في بيان فتر الوحي، وفي ترجمة ابن عباس وسعيد بن جبير وغير ذلك
قَالَ البُخَارِي:
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أبو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ، قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْىِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ بَيْنَا أَنَا أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ والأرض، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى؟يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ؟ إِلَى قَوْلِهِ؟ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ؟ فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ.
تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ. وَتَابَعَهُ هِلاَلُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ «بَوَادِرُهُ» (١) .
قوله: «قال ابن شهاب» هذا هو: الزهري وقد قدمنا ترجمته.
_________________
(١) قال ابن حجر في الفتح (١/٨٢): خرَّج المصنف بالإسناد في التاريخ حديث الباب عن عائشة، ثم عن جابر بالإسناد المذكور هنا فزاد فيه بعد قوله «تتابع»: قال عروة -يعني بالسند المذكور إليه- وماتت خديجة قبل أن تفرض الصلاة، فقال النبي - ﷺ -: «رأيت لخديجة بيتا من قصب، لا صحب فيه ولا نصب» قال البخاري: يعني قصب اللؤلؤ. وشرح ابن حجر هذا الجزء الأخير من الحديث وقد تركه المصنف فقال: وقوله: «تابعه» الضمير يعود على يحيى بن بكير، ومتابعة عبد الله بن يوسف عن الليث هذه عند المؤلف في قصة موسى وفيه من اللطائف: قوله: عن الزهري: سمعت عروة. قوله: «وأبو صالح» هو عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد أكثر البخاري عنه من المعلقات، وعلق عن الليث جملة كثيرة من أفراد أبي صالح عنه. ورواية عبد الله بن صالح عن الليث لهذا الحديث أخرجها يعقوب بن سفيان في تاريخه عنه مقرونا بيحيى بن بكير، ووهم من زعم - كالدمياطي - أنه أبو صالح عبد الغفار بن داود الحراني، فإنه لم يذكر من أسنده عن عبد الغفار وقد وجد في مسنده عن كاتب الليث. وقوله: «وتابعه هلال بن رداد» بدالين مهملتين الأولى مثقلة، وحديثه في الزهريات للذهلي. قوله: «وقال يونس» يعني ابن يزيد الأيلي، ومعمر هو ابن راشد. «بوادره» يعني: أن يونس ومعمرًا رويا هذا الحديث عن الزهري فوافقا عقيلًا عليه، إلا أنهما قالا بدل قوله يرجف فؤاده ترجف بوادره، والبوادر: جمع بادرة وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق، تضطرب عند فزع الإنسان، فالروايتان مستويتان في أصل المعنى لأن كلا منهما دال على الفزع، ما في رواية يونس ومعمر من المخالفة لرواية عقيل غير هذا في أثناء السياق، والله الموفق.
[ ١ / ٢٢٩ ]
«وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن» هذا هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو فرضي زهري مدني إمام جليل أحد فقهاء المدينة السبعة على قول، وكانت وفاته بالمدينة سنة أربع وتسعين عن اثنين وتسعين سنة في خلافة الوليد.
وهذا الإسناد فيه سقط من أوله، وعند علماء الحديث إذا سقط من أول الإسناد واحد وأكثر يسمى تعليقًا (١)، والقاعدة عند البخاري - ﵁ - أن التعليق إذا كان صحيحًا عنده يأتي به بصيغة الجزم «قال» مثلما قال هنا «قال ابن شهاب»، وإن كان ضعيفًا يأتي به بصيغة التمريض كقيل وروي، وصرح بذلك علماء الحديث فقالوا: إذا كان الحديث ضعيفًا لا يقال فيه، لأنه من صيغ الجزم بل يقال حكي أو قيل أو يقال بصيغة التمريض، وقد اعتنى البخاري بهذا الفرق في صحيحه فقال تارة بلفظ الجزم وأخرى بلفظ التمريض، وهذا مما يزيدك اعتقادًا في جلالته وتحققه.
فقوله: «قال ابن شهاب وأخبرني» أتى «بقال» ليدل على أنه تعليق صحيح، وبالواو ليعلم أنه مبني على سند متقدم فكأنه قال: «حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني أبو سلمة»، فيكون الأول مما حدث به ابن شهاب عن عروة، والثاني مما حدث به عن أبو سلمة.
قالوا: الواو في «وأخبرني» عاطفة لما رواه شهاب عن أبي سلمة لما رواه أولًا عن عروة قال اخبرني عروة بكذا، وأخبرني أبو سلمة بكذا.
«أن جابر بن عبد الله الانصاري» هذا هو جابر بن عبد الله الخزرجي الأنصاري المدني، وهو من كبار الصحابة، وهو أحد الستة المكثرين الرواية عن رسول الله - ﷺ -، روى ألف حديث وخمسمائه حديث وأربعون حديثًا اتفقا منها على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين، شهد مع رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) قال ابن حجر في الفتح (١/٨١): وأخطأ من زعم أن هذا معلق وإن كانت صورته صورة التعليق، ولو لم يكن في ذلك إلا ثبوت الواو العاطفة، فإنها دالة على تقدم شيء عطفته، وقد تقدم قوله: عن ابن شهاب عن عروة فساق الحديث إلى آخره ثم قال: قال ابن شهاب -أي: بالسند المذكور- وأخبرني أبو سلمة بخبر آخر وهو كذا، ودل قوله عن فترة الوحي وقوله الملك الذي جاءني بحراء على تأخر نزول سورة المدثر عن اقرأ، ولما خلت رواية يحيى بن أبي كثير الآتية في التفسير عن أبي سلمة عن جابر عن هاتين الجملتين أشكل الأمر، فجزم من جزم بأن «يا أيها المدثر» أول ما نزل، ورواية الزهري هذه الصحيحة ترفع هذا الإشكال.
[ ١ / ٢٣٠ ]
تسع عشر غزوة، وكانت وفاته بعد أن عمي بالمدينة سنة ثلاث، وقيل: ثمان وسبعين وهو ابن أربع وتسعين سنة، وكان أبيض الرأس واللحية يصفرهما بالورس، وكان يحفي شاربه، ويؤم قومه وهو آخر الصحابة موتًا بالمدينة.
«قال: أي: جابر بن عبد الله وهو يحدث عن فترة الوحي» جملة حالية من ضمير جابر أي: قال جابر في حالة التحديث عن فترة الوحي.
