في حديث «إن من الشجر شجرًا لا يسقط ورقها»
وما فيه من الفوائد واللطائف
الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، الحليم الستار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الجبار، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المصطفى المختار، الذي سلمت علية الأحجار، وسعت إلى خدمته الأشجار.
قَالَ البُخَارِي:
باب طَرْحِ الإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ» .
قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ» .
معنى الحديث: أنه كان عند النبي - ﷺ - عشرة من الصحابة أبو بكر وعمر ﵄، وعبد الله بن عمرو كان طفلًا صغيرًا، فأتى النبي - ﷺ - بشيء من جمار النخل فصار يأكل منه، وكان من عادته - ﷺ - إذا اجتمع بأصحابه في بعض الأحيان يلقي عليهم بعض المسائل ليختبر أفكارهم ويحرضهم في طلب العلم، فألقى عليهم مسألة وقال لهم: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وهي تشبه المسلم، حدثونى وأخبروني ما هي؟
فذهب وفكر كل واحد من الصحابة الحاضرين إلى نوع من أنواع شجر البوادي فسار يفسرها بذلك النوع وذهلوا وغفلوا عن النخلة.
قال عبد الله بن عمر: فلما رأيت جمار النخل في يد النبي - ﷺ - وهو يأكل منه وقع في نفسي أنها النخلة، ولكن استحيت أن أتكلم عنده - ﷺ -، وعنده الأكابر مثل أبي بكر وعمر هيبة منهم وتوقيرًا لهم، فما عرف عبد الله ابن عمر أنها النخلة إلا من الجمار الذي كان مع النبي - ﷺ -.
وفى هذا إشارة إلي أنه ينبغي للشخص إذا ألقى عليه شخص سؤلًا خفيًا، ويسمى لغزًا، أن يتفطن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال كما تفطن عبد الله إلي أنها النخلة بالجمار.
[ ٢ / ٩٣ ]
وينبغي للسائل إذا ألقى لغزًا على غيره أن لا يبالغ في تعتيمه وإخفائه على المسئول، بحيث لا يحصل باب يدخل منه، بل ينبغي أن يقرب له حتى يقع في فكره فيحصله كما فعل النبي - ﷺ -، فإنه ألقى السؤال عليهم والجمار في يده، لعل أن يهتدوا بها إلى النخلة، وما اهتدى منهم إلا عبد الله.
وكما ألغز شيخ الإسلام ابن حجر في عود الأراك فقال:
أراك تروم إدراك المعاني ثم أرعوى ثم انتهى ثم أعترف
فما شيء له طيب وطعم وذاك الشيء في شعري مسما
فأول ما قال في لغزه: أراك، ليبقى للمسئول بابًا لمعرفته.
وجاء في رواية: أن عبد الله بن عمر قال حدثني أبي بما وقع في نفسي بعد أن فسرها لهم رسول الله - ﷺ - بأنها النخلة، وقلت: عرفتها ولكن كرهت أن أتقدم عليكم بالكلام، فقال له أبوه لأن تكون قلتها أحب لي من كذا وكذا.
وإنما تمنى عمر أن يكون ولده أجاب النبي - ﷺ - على السؤال قبل أن يبينه لهم رسول الله - ﷺ -، لما طبع عليه الإنسان من محبة الخير لنفسه ولولده، ولتظهر فضيلة الولد في الفهم من صغره، ليزداد من النبي - ﷺ - حظوة، ولأنه كان يرجو أن يدعو إلى ذلك في الزيادة في الفهم.
فقوله في الحديث: «وإنها مثل المسلم» أي: تشبه المسلم، فاختلف العلماء في وجه الشبه بين النخلة والمسلم.
فقيل: وجه الشبه أن النخلة إذا قطع رأسها تموت، وقيل: وجه الشبه أنها لا تحمل حتى تلقح وكذلك المسلم، وقيل: وجه الشبه أنها تموت إذا غرقت وكذلك المسلم، وقيل: وجه الشبه أن لطلعها رائحة مني الآدمي، وقيل: وجه الشبه أنها تعشق كما يعشق المسلم.
فقد حكي في كتاب مصارع العشاق أن بعض العارفين مر على نخلتين متغايراتين أحدهما خضراء يانعة، والأخرى صفراء متغيرة، فعرف بعين الفراسة أن الصفراء عاشقة للخضراء، فأخذ حبلًا وربط رأس الصفراء برأس الخضراء وواصل بينهما وتركهما ومضى ثم عاودهما فرأى الصفراء قد صارت باتصالها، والخضراء يانعة مثلها.
وقيل: وجه الشبه أنه تشرب من أعلاها كالمسلم.
قال شيخ الإسلام: وكل هذه الأوجه ضعيفة لأن الكافر يشارك المسلم في ذلك، وقيل: وجه الشبه أنه خلقت من فضلة طينة آدم، فهي عمة لكل آدمي.
