في الكلام على قوله - ﷺ - من تبع جنازة مسلم وما فيه من الفوائد
الحمد الذي أيقظ من شاء من سنة الغفلة، ورفع من أحب لقاءه إلى عليين، ووضع عنه أوزاره وثقله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله المبعوث بأشرف ملة، المخصوص بأكرم خلة - ﷺ - وصحبه السادة الجلة.
قَالَ البُخَارِي:
باب اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ
ختم البخاري التراجم التي وقعت له من شعب الإيمان بهذه الترجمة لأن ذلك آخر أحوال الدنيا.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قال: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمانًا وَاحْتِسَابًا، وكان مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فإنه يَرْجِعُ مِنَ الأجر بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فإنه يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» (١) .
_________________
(١) للحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث فوائد عظيمة منها: قوله: «من اتبع» هو بالتشديد، وللأصيلي «تبع» بحذف الألف وكسر الموحدة، وقد تمسك بهذا اللفظ من زعم أن المشي خلفها أفضل، ولا حجة فيه لأنه يقال تبعه إذا مشى خلفه أو إذا مر به فمشى معه، وكذلك اتبعه بالتشديد وهو افتعل منه، فإذا هو مقول بالاشتراك، وقد بين المراد الحديث الآخر المصحح عند ابن حبان وغيره من حديث ابن عمر في المشى أمامها، وأما اتبعه بالإسكان فهو بمعنى لحقه إذا كان سبقه، ولم تأت به الرواية هنا. قوله: «وكان معه» أي: مع المسلم، وللكشميهني «معها» أي: مع الجنازة. قوله: «حتى يصلي» بكسر اللام ويروى بفتحها، فعلى الأول لا يحصل الموعود به إلا لمن توجد منه الصلاة، وعلى الثاني قد يقال: يحصل له ذلك ولو لم يصل، أما إذا قصد الصلاة وحال دونه مانع فالظاهر حصول الثواب له مطلقا، والله أعلم. قوله: «ويفرغ» بضم أوله وفتح الراء، ويروى بالعكس، وقد أثبتت هذه الرواية أن القيراطين إنما يحصلان بمجموع الصلاة والدفن، وأن الصلاة دون الدفن يحصل بها قيراط واحد، وهذا هو المعتمد خلافًا لمن تمسك بظاهر بعض الروايات فزعم أنه يحصل بالمجموع ثلاثة قراريط. انظر فتح الباري (١/١٠٨ – ١٠٩) .
[ ٢ / ٦٩ ]
تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَهُ (١) .
في هذا الحديث فوائد:
الفائدة الأولى: الحث على الصلاة على الميت واتباع جنازته وحضور دفنه.
قال أبو الزناد (٢): خص الشارع على التواصل في الحياة بقوله: «صل من قطعك، وأعط من حرمك، ولا تقاطعوا ولا تدابروا» وخص على التواصل بعد الموت بالصلاة والتشييع إلى القبر والدعاء له، والتشييع إلى القبر من حق المسلم وقد وردت به الأخبار ودلت عليه الآثار، على أن الله ﷾ يغفر الذنوب والأوزار لمن تبع جنازة المؤمن إلى قبره.
فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن أبي عاصم حديثًا مرفوعًا: «إن أول ما يتحف به المؤمن في قبره أن يقال له: أبشر فقد غفر لمن تبع جنازتك» (٣) .
وأخرج (٤) عن جابر بن عبد الله عنه - ﷺ - أنه قال: «إن أول تحفة المؤمن أن يغفر لمن خرج في جنازته» (٥) .
وأخرج البزار وغيره عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أول ما يجازى به المؤمن بعد موته، أن يغفر لجميع من تبعه» (٦) .
الفائدة الثانية: القيراط الذي يحصل بالصلاة على الميت وبحضور دفنه اسم لمقدار
_________________
(١) قوله: «تابعه» أي: روح بن عبادة، وعثمان هو ابن الهيثم وهو من شيوخ البخاري، ولفظه موافق لرواية روح إلا في قوله: «وكان معها» فإنه قال بدلها: «فلزمها» . وفي قوله «ويفرغ من دفنها» فإنه قال بدلها: «وتدفن» . وقال في آخره: «فله قيراط» بدل قوله: «فإنه يرجع بقيراط»، والباقي سواء. ولهذا الاختلاف في اللفظ قال المصنف: «نحوه» وهو بفتح الواو، أي: بمعناه. انظر فتح الباري (١/١٠٩) .