قال العلماء ﵃: فترة الوحي هي عبارة عن تأخر نزول القرآن عليه ﵊ مدة من الزمان، واختلف في مدة الفترة، فقال السهيلي كانت سنتين ونصف كما جاء في حديث مسند.
وأفاد شيخ الإسلام ابن حجر أنه وقع في تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبي أن مدة فترة الوحي كان ثلاث سنين، وبه جزم بن إسحاق وقال: ليس المراد بفترة الوحي المقدر بثلاث سنين عدم مجيىء جبريل، بل المراد بها عدم نزول القرآن عليه فيها فقط.
وأما جبريل فإنه كان يتراءى له في هذه المدة كما ذكره البخاري في التعبير (١) عن معمر أنه قال وفترة الوحي فترة حتى حزن النبي - ﷺ - فيما بلغنا غدا منه مرارًا كي يتردى رؤس الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه يتراءى له جبريل - ﵇ - فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًا فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه، حتى يرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل جعل يتراءى له جبريل فقال له مثل ذلك.
وفي آخر هذا الصحيح أيضًا أنه -﵊- حين فتر الوحي كان يأتي شواهق الجبال أي: أعاليها يهم بأن يلقي نفسه فكان جبريل يتراءى له بين السماء والأرض فيقول له: يا محمد أنت رسول الله (٢) .
وإنما فتر الوحي وانقطع نزول القرآن عليه هذه المدة بعد تتابعه في النزول عليه ليذهب ما حصل له - ﷺ - من الخوف والفزع عند نزول جبريل عليه بالقرآن، كما أشار لذلك البخاري وهو في غار حراء ويتشوق إلى عود الوحي إليه ثم بعد مضى مدة الفترة نزل عليه جبريل بالقرآن كما أشار إلى ذلك البخاري بقوله: فقال أي: جابر بن عبد الله إن رسول الله - ﷺ - قال: بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت
_________________
(١) انظر صحيح البخاري (٦/٢٥٦١، رقم ٦٥٨١) كتاب التعبير باب: أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة.
(٢) انظر الموضع السابق من صحيح البخاري.
[ ١ / ٢٣١ ]
بصري فإذا الملك الذي جاء بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت فرجعت فقلت: زملوني زملوني فأنزل الله - ﷿ -؟يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ؟ [المدثر: ١ - ٥] .
«فحمي الوحي وتتابع» أي: كثر نزوله بعد ذلك وازداد.
قوله «وتتابع» تأكيد «لحمي» لأنه بمعناه.
وفي هذا الحديث دلالة على أنه ﷾ أقدر الملائكة على التشكل والتصور بصور مختلفة من صور بني آدم وغيرهم، وأن لهم صورًا في أصل خلقهم مخصوصة بهم من بني آدم، وأن الله جعل الهواء لهم يتصرفون فيه كيف شاءوا، كما جعل الأرض لبني آدم يتصرفون فيها كيف شاءوا وهو ممسكم في الهواء بقدرته كما أنه سبحانه يمسك السماء أن تقع على الأرض بقدرته وقول الله تعالى له - ﷺ -؟يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ؟ لاطفه في الخطاب من الكريم إلى الحبيب، إذ ناده بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل له يا محمد أو يا فلان، ليتشعر الملاطفة من ربه - ﷿ - ونظيره قوله - ﷺ - لعلي لما خرج من بيته مغاضبًا لفاطمة ﵂ وجاء إلى المسجد ونام فيه فسقط رداءه وأصابه ترابه فرآه رسول الله - ﷺ - وقد أصابه التراب فقال له ملاطفًا ومسكنًا لغضبه: «قم يا أبا تراب»، وكان أحب الأسماء إلى علي - ﵁ -.
ومعنى الآية: قم يا ذا الذي قد تدثر أي: تعطي بثيابه ونام، وأصل المدثر المتدثر، فإذا أدغمت التاء في الدال لتجانبها.
؟قُمْ فَأَنذِرْ؟ أي: خوف أهل مكة وحذرهما العذاب إن لم يسلموا وقيل معنى أنذر: أعلمهم بنبوتك وقيل معناه: أدعهم إلى التوحيد.
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي: عظم سيدك ومليكك ومصلح أمرك أي: صفه بأنه أكبر من أن تكون له صاحبة وولد.
قيل لما نزلت هذه الآية قام رسول الله - ﷺ - فكبر فكبرت خديجة وعلمت أنه الوحي من الله تعالى.
واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى؟وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ؟ على أقوال ثمانية: فقيل: المراد بالثياب: العمل، أي: عملك فطهر فأصلح، فإن العرب كانت تقول إذا كان الرجل خبيث العمل فلان خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا فلان طاهر الثياب.
وقيل: المراد بالثياب القلب، أي: قلبك فطهر من الإثم والمعاصي أي: فطهره من
[ ١ / ٢٣٢ ]
الغدر أي: لا تغدر فتكون دنس الثياب.
وقيل: المراد بالثياب النفس، أي: طهر نفسك من الذنوب.
وقيل: المراد بها الأهل، أي: طهر أهلك من ارتكاب الخطايا بأن تعظهم وتؤدبهم، فإن الأهل يسمون بالثياب واللباس قال الله تعالى؟هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ؟ [البقرة: ١٨٧] .
وقيل: المراد بالثياب النساء، أي: طهر نساك بأن تختار حال التزويج بهن النساء العفائف المؤمنات، وأن تستمتع بهن في الطهر لا في الحيض.
وقيل: المراد بالثياب الخُلق، أي: حسن خلقك.
وقيل: المراد بها الدين.
وأكثر المفسرين على أن المراد بالثياب: ما يلبس على البدن.
واختلفوا في تأويله على أربعة أقوال:
الأول: أن المراد بالتطهير الإنقاء أي: وثيابك فأنق.
الثاني: المراد بالتطهير من النجاسة.
الثالث: المراد بالتطهير اللبس من الحلال أي: طهر ثيابك من لبس الحرام ولا تلبس ثيابك إلا من كسب الحلال.
الرابع: المراد بقوله؟فَطَهِّرْ؟ فقصر فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة لأنها إذا أبحرت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها ما ينجسها.
قال علي كرم الله وجهه: قصر ثيابك فإنه أتقى وأنقى.