[ ٢ / ٩٤ ]
فقد حكي في كتاب نديم الكرماء: أن آدم لما أهبط إلى الأرض وباشر الحرث والزرع، تعب وتشعث جسده وشعره، فجاء جبريل فأزال العرق والغبار عن جسده، وأخذه من شعره ومن جسده، فأخذ آدم ذلك كله ودفنه في الأرض، ثم نام وانتبه وقد أنبت الله تعالى إلى جانبه نخلة عظيمة طارحة في ساعة واحدة، فكان خشبها من طين جسده وليفها من شعره، وجريدها من ظفره، فلهذا ورد أن النبي - ﷺ - قال: «لا ترجموا عمتكم النخلة» .
هذا والصحيح أن هذا ضعيف فقد ضعفه ابن حجر وغيره وقال: قول من زعم أنها تشبه المسلم لكونها خلقت من فضلة طينة آدم ضعيف، فإن الحديث الوارد في ذلك لم يثبت عنه - ﷺ - فما ينقله بعض الناس أنه - ﷺ - قال: «أكرموا عمتكم» قيل: ومن عمتنا؟ قال: «النخلة» (١) لم يثبت عنه - ﷺ - والصحيح في وجه الشبه بين المسلم والنخلة كما ذهب إليه أكثر أهل العلم أنها أشبهت المسلم في كثرة برها، ودوام ظلها، وطيب ثمرها ووجوده على الدوام، فمن حين أن يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس، وبعده يتخذ منه منافع كثيرة من خشبها وورقها وأغصانها، فتستعمل جذوعًا وحطبًا وعصيًا، وحصرًا وحبالًا وأواني وغير ذلك، ثم ينتفع بنواها علفًا للإبل وغيرها، والمؤمن خير كله من كثر طاعاته ومكارم أخلاقه ومواظبته على عبادته من صلاته وصيامه وقراءته وذكره وصلته وصدقته وسائر الطاعات.
وفي هذا الحديث فوائد كثيرة:
منها: أنه يستحب للعالم أن يلقي المسائل الخفية على الطلبة ليمتحن أذهانهم ويختبر أفهامهم، ويبين ذلك لهم إن لم يفهموا وأما ما ورد في الحديث كما راوه أبو داود «أنه - ﷺ - نهى عن الأغلوطات» (٢) وهي صعاب المسائل، فهو محمول على ما إذا سأل الإنسان شيئًا لا نفع فيه، وسأل ليعنت المسؤول أو يعجزه، فإن ذلك لا يجوز، وأما إذا سأل ليفيد وينفع فإنه سنة.
_________________
(١) أخرجه أبو يعلي في مسنده (١/٣٥٣، رقم ٤٥٥)، والرامهرمزي في أمثال الحديث (١/٧٣، رقم ٣٥)، والديلمي في الفردوس (١/ ٦٨، رقم ١٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/١٢٣) عن علي. قال الهيثمي (٥/٣٩): فيه مسرور بن سعيد، وهو ضعيف.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (٣/٣٢١، رقم ٣٦٥٦) . وأخرجه أيضًا: أحمد في مسنده (٥/٤٣٥، رقم ٢٣٧٣٨)، والطبراني في الكبير (١٩/٣٨٠، رقم ٨٩٢)، وفي الأوسط (٨/١٣٧، رقم ٨٢٠٤) عن معاوية.
[ ٢ / ٩٥ ]
ومنها: أنه يستحب للعالم أن يحرض الناس ويحثهم على العلم وفهمه.
ومنها: أنه يستحب للإنسان الحياء خصوصًا بحضرة الأكابر، ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنى عمر أن يكون ابنه لم يسكت.
ومنها: أن فيه دلالة على أنه ينبغي الأدب مع الأكابر والإخوان والأصحاب، والأدب هو ما يتولد من صفاء القلب وحضوره، ويقال: هو الخلق على بساط الصدق ومطالعة الحقائق بقطع العلائق، وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الله تعالى أدبني فأحسن تأديبي، وأثنى علي بحسن الأدب حتى قال:؟مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى؟ [الرحمن: ١٧]» (١) .
وكان من دعائه - ﷺ -: «اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي» (٢) قيل معناه: أن كمال النعيم في حسن الخلق، وكمال الأدب في حسن الخلق.
وقال - ﷺ -: «إذا أراد الله بعد خيرًا جعل له واعظًا من نفسه يأمره وينهاه» (٣) .
ومنها: أنه يستحب للصغير أن يوقر الكبير، ويستحب للولد أن يقدم أباه في القول على نفسه، وأن لا يتقدم عليه بما فهمه وإن ظن أنه الصواب توقيرًا له وإجلالًا، فقد ورد في مسند ابن ماجة القزويني (٤) عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «جالس العلماء تعرف في السماء، ووقر كبير المسلمين تجاورني في الجنة، واعطف على الطفل الصغير تكن في شفاعتي يوم القيامة» .
