بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا، وسيئات أعمالِنا، مَنْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
أمّا بعد:
فإن كتاب "الإمام في معرفة أحاديث الأحكام" للإمام المجتهد المجدِّد ابن دقيق العيد - ﵀ - لا نظير له في الكتب المصنَّفة في الأحكام الجامعة بين الحلال والحرام، حتى قال عنه: أنا جازم أنه ما وُضِعَ في هذا الفنِّ مثلُه (١).
وهو القائل أيضًا: ما وقفتُ على كتاب من كتب الحديث وعلومه المتعلقة به، سُبِقْتُ بتأليفه وانتهى إليَّ، إلَّا وأودعتُ منه فائدةً
_________________
(١) انظر: "الطالع السعيد" للأدفوي (ص: ٥٧٥).
[ مقدمة / ٥ ]
في هذا الكتاب (١).
ولذا قال عنه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية: هو كتاب الإسلام، وقال: ما عَمِلَ أحدٌ مثلَه، ولا الحافظُ الضِّياءُ، ولا جدِّي أبو البركات (٢).
ثم إنَّه - ﵀ - قد اختصرَ كتابَه هذا، لَمَّا رأى استخشانَ بعضِ أهل عصره لإطالته، فصنف "الإلمام بأحاديث الأحكام"، وهو من أجلِّ كتابٍ وُضِع في أحاديث الأحكام، يحفظُه المبتدئ المستفيدُ، ويناظِرُ فيه الفقيهُ المفيدُ (٣)، ومن فَهِمَ مغزاه، شدَّ عليه يدَ الضِّنانة، وأنزله من قلبه وتعظيمهِ الأعزَّين مكانًا ومكانة (٤).
وقد شرطَ فيه مؤلِّفُه أن لا يوردَ إلا حديثَ من وثَّقه إمام من مزكِّي رواة الأخبار، وكان صحيحًا على طريقة بعض أهل الحديث الحفَّاظ، أو أئمة الفقه النظَّار (٥).
ثم إنه - ﵀ - قد شرح هذا الكتاب؛ أعني "الإلمام" شرحًا عظيمًا (٦)، وصل فيه إلى نهاية باب صفة الوضوء، أتى فيه
_________________
(١) انظر: "مقدمة الإمام في معرفة أحاديث الأحكام" (١/ ٥٢) نقلًا عن "ملء العيبة" لابن رُشيد (٣/ ٢٦٠).
(٢) انظر: "الطالع السعيد" للأدفوي (ص: ٥٧٥ - ٥٧٦).
(٣) انظر: "الاهتمام بتلخيص الإلمام" لقطب الدين الحلبي (ص: ٥).
(٤) انظر: "مقدمة هذا الشرح" (١/ ٢٥).
(٥) انظر: "مقدمة هذا الشرح" (١/ ٢٦).
(٦) انظر: "تذكرة الحفاظ" للذهبي (٤/ ١٤٨٢).
[ مقدمة / ٦ ]
بالعجائب الدالة على سَعَة دائرته في العلوم، خصوصًا في الاستنباط، كما قال الحافظُ ابنُ حجر (١).
وقيمة هذا الكتاب "شرح الإلمام بأحاديث الأحكام" تتجلَّى لمُطالعه حالما ينظر فيه، فقد أسفر فيه المؤلف عن نكت وفوائد بديعة.
وأورد فيه من النوادر والمباحث الدقيقة ما يأخذ بالألباب.
وأوضح فيه منهجًا سليمًا قويًا في كيفية الاستدلال والاستنباط من السنة والكتاب.
وأبرز فيه من التقريرات والتوجيهات الأصولية ما انفرد به عن نظرائه، وفاق كثيرًا من قرنائه.
وأفصح فيه عن كثير من العلوم الخادمة لفهم النصوص الشرعية؛ كعلوم العربية، والمباحث المنطقية والأصولية، والقواعد العقلية.