والمراد بقوله؟وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ؟ الأوثان فاترك، وقيل: المأثم.
فائدة: انقطع جبريل عن النبي - ﷺ - مدة أيام، قيل: اثنا عشر يومًا، وقيل: خمسة عشر يومًا، وقيل: خمسة وعشرين يومًا، وقيل: أربعين يومًا وسببه كما ذكره المفسرون أن اليهود سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، وعن الروح فقال سأخبركم غدًا ولم يقل: إن شاء الله، فانقطع جبريل عنه هذه المدة، فقال المشركون: إن جبريل محمدًا ودعه وقلاه أي: تركه ربه وبغضه، وقالت أم جميل امرأة أبي لهب أبطأ عليه شيطانه فأنزل الله تعالى تكذيبًا لهم؟وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى؟ [الضحى: ١ - ٣] فأراد الله بقوله:؟وَالضُّحَى؟ جميع النهار لأنه قابله بالليل، وقيل: أراد وقت ارتفاع الشمس لأنه وقت شريف كلم الله فيه موسى بن عمران، وخرت فيه سحرة فرعون سجدًا لله - ﷿ - فلهذا أقسم الله به، فإن
[ ١ / ٢٣٣ ]
قوله؟وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى؟ قسم بتقدير مضاف أي: ورب الضحى ورب الليل إذا سجى، ومعنى سجى سكن أي: سكن الناس فيه، ومعنى الآية ورب الضحى ورب الليل إذا سجى؟مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ؟ يا محمد كما تقول الكفار؟وَمَا قَلَى؟ أي: ما تركك ربك منذ اختارك ولا أبغضك منذ أحبك، وأنزل الله مع هذه الآية؟وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ؟ تحريضًا وتعليمًا لمن عزم على فعل شيء مستقبل أن يقدم المشيئة ليقدره الله ببركة المشيئة على فعله، ويقضي حاجته وتنجح طُلبته.
* * *
[ ١ / ٢٣٤ ]
باب
يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ
قَالَ البُخَارِي:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو عَوَانَةَ (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى؟ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ؟ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ ابن عباس: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُحَرِّكُهُمَا.
وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابن عباس يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى؟لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ؟ قَالَ جَمْعُهُ لَهُ فِي صَدْرِكَ، وَتَقْرَأَهُ؟فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ؟ قَالَ فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ؟ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ؟ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - كَمَا قَرَأَهُ.
قوله: «حدثنا موسى بن إسماعيل» هذا هو أبو سلمة المنقري البصري التبوذكي قيل: له التبوذكي لأنه اشترى دار بتبوذك، وكانت وفاته بالبصرة سنة ثلاث وعشرين.
«حدثنا موسى بن أبي عائشة» هذا هو أبو الحسن الكوفي الهمداني.
«حدثنا سعيد بن جبير» هذا هو الإمام المجمع على جلالته وثقته وعلو مرتبته في العلوم تفسيرًا أو حديثًا وفقهًا وكان ابن عباس إذا أتى أهل الكوفة إليه يقول لهم: أليس فيكم سعيد بن جبير، وكان يقال له: جهبذ العلماء، وهو كوفي أسدي والبي، منسوب إلى «بني والبة» بالولاء.
سمع سعيد بن جبير خلقًا من الصحابة منهم العبادلة، وأخذ عنه خلق من التابعين منهم الزهري، قتله الحجاج صبرًا ولم يعش بعدها أيامًا.
قيل: إن الحجاج لما أرسل رسله في طلب سعيد بن جبير وحضروه بين يديه قال: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، قال: أنت شقي بن كسير، قال: كانت أمي أعلم باسمي منك، قال: شقيت أنت وشقيت أمك، قال: الغيب يعلمه غيرك، قال: لأبدلنك بالدنيا نارًا تلظى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إليها، ثم أحضر الحجاج ألآت
_________________
(١) قال ابن حجر في الفتح (١/٨٣): «أبو عوانة» هو: الوضاح بن عبد الله اليشكري مولاهم البصري، كان كتابه في غاية الإتقان.
[ ١ / ٢٣٥ ]
الملاهي فبكى سعيد، فقال الحجاج ويلك يا سعيد، قال: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار فقال: اختر يا سعيد أي قتله تريد أن أقتلك، قال: اختر لنفسك يا حجاج فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة، قال: فتريد أن اعفو عنك؟ فقال: إن كان العفو فمن الله لي، وأما أنت فلا، قال: اذهبوا به فاقتلوه، فلما خرج من الباب ضحك فأخبر الحجاج بذلك فأمر برده فقال: ما أضحكك قال: عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عليك، فأمر بالنطع فبسط بين يديه فقال: اقتلوه، فقال سعيد: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، قال: وجهوه لغير القبلة، قال سعيد: أينما تولوا وجوهكم فثم وجه الله قال: كبوه لوجهه، فقال سعيد: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى، فقال الحجاج: اذبحوه، فقال سعيد، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، ثم قال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي، فذبح على النطع -﵀-.
وعاش الحجاج بعده خمسة عشر ليلة، وكان الحجاج لا يصبر على سفك الدماء، وكان يخبر عن نفسه: أن أكبر لذاته سفك الدماء، وارتكاب أمور لا يقدر عليها غيره.
وقيل: أحصى ما قتل صبرًا فبلغ مائة ألف وعشرين ألفًا كذا رواه الترمذي في جامعه (١)، وعرضت سجونه بعده فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفًا لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب.
قال خلف بن خليفة: حدثنا بواب الحجاج قال رأيت رأس سعيد بن جبير بعد ما سقط على الأرض يقول: لا إله إلا الله (٢) .
وقيل: إنه كان له ديك يقوم من الليل بصياحه فلم يصيح ليلة أصبح فلم يصل سعيد تلك الليلة فشق ذلك عليه فقال: مال قطع الله صوته فلم يسمع له صوت بعد
_________________
(١) أخرج الترمذي في سننه (٤/٤٩٩، رقم ٢٢٢٠) عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «في ثقيف كذاب ومبير» قال الترمذي: يقال «الكذاب» المختار بن أبي عبيد، و«المبير» الحجاج بن يوسف، ثم قال: حدثنا أبو داود سليمان بن سلم البلخي، أخبرنا النضر بن شميل، عن هشام بن حسان فذكره.