(٢) أبو الزناد هو: عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، محدث، من كبارهم، ولد سنة: ٦٥ هـ، قال الليث: رأيت أبا الزناد وخلفه ثلاثمائة تابع من طالب فقه وعلم وشعر وصرف، وكان سفيان يسميه أمير المؤمنين في الحديث، وكان يغضب إذا قيل له: أبو الزناد، ويكتني بأبي عبد الرحمن. قال مصعب الزبيري: كان فقيه أهل المدينة، وكان صاحب كتابة وحساب، وفد على هشام بحساب ديوان المدينة، وكان ثقة في الحديث عالما بالعربية فصيحًا، توفي فجأة بالمدينة سنة: ١٣١هـ.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا كما في تنزيه الشريعة لابن عراق (٢/٣٧٠، رقم ٢٢) .
(٤) أي ابن أبي الدنيا أيضًا.
(٥) أخرجه أيضا الخطيب (٥/٢٧٤) عن جابر.
(٦) أخرجه البزار كما في مجمع الزوائد (٣/٢٩) قال الهيثمي: فيه مروان بن سالم الشامي وهو ضعيف. وأخرجه ابن عدي (٦/٣٨٤، ترجمة ١٨٧٠ مروان بن سالم الجزري القرقساني)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/٧، رقم ٩٢٥٨) وضعفه.
[ ٢ / ٧٠ ]
من الثواب يقع على القليل والكثير، بين في هذا الحديث أنه مثل أحد، وفي رواية للحاكم: القيراط أعظم من أحد، وفي رواية أخرى للحاكم: «والذي نفسي بيده لهو في الميزان أثقل من أحد» .
والمقصود من قوله - ﷺ -: «فإنه يرجع من الأجر بقيراطين» أي: أنه يرجع بحصتين من جنس الأجر.
و«أحد» جبل بجانب المدينة على نحو ميلين منها، وإنما خصه بالذكر دون غيره من الجبال لأنه أعظم جبال المدينة، والنبي - ﷺ - كان يحبه ويقول: «جبل أحد يحبنا ونحبه» (١) .
وتحرير الكلام في تحصيل القيراط أن للانصراف عن الجنازة أربع مراتب:
الأولى: أن ينصرف عقب الصلاة ولهذا من الأجر قيراط بهذا الحديث، لكن هذا القيراط لا يحصل إلا إذا شهد الجنازة من مكانها إلى حين الصلاة، كما يدل عليه قوله: «وكان معه» أي: مع المسلم، وفي رواية: «معها» أي: مع الجنازة، فلو لم يشهد الجنازة من مكانها بل سبقها إلى المصلى لم يحصل القيراط، وإن حصل له أجر الصلاة، لأن القيراط ليس على الصلاة مطلقًا بل عليها بشرط شهودها من مكانها، ولو شهد الجنازة من مكانها إلى المصلى ولم يصل هو بل صلى غيره عليها لم يحصل له القيراط، لظاهر قوله: «حتى يصلي» بكسر اللام.
لكن قال شيخ الإسلام ابن حجر على رواية: «حتى يصلى» بفتح اللام: قد يقال يحصل ذلك ولو لم يصلي، قال: أما إذا قصد الصلاة وحال دونه مانع فالظاهر حصول الثواب له مطلقًا والله تعالى أعلم.
فلو شهد جنازتين من مكانهما إلى المصلى، وصلى عليها صلاة واحدة، فإن تعدد مكانهما حصل له بكل واحدة قيراط بلا شك، وإن اتحد مكانهما بأن كانا في موضع واحد ومشى معهما حتى صلى عليهما صلاة واحدة.
