في الكلام على باب «مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ»
وبيان ما في حديثه من الفوائد واللطائف، وفي ذكر العزلة والخلطة
وذكر أيهما أفضل
قَالَ البُخَارِي:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ» .
قوله: «باب من الدين الفرار من الفتن» فإن قيل: لأي شيء قال: «من الدين» ولم يقل: «من الإيمان» كما قال في غيره من الأبواب؟
فالجواب: أنه قال ذلك مراعاة للفظ الحديث (١) حيث قال فيه: «يفر بدينه» وتعبيره - ﵁ - بقوه من الدين مع أن الكتاب معقود للإيمان، يشعر بأن معناها كما أن الإيمان والإسلام عنده أيضًا بمعنى واحد، قال الله تعالى:؟إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ؟ [آل عمران: ١٩] .
وقال الطيبي: اصطلحوا على ترادف الإيمان والإسلام ولا مشاحة في الاصطلاح.
«حدثنا عبد الله بن مسلمة» هذا هو القعنبي الحارثي المدني البصري، منسوب إلى جده قعنب، سكن البصرة وأقام بالمدينة، وكان ﵁ مجاب الدعوة، وأجمع العلماء على إمامته وإتقانه وثقته وجلالته وحفظه وصلاحه وورعه وزهده.
قال أبو حاتم: لم أر أخشع منه.
وقال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل في عيني منه.
وقيل: إن عبد الله القعبني قدم فقال: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض.
وقيل له: حدثت ولم تكن تحدث فقال: رأيت كأن القيامة قد قامت فصيح: يا أهل العلم فقاموا فقمت معهم، فصاح بي: أجلس، فقلت: يا إلهي ألم أكن معهم أطلب؟ قال: بلى ولكنهم نشروا فحدثت.
_________________
(١) قاله الحافظ ابن حجر في الفتح (١/١٤٧) وزاد: ولما كان الإيمان والإسلام مترادفين في عرف الشرع صح إطلاق الدين في موضع الإيمان.
[ ١ / ٤٣٦ ]
روى عنه البخاري ومسلم فأكثرا، وكان - ﵁ - حريصًا على سماع الحديث، رحل إلى البصرة ليسمع الحديث من شعبة، وكان شعبة إمامًا فلما دخل البصرة صادف المجلس قد انقضى وقد انصرف شعبة إلى منزله، فحمله الحرص والشره إلى أن سأل عن منزل شعبة، فأرشد إليه فوجدا الباب مفتوحًا فدخل من غير استئذان فصادف شعبة جالسًا على البالوعة فقال: السلام عليكم رجل غريب قدم من بلد بعيد لتحدثني بحديث رسول الله - ﷺ - فاستعظم ذلك شعبة فقال: يا هذا دخلت منزلي بغير إذني وتكلمني وأنا على مثل هذا الحال، تأخر عني واصبر على حتى أصلح من شأني، فأكثر عليه في الإلحاح وشعبة يخاطبه وذكره في يده يستبرئ فلما أكثر قال له اكتب: حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش عن ابن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فافعل ما شئت» (١) ثم قال: والله لأحدثنك بهذا الحديث ولا حدثت قومًا تكون فيهم.
ذكر هذه الحكاية عنه ابن جماعة في أنس المحاضرة وذكرها السخاوي في شرح ألفية الحديث في آداب طالب الحديث.
وكانت وفاته سنة إحدى وعشرين ومائتين.
«عن مالك» هذا هو إمام دار الهجرة إمام المسلمين، وقد قدمنا بعض فضائله التي لا تعد ولا تحد.
«عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري» واسمه: سعد على الصحيح، وقيل: سنان، استصغر يوم أحد فرد، وغزى بعد ذلك اثنا عشر غزوة مع رسول الله - ﷺ -، وكان من الحفاظ المكثيرين، والعلماء العقلاء، وأحد نجباء الأنصار وعلمائهم مع حداثة سنه، بايع النبي - ﷺ - على أن لا تأخذه في الله لومة لائم مع جماعة.
ويقال له: «عفيف المسألة» لأنه عف فلم يسأل أحدًا قط، ولما مات والده لم يترك له مالًا فأتى رسول الله - ﷺ - ليسأله فقال حين رآه: «من يستعن أعانه الله، ومن
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥/٢٢٦٨، رقم ٥٧٦٩)، وأبو داود في سننه (٤/٢٥٢، رقم ٤٧٩٧)، وابن ماجه في سننه (٢/١٤٠٠، رقم ٤١٨٣)، وأحمد في مسنده (٤/١٢١، رقم ١٧١٣١)، والطيالسي في مسنده (ص ٨٦، رقم ٦٢١)، وابن حبان في صحيحه (٢/٣٧١، رقم ٦٠٧)، والبغوي في في الجعديات (١/١٣٠، رقم ٨١٩)، والطبراني في المعجم الكبير (١٧/٢٣٥، رقم ٦٥١)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢/١٨٦، رقم ١١٥٣) عن أبي مسعود البدري.