(٢) رواه أسلم الواسطي في تاريخ واسط (ص:٩١) حدثنا أسلم قال: حدثنا محمد بن إبان قال: حدثنا خلف بن خليفة قال: حدثني بواب الحجاج به. وأورده المزي في تهذيب الكمال (١٠/٣٦١)، والنووي في تهذيب الأسماء (ص٢١٠) .
[ ١ / ٢٣٦ ]
ذلك.
وسنذكر بعض أخبار الحجاج في الكلام على قوله - ﷺ - «إذا التقى المسلمان بسيفهما» (١) .
وكانت وفاة سعيد بن جبير سنة خمس وتسعين عن تسع وأربعين سنة.
«عن ابن عباس» هذا هو الحبر عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي ابن عم رسول الله - ﷺ - أمه أم الفضل أخت ميمونة زوج النبي - ﷺ -.
وإنما قيل: الحبر البحر لكثرة علومه، وكان يقال له: ترجمان القرآن وهو والد الخلفاء وأحد العبادلة الأربعة المشهورين الذي شاع ذكرهم وانتشر فضلهم وسارت الركبان نفعنا الله بهم وهم: عبد الله ابن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الإمام عمر بن الخطاب.
دعا له الله - ﷺ - بالحكمة والتفقه في الدين وتعلم التأويل أي: تأويل القرآن فأخذ عنه الصحابة ذلك ودعا له مرة أخرى فقال: اللهم بارك فيه وانشر منه واجعله من عبادك الصالحين، اللهم زده علمًا وفقهًا وفي هذا الصحيح أنه ﵊ ضمه إليه وقال: «اللهم علمه الكتاب» وهو أحد الستة الذين الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله - ﷺ -.
قال الإمام أحمد بن حنبل: ستة من الصحابة أكثروا الرواية عن رسول الله - ﷺ - فهم: أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمرو، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأنس، وأبو هريرة أكثرهم حديثًا.
وقال أحمد بن حنبل أيضًا: ليس أحد من الصحابة أكثر فتيا من عبد الله ابن عباس ومناقبة في الصحيح وغيره جمة أفردت بالتأويل منها: أن رسول الله - ﷺ - حنكة بريقة.
ومنها: أنه رأى جبريل فقد روى مجاهد عنه أنه قال: رأيت جبريل مرتين ودعا لي رسول الله - ﷺ - بالحكمة مرتين.
ومنها: أنه كان كثير البكاء، وكان لموضع الدمع من خديه أثر لكثرة بكائه، وكان عمر بن الخطاب يعظمه ويقدره على الكبار والصغار، وكان إذ ذكره يقول: ذاك فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول.
_________________
(١) متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه (١/٢٠، رقم ٣٠)، ومسلم في صحيحه (٤/٢٢١٤، رقم ٢٨٨٨) من حديث أبي بكرة.
[ ١ / ٢٣٧ ]
ومن مناقبة الدالة على غزارة علمه أن الناس كانوا يقصدون منزله من الآفاق، ويزدحمون على منزلة، ويسألون عن جميع العلوم فقد نقل عن أبي صالح أنه قال رأيت عند ابن عباس جلساء لو أن جميع قريش افتخرت به لكان لها فخر، ورأيت الناس اجتمعوا على باب منزله، ويسألوه من أنواع العلوم، حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر على المجيىء من ذلك الطريق والذهاب من كثرة الناس، قال أبو صالح: فدخلت عليه فأخبرته بالناس الواقفين على بابه، فقال: ادع لي بوضوء فتوضأ وجلس، ثم قال: لا تدخل على جميع الناس بل أخرج وقل من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أراد منه فليدخل، قال: فخرجت فأعلمتهم فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم عنه وزادهم مثل ما سألوا عنه وأكثر، ثم قال انصرفوا حتى يدخل إخوانكم، ثم قال: لي أخرج فقل من أراد أن يسأل عن الحلال أو الحرام والفقه فليدخل، فقلت لهم: فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجر فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به، وزادهم بمثله، ثم قال انصرفوا حتى يدخل إخوانكم فخرجوا، ثم قال: أخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها فليدخل، فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله، ثم قال: انصرفوا حتى يدخل إخوانكم، ثم قال: أخرج فقل: من أراد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام فليدخل، فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم وزادهم مثله، قال أبو صالح: فلو أن قريشًا كلها فخرت بذلك لكان فخرًا فما رأيت مثل هذا لأحد.
وكان ابن عباس جميلًا قال عطاء: ما رأيت القمر ليلة الرابع عشر إلا ذكرت وجه ابن عباس من حسنه.
وروى عن النبي - ﷺ - ألف حديث وستمائه وستين حديثًا، اتفقا منها على أربعة خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بمائة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين وقد عمي في آخر عمره وكذا أبوه العباس وجده عبد المطلب، ولما سقط في عينيه الماء، وذهب بصره قيل له: خلي بيننا وبين عينيك نسيل ماءها ولكنك تمسك خمسة أيام لا تصلي فقال: لا والله ولا ركعة إني حدثت: «أنه من ترك صلاة واحدة متعمدًا لقي الله وهو عليه غضبان» (١) .
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١/٢٩٤، رقم ١١٧٨٢)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٤/٨٢٨، رقم ١٥٣٥) من حديث ابن عباس. ورواه أيضًا: البزار كما في مجمع الزوائد (١/٢٩٥) قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الكبير وفيه: سهل بن محمود، ذكره ابن أبي حاتم، وقال: روى عنه أحمد بن إبراهيم الدورقي، وسعدان بن يزيد، قلت: وروى عنه محمد بن عبد الله المخرمي ولم يتكلم فيه أحد، وبقية رجاله رجال الصحيح.
[ ١ / ٢٣٨ ]
ولد - ﵁ - بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي - ﷺ - وهو ابن ثلاث عشر سنة على المشهور، وكانت وفاته بالطائف وقبره فيها مشهور يزار سنة ثمان وستين عن إحدى وسبعين على الصحيح، في أيام ابن الزبير، وصلى عليه محمد بن الحنفية وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة، ولما بلغ جابر بن عبد الله وفاته صفق بإحدى يديه على الأخرى وقال: مات أعلم الناس وأحكم الناس، ولقد أصيبت به هذه الأمة مصيبة.