وفي الحديث دليل على أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض المسائل، ويحصلها من هو دونه، لأن العلم مواهب الله، والله يؤتي الحكمة من يشاء، كما خفي على أبي بكر وعمر وغيرهما سؤال للنبي - ﷺ - وفهمه عبد الله على صغر سنه.
وفيه دليل على جواز تجمير النخل كتتويب التين، ولا يعد ذلك من باب إضاعة المال.
ومثل هذا السؤال الذي سأله النبي - ﷺ - من أصحابه يسمى لغزًا وتعمية، وقد صنف العلماء كتبًا في ألغاز المسائل اقتدوا في ذلك بالنبي - ﷺ - وقد ذكر فقهاؤنا مسائل كثيرة
_________________
(١) أورده بنحوه ابن الجوزي في العلل (١/١٧٨، رقم ٢٨٤) عن علي.
(٢) أخرجه أحمد (٦/٦٨، رقم ٢٤٤٣٧)، قال الهيثمي (١٠/١٧٣): رجاله رجال الصحيح.
(٣) أخرجه هناد في الزهد (١/٢٩٠، رقم ٥٠٦)، وأبو نعيم في الحلية (٢/٢٦٤) عن أم سلمة.
(٤) هاكذا بالأصل: مسند ابن ماجة القزويني، ويحتمل أن له مسندًا غير السنن وقف عليه المصنف، والحديث ليس في سننه والله أعلم.
[ ٢ / ٩٦ ]
من هذا الباب منها: أنهم قالوا: أي إنسان يجوز له مس المصحف وحمله وهو جنب، مع أن المحدث حدثًا أصغر لا يجوز له مسه ولا حمله، فضلًا عن الجنب قال الله تعالى؟لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ؟ [الواقعة: ٧٩]؟ وبينوا ذلك وصورة بما إذا كان الإنسان جنبًا ولم يتمكن من الطهارة، وعنده مصحفًا، وخاف عليه إن تركه في مكانه من غرق أو حرق أو نجاسة أو كافر يأخذه، فإنه يأخذه في هذه الحالة وجوبًا للضرورة، بل قال النووي: «إذا أراد التخلي وخاف من وضع المصحف من يده أن يأخذه غاصب، فإنه يتغوط وهو معه» .
ومنها: أنهم قالوا: أي صلاة يجب أداؤها وإذا فاتت لا يجب قضاؤها بل لا يجوز مع أن الصلاة إذا فات وقتها وجب فعلها خارج الوقت وتكون قضاء؟ وصور وذلك بصلاة الجمعة فإنها إذا فاتت لا تقضى جمعة، وإنما تقضى ظهرًا والظهر صلاة أخرى ليست بدلًا عن الجمعة.
ومنها: أنهم قالوا: أي يوم يجب فيه على المكلف أكثر من ألف صلاة من غير نذر، والكل أداء ليس فيها واحدة قضاء ولا منذورة؟ وبينوا ذلك وصوروه بوقت خروج الدجال فإنه يستمر أربعين يومًا يوم كسنه ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كهذه الأيام، فاليوم الذي كسنه لا يكفي خمس صلوت، بل كل وقت منه كقدر يومنا هذا يصلي فيه خمس صلوات، وهكذا إلى آخره.
ومنها: أي امرأة مات عنها زوجها وليست بحامل انقضت عدتها في نصف يوم، مع أن عدتها أربعة اشهر وعشرة أيام قال الله تعالى:؟وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا؟ [البقرة: ٢٣٤] وبينوا ذلك وصوروه باليوم الذي كسنه عند خروج الدجال، فإنه من حين خروج الشمس إلى زوالها نصف نهار وهو مقدار ستة أشهر من هذه الأيام فتنقضي.
ومنها: أنهم قالوا: أي أذان يستحب لغير الصلاة، وأي إقامة تستحب لغير الصلاة؟ وصوروا ذلك بالمولود حال ولادته فإنه يستحب أن يؤذن في أذانه اليمين ويقام في أذنه اليسرى، وفي صورة أخرى وهي: ما إذا تمردت الجان كما قاله النووي في الأذكار.
ومنها: أنهم قالوا: أي شيء يستحب الإتيان به في القضاء دون الأداء؟ وصوروا ذلك بالجهر والإسرار فإذا فات الإنسان صلاة الظهر مثلًا فقضاها مثلًا ليلًا يستحب له أن يجهر في الركعتين الأولتين كصلاة العشاء، ولا يستحب الجهر فيها لو صلاها
[ ٢ / ٩٧ ]
أداء، وإذا فات الإنسان صلاة العشاء مثلًا فقضاها نهارًا يستحب الإسرار فيها، ولا يستحب الإسرار فيها لو صلاها أداء.
