باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وباب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه
الشيخ: عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سم.
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، توقفنا عند قول المؤلف -﵀-:
باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده
عن عبد الله بن عمرو -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه».
[ ١٠ / ١ ]
قد نبهت في أكثر من مناسبة أن الترجمة من عمل المحقق، وليست في أصل المختصر، الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- لما ذكر حديث الشعب، أتبع الحديث بأحاديث نص النبي -﵊- فيها على بعض الشعب، ومنها حديث عبد الله بن عمرو -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» وراوي الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن، يقال: كان بينه وبين أبيه اثنتا عشرة سنة، وقيل: إحدى عشرة، كان -﵁- غزير العلم، مجتهدًا في العبادة، قال أبو هريرة -﵁-: ما كان أحد أكثر حديثًا مني عن رسول الله -ﷺ- إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب، هذا قاله أبو هريرة -﵁-: ما كان أحد أكثر حديثًا مني عن رسول الله -ﷺ- إلا عبد الله بن عمرو، وهذا بناء على غلبة ظنه، نظرًا لكثرة ما يرويه ابن عمرو من الأحاديث، أو تكون مقالة أبي هريرة هذه قبل الدعوة النبوية لأبي هريرة، وقبل أن يبسط رداءه بأمر النبي -﵊-.
[ ١٠ / ٢ ]
وعلى كل حال عبد الله بن عمرو أحد المكثرين من الرواية، روي له عن رسول الله -ﷺ- سبعمائة حديث، اتفق على سبعة عشرة حديثًا، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين، توفي بمكة، وقيل: بالطائف، وقيل: بمصر، سنة ثلاث أو خمس أو سبع وستين، الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- ترجم على الحديث بقوله: (باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) يقول العيني: فإن قلت: لمَ لم يبوب البخاري على الجملة الأخيرة من الحديث: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه»؟ قلت: لأن في صدر الحديث لفظة المسلم، والكتاب الذي يحوي هذه الأبواب كلها من أمور الإيمان والإسلام، قال: فإن قلت: هجر المنهيات أيضًا من أمور الإسلام، قلتُ: بلى، ولكنه في تبويبه بصدر الحديث اعتناء بذكر لفظٍ فيه مادة من الإسلام وهو المسلم، قوله: «المسلم» قيل: الألف واللام فيه للكمال، نحو: زيدٌ الرجل، أي: الكامل في الرجولية، قال ابن حجر: وتعقب بأنه يستلزم أن من اتصف بهذا خاصة كان كاملًا، ويجاب بأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان، يقول الخطابي: المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله تعالى أداء حقوق المسلمين، يقول ابن حجر: وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم، ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يبين علامة المسلم التي يستدل بها على إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذُكر مثله في علامة المنافق، ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحث على حسن معاملة العبد مع ربه؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
[ ١٠ / ٣ ]
يقول العيني: فيه نظر وخدش من وجهين: أحدهما: أن قوله يحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى حسن معاملة العبد مع ربه ممنوع؛ لأن الإشارة ما ثبت بنظم الكلام وتركيبه مثل العبارة غير أن الثابت من الإشارة غير مقصود من الكلام، ولا سيق الكلام له، يقول: فانظر هل تجد فيه هذا المعنى؟ يعني: هل أشير بالحديث الذي فيه الإشارة إلى حسن معاملة العبد مع أخيه المسلم، هل فيه إشارة ولو من بعد إلى حسن المعاملة مع الرب؟ يقول: يحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحث على حسن معاملة العبد مع ربه؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، الوجه الأول من وجهي الخدش عند العيني يقول: هذا ممنوع؛ لماذا؟ لأن الإشارة ما ثبت بنظم الكلام وتركيبه مثل العبارة، كأنه يقول: إن التنصيص على المراد يكون باللفظ، يكون بالمنطوق، والإشارة إليه تكون بالمفهوم، ومعاملة الرب لم ترد لا في منطوق الحديث ولا في مفهومه، لكن لا يمنع أن ينبه بالأدنى على الأعلى، كما نبه الله -﷾- بالنهي عن إيذاء الأبوين بمنع التأفيف ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ [(٢٣) سورة الإسراء] قد يقول قائل: ليس فيه إشارة إلى منع الضرب لا بالمفهوم ولا بالمنطوق، نقول: هذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا مُنع التأفيف مُنع الضرب من باب أولى، وهنا إذا اعتني بحسن معاملة العبد فالعناية بحسن المعاملة مع الرب من باب أولى، وبهذا يتبين ضعف الوجه الذي خدش به العيني كلام ابن حجر.