ومن مناقبة الجليلة التي اتفقت له بعد موته ما نقل عن ميمون بن مهران قال: شهدت جنازة ابن عباس بالطائف فلما وضعت ليصلى عليه جاء طائرًا أبيضًا من السماء، لم ير على خلقته حتى وقع له على أكفانه ثم دخل فيها، فالتمس فلم يوجد فلما سوى عليه التراب سمعنا صوتًا:؟يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي؟ [الفجر: ٢٧ - ٣٠] .
وقيل: إن هذا الطائر الأبيض علمه كما أفاده السيوطي في كتابه شرح الصدور.
قوله «عن موسى بن أبي عائشة حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله؟ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ؟ قال: كان رسول الله - ﷺ - يعالج (١)
من لتنزيل شدة
_________________
(١) قال ابن حجر في الفتح (١/٨٤): المعالجة محاولة الشيء بمشقة، أي: كان العلاج ناشئًا من تحريك الشفتين، أي: مبدأ العلاج منه، أو «ما» موصولة وأطلقت على من يعقل مجازًا، هكذا قرره الكرماني، وفيه نظر لأن الشدة حاصلة له قبل التحرك، والصواب ما قاله ثابت السرقسطي أن المراد كان كثيرًا ما يفعل ذلك، وورودهما في هذا كثير ومنه حديث الرؤيا: «كان مما يقول لأصحابه: من رأي منكم رؤيا» . الفم قلت: ويؤيده أن رواية البخاري في التفسير من طريق جرير عن موسى بن أبي عائشة ولفظها: «كان رسول الله - ﷺ - إذا نزل جبريل بالوحي فكان مما يحرك به لسانه وشفتيه» . فأتى بهذا اللفظ مجردًا عن تقدم العلاج الذي قدره الكرماني، فظهر ما قال ثابت. ووجه ما قال غيره: إن «من» إذا وقع بعدها «ما» كانت بمعنى ربما، وهي تطلق على القليل والكثير، وفي كلام سيبويه مواضع من هذا منها قوله: اعلم أنهم مما يحذفون كذا. والله أعلم. ومنه حديث البراء: «كنا إذا صلينا خلف النبي - ﷺ - مما نحب أن نكون عن يمينه الحديث»، ومنه حديث سمرة: «كان رسول الله - ﷺ - إذا صلى الصبح مما يقول لأصحابه: من رأى منكم رؤيا» .
[ ١ / ٢٣٩ ]
فكان مما يحرك شفيه، وقال ابن عباس: فأنا أحركها لك كما كان رسول الله - ﷺ - يحركها، وقال سعيد بن جبير: أنا أحركها كما رأيت ابن عباس يحركها، فحرك شفتيه فأنزل الله ﷿؟لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ؟ (١)
قال: جمعه له في صدرك (٢)؟فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ؟ قال فاستمع له ونصت؟ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ؟ ثم إن علينا أن تقرأه»
معنى الآية: أن النبي - ﷺ - كان يحرك شفتيه بما يسمعه من جبريل قبل إتمام جبريل الوحي استعجالًا لحفظه وخوفًا من تفلته ونسيانه، وقيل: إنهما كان يذكره إذا نزل عليه من حبه وحلاوته في لسانه، فإن القرآن له حلاوة في اللسان.
قال عياض: لما سمع الوليد بن المغيرة من النبي - ﷺ -:؟إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
_________________
(١) قال ابن حجر (١/٨٤): قوله: «فحرك شفتيه» وقوله: فأنزل الله؟لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ؟ [القيامة: ١٦] لا تنافي بينهما، لأن تحريك الشفتين، بالكلام المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلا اللسان يلزم منه تحريك اللسان. أو اكتفى بالشفتين وحذف اللسان لوضوحه لأنه الأصل في النطق إذ الأصل حركة الفم، وكل من الحركتين ناشئ عن ذلك، وقد مضى أن في رواية جرير «يحرك به لسانه وشفتيه» فجمع بينهما. وكان النبي - ﷺ - في ابتداء الأمر إذا لقن القرآن نازع جبريل القراءة، ولم يصبر حتى يتمها مسارعة إلى الحفظ لئلا ينفلت منه شيء، قاله الحسن وغيره. ووقع في رواية للترمذي: «يحرك به لسانه يريد أن يحفظه»، وللنسائي: «يعجل بقراءته ليحفظه»، ولابن أبي حاتم «يتلقى أوله، ويحرك به شفتيه خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره»، وفي رواية الطبري عن الشعبي «عجل يتكلم به من حبه إياه» وكلا الأمرين مراد، ولا تنافي بين محبته إياه والشدة التي تلحقه في ذلك، فأمر بأن ينصت حتى يقضى إليه وحيه، ووعد بأنه آمن من تفلته منه بالنسيان أو غيره، ونحوه قوله تعالى:؟وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ؟ [طه: ١١٤] أي: بالقراءة.
(٢) قال ابن حجر في الفتح (١/٨٥): قوله: «جمعه لك صدرك» كذا في أكثر الروايات وفيه إسناد الجمع إلى الصدر بالمجاز، كقوله: أنبت الربيع البقل، أي: أنبت الله في الربيع البقل، واللام في «لك» للتبيين أو للتعليل. وفي رواية كريمة والحموي «جمعه لك في صدرك» وهو توضيح للأول، وهذا من تفسير ابن عباس. وقال في تفسير «فاتبع» أي: فاستمع وأنصت، وفي تفسير «بيانه» أي: علينا أن تقرأه. ويحتمل أن يراد بالبيان بيان مجملاته وتوضيح مشكلاته، فيستدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب كما هو الصحيح في الأصول.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وَالإِحْسَانِ؟ [النحل: ٩٠] قال: والله إن له لحلاوة، وإن له لطلاوة، وإن أسلفه لمغدق، وإن أعلاه لمثمر وما هو بقول بشر.
قال ابن حجر: وكلا الأمرين مرادفًا فأمره الله تعالى بالإنصات حتى يتم جبريل الوحي، ووعده بأنه آمن من تفلته بالنسيان وغيره بقوله؟لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ؟ أي: بالقرآن قبل فراغ جبريل منه لتعجل به خوفًا من أن يتفلت منك إن علينا جمعه وأن نجمعه لك في صدرك، فتقرأه ولا يفوتك منه شيء، فإذا قرأه رسولنا جبريل عليك فاستمع قرآنه أي: فاستمع وأنصت؟إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ؟ أي: ثم إن علينا أن تقرأه مرة أخرى.