ومنها: أنهم قالوا: أي ثوب متنجس صلى فيه صحت صلاته، وإن صلى عليه أو حمله في كمه ونحوه لا تصح صلاته؟ وصوروا ذلك بالثوب الذي أصابته نجاسة معفو عنها كدم البراغيث ونحوها.
فائدة: ينبغي لمن سمع مسألة أو لغزًا وكان ظاهره قبيحًا أن لا ينكره أولًا، بل يتفكر فيه ويتأمله، فإن لم يعرفه يفحص عنه من قائله أو غيره، فإن من اعتمد على ظواهر الألفاظ غير متأمل فيها يوقع الخلق في جهل عظيم، ويقع هو في إثم كبير، وربما يقضي السامع على القائل بالكفر، ويقول فلان تكلم بكلام كفري، فيقع في الخطأ العظيم، فقد حكى العلامة التاج السبكي أن شخص أحب الاجتماع بالمأمون أمير المؤمنين فلم يمكنه التوصل إليه، فاحتال بحيلة وهي أنه قام في ملأ من الناس وقال: أيها الناس قفوا واسمعوا ما أقول لكم، ولست بفقير أطلب منكم شيئًا، ثم قال: اعلموا أن عندي ما ليس عند الله، ولي ما ليس لله، ومعي ما لم يخلق الله، وإني أحب الفتنة، وأكره الحق، وأقول إن اليهود قالت حقًا، وإن النصارى قالت حقًا، ومعي زرع ينبت بغير بذر، وسراج يضيء بغير نار، وأنا أحمد النبي، وأنا ربكم أرفعكم وأضعكم، فقاموا إليه وكادوا يأتون على نفسه وقالوا: لا كفر فوق هذا وصاروا به إلى المأمون، فلما مثل بين يديه وأعاد القول على أمير المؤمنين ثم أخذ يبينه فقال: أما قولي: لي ما ليس لله فإن لي صاحبه وولد وليس لله صاحبه ولا ولد تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، وأما قولي: عندي ما ليس عند الله فعندي الجور والظلم والله تعالى منزه عنهما، وأما قولي: معي ما لم يخلق الله فمعي القرآن، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأما قولي: إني أحب الفتنة فالمراد بها المال والولد وهما محبوبان مع أنهما فتنة كما نطق به القرآن، وأما قولي: أكره الحق فالمراد بالحق الموت فإنه حق مكروه، وأما قولي: وأقول أن اليهود قالت حقًا والنصاري قالت حقًا، فالحق الذي قالته اليهود والنصاري ما أشار إليه الله إليه بقوله:؟وَقَالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلَى شَيءٍ؟ [البقرة: ١١٣] وأما قولي: ومعي زرع ينبت بغير بذر فهو شعر الرأس، وأما
قولي: ومعي سراج يضيء بغير نار فهما العينان، وأما قولي: أنا أحمد النبي والنبي منصوب على المفعولية بأحمد، وأحمد فعل والمعنى أنا أحمد النبي أي: أشكر نبينا محمد - ﷺ - وأما قولي: أنا ربكم أرفعكم وأضعكم فالمعنى: أنا صاحبكم فإن رب بمعنى
[ ٢ / ٩٨ ]
صاحب أرفع الكم وأضعه، فاستحسن المأمون ذلك وأصغي إلى كلامه وقضى حاجته.
وفي الحديث دلالة على بركة النخلة وما تثمره، ولفضل النخلة وبركتها شبه الله كلمة التوحيد بها في القرآن العظيم حيث قال ﷾:؟أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصلها ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ؟ [إبراهيم: ٢٤] قال المفسرون الكلمة الطيبة هي لا إله إلا الله، والشجرة الطيبة هي النخلة فإنها طيبة الثمرة، أصلها ثابت في الأرض وفرعها إلى أعلاها في السماء، كذلك أصل هذه الكلمة راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق، فإذا تكلم بها عرجت فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله.
وجاء في الحديث عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا قال العبد لا إله إلا الله يصعد بها الملك إلى السماء، فيستقبله في السماء ملك آخر فيقول من أين؟ فيقول: وأنت إلى أين؟ فيقول: أنا صاعد بشهادة فلان إلى الله تعالى، فيقول: وأنا نازل إليه من عند الله ومعي براءة من النار» .
وقد ذكر الفخر الرازي في كتابه أسرار التنزيل وجه تشابه كلمة التوحيد بالنخلة من وجوه ستة:
الأول: شجرة النخلة لا تنبت في جميع البلدان، كذلك التوحيد لا يجري على كل لسان.