[ ١ / ٤٣٧ ]
يستعف أعفه الله» فقال: ما تريد غيري فرجع.
وأبو سعيد الخدري صحابي بن صحابي وقتل والده يوم أحد ولم يرو عنه شيء كما قاله العسكري.
«ودال» الخدري مهمله وهو منسوب إلى خدره أحد أجداده أو إحدى جداته.
روي له عن رسول الله - ﷺ - ألف حديث ومائة وسبعون حديثًا، روى البخاري منها اثنين وستين حديثًا، وبلغ من العمر أربعًا وسبعين سنة، وكانت وفاته بالمدينة سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة أربع وستين، ودفن بالبقيع.
فائدة: اشتمل هذا الإسناد على لطيفة ظريفة وهي أن رجاله كلهم مدنيون.
«عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» (١) .
قوله: «يوشك» بمعنى يقرب أي: كون خير مال المسلم غنم أشار - ﷺ - بهذا الحديث إلى أن الفتن تكثر في آخر الزمان، ويحل فساد كثير بين الناس فينبغي لمن يخاف على دينه من مخالطة أهل الشر والفساد، أن ينعزل عنهم في رؤوس الجبال وبطون الأودية، وأن يكون عنده أغنام يرعاها في هذه المواضع وينتفع بدرها ونسلها، وإنما
_________________
(١) لخص الحافظ ابن حجر معناه في الفتح (١/١٤٨) فقال: قوله: «يوشك» بكسر الشين المعجمة أي: يقرب. قوله: «خير» بالنصب على الخبر، وغنم الاسم، وللأصيلي برفع خير ونصب غنمًا على الخبرية، ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر ويقدر في يكون ضمير الشأن قاله ابن مالك، لكن لم تجيء به الرواية. قوله: «يتبع» تشديد التاء ويجوز إسكانها. «وشعف» بفتح المعجمة والعين المهملة جمع شعفة كأكم وأكمة، وهي رؤوس الجبال. قوله: «ومواقع القطر» بالنصب عطفًا على شعف، أي: بطون الأودية، وخصهما بالذكر لأنهما مظان المرعى. قوله: «يفر بدينه» أي: بسبب دينه. و«من» ابتدائية. قال الشيخ النووي: في الاستدلال بهذا الحديث للترجمة نظر، لأنه لا يلزم من لفظ الحديث عد الفرار دينًا، وإنما هو صيانة للدين، قال: فلعله لما رآه صيانة للدين أطلق عليه اسم الدين. وقال غيره: إن أريد بمن كونها جنسية أو تبعيضية فالنظر متجه، وإن أريد كونها ابتدائية أي: الفرار من الفتنة منشؤه الدين فلا يتجه النظر. ثم قال الحافظ: وهذا الحديث قد ساقه البخاري أيضًا في كتاب الفتن، وهو أليق المواضع به.
[ ١ / ٤٣٨ ]
يفعل ذلك لأجل إحراز دينه وسلامته من الكدورات التي تحصل من خلطة الناس.
وإنما خص - ﷺ - الغنم بكونها خير مال المسلم لما فيها من السكينة والبركة.
فائدة: الغنم اسم جنس لا واحد له من لفظه يقع على الذكر والأنثى، وهو صادق على الضأن والمعز واتفق العلماء على أن الضأن أفضل من المعز كما صرحوا بذلك في الأضحية فإنهم قالوا: الضأن في الأضحية أفضل من المعز.
قال النووي في منهاجه: وأفضلها بعير ثم بقرة ثم ضأن ثم معز ولأن الله في كتابه العزيز بدأ يذكر الضأن فقال:؟مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ؟ [الأنعام: ١٤٣] وتقديم الشيء على غيره يدل على تفضيله عليه، فالبركة في الضأن أيضًا أكثر من البركة في المعز، فإن الضأن تلد في السنة مرة والمعز تلد مرتين وتثني وتثلث، والموجود من الضأن أكثر.
أيضًا قالوا: إن الضأن إذا رعت شيئًا من الكلأ فإنه ينبت عوضه وإذا رعته المعز لا ينبت عوضه، ولحم الضأن أطيب وانفع من لحم المعز.