وفي صحيح مسلم: «علينا أن نبينه بلسانك» (١)، وقيل المعنى: علينا أن نحفظك، وقيل المعنى: علينا أن نبين لك ما فيه من حلال وحرام، فكان رسول الله - ﷺ - بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق قرأه النبي - ﷺ - مثل ما قرأه جبريل - ﵇ -.
قول ابن عباس: «فأنا أحركهما لك كما كان رسول الله - ﷺ - يحركها» (٢) استشكل به العلماء من جهة أنه لما كان رسول الله - ﷺ - يحرك شفتيه لم يره ابن عباس على تلك الحالة إذ لم يكن إذ ذاك ولد، لأن مولده قبل الهجرة بثلاث سنين أو أقل، وقضية تحريك الشفتين كانت قبل ذلك في أول البعثة.
وأجابوا عنه بأنه يحتمل أن يكون النبي - ﷺ - أخبره بذلك بعد، أو بعض الصحابة أخبره أن شاهد النبي - ﷺ - يفعل ذلك.
قال ابن حجر: والأول هو الصواب لثبوتها في خبر.
_________________
(١) انظر صحيح مسلم (١/٣٣٠، رقم ٤٤٨) في روايته لهذا الحديث عن سعيد بن جبير عن بن عباس به.
(٢) قال ابن حجر (١/٨٤) في هذه المسأله: قوله: «فقال ابن عباس فأنا أحركهما» جملة معترضة بالفاء، وفائدة هذا زيادة البيان في الوصف على القول، وعبر في الأول بقوله: «كان يحركهما»، وفي الثاني برأيت، لأن ابن عباس لم ير النبي - ﷺ - في تلك الحالة، لأن سورة القيامة مكية باتفاق، بل الظاهر أن نزول هذه الآيات كان في أول الأمر، وإلي هذا جنح البخاري في إيراده هذا الحديث في بدء الوحي، ولم يكن ابن عباس إذ ذاك ولد، لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، لكن يجوز أن يكون النبي - ﷺ - أخبره بذلك بعد، أو بعض الصحابة أخبره أنه شاهد النبي - ﷺ - الأول هو الصواب. فقد ثبت ذلك صريحًا في مسند أبي داود الطيالسي قال: حدثنا أبو عوانة بسنده، وأما سعيد بن جبير فرأى ذلك من ابن عباس بلا نزاع.
[ ١ / ٢٤١ ]
فوائد بعضها مستفاد من الحديث والبعض الآخر ذكر بطريق المناسبة:
الأولى: مثل هذا الحديث يسمى بالمسلسل بالتحريك، لكن في الطبقة الأولى طبقة الصحابة والتابعين لقول ابن عباس: إذا حركهما كما رأيت رسول الله - ﷺ - يحركهما، وقول سعيد بن جبير: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما لا في جميع الطبقات.
الثانية: أن الحديث فيه دلالة على أنه يستحب للمعلم أن يتمثل للمتعلم بالفعل، فإنه أبلغ من القول، فكم من متعلم لا يفهم الشيء بالقول والوصف أي: لا يفهمه ولا يستقر، وإذا صور يحضره واستقر عنده.
الثالثة: وقع في الكرماني هنا في الكلام على قوله «فاستمع» ما نصه: قال الفقهاء: سجدة التلاوة للمستمع لا للسامع، واعترضه البرماوي بأن الذي قاله وجه ضعيف عند الشافعية، مشى عليه صاحب الحاوي الصغير تبعًا للمحرر والمنصوص عليه عند الشافعي أن سجدة التلاوة تسن للسامع أيضًا، والفرق بين السامع والمستمع: أن المستمع من ألقى سمعه لآية سجدة التلاوة، والسامع من وقع في سمعه آية السجدة من غير قصد، وكلاهما يستحب السجود لعموم قوله؟وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ؟ [الإنشقاق: ٢٠] .
الرابعة: هل الإسراع في القرآن أفضل أم الترتيل أفضل؟
فذهب بعضهم إلى أن الإسراع أفضل استكثارًا للأجر، إذ يحصل بكل حرف عشر حسنات، إذا لم يفرط في الإسراع فإن فرط كره بالاتفاق، وإن أسرع بحيث ينتهي إلى عدم إقامته الأحرف فإنه غير جائز بخلاف، وذهب الأكثرون إلى أن الترتيل أفضل وقد صرح العلماء باستحبابه قال تعالى؟وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا؟ [المزمل: ٤] .
وروى أبو داود وغيره عن أم سلمة «أنها نعتت قراءة رسول الله - ﷺ - قراءة مفسرة حرفًا حرفًا» (١) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/٧٣، رقم ١٤٦٦) عن أم سلمة. وأخرجه أيضًا: البخاري في خلق أفعال العباد (ص: ٥٣)، والترمذي في سننه (٥/١٨٢، رقم ٢٩٢٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، والنسائي في سننه (٢/١٨١، رقم ١٠٢٢)، وأحمد في مسنده (٦/٢٩٤، رقم ٢٦٥٦٩)، وابن خزيمة في صحيحه (٢/١٨٨، رقم ١١٥٨)، والحاكم في المستدرك (١/٤٥٣، رقم ١١٦٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والطبراني في المعجم الكبير (٢٣/٢٩٢، رقم ٦٤٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/٣٩١، رقم ٢١٥٦)، وابن المبارك في كتاب الزهد (ص ٤٢١، رقم ١١٩٥) .
[ ١ / ٢٤٢ ]
وعن ابن مسعود: «لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكون هم أحدكم آخر السورة» (١) .
قال النووي: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراة جزئين في قدر ذلك الزمان بلا ترتيل.
قال ابن عباس ﵄: «لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ القرآن كله» .
وعن مجاهد (٢) - ﵁ -: أنه سئل عن رجلين قرأ أحدهما البقرة وآل عمران، والآخر البقرة وحدها وزمنها وركوعهما وسجودهما وجلوسهما سواء، قال: الذي قرأ البقرة وحدها أفضل قال: واستحباب الترتيل للتدبر ولأنه أقرب إلى الأجل والتوقير، وأشد تأثيرًا في القلب، ولهذا استحب للأعجمي الذي لا يفهم معناه.
وقال بعضهم: وأحب أن ثواب قراءة الترتيل أجل قدرًا، وثواب الكثرة أكثر عددًا.