يقول: والثاني أن قوله: فأولى أن يحسن معاملة ربه ممنوع أيضًا، ومن أين الأولوية في ذلك؟! والأولوية موقوفة على تحقق المدعى، والدعوى غير صحيحة؛ لأننا نجد كثيرًا من الناس يسلم الناس من لسانهم وأيديهم ومع هذا لا يحسنون المعاملة مع الله تعالى.
[ ١٠ / ٤ ]
الوجه الثاني من وجهي الخدش في كلام الحافظ ابن حجر من قبل العيني يقول: إن قوله: فأولى أن يحسن معاملة ربه ممنوع أيضًا، ومن أين الأولوية في ذلك؟ والأولوية موقوفة على تحقق المدعى، والدعوى غير صحيحة، عرفنا أن الدعوى صحيحة، والتنبيه بالأدنى على الأعلى معروف في النصوص وفي لغة العرب، يقول: لأننا نجد كثيرًا من الناس يسلم الناس من لسانهم وأيديهم ومع هذا لا يحسنون المعاملة مع الله تعالى، نقول: هذا خبر، لكنه أريد به الأمر، نعم، قد يأتي الخبر ويراد به الأمر، هنا المفهوم من توجيه المسلم إلى تحسين معاملته مع أخيه، وهذا هو الأدنى أولى بالمسلم وأحرى به أن يحسن معاملة ربه، يعني: هذا هو المفترض في المسلم، كونه يوجد من يخالف المخالفون كُثر للأوامر الصريحة، كما أن المخالفين والواقعين في النواهي الصريحة كُثر.
يقول: «من سلم المسلمون» وكذا المسلمات، وأيضًا أهل الذمة، فذكر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب؛ لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيدًا، والإتيان بجمع التذكير للتغليب فإن المسلمات يدخلن في ذلك.
المقدم: العيني -أحسن الله إليكم- ما له توجيه لما خدش قول ابن حجر، ما له توجيه آخر؟
العيني بس وقف عند النص وقال: لا بد أن نأخذ ما يدل عليه النص منطوقًا أو مفهومًا.
«من سلم المسلمون» هنا جاء بجمع التذكير، والمقصود به الغالب، ويدخل فيه الإناث؛ لأن خطاب الرجال تدخل فيه الإناث، وجاء ذلك صريحًا في قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [(١٢) سورة التحريم] نعم، يدخل فيه أيضًا أهل الذمة لما ورد من الوعيد في حق من آذاهم، من آذى ذميًا جاء الوعيد في حقه فيدخل فيه هذا، والذمي معروف أنه من يبذل الجزية وهو صاغر، ويلتزم بأحكام المسلمين تجاه أهل الذمة.
[ ١٠ / ٥ ]
«من لسانه ويده» خص اللسان بالذكر لأنه المعبر عما في النفس، وهكذا اليد؛ لأن أكثر الأفعال بها، لا شك أن اللسان هو المعبر عما في الضمير، الناس لا يدرون ولا يعرفون ما في نفس الشخص إلا إذا نطق؛ ولهذا لا يؤاخذ في أحكام الدنيا إلا إذا نطق بلسانه، وكذلك اليد أكثر الأفعال بها، بها الأخذ، وبها الإعطاء، وبها الضرب، وبها .. إلى غير ذلك من ..، بها الأكل والشرب، المقصود أن اليد هي التي تستعمل في غالب التصرفات، وعبر باللسان دون القول ما قال: من قوله ويده، أو قوله وعمله، عبر باللسان دون القول ليدخل من أخرج لسانه استهزاء بصاحبه يؤاخذ؛ لأن المسلم لم يسلم من لسانه، فلو قال: من سلم المسلمون من قوله لما دخل مثل هذا؛ لأنه لم يقل شيئًا، وإن كان القول بالمعنى الأعم يشمل الفعل أيضًا (قال بيديه هكذا) يعني في التيمم (قال بيديه هكذا) والقول هنا المراد به الفعل، المقصود أن هكذا قال الشراح.