قال في الطب النبوي: إن أكل لحم المعز يحرك السوداء ويورث النسيان والدم ويورث الهم ويخبل الأولاد، وهو قليل الحرارة يابس وخلطة المتولد منه ليس بفاضل وليس يجيد الهضم ولا محمود الغذاء، ولحم التيس شديد اليبس مطلقًا، ولا سيما المسن فيه، وإناث الماعز أنفع من ذكوره، بخلاف الضأن فإنه حار رطب يولد الدم المحمود القوي، يصلح لإخصاب الأفرجه الباردة والمعتدلة، ولأهل الرياضيات التامة في المواضع والفصول الباردة، يقوي الذهن والحفظ وأجوده لحم الذكر الأسود، فإنه أخف وألذ وأنفع، والخصي أنفع من غيره، والأيمن من الحيوانات أخف وأجود من الأيسر والمقدم أفضل من المؤخر.
ففي الحديث دلالة على أن اقتناء الغنم أفضل من اقتناء غيرها لبركتها أو كثرة نفعها، فإذا أراد الإنسان أن يقتني شيئًا من الحيوانات لينتفع به فاقتناء الغنم أفضل من اقتناء الإبل والخيل وغيرهما، ويدل ذلك ما ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: افتخر أهل الإبل والغنم عند رسول الله - ﷺ - فقال - ﷺ -: «السكينة والوقار في أهل الغنم والفخر والخيلاء في أهل الإبل» (١)، وفي رواية: «في أهل الخيل والوبر» (٢) .
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه (٤/١٥٩٤، رقم ٤١٢٧)، ومسلم في صحيحه (١/٧٣، رقم ٥٢) من حديث أبي هريرة.
(٢) هذه الرواية عند مسلم في الصحيح (١/٧٢، رقم ٥٣)، وأحمد في مسنده (٢/٤٥٠، رقم ٩٨١٢)، وابن حبان في صحيحه (١٦/٢٨٠، رقم ٧٢٩١)، وأبو يعلى في مسنده (١١/٢٢٦، رقم ٦٣٤٠)، وابن منده في الإيمان (١/٥٢٤، رقم ٤٢٨)، والديلمي في مسند الفردوس (٣/١٠١، رقم ٤٢٨٠) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٤٣٩ ]
أراد - ﷺ - «بالسكينة» السكون، «والوقار» التواضع، «وبالفخر» التفاخر بكثرة الأموال والجاه وغير ذلك من مراتب أهل الدنيا، «والخيلاء» التكبر والتعاظم.
والمعنى: أن الوقار والسكينة والتواضع غالبًا يوجد في أهل الغنم، وأن التكبر والتفاخر غالبًا يوجد في أهل الإبل والخيل، وقد ينعكس الحال.
فائدة أخرى: لا نقص ولا عيب في رعي الأغنام فقد رعاها الأنبياء صلاة الله وسلامه عليهم، لأنها سهلة الانقياد، خفيفة المؤن، كثيرة النفع، وروينا في هذا الصحيح وسنن ابن ماجه واللفظ له عن أبي هريرة - ﵁ - إن النبي - ﷺ - قال: «ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم» فقال: له أصحابه وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بقراريط» (١) يعني كل شاة بقيراط.
والمراد: أنه رعاها - ﷺ - بالأجرة كل شاة بقيراط، وهي جزء الدرهم، وقيل: المراد بالقراريط في الحديث اسم مكان وأنه - ﷺ - ما رعى بالأجرة قط.
قال الحربي: وهو الصحيح.
قال ابن الجوزي: عن أبي إسحاق والواقدي أن عمر النبي - ﷺ - حين رعى الغنم كان عشرين سنة.
وفي غريب الحديث للقتبي: «بعث موسى ﵊ وهو راعي غنم، وبعث داود ﵊ وهو راعي غنم، وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد» (٢) .
فقد رعى الأغنام نبينا محمد عليه الصلاة وأتم التسليم في صغره أيضًا، فقد قال
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٢/٧٨٩، رقم ٢١٤٣)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (١/١٢٥)، والرافعي في التدوين (٢/٢٨٨) عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٠ (١٧/٨٤) من طريقل أبي إسحاق عن نصر بن حزن قال: افتخر أهل الإبل والغنم فقال النبي - ﷺ -: فذكره. وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/١٢٦) عن أبي إسحاق قال كان بين أصحاب الغنم وبين أصحاب الإبل تنازع فاستطال عليهم أصحاب الإبل قال: فبلغنا والله أعلم أن النبي - ﷺ - فذكره. ورواه أيضًا: الفاكهي في أخبار مكة (٤/١١، رقم ٢٣٠٥) .
[ ١ / ٤٤٠ ]
النووي: وإنما جعل الله الرعي في الأنبياء تقدمة لهم ليكونوا رعاة الخلق وليكون أممهم رعايا لهم.
وأفاد بعض العلماء: قال بعضهم: إنما رعوا الأغنام لأنهم إذا خالطوا الغنم زاد حلمهم وشفقتهم، روي أن النبي - ﷺ - لما كان عند مرضعته ﵂ في السنة الرابعة قال: «يا أماه ما لي لا أرى أخوتي في الحي نهارًا» .