الخامسة: في الحديث دلالة على أن أحدًا لا يحفظ القرآن العظيم إلا بعون الله وفضله وكرمه، قال تعالى:؟وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ؟ [القمر: ١٧] بخلاف التوراة والإنجيل فإنه لم يكن متيسرًا لحفظهما كتيسر حفظ القرآن العظيم الذي خصت به هذه الأمة المحمدية.
خاتمة غريبة: قال بعض الصالحين كان رجل يحفظ القرآن، وكان يحب الدنيا ويسعى لها، فلا تزداد منه إلا بعدًا فجاء إلي وقال: قد أصابني أمر أريد أن تكتمه على فقلت: ما هو؟ فقال: قد كنت ترى مني حب الدنيا وطلبها فرأيت الليلة في منامي قائلًا يقول لي تبيعني أربع سور مما تحفظه من القرآن بهذه بعشرين دينارًا، فقلت: نعم فطرح الدنانير في كفي، ثم انتبهت فلم أر شيئًا فطلبت أن أقرأ شيئًا من السور التي عينها فلم استطع، وقد جئتك لتلقينها في خلوة، قال: فخلوت به وجعلت أقرأ الآية من السور فيقرأها معي فإذا أمسكت عجز عن القراءة فبقينا على ذلك مدة فلم يحفظ منها آية، فقال لي بعد مدة: لا تتعب معي فإنها نزعت مني.
السادسة: ذكر الغزالي في أسرار القرآن فيمن يطرأ عليه نسيان القرآن بعد حفظه
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/٢٥٦، رقم ٨٧٣٣) من قول عبد الله بن مسعود. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٥/١٥٨) وعزاه إلى ابن أبي شيبة.
(٢) هو: مجاهد بن جبير، ويقال: ابن جبير المكي، كان فقيهًا عابدًا ورعًا، من أئمة التفسير، روى عن جمع من الصحابة، توفي ﵀ بمكة وهو ساجد سنة (١٠٢هـ)، وقيل (١٠٣هـ) . انظر: مشاهير علماء الأمصار (ص ٨٢)، وتهذيب التهذيب (١٠/٢٨٤)، وحلية الأولياء (٣/٢٧٩) .
[ ١ / ٢٤٣ ]
عن الكلبي أنه قال: كان لي ولد يقرأ القرآن وكلما قرأ منه شيئًا نسيه، فرأيت في المنام قائلًا يقول لي أكتب في إناء سورة؟الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ؟ [الرحمن: ١ - ٥]؟لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ؟ [القيامة: ١٦ - ١٩]؟بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ؟ [البروج: ٢١ - ٢٢] وألق عليه من ماء زمزم واسقه ولدك يحفظ القرآن، فحفظ القرآن.
السابعة: هل الجهر بالقراءة أفضل أم السر؟
قال النووي - ﵁ -: الإخفاء أفضل إن خاف الرياء أو كان يتأذى به مصلون، أو من ينام، والإجهار أفضل في غير ذلك، لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى على السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع إلى الفكر ويصرف سمعه إليه ويطرد عنه النوم ويزيده في النشاط.
وقال بعض العلماء: يستحب الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها لأن المرء قد يمل فيأنس بالجهر، والجهر قد يشكل فيستريح بالإسرار.
الثامنة: وهي مشتملة على مسائل:
يكره قطع القراءة لمكالمة أحد، لأن كلام الله لا ينبغي أن يؤثر كلام أحد عليه.
ويكره أيضًا: الضحك والعبث، والنظر إلى ما يرى.
ويستحب تقبيل المصحف قياسًا على تقبيل الحجر الأسود، ولأنه هدية من الله فشرع تقبيله، كما يستحب تقبيل الولد الصغير.
ويستحب تطيبه، وجعله على كرسي ويحرم توسده لأن فيه إذلالًا وامتهانًا، وكذا يحرم مد الرجلين إليه كما قاله الزركشي، ويجوز تحليته بالفضة إكرامًا له على الصحيح.
وأما القيام للمصحف إذا حضر فقال النووي: إنه يستحب لما فيه من التعظيم وعدم التهاون به، كما يستحب القيام لأهل الفضل إكرامًا لهم خلافًا لما قاله ابن عبد السلام أن القيام بدعة.
ولا ينبغي للإنسان أن يصغر المصحف ويقول: مصيحف فقد أخرج أبو داود عن ابن المسيب قال: «لا يقول أحدكم مصحيف ولا مسيجد فما كان الله فهو عظيم» .
التاسعة: في فضل القرآن وفضل حملته:
[ ١ / ٢٤٤ ]
دل الكتاب والسنة على ذلك قال الله؟إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًاّ وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ؟ الآية [فاطر: ٢٩] .
قوله؟يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ؟ أي: يقرأونه ويداومون على تلاوته وقوله
؟يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ؟ لن تكسد ولن يتعذر الربح فيها، وهو إشارة إلى الإخلاص أي: يفعلون تلك الأفعال من التلاوة، والصلاة والإنفاق يقصدون بذلك وجه الله لا الرياء ولا السمعة.
وروينا في هذا الصحيح عن عثمان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (١) .
وروي في البلدانيات عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «يا أبا هريرة تعلم القرآن وعلمه الناس، فإنك إن مت أنت كذلك زارت الملائكة قبرك» (٢) .
وقال رسول الله - ﷺ - «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» متفق عليه (٣) .
وقال رسول الله - ﷺ - «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين» رواه
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصحيح (٤/١٩١٩، رقم ٤٧٣٩) عن عثمان. وأخرجه أيضًا: أبو داود في سننه (٢/٧٠، رقم ١٤٥٢)، والترمذي في سننه (٥/١٧٣، رقم ٢٩٠٧)، والنسائي في السنن الكبرى (٥/١٩، رقم ٨٠٣٦)، وابن ماجه في سننه (١/٧٦، رقم ٢١١)، وأحمد في مسنده (١/٥٧، رقم ٤٠٥)، وابن حبان في صحيحه (١/٣٢٤، رقم ١١٨) .
(٢) رواه الخطيب في تاريخ بغداد (٤/٣٨٠)، والديلمي في مسند الفردوس (٥/٣٤٥، رقم ٨٣٨٥) عن أبي هريرة.