قال السبكي: فالذي يظهر أنه يحصل له قيراط بكل ميت نظرًا إلى تعدد الجنائز، ولا يمنع من ذلك اتحاد الصلاة لأن الشارع ربط القيراط بوصف وهو حاصل في كل
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٤/١٦١٠، رقم ٤١٦٠) عن سهل بن سعد. وأخرجه البخاري في صحيحه (٣/١٠٥٨، رقم ٢٧٣٢)، ومسلم في صحيحه (٢/١٠١١، رقم ١٣٩٣)، والترمذي في سننه (٥/٧٢١، رقم ٣٩٢٢)، وقال: حسن صحيح. وابن حبان في صحيحه (٩/٤٢، رقم ٣٧٢٥)، وأبو يعلى في مسنده (٥/٣٢٥، رقم ٢٩٤٨) عن أنس.
[ ٢ / ٧١ ]
ميت، وكذا لو صلى على جنائز شهدها من دويرة أهلها، وصلى على الكل صلاة واحدة، حصل له بكل ميت قيراط.
المرتبة الثانية من مراتب الانصراف: أن يتبعها حتى توضع في القبر، وينصرف قبل إهالة التراب، وحديث الباب يدل على أن هذا لا يحصل به القيراط الثاني، فإنه قال فيه: «وكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها» وهو المختار في الروضة والصحيح في المجموع.
لكن اختار إمام الحرمين الحصول ويقويه ما في صحيح مسلم: «حتى يوضع في اللحد» (١) لكن رد ذلك العلماء بأنها مؤولة بالفراغ من الدفن جمعًا بين الرواتين قاله ابن الملقن.
المرتبة الثالثة: أن يقف إلى فراغ القبر وينصرف من غير دعاء وهذا يحصل له القيراط الثاني.
المرتبة الرابعة: أن يقف بعده ويستغفر للميت ويدعو له هذا أقصى الدرجات في الفضيلة، ويشترط لتحصيل القيراط الثاني أن يشهدها من مكانها إلى الدفن كما في الصلاة، فمن سبق إلى القبر لا يحصل له ثواب الدفن.
وذهب بعضهم إلى أنه يحصل له ثلاثة قراريط بالصلاة مع الدفن أخذًا من ظاهر بعض الأحاديث، ومن تبعها حتى يدفن فله قيراطًا أي: قيراط بالصلاة وقيراطان بالدفن، ورد هذا بأن معناه فله تمام قيراطين بالمجموع.
وذهب بعض آخر إلى الحصول أربعة قراريط لحديث: «من أوذن بجنازة فأتى أهلها فعزاهم كتب الله له قيراط، فإن شيعها كتب الله له قيراطين، فإن صلى عليها كتب الله له ثلاثة قراريط فإن، شهد دفنها كتب الله له أربعة قراريط، القيراط مثل أحد» (٢) .
الفائدة الثالثة: دلَّ الحديث على أن لمن حضر الدفن أن ينصرف بغير إذن أهل الميت، وحكي عن مالك أنه لا ينصرف إلا بأذن، وظاهر هذا الحديث يرده.
الفائدة الرابعة: تمسك أبو حنيفة بظاهر قوله في هذا الحديث: «من اتبع» وقال إن المشي وراء الجنازة أفضل من المشي أمامها، وعند الأئمة الثلاثة الشافعي ومالك
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢/٦٥٢، رقم ٩٤٥) عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه ابن حبان في الضعفاء (٣/٤٠، ترجمة ١٠٩٢ معدي بن سليمان) عن أبي هريرة.
[ ٢ / ٧٢ ]
وأحمد بن حنبل أن المشي أمامها أفضل، وحملوا الاتباع على المعنى العرفي، إذ لو تقدم عليها أو حذاها أو تأخر بحيث ينسب إلى الجنازة ويعد من شيعتها، كان له حكم الاتباع عرفًا، والذي يرجح قول الأئمة الثلاثة ما روي أن النبي - ﷺ - والشيخين كانوا يمشون أمامها، وأيضًا: المشيعون للجنازة كالشفعاء لها، ولهذا يقولون في الدعاء: وقد جئناك شفعاء له، ومن شأن الشفيع أن يتقدم بين يدي المشفوع له، فلو مشي خلفها حصل له فضيلة أصل المتابعة وفاته كمالها.
قال النووي: المشي أمام الجنازة أفضل للراكب والماشي، والأفضل أن يكون قريبًا منها، بحيث لو التفت لرآها ولا يتقدمها إلى المقبرة فلو تقدم لم يكره.
الفائدة الخامسة: قوله: «من تبع جنازة مسلم» يقتضي أنه لا أجر في اتباع الكافر.