يقول ابن حجر: والحديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين حديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعد، يعني: من يأتي بعد قد لا يسلم من لسان بعض الناس، كما أن الماضين لم يسلموا من ألسنة كثير من الناس فضلًا عن الموجودين، نعم يمكن أن تشارك اليد اللسان في ذلك بالكتابة، وإن أثرها في ذلك لعظيم، أقول: ما أعظم أثر كتابة اليد، وكم من شخص ضل بسببها؛ لأن الإنسان يكتب بيده ما لا يحسب له حساب، فيضل بسببه من يقرأه ممن يأتي بعده، وهذا ظاهر في كتب المبتدعة التي ضل بسببها قرون متطاولة، وأجيال من الناس، ومثل الكتابة حفظ الكلام بآلات التسجيل، فعلى المسلم أن يحسب لكل عمل يقدم عليه حسابه، وينظر هل يستفيد أحد من كلامه أو يتضرر؟ فيقدم بناء على ذلك أو يُحجم، والله المستعان.
[ ١٠ / ٦ ]
المقدم: الله المستعان، كأني أيضًا بكم تشيرون إلى قضية سلامة الناس في أديانهم أيضًا، مما يحصل من بعض الكتبة مع الأسف في التسلط على أديان الناس والتعرض لمعتقداتهم، كأنكم تشيرون إلى أن هذا الأمر خطير أيضًا يا شيخ.
المحافظة على الدين أولى من المحافظة على النفس والمال وغيرها من الضرورات، فالضرر في الدين أبلغ؛ لأنه باقٍ، فالشخص الذي يتضرر دينه بسبب شخص ما لا شك أنه يهلكه، ويقضي عليه، أما الضرر الدنيوي فهو لا يلبث إما أن يزول أو يستمر حتى وفاة الشخص وعمره محدود، لكن أين هذا من الضرر في الدين الذي يكون بناء عليه قد يدخل بسببه النار -نسأل الله العافية-، قد يكفر بسبب كلمة يضل بها -نسأل الله العافية-، نعم.
والمراد بالسلامة هنا ما لم يكن ذلك بحق كحد أو تعزير أو تأديب على أن ذلك في التحقيق ليس إذاء، بل هو استصلاح، إذا كان عدم السلامة بحق كإقامة حد على مرتكب معصية، أو تأديب مخالف، أو تعزير هذا في الحقيقة ليس بإذاء حقيقي، وإن كان في الظاهر إذاء يتألم من أقيم عليه الحد، لا شك أنه يتألم من أقيم عليه الحد أو التعزير أو التأديب، لكن مصلحته أعظم، هو استصلاح وطلب للسلامة للشخص نفسه ولغيره، ولو في المآل، وهذا من جوامع كلمه -﵊- التي لم يسبق إليها.
[ ١٠ / ٧ ]
قوله: «المهاجر» المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من اثنين، لكنه هنا للواحد كالمسافر فهو بمعنى الهاجر، ويحتمل أن يكون على بابه؛ لأن من لازم كونه هاجرًا وطنه مثلًا أنه مهجور من وطنه، قال ابن حجر: وهذه الهجرة ضربان: ظاهرة وباطنة، فالباطنة ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان؛ لأن ما تدعو إليه النفس الأمارة والشيطان مما نهى الله عنه، وعلى هذا يستحق الوصف بالمهاجر الكامل من ترك ما تدعو إليه نفسه الأمارة بالسوء والشيطان أيضًا، المهاجرة الظاهرة ترك البلد، ترك العشيرة، وتتمثل بالفرار بالدين من الفتن، وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد التحول من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، قد يقول مثلًا من المهاجرين وإن لم يقولوا ذلك، لكن هذا مجرد يعني توجيه للحديث؛ لئلا يقول أحد من المهاجرين: أنا هاجرت، ولئلا يقولها أيضًا من يهاجر بعدهم من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، أنا هاجرت من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ويكفيني هذه الغربة، نقول: لا، هذه الغربة لا تكفي، بل لا بد أن تهجر ما تدعوك إليه نفسك الأمارة بالسوء «المهاجر من هاجر ما نهى الله عنه».
يحتمل أن يكون ذلك قبل انقطاع الهجرة لما فتحت مكة تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك، نعم كثير من الناس ولد في بلاد الإسلام، ولا يحتاج إلى هجرة وانتقال من هذا البلد إلى غيره، قد يقول: فاتني خير عظيم في فوات الهجرة، نقول: بقي هجرة «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» وهذا فيه تطييب لقلب مثل هؤلاء.
