس لا يَحسُن أن يجعلَ موضوعًا، لكنَّ شرطَ ذلك عندنا أن يحفظَ هذا النظامُ، ويُجعلَ الرأيُّ هو المؤتمُّ والنصُّ هو الإِمام، وتُردُّ المذاهبُ إليه، وتضمُّ الآراء المنتشرةُ حتى تقفَ بين يديه، وأما أن يُجعلَ الفرعُ أصلًا، بردِّ النص إليه بالتكلُّف والتحيُّل، ويُحملَ على أبعدَ المحاملِ بلطافة الوهم وسَعَةِ التخيُّل، ويُركبَ في تقرير الآراء الصعبُ والذَّلولُ، ويعملَ من التأويلات ما تنفرُ عنه النفوسُ وتستنكره العقولُ، فذلك عندنا من أردأ مذهبٍ وأسوأ طريقة، ولا يُعتقَدُ أنه تَحصُلُ معه النصيحةُ للدين على الحقيقة، وكيف يقع أمرٌ مع رجحان مُنافيه، وأنَّى يصحُّ الوزن بميزانٍ مَالَ أحدُ الجانبين فيه؟ ومتى يُنصف حاكمٌ مَلَكَتْهُ عصبيةٌ العصبيةَ؟ وأين يقع الحقُّ من خاطر أخذته العزَّةُ بالحميَّة؟ وأنَّى يُحكَمُ بالعدلْ عند تعادل الطرفين؟ ويظهرُ الجَور عند تَقايُل المُتحرِّفَين (١)؟!
هذا ولما خرج ما أخرجته من كتاب "الإمام في معرفة أحاديث الأحكام"، وكان وضعُه مقتضيًا للاتساع، ومقصودُه موجبًا لامتداد الباع، عَدَل قومٌ عن استحسان إطابته، إلى استخشان إطالته، ونظروا إلى المعنى الحامل عليه، فلم يُفضوا بمناسبته ولا إخالته، فأخذتُ في الإعراض عنهم بالرأي الأحزم، وقلتُ عند سماع قولهم:
_________________
(١) أي: كيف يظهر الظلم إذا كان الطرفان المتخاصمان متعادلَين، وتحرَّف: مال وعدل. انظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي (ص: ١٠٣٣)، (مادة: حرف).
[ ١ / ٦ ]
شِنْشِنة أعرفُها مِنْ أَخْزَمِ (١)
ولم يكن ذلك مانعًا لي من وصل ماضيه بالمستقبل، ولا موجبًا لأَنْ أقطعَ ما أمر الله به أنْ يُوصل:
فَمَا الكَرَجُ الدُّنيا ولا النَّاسُ قَاسِمُ (٢)
والأرضُ لا تخلو من قائم لله بالحجة، والأمةُ الشريفة لابدَّ فيها من سالك إلى الحق على واضح المحَجَّة، إلى أن يأتيَ أمرُ الله في أشراط الساعة الكُبرى، ويتتابع بعدَه ما لا يبقى معه إلا قدومُ الأخرى، غير أنَّ ذلك الكتابَ كتابُ مطالعة ومراجعة عند الحاجة إليه، لا كتابَ
_________________
(١) شطر من الرجز لأبي أخزم الطائي، وهو من أمثالهم؛ كما في "جمهرة الأمثال" للعسكري (١/ ٥٤٢)، و"المستقصى في أمثال العرب" للزمخشري (٢/ ١٣٤)، و"مجمع الأمثال" للميداني (١/ ٣٦١). والشنشنة: السجية والطبيعة، وأصله: أن أخزم كان عاقًّا لأبيه، فمات وترك بنين عقُوا جدَّهم، وضربوه وأدمَوْه فقال: إن بنيَّ زملوني بالدم شنشنة أعرفها من أخزم وانظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٢/ ٥٥٤)، و"لسان العرب" لابن منظور (١٣/ ٢٤٣) (مادة: شنن).
(٢) عجز بيت منسوب إلى منصور بن باذان؛ وصدره: ذريني أجوبُ الأرض في فلَواتها والكرج: حصن أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي. انظر: "ثمار القلوب في المضاف والمنسوب" لأبي منصور الثعالبي (ص: ٢٠)، و"معجم ما استعجم" لأبي عبيد البكري (٤/ ١١٢٣)، و"تاريخ بغداد" للخطيب (١٢/ ٤٢١ - ٤٢٢)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٤٩/ ١٣٢)، وله قصة فيها.
[ ١ / ٧ ]