وهل اتباع جنازته حرام أو مكروه، أو لا حرام ولا مكروه؟
قال العلماء: إن كان الميت الكافر من أقارب الشخص كأبيه أو أخيه فلا يحرم اتباعه ولا يكره، وتلحق الزوجة والمملوك والجار بالقريب.
فقد روى أبو داود وغيره عن علي - ﵁ - قال: أتيت النبي - ﷺ - فقلت: إن عمك الضال قد مات فقال: «إذهب فواره» (١) وإسناده ضعيف، وقيل: حسن، وإن كان غير قريب أو ما في معناه فاتباع جنازته حرام، وكما يجوز للمسلم اتباع جنازة قريبة الكافر يجوز له زيارة قبره.
الفائدة السادسة: دلَّ الحديث المذكور على أن الثواب المذكور وهو القيراطان إنما يحصل لمن تبعها إيمانًا واحتسابًا أي: لوجه الله طالبًا للثواب من الله تعالى، فإن حضور الجنازة على ثلاثة أقسام احتساب، ومكأفاة، ومخافة.
والأول هو الذي يجازى عليه الأجر ويحط عنه به الوزر، والثاني لا يبعد ذلك في حقه، والثالث والله أعلم بما فيه، قاله ابن الملقن.
الفائدة السابعة: دل على وجوب الصلاة على الميت ووجوب دفنه، وهو مجمع عليه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/٢١٤، رقم ٣٢١٤) وأخرجه أيضًا: النسائي في سننه (٤/٧٩، رقم ٢٠٠٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/٣٠٤، رقم ١٣٤٨)، والضياء في الأحاديث المختارة (٢/٣٦٣، رقم ٧٤٦) .
[ ٢ / ٧٣ ]
الفائدة الثامنة: في الحديث حث على الاجتماع للصلاة على الميت وحضور دفنه.
ويلحق بهذه الفوائد مسائل مناسبة وفوائد:
قال العلماء: يكره أن تتبع الجنازة بنار في مجمرة أو غيرها، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع عليه، وكذا يكره أن يكون عند القبر مجمرة، ويكره اللغط في المشي والحديث في أمور الدنيا، بل المستحب التفكر في الموت وما بعده، وفناء الدنيا وأن هذا آخرها.
قال النووي: والمختار والصواب ما كان عليه السلف من السكون في حال السير معها، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما، لأنه أسكن للخاطر، أو أجمع للفكر، فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال.
وكره الحسن وغيره قولهم: «استغفروا لأخيكم» .
وسمع ابن عمر قائلًا يقول: «استغفروا له غفر الله لكم» فقال: لا غفر الله لك.
وإذا مرت جنازة بالإنسان ولم يرد الذهاب معها لم يقم لها، بل نص أكثر العلماء على كراهة القيام، وإذا كان معها فقعد قبل أن توضع فلا كراهة في ذلك، ولا يستحب له القيام عند إقبالها وهو عند القبر جزم به جمهور العلماء.
قال النووي: ويستحب لمن مرت به جنازة أن يدعو لها، وأن يثنى عليها إن كان أهلًا لذلك، ويستحب أن يقول من رآها: سبحان الحي الذي لا يموت، أو سبحان الملك القدوس، أو يقول ما رواه الطبراني عن ابن عمر أنه كان يقول إذا رأى جنازة: «هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيمانًا وتسليمًا» .
وقال رسول الله - ﷺ -: «من رأى جنازة فقال: الله أكبر صدق الله ورسوله هذا ما وعدنا الله ورسوله، اللهم زدنا إيمانًا وتسليمًا كتب له عشرون حسنة» .
قال الإمام الشافعي - ﵁ -: وليس في حمل الجنازة دنأة ولا إسقاط مروءة، بل ذلك بر وإكرام للميت، وفعل أهل الخير، فعله رسول الله - ﷺ - ثم الصحابة ثم التابعون، ويحرم حمله بهيئة مزرية كحملة في غرارة أو قتة بل يحمل على سرير أو لوح أو محمل أو أي شيء حمل عليه أجزأ، فإن لم يوجد شيء يحمل عليه وخيف من تغيره وانفجاره فلا بأس أن يحمل على الأيدي والرقاب كما يحمل الطفل.