وأراد بهم إخوته من الرضاعة، وإخوته من الرضاعة اسم جماعة وهم: ابن ثويبة، وعمه حمزة وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابن عمه وصاحبه أبو سلمه وأولاد حليمة، وأما سيدنا مدرك الصحابي المدفون بقرب قرية حجيرا من غوطة دمشق فليس بينه وبين رسول الله - ﷺ - أخوة من الرضاعة ولكن الناس يغلطون في ذلك كثيرًا كما نبه عليه بعض العلماء.
فلما قال - ﷺ -: «ما لي لا أرى أخوتي في الحي نهارًا» قالت له: إنهم يرعون الأغنام فقال: دعيني أخرج معهم فأخذ عصاة ومزودة وخرج معهم لرعي الأغنام، قالت حليمة: وغاب - ﷺ - يومه ذلك، فأقبل وقت المساء وقد سبقته الأنوار، والأغنام تلوذ به وتقبل أقدامه.
وكان في الغنم شاة رماها أخوه «ضمرة» بحجر فكسر ساقه، فجعلت تلوذ به كالشاكية فقبض يده الكريمة علهيا فكأن الوجع لم يكن.
ثم قالت حليمة لولدها: كيف وجدت أخاك القرشي؟ قال: يا أماه ما مر بحجر ولا مدر ولا شجر ولا سهل ولا جبل ولا وحش ولا طير إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله، وإذا نام في الشمس تأتي غمامة تظله، والوحوش تأتي إليه تقبل أقدامه، وإذا مشي في الرمل فالأثر لا يبين، وإذا مشي في الصخر يكون تحت قدميه كالعجين، وإذا استقينا من بئر فار الماء من أعلاه.
قال: ولقد دخلنا إلى وادي الوحوش فإذا نحن بسبع عظيم قد جمع نفسه ليشب علينا، فلما نظر إلى أخينا محمد - ﷺ - خضع له ورمى نفسه على الأرض وتكلم بكلام فصيح، وقال: السلام عليك يا محمد فتقدم إليه محمد وكلمه في أذنه فذهب الأسد يعدو.
وفي رواية: قال ضمرة: إن أسدًا عظيمًا انحدر عليه فأخذ شاة وصعد بها إلى الجبل فلحق أخي محمد فأخذ الشاة منه ثم فتل أذنه وسار، وإذ الأسد يقبل أقدامه ثم انصرف.
[ ١ / ٤٤١ ]
وعدنا إلى المرعى فلما كان بعد ساعة أتى إلينا أسد آخر فنفرت الأغنام منه فضرب ثلاث شياه فكسرها، فلما رآها أخي القرشي مسح بيده على ظهورها فانجبرت، وأما الأغنام فإن أمرها بالمسير سارت وإن أمرها بالوقوف وقفت.
قالت حليمة: وحصل عندنا في الحي ضجة عظيمة فقلت ما الخبر قالوا: غلام وقع في البئر ولم يقدروا على إخراجه، فجاء ولدي محمد إلى جانب البئر ومد يده فطف الماء فقبض على الغلام ونشله فإذا هو خارج البئر، فتعجب الناس من فعله وتعجبت فقال لي: يا أماه لا تعجبي كيف أنشلهم من الآبار بل تعجبي وأنا أنقذتهم غدًا من النار.
وقالت حليمة ﵂: أجلست ولدي محمد تحت شجرة وقت رضاعة فتعلق ببعض الشجرة فاخضرت الشجرة بلمسه إياها - ﷺ -، وكان إذا أصاب أحدًا من وجع أمر يده المباركة عليها فيبرأ من ساعته، وإذا انقطع الغيث يتوسلون به فيمطرون في وقتهم وساعتهم.
وقد رعاها كثير من الأولياء والصالحين من الرجال والنساء اقتداء بالأنبياء ولبركتها وخفة مؤنتها.
قال عبد الواحد بن زيد: سألت الله ثلاث ليال أن يريني رفيقي في الجنة فقيل لي: يا عبد الواحد رفيقك ميمونة السوداء، فقلت: وأين هي؟ فقيل: في بني فلان في الكوفة فذهبت إلى الكوفة أسأل عنها فإذا هي ترعى غنمًا، فأتيت إليها فإذا غنمها ترعى بين الذئاب وهي قائمة تصلي، فلما فرغت من صلاتها قالت لي: يا ابن زيد ليس هذا الموعد إنما الموعد في الجنة، فقلت لها: وما أدراك أني زيد؟ قالت: أما علمت أن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، قلت لها: عظيني، فقالت: يا عجبًا لواعظ يوعظ، قلت لها: ما لي أرى أغنامك بين الذئاب؟ قالت: إني أصلحت ما بيني وبين الله فأصلح الله ما بين غنمي والذئاب.