(٣) هاكذا وقع في الأصل «متفق عليه» إلا أن البخاري رواه معلقًا صحيح البخاري (٦/٢٧٤٣) فقال: باب قول النبي - ﷺ -: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، وزينوا القرآن بأصواتكم» . قال الحافظ في فتح الباري (١٣/٥١٨): وأصل الحديث تقدم مسندًا في التفسير لكن بلفظ: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة» (انتهى) وربما قال المصنف: «متفق عليه» باعتبار هذا الوجه الذي قاله الحافظ في الفتح. قلت: وأخرجه البخاري بهذا اللفظ مسندًا في كتاب خلق أفعال العباد (ص ٧٣): قال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة به. والحديث أخرجه مسلم في صحيحه بهذا اللفظ (١/٥٤٩، رقم ٧٩٨) .
[ ١ / ٢٤٥ ]
مسلم (١) .
وقال رسول الله - ﷺ - «اقرؤ القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» رواه مسلم (٢) .
وقال رسول الله - ﷺ - «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (٣) .
وقال رسول الله - ﷺ -: «يقول الرب ﷾: «من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، ففضل كلام الله ﷾ على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه» رواه الترمذي وقال حديث حسن (٤) .
وقال رسول الله - ﷺ - «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (٥) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١/٥٥٩، رقم ٨١٧) عن عمر - ﵁ -. وأخرجه أيضًا: ابن ماجه في سننه (١/٧٩، رقم ٢١٨)، والدارمي في سننه (/٥٣٦، رقم ٣٣٦٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/٨٩، رقم ٤٩٠٤) .
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١/٥٥٣، رقم ٨٠٤) عن أبي أمامة الباهلي. وأخرجه أيضًا: الطبراني في المعجم الأوسط (١/١٥٠، رقم ٤٦٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/٣٩٥، رقم ٣٨٦٢)، وفي الصغرى (١/٥٤٧، رقم ٩٩٨)، وفي الشعب (٢/٤٥١ رقم ٢٣٧٢) .
(٣) أخرجه الترمذي في سننه (٥/١٧٥، رقم ٢٩١٠) عن أيوب بن موسى قال: سمعت محمد بن كعب القرظي قال سمعت عبد الله بن مسعود به مرفوعًا. قال الترمذي: ويروى هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن مسعود، ورواه أبو الأحوص عن ابن مسعود رفعه بعضهم ووقفه بعضهم عن ابن مسعود، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، سمعت قتيبة يقول: بلغني أن محمد بن كعب القرظي ولد في حياة النبي - ﷺ - ومحمد بن كعب يكنى أبا حمزة.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه (٥/١٨٤، رقم ٢٩٢٦) عن أبي سعيد الخدري، وقال: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه أيضًا: الدارمي في ستته (٢/٥٣٣، رقم ٣٣٥٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/٣٥٣، رقم ٢٠١٥) .
(٥) أخرجه الترمذي في سننه (٥/١٧٧، رقم ٢٩١٣) عن ابن عباس قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه أيضًا: أحمد في مسنده (١/٢٢٣، رقم ١٩٤٧)، والحاكم في المستدرك (١/٧٤١، رقم ٢٠٣٧)، والدارمي في سننه (٢/٥٢١، رقم ٣٣٠٦)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٩/٢٣٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/٣٢٨، رقم ١٩٤٣)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٩/٥٣٧، رقم ٥٢٥)، والجرجاني في تاريخ جرجان (١/٤١٢) .
[ ١ / ٢٤٦ ]
قال رسول الله - ﷺ - «من قرأ القرآن وعمل به ألبس والده تاجًا يوم القيامة ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم، فما ظنكم بالذي عمل بهذا» رواه أبو داود (١) .
وروي الدارمي عن أبي أمامة - ﵁ - قال «اقرأ القرآن فإن الله لا يعذب قلبًا وعى القرآن» (٢) .
وروى الدارمي عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو آمن» (٣) .
وروى الدارمي عنه أيضًا: «من أحب القرآن فليبشر» (٤) .
وفي حديث «القرآن غنى لا فقر بعده، ولا غنى دونه» (٥) .
وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ - «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢/٧٠، رقم ١٤٥٣) عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه. وأخرجه أيضًا: الحاكم في المستدرك (١/٧٥٦، رقم ٢٠٨٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٢) رواه الدارمي في سننه (٢/٥٢٤، رقم ٣٣١٩) عن أبي أمامة من قوله. ورواه أيضًا: البخاري في خلق أفعال العباد (ص: ٨٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/١٣٣، رقم ٣٠٠٧٩) .
(٣) رواه الدارمي في سننه (٢/٥٢٥، رقم ٣٣٢٢) عن عبد الله بن مسعود من قوله.
(٤) أخرجه الدارمي في سننه (٢/٥٢٥، رقم ٣٣٢٣) عن عبد الله بن مسعود من قوله. وأخرجه أيضًا: ابن أبي شيبة في المصنف (٦/١٣٣، رقم ٣٠٠٨٠) .
(٥) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٥/١٥٩، رقم ٢٧٧٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/١٨٦، رقم ٢٧٦)، والديلمي في مسند الفردوس (٣/٢٢٩، رقم ٤٦٧٧) عن أنس بن مالك مرفوعًا. قال المناوي في فيض القدير (٤/٥٣٥) رواه أبو يعلى وكذا الطبراني في الكبير، قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف، وبينه تلميذه الهيثمي فقال: فيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف. انظر مجمع الزوائد للهيثمي (٧/١٥٨) .
[ ١ / ٢٤٧ ]
مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها طيب، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانه، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر» رواه البخاري ومسلم وذكره النووي في كتابه (١) .
فائدة: حكي عن بعض القراء أنه اشتد به الفقر حتى ضاق به ذرعًا، فرأى في المنام كأن قائلًا يقول: إن نسيناك سورة الأنعام لك ألف دينار قال: لا، قال: فسورة هود، قال: لا، قال: فسورة يوسف، قال: لا، قال: فمعك قيمة ألف دينار وأنت تشكو فأصبح وقد سري عنه.
وسنذكر فوائده متعلقة بالقرآن وشيئًا من فضائله أيضًا في كتاب الصوم إن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه (٤/١٩١٧، رقم ٤٧٣٢)، ومسلم في صحيحه (١/٥٤٩، رقم ٧٩٧) من حديث أبي موسى.
[ ١ / ٢٤٨ ]