وكذلك يحرم حملها على هنة يخشى سقوطه منها وحمل الجنازة بين العمودين أفضل من الترابيع، والحمل بين العموديين أن يتقدم شخص ويضع الخشبتين المقدمتين على عاتقيه ورأسه بينهما، ويحمل المؤخرتين رجلان، ولا يدخل واحد بينهما لأنه لا يري ما بين قدميه، فإن عجز المقدم عن الحمل أعانه اثنان، فحامل الجنازة بلا عجز
[ ٢ / ٧٤ ]
ثلاثة واحد مقدم واثنان مؤخران، ومع العجز خمسة ثلاثة مقدمة وآخران واثنان مؤخران.
فإن عجز الخمسة فسبعة أو تسعة أو أكثر، بحيث يكونون وترًا بحسب الحاجة، والتربيع أن يتقدم رجلان آخران وهذا الحمل فيه أيضًا فضيلة، ولكن الحمل بين عمودين أفضل.
وأما ما يفعله كثير من الاقتصار على اثنين أو واحد فمكروه مخالف للسنه، وهذا في غير الطفل الذي جرت العادة بحمله على الأيدي.
فائدة: ورد أن الملائكة تمشي مع الجنازة.
أخرج ابن أبي الدنيا أن داود سأل ربه فقال: إلهي ما جزاء من شيع الجنازة ابتغاء مرضاتك، قال: «جزاوه أن تشيعه الملائكة لتمشي ويقولون ما قدم فلان وتقول الناس ما ترك فلان» .
فائده أخرى: ورد أن الميت يعلم بمن يغسله ويجهزه ويسمع ما يقال فيه، والجنازة مارة.
أخرج أحمد وغيرة عن أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال: «الميت يعرف من يغسله ويحمله ومن يكفنه ومن يدليه في حفرته» .
وقال رسول الله - ﷺ -: «ما من ميت يموت إلا وهو يعرف غاسله ويناشد حامله إن كان بشر بروح وريحان وجنة نعيم أن يعجله، وإن كان بشر بنزل من حميم ونصليه جحيم أن يحسبه» أخرجه أبو الحسن بن البراغي عن ابن عباس بسند ضعيف.
وأخرج أبو نعيم عن عمرو بن دينار قال: «ما من ميت يموت إلا وروحه في يد ملك ينظر إلى جسده، كيف يغسل وكيف يكفن وكيف يمشي به، ويقال له وهو على سريره: إسمع ثناء الناس عليك» .
أخرج بن أبي الدنيا عن بكر بن عبد الله المزني قال: «بلغني أنه ما من ميت يموت إلا وروحه في يد ملك الموت فهم يغسلونه ويكفنونه وهو يرى ما يصنع أهله، فلو يقدر على الكلام لنهاهم عن الرنه والعويل» .
وقال رسول الله - ﷺ -: «إذا وضعت الجنازة واحتملها الناس على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلي أين تذهبون، ويسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه لصعق أي: لمات» .
قال بعضهم:
[ ٢ / ٧٥ ]
لو كلم الميت من يكلمهم لقال لا تغترن فأنت أنا
قد كنت أرجو فعزني أملي عاجلني الموت ما بلغت منى
وقال رسول الله - ﷺ -: «ما من ميت يوضع على سريره إلا تكلم بكلام يسمعه من شاء الله إلا الثقلين الإنس والجن، يقول: يا إخواتاه ويا حملة نعشاه: لا تغرنكم الدنيا كما غرتني ولا يلعبن بكم الزمان كما لعب بي، خلفت ما تركت لورثتي والديان يخاصمني ويحاسبني، وأنتم تشيعوني وتدعوني» أخرجه ابن أبي الدنيا.
وأخرج أحمد في الزهد عن أم الدرداء قالت: «إن الميت إذا وضع على سريره فإنه ينادي يا أهلاه ويا جيراناه ويا حملة سريراه: لا تغرنكم الدنيا كما غرتني ولا تلعبن بكم كما تلاعبت بي، فإن أهلي لم يحملوا عني من وزري شيئًا» .