الثاني: أن شجرة النخلة أطول الأشجار، وكذلك كلمة التوحيد أعلى الكلمات.
الثالث: أن الشجرة ثابتة في الأرض وفرعها في السماء، كذلك هذه الكلمة الطيبة ثابتة في القلب وهو المعرفة، وفرعها ثابت في السماء؟إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ؟ [فاطر: ١٠] .
الرابع: أن شجرة النخلة تحمل كل سنة مرتين كذلك الإيمان يحمل في الدنيا مرة ويثاب لأجل إيمانه أهلية الشهادة والولاية والأمانة، ومرة أخرى في الآخرة وهي الجنة الباقية والنعمة الدائمة.
الخامس: أن النخلة وإن حصل في وسط ثمرتها نواة لا خير فيها ولا منفعة، فإن قيمة تلك الثمرة لا تنقص بسبب تلك النواة، وكذا كلمة التوحيد وإن كان يحصل معها شيء من المعاصي لا تنقص بسبب ذلك، قال تعالى:؟قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا؟
[الزمر: ٥٣] .
[ ٢ / ٩٩ ]
السادس: أن النخلة أسفلها الذي يقرب من الناس كله شوك، والثمرة والمنفعة في أعلاها، كذا كلمة التوحيد أولها تكاليف شاقة هي كالشوكة، وأعلاها الثمرة الحلوة اللذيذة وهي المعرفة والمحبة.
لطيفة: كتب ملك الروم إلى سيدنا عمر - ﵁ - أخبرني رسلي أن ببلدكم شجرة يخرج ورقها كأذان الحمير، ثم ينشق عنها ثمر أحسن من اللؤلؤ ثم يخضر حتى يكون كالزمرد، ثم يحمر ويصفر فيكون كشذور الذهب وقطع الياقوت، ثم ينيع فيكون كأطيب الفالوذج، ثم يبين فيكون قوتًا للمقيم وزادًا للمسافر، فإن صدقوا فهذه من شجر الجنة، فكتب إليه عمر: نعم، وهي التي ولد تحتها عيسى فلا تدع مع الله إلهًا آخر.
لطيفة أخرى غريبة: ذكر بعض العلماء في مصنف له عن أبي دجانة الصحابي - ﵁ - أنه كان في زمن النبي - ﷺ - إذا صلى الصبح خلف رسول الله - ﷺ - خرج من المسجد سريعًا ولم يحضر الدعاء - وقد قال العارف بالله الرباني سيدي عبد القادر الكيلاني في كتابه الغنية: إن العبد إذا انصرف من المسجد ولم يحضر الدعاء تقول الملائكة: انظروا إلى هذا الذي قد استغنى عن الله - فأعلموا رسول الله - ﷺ - بما كان يفعله أبو دجانة فقال له رسول الله - ﷺ -: «يا أبا دجانة مالك تخرج سريعًا ولا تحضر الدعاء» فقال: يا رسول الله لي جار منافق، وفي داره نخلة وأغصانها على داري، فإذا هب الهواء في الليل سقط رطبها في دارنا فأسبق أولادي قبل أن يستيقظوا وأجمع الثمر وأرده إليه، فطلب النبي - ﷺ - صاحب النخلة وقال له: «بعني نخلتك بعشر نخلات في الجنة، عروقها من الزبرجد الأخضر، وساقها من الذهب الأحمر، وأغصانها من اللؤلؤ الأبيض» فقال: لا أبيع حاضرًا بغائب فقال أبو بكر - ﵁ -: قد اشتريتها منه بعشر نخلات في موضع كذا، ففرح المنافق ثم أعطي التي في داره لأبي دجانة بنخلات أبي بكر - ﵁ - ثم جاء إلى داره وأخبر زوجته بأنه باع النخلة لأبي بكر بعشر نخلات في مكان كذا، وقال: النخلة في دارنا فكلما غفل أبو دجانة أكلنا منها ولا ندع له إلا الشيء القليل، فلما نام المنافق تلك الليلة وأصبح رأى النخلة قد تحولت من دارة إلى دار أبي دجانة (١)
- ﵁ - بقدرة الله تعالى.
فهذا وأمثاله من الأشياء الدالة على نبوته قال بعضهم: وإذا تأملت معجزاته وباهر آياته وكراماته وجدتها شاملة للعلوي والسفلي والصامت والناطق والساكن والمتحرك والمائع والجامد والسابق واللاحق والحاضر والباطن والظاهر والعاجل والآجل إلى غير
_________________
(١) أبو دجانة هو: سماك بن خرشة الخزرجي البياضي الأنصاري، المعروف بأبي دجانة: صحابي، كان شجاعا بطلًا، له آثارًا جميلة في الإسلام. شهد بدرًا، وثبت يوم أحد، وأصيب بجراحات كثيرة، واستشهد باليمامة سنة: ١هـ، وكانت له مشية عجيبة في الخيلاء، يضرب بها المثل، نظر إليه النبي - ﷺ - في معركة، وهو يتبختر بين الصفين، فقال: هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا المكان، وكان يقال له: ذو المشهرة، وهي درع يلبسها في الحرب، وذو السيفين لقتاله يوم أحد بسيفه وسيف رسول الله - ﷺ - وقيل في نسبه: سماك بن أوس ابن خرشة.