لطيفة: اتفق من الغرائب أن موسى بن عمران عليه الصلاة السلام اجتاز بعين ماء في سفح جبل فتوضأ منها، ثم ارتقى على الجبل ليصلي، إذ أقبل فارس فشرب من ماء العين وترك عندها كيسًا فيه دراهم، فجاء بعده راعي الغنم فرأى الكيس فأخذه ومضى، ثم جاء بعده شيخ عليه أثر البؤس وعلى رأسه حزمة حطب فوضعها هناك واستلقى يستريح، فما كان إلا قليلًا حتى عاد الفارس يطلب كيسه فلم يجده، فأقبل على الشيخ يطالبه به ولم يزل يضربه حتى قتله، فقال موسى: يا رب كيف العدل في
[ ١ / ٤٤٢ ]
هذه الأمور؟ فأوحى الله تعالى إليه أن الشيخ كان قد قتل أبا الفارس، وكان على أبي الفارس دين لأبي الراعي مقدار ما في الكيس، فجرى بينهما القصاص ووقضي الدين وأنا حكم عادل.
وقوله: «يبيع بها» أي: بالغنم.
«شعف الجبال» أي: رؤوس الجبال.
«ومواقع القطر» أي: بطون الأودية والصحاري، وخص هذه المواضع بالذكر لأنها مظان المرعى.
وقال البرماوي: وذكر هذه المواضع لما فيها من الخلوة لأنها أسلم غالبًا من الكدر، فإنها مواضع خالية من ازدحام الناس ومن المقاولات المؤدية إلى الكدورات.
وقوله: «يفر بدينه من الفتن» أي: فر مما يفتنه في دينه.
في هذا الحديث فوائد كثيرة:
منها: فيه دلالة على فضل العزلة في أيام الفتن لأجل إحراز الدين، ولئلا تقع عقوبة فتعم، فإن العقوبة قد تعم العاصي والطائع، ويهلك الله الطائع بذنب العاصي، فقد ورد في هذا حديث: أن زينب قالت: أنهلك وفينا الصالحون قال: «نعم إذا كثر الخبث» (١) .
ويروى أن موسى ﵊ كان يقول: يا رب كيف تعذب عبادك بذنب رجل واحد؟ فأمهله الله حتى جلس تحت شجرة، فلذغتة نملة فأحرق جميع النمل، فأوحى الله إليه هلا نملة واحدة أي: هلا أحرقت نملة واحدة وهي التي لذغتة فكيف أحرقت غيرها معها بلا موجب، فأراه ذلك في النملة ليعلم أن العقوبة تعم العاصي والطائع، فإذا انعزل الإنسان سلم، اللهم إلا أن يكون الإنسان ممن له قدرة على إزالة الفتنة فإنه يجب عليه السعي في إزالتها إما فرض عين أو فرض كفاية بحسب المال والمكان.
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه (٣/١٣١٧، رقم ٣٤٠٣) من طريق الزهري قال: حدثني عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة حدثته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان حدثتها عن زينب بنت جحش أن النبي - ﷺ - دخل عليها فزعًا يقول: «لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق بإصبعه وبالتي تليها فقالت زينب فذكره» . والحديث عند مسلم في صحيحه (٤/٢٢٠٧، رقم ٢٨٨٠) .
[ ١ / ٤٤٣ ]
وأما في غير أيام الفتنة فقد اختلف العلماء في العزلة والخلطة بالناس أيهما أفضل؟ فذهب الإمام الشافعي والأكثرون إلى تفضيل الخلطة، لما فيها من اكتساب الفوائد، وشهود الشعائر، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال الخير إليهم بعيادة المرضى وتشييع الجنائز، وإفشاء السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وإغاثة المحتاج، وحضور جماعاتهم في الجمعة وباقي الصلوات، والاجتماع في الوقوف عرفات وغير ذلك مما يقدر عليه كل أحد.
واهتمام الشارع - ﷺ - بالاجتماع والخلطة معلوم، ولهذا قال الفقهاء: يجوز نقل اللقيط من البادية إلى القرية ومن القرية إلى البلد ولا يجوز العكس، فإن كان الإنسان صاحب علم أو زاهد ونحو ذلك تأكد في حقه فضل اختلاطه بالناس.
وذهب جماعة آخرون إلى تفصيل العزلة لما فيها من السلامة المحققة لكن بشرط أن يكون عارفًا بوظائف العبادة التي تلزمه وما يكلف به، قد ورد في فضل العزلة أحاديث وأخبار روينا في صحيح مسلم أنه - ﷺ - قال: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي» (١) والمراد: «بالغني» عن النفس، «وبالخفي» المنعزل عن الناس.
وقيل: يا رسول الله أي: الناس خير قال: «رجل يجاهد بنفسه وماله، ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره» (٢) .