ومن هنا قال الحافظ قطب الدين الحلبي: إنه لم يتكلم على الحديث من عهد الصحابة إلى زماننا مثل ابن دقيق العيد، ومن أراد معرفة ذلك، فعليه بالنظر في القطعة التي شرح فيها "الإلمام"، فإن جملة ما فيها: أنه أورد حديثَ البراءِ بن عازب: "أمرنا رسولُ الله صلى عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع"، واشتمل على أربع مئة فائدة (٢).
_________________
(١) انظر: "الدرر الكامنة" لابن حجر (٥/ ٣٤٨).
(٢) انظر: "رفع الإصر عن قضاة مصر" لابن حجر (ص: ٣٩٥).
[ مقدمة / ٧ ]
إن كتابًا أَرْبت مواردُه على المئتين والثلاثين من أمهات كتب الإسلام، أعتمد مؤلفُه عليها في أواخر القرن السابع الهجري، لجديرٌ بالوقوف عليه.
وإن كتابًا قاربت فوائدهُ الثلاثةَ آلافِ فائدة ومسألة من شرح سبعة وخمسين حديثًا، لحقيق أن يُنْظَر في ما حواه، وأن يُنْعَمَ النظرُ في فحواه.
هذا وقد منَّ الله عليَّ بتحقيق هذا السفر الجليل، والاضطلاع بأعباء تصحيح نصوصه وتقويمها، وتخريج أحاديثه وآثاره وأشعاره وغيرها مما تراه في منهج التحقيق، ثم إني قدَّمت للكتاب بفصلين، اشتمل أولهما على ترجمة الإمام ابن دقيق العيد ﵀، وكان الآخر لدراسة الكتاب، وفي كل واحد منهما مباحث وفوائد متنوعة.
ويعلم الله، كم قد تحمَّلتُ، في هذه الأوقات التي كنت أعمل فيها في هذا الكتاب، شغلًا وهمًّا، ودينًا وغُرمًا، وظلمًا وهضمًا. ولكن أسأل الله أن ينفع بعملي هذا، ويثيبني به في الآخرة، فمنه سبحائه أستمدُّ العَون، ومن الخسارة فيما أرجِّي ربحَه أسألُهُ الصَّون، ولا حول ولا قوة إلا به.
ولا بد في الختام من التوجُّه بالشُّكْر والامتنان إلى كل من كان له يد في إخرأج هذا الكتاب إلى عالم المطبوع، وأخصُّ بالذِّكر منهم:
- فضيلة الشيخ المحقق المدقق نور الدِّين طالب، الذي أتحفني بتصوير النسخة الخطية لمكتبة كوبريلي، وأمدَّني بالمراجع والمصادر المخطوطة والنادرة المتوفرة لديه، كما كان له الفضلُ في بعث الهمة على إنجاز هذا العمل وإخراجِه على نحوٍ مرضيٍّ.
[ مقدمة / ٨ ]
- فضيلة الشيخ المفيد المجيد عبد الباري بن حمَّاد الأنصاري، الذي تفضَّل بتصوير النسختين الخطيتين لدار الكتب المصرية والمكتبة البديعية.
- الإخوة الأفاضل الذين كانوا لي خير معين - بعد الله ﷿ - في إخراج هذا الكتاب، من العمل معي في النسخ والمقابلة والتصحيح والفهرسة والتنضيد والإخراج، وأخصُّ بالذكر منهم الإخوة: إدريس أبيدمي، ومحمد عبد الحليم بعاج، وجمعة الرحيم.
أسأل الله - إن كان لي من حظٍّ في هذا الكتاب عنده - أن يضربَ لكلِّ واحد من هؤلاء المشايخ الأماثل والإخوة الأفاضل بسهمٍ فيه، وأن يشركوني في أجرِ نشرِ هذا العلم وتبليغِه، إنه سبحانه وليُّ ذلك، وهو حسبنا ونعمَ الوكيل.
وكتبه
أَبُو عَبْدِ الله
محمّد خلّوف العبْدالله
حَامِدًا للهِ تَعَالَى عَلَى أَفْضَالِهِ
وَمُصَلِّيًا وَمُسَلِّمًا عَلَى نَبِيِّه وَآلِهِ
وَمُتَرَضيًا عَن صَحْبِهِ وَأَتْبَاعِهِ
[ مقدمة / ٩ ]
الفصل الأوّل