[ ٢ / ١٠٠ ]
ذلك مما لو ذكر لطال كتسليم الحجر والشجر عليه، وشهادتهما له بالرسالة بين يديه، ومخاطبتهما بالسيادة وحنين الجذع إليه، إلى غير ذلك من الخوارق للعاده.
فمن معجزاته: ما روي أنه - ﷺ - كان على شط ماء وقعد عكرمة بن أبي الجهل (١) فقال: إن كنت صادقًا فادع ذلك الحجر الذي في الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق، فأشار إليه ﵊ فانقلع من مكانه وسبح حتى صار بين يدي رسول الله - ﷺ - وشهد له بالرسالة، فقال له رسول الله - ﷺ -: «يكفيك هذا؟» فقال: حتى يرجع إلى مكانه (٢) .
ومن معجزاته صلوات الله وسلامه عليه: أن الأشجار نطقت له وسعت إليه كما صحت بذلك الأخبار ونقله عنه - ﷺ - الثقات الأخيار، وقد أشار إلى ذلك صاحب البردة بقوله:
جاءت لدعوته الأشجار ساجدة تمشي إليه على ساق بلا قدم
كأنما سطرت سطرًا لما كتبت فروعها من بديع الخط بالقلم
وذكر صاحب الشفا وغيره: أن أعرابيًا سأل النبي - ﷺ - آية -أي: معجزة- دالة على نبوته فقال له: «قل لتلك الشجرة: إن رسول الله يدعوك» فمالت عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها وقطعت عروقها، ثم جاءت تجر عروقها حتى وقفت بين يديه، فقالت: السلام عليك يا رسول الله، قال الأعرابي: فمرها أن ترجع إلى منبتها، فأمرها فرجعت ودست عروقها في منبتها (٣) .
وروي عن ابن عمر ﵄ قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فدنا منه أعرابي فقال: «يا أعرابي أين تريد؟» قال: أهلي، قال: «هل لك إلى خير» قال: وما قال هو؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله» قال: ومن يشهد لك على ما تقول؟ قال: «هذه الشجرة السمرة وهي في شاطئ الوادي، فأدعها فإنها تجيبك» قال: فدعاها فأقبلت تشق الأرض حتى قامت بين يديه - ﷺ - فاستشهدها ثلاثًا أي: قال لها: «من أنا؟» فقالت: رسول الله ثلاث مرات،
_________________
(١) هاكذا بالأصل بأل التعريف والمشهور بدونها، ويبدو أن المصنف اعتمد على أنه عرف بكنيته هذه.
(٢) انظر: السيرة الحلبية (٢/٧٦٥) .
(٣) أخرجه البزار عن بريدة كما في مجمع الزوائد (٩/١٠)، قال الهيثمي: فيه صالح بن حيان وهو ضعيف.
[ ٢ / ١٠١ ]
ثم عادت إلى مكانها (١) .
ولله در من قال:
نبي له الأشجار جاءت مطيعة نبي عليه سلم الحجر الصلد
نبي هدي حتى الجماد يحبه نبي كريم ما لدعوته رد
له الفضل والإفضال والبر والتقى له العدل والإحسان والجود والمجد
صح وثبت أن جذع النخل حن لفراقه - ﷺ - فقد قال جابر بن عبد الله - ﵁ -: كان مسجد رسول الله - ﷺ - مسقوفًا بجذوع نخل، فكان النبي - ﷺ - إذا خطب إلى جذع منها ويضع يده عليه قبل أن يصنع المنبر، فلما صنع له المنبر في السنة الثانية أو الثامنة من الهجرة فارق الجذع، قال جابر: سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار (٢) وهي: الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر، فلما حن الجذع لفراقه دعاه رسول الله - ﷺ - فجاءه يخرق الأرض فقال له: «إن شئت أردك إلى الحائط أي: البستان الذي كنت فيه، ينبت لك عروقك، ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وثمر، وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك» ثم أصغى له ليسمع ما يقول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله، فأكون في مكان لا أبلى فيه فسمعه من يليه، فقال - ﷺ -: «قد فعلت» ثم قال: «اختار دار البقاء على دار الفناء» ثم أمره فعاد إلى مكانه (٣) .