وعن عقبة بن عامر (٣) - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» (٤) .
وقال - ﷺ -: «يأتي على الناس زمان القابض فيهم على دينه كالقابض على
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/٢٢٧٧، رقم ٢٩٦٥) عن عامر بن سعد قال: كان سعد بن أبي وقاص في إبله فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فنزل فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم، فضرب سعد في صدره فقال أسكت سمعت رسول الله - ﷺ - يقول فذكره. وأخرجه أيضًا: أحمد في مسنده (١/١٧٧، رقم ١٥٢٩)، والبزار في مسنده (٤/٢٧، رقم ١١٨٨)، وأبو يعلى في مسنده (٢/٨٥، رقم ٧٣٦)، والدورقي في مسند سعد (ص ٤٩، رقم ١٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/٢٩٦، رقم ١٠٣٧٠) .
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه (٣/١٠٢٦، رقم ٢٦٣٤)، ومسلم في صحيحه (٣/١٥٠٣، رقم ١٨٨٨) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) هو: عقبة بن عامر بن عبس بن مالك الجهني، أمير من الصحابة، كان رديف النبي - ﷺ - وشهد صفين مع معاوية، وحضر فتح مصر مع عمرو بن العاص، وولي مصر سنة ٤٤هـ، وعزل عنها سنة ٤٧هـ، وولي غزو البحر، ومات بمصر سنة: ٥٨هـ، كان شجاعًا فقيهًا شاعرًا قارئًا، من الرماة، وهو أحد من جمع القرآن، له ٥٥ حديثًا.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه (٤/٦٠٥، رقم ٢٤٠٦) وحسنه، وقد مر تخريجه.
[ ١ / ٤٤٤ ]
الجمر» (١) .
وقال الفضيل بن عياض ﵀: كفى بالله محبًا، وبالقرآن مؤنسًا، وبالموت واعظًا، اتخذ الله صاحبًا، ودع الناس جانبًا.
وقال الحسن ﵀: كلمات احفظهن من التوراة: «قنع ابن آدم فاستغنى، واعتزل الناس فسلم، وترك الشهوات فصار حرًا، وترك الحسد فظهرت مروءته، وصبرقليلًا فتمتع طويلًا» .
ودخل بعض الأمراء على حاتم الأصم فقال: ألك حاجة؟ قال: نعم لا تراني ولا أراك.
وقال الغزالي ﵀: كل من خالط الناس داراهم، ومن داراهم راياهم، ومن راياهم وقع فيما وقعوا فيه وهلك كما هلكوا.
وقال الإمام الشافعي ﵀ ليونس بن عبد الأعلى: يا يونس الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط.
وكان سفيان الثوري ﵀ يقول: هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخاملين، فكيف المشهودين، هذا زمان سوء ينتقل فيه الرجل من قرية إلى قرية، يفر بدينه من الفتن.
وقال الفضيل بن عياض: هذا زمان سوء، احفظ لسانك، واخف مكانك، وعالج قلبك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر.
وقال سفيان الثوري: هذا زمان السكوت، ولزوم البيوت، والرضا بالقوت، إلى أن تموت.
وقال داود الطائي: صم عن الدنيا واجعل فطرك الآخرة، وفر من الناس فرارك من الأسد وأنشدو في العزلة:
هذا الزمان الذي كنا نحاذره في قول كعب وفي قول ابن مسعود
دهر به الحق مردود بأجمعه والظلم والبغي فيه غير مردود
إن دام هذا ولم يحدث له خير لم يبك ميت ولم يفرح بمولود
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤/٥٢٦، رقم ٢٢٦٠) عن أنس بن مالك، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
[ ١ / ٤٤٥ ]
وقال بعضهم:
ومازلت مذ لاح المشيب بمفرقي أفتش عن هذا الورى وأكشف
فما إن عرفت الناس إلا ذمتهم جزى الله خيرًا كل من لست أعرف
وقال آخر:
وأدبني الزمان فلا أبالي هجرت فلا أزار ولا أزور
ولست بسائل ما دمت حيًا أسار الجيش أم ركب الأمير
وهذا الحديث علم من أعلام نبوته إذا أخبر فيه - ﷺ - أنه يكون في آخر الزمان فتن وفساد بين الناس، فالأولى والأحسن أن يكون عند الإنسان غنم يرعاها في رؤوس الجبال وبطون الأودية والصحاري، للجمع بين الرفق والربح، ويصون عليه دينه، وقد وقع كما أخبر - ﷺ - فكم من فتن في هذه الأزمان وقبلها، وسنقع أيضًا في غيرها، وكم أخبر - ﷺ - عن أمور مستقبلة فوقعت كما أخبر.