فائدة أخرى: كما يعرف الميت من يغسله ويحمله ويكفنه يعلم بمن يزور قبره، أو من ولد أو والد أو جار أو صاحب ويسير بذلك.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال مر رسول الله - ﷺ - على مصعب بن عمير حين رجع من أحد فوقف عليه وعلى أصحابه فقال: «أشهد أنكم أحياء عند الله، فزوروهم وسلموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحدًا إلا ردوا ﵇ إلى يوم القيامة»
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن محمد بن واسع قال: «بلغني أن الموتى يعلمون زوارهم يوم الجمعة ويومًا قبله ويومًا بعده» .
وأخرج أيضًا عن الضحاك قال: «من زار قبرًا يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجمعة» .
فائدة: زيارة القبور في حق الرجال، وينبغي لمن عزم عليها أن يتأدب بآدابها ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه منها الطواف على الأحداث فقط، فإن هذه حالة تشاركه فيها البهيمة ونعوذ بالله من ذلك، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه أو نفع الميت بما يتلو عنده من القرآن، ويجتنب المشي على المقابر والجلوس عليها، ويخلع نعلية إذا دخل المقابر ويخاطبهم خطاب الحاضرين، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، كذلك كان النبي - ﷺ - يقول، وكنى بالدار عن عمارها وسكانها، ولذلك خاطبهم بالكاف والميم، والعرب تعتبر بالمنزل عن أهله.
فإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه يسلم عليه فيقول: السلام عليك وآتاه من قبل وجهه في زيارته كمخاطبة حيًا، ولو خاطب حيًا لكان الأدب في استقباله بوجهه،
[ ٢ / ٧٦ ]
وكذلك هاهنا.
قالت عائشة الأندلسية رحمها الله تعالى وكانت من الصالحات: مات ولدي فكنت أزوره في كل أسبوع مرة، فكنت إذا اقتربت من قبره سمعت جيرانه من الموتى يقولون: يا فلان هذه أمك قد جاءت تزورك فكنت، انظر إلى قبره كأنه يضحك فأسر بذلك.
وروي عن الفضيل بن الموفق ﵀ قال: كنت آتى قبر أبي المرة والمرتين وأكثر من زيارته فشيعت جنازة إلى المقبرة التي فيها أبي وكان ورائي شغل فتعجلت الرواح، فلم أزر قبره فلما كان الليل رأيته في المنام، فقال: يا بني إنك قد جئت بالأمس ولم تأتني؟ فقلت: يا أبي فإنك لتعلم بي إذا آتيتك؟ فقال: والله يابني إنك لا تأتي فلا أزل انظر إليك حتى تقطع القنطرة إلى أن تصل إليَّ وتقعد عندي ثم تقوم، فلا أزل انظر إليك حتى تعدي.
فائدة أخرى: يستحب للزائر أن يسلم عليهم بأن يقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين لأنتم السابقون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم» .
فقد روى ابن عبد البر بإسناد حسن خبر: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يعرفة في الدنيا فسلم عليه إلا عرفه ورد ﵇» وأنشد بعضهم:
تناجيك أجداث وهن سكوت وسكانها تحت التراب خفوت
أيا جامع الدنيا لغير بلاغة لمن تجمع الدنيا وأنت تموت
وإنكم لما علينا تسلموا نرد عليكم واللسان صموت
ويروى أن بعض المتعبدين أتى قبر صاحب له كان يألفه في الحياة فأنشد يقول:
مالي مررت على القبور مسلمًا قبر الحبيب فلم يرد جوابي
أحبيب مالك لا تجب مناديًا أملكت بعدي خلة الأصحاب
لو كان ينطق بالجواب لقال لي أكل التراب محاسني وشبابي
قال فهتف به هاتف من جانب القبر يقول:
قال الحبيب وكيف لي جوابكم وأنا رهين جنادل وتراب
أكل التراب محاسني فنسيتكم فحجبت عن أهلي وعن أحبابي
فعليكم مني السلام تقطعت عني وعنكم خلة الأصحاب
وتمزقت تلك الجلود صفائحها يا طالما لبست رقيق ثياب
[ ٢ / ٧٧ ]
وتساقطت تلك الأنامل من يدي ما كان أحسنهم يخط كتابي
وتساقطت تلك الثنايا لؤلؤًا ما كان أحسنهم لرد جوابي
وتسايلت فوق الخدود نواظري يا طالما نظرت بهم أحبابي
فائدة أخرى: ورد أن القبر يجعل الله له لسانًا حتى بنطق ويتكلم كل يوم ويكلم الميت حين يوضع في قبره.