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٤/٤٣٤، رقم ٦٥٠٥)، والدارمي في سننه (١/٢٢، رقم ١٦)، وأبو يعلي في مسنده (١٠/٣٤، رقم ٥٦٦٢)، والطبراني (١٢/٤٣١، رقم ١٣٥٨٢) . قال الهيثمي (٨/٢٩٢): رجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٣/١٣١٤، رقم ٣٣٩٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/١٩٥، رقم ٥٤٨٧) عن جابر.
(٣) حديث حنين الجذع لرسول الله - ﷺ - ورد من حديث عدد من الصحابة منهم: جابر وأبي بن كعب وأنس بن مالك وابن عباس. فأخرجه البخاري في صحيحه (٣/١٣١٤، رقم ٣٣٩١)، وأحمد في مسنده (٣/ ٣٠٠، رقم ١٤٢٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/٣١٩، رقم ٣١٧٤٨) عن جابر. وأخرجه ابن ماجه في سننه (١/٤٥٤، رقم ١٤١٤)، والدارمي في سننه (١/٣٠، رقم ٣٦)، وأحمد في مسنده (٥/١٣٧، رقم ٢١٢٨٥)، والضياء في المختارة (٣/٣٩٣، رقم ١١٩٢)، والشافعي في المسند (١/٦٥) عن أبي بن كعب. وأخرجه الضياء في المختارة (٤/٣٥٧، رقم ١٥٢٠)، والدارمي في سننه (١/٣٢، رقم ٤١) عن أنس بن مالك. وأخرجه أحمد في مسنده (١/٢٦٦، رقم ٢٤٠٠)، والدارمي في سننه (١/٣١، رقم ٣٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/٣١٩، رقم ٣١٧٤٦)، والحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (١/٣٠٥، رقم ٢٠٠) عن ابن عباس.
[ ٢ / ١٠٢ ]
فكان الحسن - ﵁ - إذا حدث بها بكى وقال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله - ﷺ - شوقًا إلى مكانه فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه.
وجاء في رواية أنه أمر بدفنه تحت منبره ليصلى إليه، فلما هدم المسجد أخذه أبي فكان عنده رحمة الله عليه، ونظم ذلك بعضهم فقال:
وحن الجذع شوقًا ورقةً ورجع صوتًا كالعشار مرددا
فبادره ضمًا فقر لوقته لكل امرئ من دهره ما تعودا
وأنشد بعضهم أيضًا:
الجذع حن إلى النبي المصطفى بالله أقسم إنه معذور
قد كان حال القرب من أنواره في نعمة إقبالها مأثور
فغدا الفرقة بدره متصدعًا يبدي الأنين وقلبه مكسور
من ذا الذي يقوى على هجران من بين البرية فضله مشهور
وخرج - ﷺ - إلى نواحي مكة في بعض الأيام فما استقبله شجر ولا حجر إلا شافهه بالسلام، ولما أتى جبريل بالرسالة المعظمة إليه جعل لا يمر بحجر لا شجر إلا سلم عليه، وأمنت الأبواب والجدران على دعائه، وكان كل من الحجر والشجر يسجدان له إذا مر بإزائه (١) .
_________________
(١) حديث تسليم الحجر والشجر لرسول الله - ﷺ - ورد من حديث عدد من الصحابة منهم: علي وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وعائشة ﵃: فأخرجه الترمذي في سننه (٥/ ٥٩٣، رقم ٣٦٢٦)، وقال: غريب. والدارمي في سننه (١/٢٥، رقم ٢١)، والحاكم في المستدرك (٢/٦٧٧، رقم ٤٢٣٨)، والضياء في المختارة (٢/١٣٤، رقم ٥٠٢) عن علي بن أبي طالب. وأخرجه الدارمي في سننه (١/٤٥، رقم ٦٦) عن جابر بن عبد الله. وأخرجه مسلم في صحيحه (٤/١٧٨٢، رقم ٢٢٧٧)، والترمذي في سننه (٥/٥٩٢، رقم ٣٦٢٤)، وأحمد في مسنده (٥/٨٩، رقم ٢٠٨٦٠)، والطبراني في الأوسط (٢/٢٩١، رقم ٢٠١٢) عن جابر بن سمرة. وأخرجه الطيالسي في مسنده (ص: ٢١٥، رقم ١٥٣٩)، والبزار (كما في مجمع الزوائد ٨/٢٦٠) بإسناد ضعيف لضعف شيخه عبد الله بن شبيب، على ما ذكره الهيثمي. كلاهما عن عائشة.
[ ٢ / ١٠٣ ]
وحنين الجذع إليه، وتسليم الحجر عليه لم يثبت لواحد من الأنبياء إلا له - ﷺ - فهو من خصائصه الحقيقية.