نقل ابن الجوزي: أنه - ﷺ - قال: «يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من الدين إلا رسمه، ينفلت الدين من أمتي كما ينفلت السهم من القوس» قالوا: في أي زمن ذلك يا رسول الله؟ قال: «إذا قطعوا أرحامهم، وتدابروا، وأكلوا الربا علاينة، وفشت فيهم الفواحش، وأكلوا الأمانات، وأظهروا الرياء والسمعة، وحرصوا على الدنيا حتى لا يهمهم غيرها، ويظهر المنكر حتى أن الرجل ليمر بالقوم فيرى من المنكر ما يغيظه فلا يقدر أن يغيره، وإن غير استطال فاعله عليه، عند ذلك يقع الموت في العلماء، فلا ترى عالمًا، ثم تنزع الرحمة من قلوبهم، ويندرس العلم والحكمة بينهم، فلا يطلبها طالب، وتقل مكاسب الحلال، وتكثر مكاسب الحرام، ويمنعون الزكاة، ويقل نبات الأرض وتغلوا الأسعار، وتهلك الثمرات، وتموج الناس كالبهائم، وتقل صدقاتهم، وتقسو قلوبهم الحديث» .
ولله در القائل من قال:
يا نفس دعي الدنيا التي قرن الحرص بها والشره
وألزمي النسك فما أربحه ودعي الغي فما أخسره
أي عذر في التصابي لامرئ فاقد من عمره أكثره
أي عذر فلا تقبله قتل الإنسان ما أكفره
فتعين في هذا الزمان الانعزال عن الناس إلا لضرورة بالغة، تحوجه إلى الاختلاط
[ ١ / ٤٤٦ ]
بهم ويسلم من ضرهم، كتعلم ما ينفعه في دينه ودنياه، واكتساب ما يحتاج إليه من أمور المعاش والقوت، فيختلط بقدرها، وينعزل عنهم ليسلم من شرهم، وهذا لا يقع إلا لبعض الخواص الذي حصلت له عناية من مولاه.
وقد نقل عن كثير من السلف الصالح أنهم انعزلوا عن الناس وتركوا أهلهم وأوطانهم وماتوا غربًا.
كما حكي عن بعض الساده أنه قال: كنت أسكن بغداد، وكان لي بها دويرة، احتجت لبناء حائط سقط منها، فخرجت إلى موقف البنائين لأنظر رجلًا يعمل فيه، قال: فوقعت عيني على شاب نحيف، ذي وجه نظيف، فجئت إليه ووقفت عليه، وقلت: يا حبيبي أتريد الخدمة؟ قال لي: نعم، ثم قال: أعمل عندك ولكن بشروط أشرطها عليك، قلت: حبيبي وما هي؟ قال: الأجرة درهم ودانق، قال: وإذا أذن المؤذن تركني حتى أصلي مع الجماعة، قلت: نعم، قال: فانصرف معي إلى المنزل، فخدم خدمة لم أر مثلها، وذكرت له الغداء فقال: لا فعلمت أنه صائم، قال: فلما سمع الأذان قال لي: الشرط، قلت: نعم، قال: فحل حزامه وتفرغ للوضوء فتوضأ ما رأيت أحسن منه ثم خرج إلى الصلاة فصلى مع الجماعة، ثم عاد ورجع إلى الخدمة إلى أن سمع المؤذن من العصر، فقال لي: الشرط فخرج وصلى مع الجماعة، ثم رجع إلى الخدمة، فقلت: حبيبي إنما خدمة البنائين إلى العصر، فقال: سبحان الله إنما خدمتي إلى الليل، قال: فخدم إلى المغرب فأعطيته درهمين فلما رآها قال: ما هذا؟ قلت: والله هي بعض أجرتك ولاجتهادك في خدمتك، فرما بها إلىّ وقال: لا أزيد على ما اشترطه بيني وبينك شيئًا، فرغبته فلم أقدر عليه فأعطيته درهمًا ودانقًا وسار.
فلما كان من الغد بكرة إلى الموقف فلم أجده فسألت عنه فقيل لي: إنه لا يأتي هاهنا إلا من سبت إلى سبت، قال: فتعلق به قلبي وقلت لا أعمل شيئًا إلى يوم السبت، فلما كان يوم السبت آتيته فوجدته فقلت: بسم الله فقال: على الشروط التي تعلمها، قلت: نعم، قال: فأخذته فخدم يومه ذلك وزاد فيه على ما تقدم، فلما كان الليل دفعت له أجرته فأخذها وسار.