روينا في سنن الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول الله - ﷺ - في مصلاه فرأى أناسًا يكثرون الضحك، فقال: «أما إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى يعني الموت، فأكثروا ذكر هاذم اللذات الموت، فإنه لم يأت يوم على القبر إلا يتكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود، فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبًا وأهلًا أما إن كنت أحب من يمشي على ظهري، فإذا آويتك اليوم وصرت إليَّ فسترى صنعي بك، فيتسع له مد البصر وينفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر: لا مرحبًا ولا أهلا أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري فإذا آويتك اليوم فسترى صنعي بك قال: فيلتئم عليه حتى تلتقي وتختلف أضلاعه قال: وقال رسول الله - ﷺ - بأصابعه فأدخل بعضها في بعض، قال: ويقيض له تسعون تنينًا أو قال تسعة وتسعون تنينًا، لو أن واحدًا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئًا حتى يفضى به إلى الحساب» .
وعن أبي عبد الله بن عبد الله بن عمير قال: يجعل للقبر لسانًا ينطق به فيقول: ابن آدم كيف نسيتني أما علمت أني بيت الأكله وبيت الدود وبيت الوحده، أنا بيت الدود.
ويقال: إن الأرض تنادي كل يوم خمس مرات، أول نداء تقول: «تأكلك الديدان ثم مصيرك في بطني، والنداء الثاني: تقول يا ابن آدم تأكل الألوان على ظهري وسوف تأكلك الديدان في بطني، والنداء الثالث: تقول يا ابن آدم تفرح على ظهري وسوف تحزن في بطني، والنداء الرابع: تقول يا ابن آدم تذنب على ظهري وسوف تعذب في بطني، والنداء الخامس: تقول يا ابن آدم تضحك على ظهري وسوف تبكي في بطني» .
وقد جاءت الأخبار ودلت الآثار على رحمة الله لعبده إذا دخل قبره، قال عطاء الخراساني: ارحم ما يكون الرب بعبده إذا دخل في قبره وتفرق الناس عنه وأهله، ولله در القائل:
[ ٢ / ٧٨ ]
أيها الواقف اعتبارًا بقبري واستمع فيه قول عظيمي الرميم
أودعوني بطن الضريح وخافوا من ذنوب كلموها بأديمي
قلت لا تجزعوا علي فإني حسن الظن بالرؤوف الرحيم
ودعوني بما اكتسبت رهينة علق الرهن عند مولى كريم
قال العلماء: نسيان الميت بعد موته نعمة من الله على أهله وأصحابه، وكذلك الغفله والأمل نعمتان من الله.
روي عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن مشيعي الجنازة قد وكل بهم ملك، فهم مهمومين محزونون، حتى إذا أسالموه في القبر ورجعوا راحلين أخذ كفًا من تراب فرمي به وهو يقول: ارجعوا ارجعوا إلى دنياكم أنساكم الله موتاكم، فينسون ميتهم يأخذون في شرابهم وبيعهم كأنهم لم يكونوا منه ولم يكن منهم» ولقد أحسن من قال:
ضعوا خدي على لحدي ضعوه ومن عفر التراب فوسدوه
وشقوا عنه أكفانًا رقاقًا وفي الرمس البعيد فغيبوه
فلو أبصرتموه إذا انقضت صبيحة ثالث أنكرتموه
وقد سالت نواظر مقلتيه على وجناته وانفض فوه
وناداه البلى هذا فلان هلموا فانظروا هل تعرفوه
حبيبكم وجاركم المفدى تقادم عهده فنسيتموه
وقال الحسن: الغفلة والأمل نعمتان عظيمتان على ابن آدم، ولولاهما مشي المسلمون في الطرق.
وقال مطرف بن عبد الله: لو علمت متى أجلي لخشيت ذهاب عقلي، ولكن الله ﷾ مَنَّ على عباده بالغفلة عند الموت، ولولا الغفلة ما تهنوا بعيش، ولا قامت بينهم الأسواق (انتهى) .
* * *
[ ٢ / ٧٩ ]