ومن معجزات نبينا - ﷺ - الباهرة، كما قاله الشيخ عبيد وغيره: أنه - ﷺ - لما بني المسجد بالمدينة قال لأبي بكر احتاج إلى جذوع نخل لأجل سقف المسجد، فقال له أبو بكر - ﵁ - لي بمكة بيت فيه جذوع نخل تصلح، فدعاها النبي - ﷺ - فخلق الله تعالى لها أجنحة فطارت وجاءت إليه فسقف بها المسجد.
ومن المعجزات الباهرة أيضًا: أنه - ﷺ - غرس غصنًا من النخلة في سنام البعير بحضرة جماعة من كفار قريش، فأخضر في الحال، وصار نخلة عظيمة ذات أغصان وثمار، ثم تناول الحاضرون من ثمارها، فمن علم الله أنه يؤمن كانت الثمرة حلوة في فمه، ومن علم أنه لا يؤمن عاد حجرًا في فمه.
قال بعض العلماء الحنفية: وفي قوله - ﷺ -: إنها أي: النخلة مثل المسلم أشار إلى أن تشبيه الشيء بالشيء لا يلزم أن يكون نظيره من جميع وجوهه، فإن المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات ولا يعادله، بل ولا من الحيوانات.
فائدة: جاء في حديث آخر: أن النبي - ﷺ - شبه المؤمن بالنحلة بالنون المعجمة والحاء المهملة، فقد قال البيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد قال: صاحبت ابن عمر من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدث عن رسول الله - ﷺ - إلا هذا الحديث: «إن مثل المؤمن كمثل النحلة (١)
إن صاحبته نفعك، وإن شاورته نفعك، وإن جالسته نفعك، وكل شأنه
_________________
(١) قال العسكري في تصحيفات المحدثين (١/٣٩٣): ومما يحتاج إلى ضبط وتقييد حديثان روي في أحدهما: «مثل المؤمن مثل النخلة» بالخاء المعجمة، وروي في الحديث الآخر: «مثل المؤمن مثل النحلة» وجميعا صحيح. فأما بالخاء المعجمة فحدثنا أبو جعفر بن زهير حدثنا يوسف بن موسى القطان حدثنا جرير عن ليث عن محمد بن طارق عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر ﵄ من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدث عن نبي الله - ﷺ - إلا هذا الحديث: «مثل المؤمن كالنخلة إن جالسته نفعك وإن شاورته نفعك وإن صاحبته نفعك وإن شاركته نفعك وكل شيء من شأنه منافع» الخاء في هذا الحديث معجمة لا يجوز غيرها. فأما النحلة معجمة فحدثنا به ابن أخي أبي زرعة حدثنا محمد بن عيسى بن حيان المدائني حدثنا سلام بن سليمان الثقفي حدثنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مثل المؤمن مثل النحلة تأكل طيبًا وتضع طيبًا» وهذا المعجمة لا يجوز غيرها.
[ ٢ / ١٠٤ ]
منافع» (١) وكذاك النحلة كل شأنها منافع.
قال ابن الأثير: وجه المشابهة بين المؤمن والنحلة حذق النحلة وفطنته وقلة أذاه وقنوعه وسعيه في الليل وتنزهه عن الأقذار وطيب أكله، وأنه لا يأكل من كسب غيره، ونحوله وطاعته لأميره، وإن للنحل آفات تقطعه عن عمله منها: الظلمة والغيم والريح والدخان والماء والنار، وكذلك للمؤمن آفات تقطعه عن عمله: ظلمة الغفلة، وغيم الشك، وريح الفتنة، ودخان الحرام، وماء الخمر، ونار الهوى.
خاتمة لطيفة: قال في كتاب نديم الكرماء: حكي أن الجنيد قدس الله سره دخل في بعض أعوامه مكة فنزل عند امرأة عجوز من الصالحات، كان يعرفها فجلست العجوز تتوضأ فوجدت نوى تمر فأخذت واحدة فغرستها في الأرض، وصبت عليها من الماء الذي كأنت تتوضأ به، فقالت بناتها وهن يضحكن: يا أمي أتأملين أن تعيشي حتى تأكلي من هذه النواة رطبًا، قال: فرفعت المرأة طرفها إلى السماء ثم قالت: اللهم أنت القادر الذي تقول للشيء كن فيكون، فأطعمني من هذه النخلة قبل موتي، قال الجنيد: أمين، ثم قام الجنيد والعجوز يصليان العصر، ثم جلسا وإن النخلة قد أخرجت الخوص، ثم الجريد، ثم الخشب، ثم أثمرت، فوالله ما برحنا حتى أكلنا من ثمرها.
ولقد أحسن من قال:
جل الذي أحكامه في البلاد تجري بما فيه صلاح العباد
يميت من شاء ويحيي وإن قال للشيء كن فيكون ما أراد
* * *
_________________
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦/٥٠٤، رقم ٩٠٧٢) .
[ ٢ / ١٠٥ ]