فلما كان السبت الثالث جئت إلى الموقف فلم أجده فسألت عنه فقيل لي: هو مريض في خيمة فلانه، وكانت المذكورة عجوزًا لها خيمة قصب بالجبانة مشهورة بالصلاح، قال: فسرت إلى الخيمة ودخلت عليه فإذا هو مضطجع على الأرض ليس تحت شيء، وتحت رأسه صخرة فسلمت عليه فرد عليّ السلام، فقعدت عند رأسه
[ ١ / ٤٤٧ ]
أبكي لغربته وصغر سنه ثم قلت: ألك حاجة؟ قال: نعم، قلت: وما هي؟ قال: إذا كان في غد تصل إلى هاهنا عند الضحى تجدني ميتًا، فتغسلني وتحفر قبري ولا تعلم بذلك أحدًا، وتكفنني في هذه الجبة التي عليّ بعد ما تفتق جيبها وتخرج ما فيه وتمسكه عندك، فإذا صليت عليّ وواريتني في التراب إذهب إلى هارون الرشيد وادفع له ما تجده في الجيب وتقرئ عليه مني السلام.
شعر في المعنى:
بلغ أمانة من وفيت منيته إلى الرشيد فإن الأجر في ذاكا
وقل غريب له شوق لرؤيتكم على تمادي الهوى والبعد لباكا
ما صد عنك كره ولا ملك لأن قربته في لثم يمناكا
وإنما أبعدتي عنك يا أبتي نفس لها عفة من نيل دنياكا
إن فاتني الجمع في دار الدنا بكم فإننا نلتقي في يوم أخراكا
قال: فلما كان من الغد وصلت إلى الخيمة عند الضحى فوجدته قد مات ﵀، فحفرت قبره بيدي وغسلته ثم فتقت جيبيه فإذا في جيبه ياقوته تساوي آلاف من الدنانير، فقلت: لقد زهد هذا في الدنيا، قال: فدفنته وصرت أرتقب خروج هارون الرشيد إلى أن خرج فتعرضت له في الطريق ورفعت له الياقوته فعرفها فلما رآها خر مغشيًا عليه، فأمسك بي خدمته فأفاق، وقال: خلوا عنه فخلى سبيلي فقال بعد ما أخذني إلى قصره وأدخلني بيته: يا أخي ما فعل صاحب هذه الياقوتة؟ فقلت: إنه قد مات فوصفت له حاله فجعل يصيح: انتفع الولد وخاب الوالد، ثم نادى يا فلانة فخرجت امرأة فلما رأتني أرادت أن ترجع فقال لها: ما عليك منه؟ فسلمت ودخلت فرمى لها الياقوتة فصاحت صحية عظيمة وغشي عليها وقالت: يا أمير المؤمنين ما فعل ولدي؟ فقال لي: صف لها حاله فوصفت لها قصته، فجعلت تبكي وتقول وتصيح: ما أشوقني إلى لقائك يا قرة عيني، يا ليتني كنت عندك حتى أسقيك إذ لم تجد ساقيًا، وأونسك إذا لم تجد مؤنسًا.
شعر:
أبكي غريبًا أتاه الموت منفردًا لم يلق ألفًا له يبكي الذي وجدا
من بعد عز وشمل كان مجتمعًا أضحى فريدًا وحيدًا لا يرى أحدا
يبني إلى الناس من الأيام تخلقه والرب يبني ما يبقى له أبدا
[ ١ / ٤٤٨ ]
يا غائبًا قد قضى مولاي فرقته فصار مني بعد القرب مبتعدا
إن أنيس الموت من لقياك ياولدي فصار مني بعد الموت مبتعدا
فقال لي أمير المؤمنين: يا أخي هذا ولدي وكان معي قبل ولايتي الملك، يزور العلماء ويجالس الصالحين، فلما وليت الملك نفر عني وتباعد، وطلب العزلة، فقلت: لأمه هذا ولدي منقطع إلى الله تعالى، ولابد من أن تصيبه الشدائد، ادفعي له هذه الياقوتة ليجدها وقت الاحتياج إليها فدفعتها إليه، وعزمت عليه أن يمسكها فغاب عنا حديثه إلى أن رمى إلينا دنيانا، ولقى الله ﷿ تقيًا نقيًا، ثم قال يا أخي: أرني قبره فخرجت معه إليه فبكى طويلًا عليه، فسألني الصحبة فقلت يا أمير المؤمنين لي في ولدك عظة وعبرة.
شعر في المعنى:
أنا الغريب فلا آوي إلى أحد أنا الغريب وإن أمسيت في بلدي
أنا الغريب فلا أهل ولا ولد وليس لي أحد يأوي إلى أحد
هكذا هذه الحكاية في زهر الكمام، ونقلها في صفوة الصفوة على وجه آخر، قال: إنه أصح الأوجه المروية، وبين وجهًا آخرًا بعده خلاف ما ذكره صاحب زهر الكمام، وبين أن اسم هذا الشاب كان «أحمد» وإنه مشهور «بالسبتي» .
* * *
[ ١ / ٤٤٩ ]