[ ١٠ / ٨ ]
بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه، زاد ابن حبان والحاكم: «والمؤمن من أمنه الناس» وقال النووي: المهاجر الكامل، قال العلماء: أعلم النبي -ﷺ- المهاجرين أنه أوجب عليهم أن يهجروا ما نهى الله تعالى عنه، ولا يتكلوا على الهجرة، وقيل: شق فوات الهجرة على بعضهم ففعل المهاجر المطلوب الكامل من هجر ما نهى الله تعالى عنه، ومن ذلك الهجرة إلى رسول الله -ﷺ-.
قال أهل اللغة: الهجر ضد الوصل، ومنهم قيل للكلام القبيح: الهُجر بضم الهاء؛ لأنه ينبغي أن يهجر، والهاجرة وقت يُهجر فيه العمل، والمهاجر هو الذي فارق عترته ووطنه.
والحديث أخرجه الإمام البخاري هنا في كتاب الإيمان، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل عن الشعبي عن عبد الله بن عمرو -﵄- عن النبي -ﷺ- فذكره، ثم قال: قال أبو عبد الله: وقال أبو معاوية: حدثنا داود عن عامر قال: سمعت عبد الله عن النبي -ﷺ-، وقال عبد الأعلى عن عامر عن عبد الله عن النبي -ﷺ-، وأراد بهذا التعليق بيان سماع الشعبي من عبد الله، ونبه بالتعليق الآخر على أن عبد الله الذي أهمل في رواية هو عبد الله بن عمرو الذي بين في رواية رفيقه.
[ ١٠ / ٩ ]
أخرجه أيضًا الإمام البخاري في الرقاق: (باب الانتهاء عن المعاصي) قال: حدثنا أبو نعيم حدثنا زكريا عن عامر قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال النبي -ﷺ- فذكره بلفظه، ومناسبة قوله في الحديث: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» للترجمة (باب الانتهاء عن المعاصي) ظاهرة «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» من انتهى عن المعاصي فقد هجر ما نهى الله عنه، فالترجمة ظاهرة، وكذا صدر الحديث: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» لأن من لم يسلم المسلمون من لسانه ويده لم ينتهِ عن المعاصي، ومن سلموا منه قد انتهى من المعاصي المتعلقة بهم، بالمسلمين، يقول العيني: مطابقته للترجمة من حيث أن ترك أذى المسلم باليد واللسان من جملة الانتهاء عن المعاصي، وأيضًا قوله: «من هجر ما نهى الله عنه» من جملة الانتهاء عن المعاصي أيضًا، والحديث مما انفرد البخاري بجملته عن مسلم، وأخرج مسلم بعضه في صحيحه، وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم.
المقدم: أحسن الله إليك هذا مناسبة إيراده في الباب أو الترجمة الكتاب في كتاب الإيمان مع أنه قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» كأن للبخاري إشارة في إيراده في كتاب الإيمان؟
[ ١٠ / ١٠ ]
نعم، الإمام البخاري ذكر مرارًا أنه يرى الترادف بين الإسلام والإيمان، ذكرنا سابقًا أنه يرى أن الإيمان والإسلام مترادفان، وتأتي الإشارات الكثيرة في الأبواب اللاحقة كلها يذكر فيها الإسلام، وأدخلها في كتاب الإيمان؛ لأنه لا فرق بينهما عنده، ولا شك أن الإسلام الذي يمدح صاحبه مشتمل على الإيمان كما أن الإيمان مشتمل على أيضًا على الإسلام، وهما كما قال أهل العلم إذا اجتمعا افترقا، صار لكل واحد منهما حقيقته، وحمل الإسلام على الأعمال الظاهرة، والإيمان على الأعمال الباطنة كما في حديث جبريل، وإذا افترقا اجتمعا، فإذا مدح المسلم فالمراد به المؤمن، كما أنه إذا مدح المؤمن دخل فيه المسلم الملتزم بإسلامه.
المقدم: لكن ألا يعتقد أيضًا ربما يقال: إن قصد البخاري الرد على من قال: إن الإيمان مجرد التصديق أو أنه القول والتصديق؛ لأنه أشار إلى أن الإسلام هنا أن يسلم المسلمون من لسانه ويده، فأدخل الأفعال في نقيض الإسلام فبالتالي تكون في الفعل ذاته.
نعم، هذا جارٍ على ما قعده وأصله سابقًا، وأن الإسلام قول وعمل واعتقاد، وأنه يزيد وينقص، ثم بعد ذلكم ذكر حديث الشعب، ثم فرع ما وصل إليه على شرطه من هذه الشعب، نعم.
المقدم: أحسن الله إليك مرت بنا كلمة عترة قبل قليل وضبطتموها بهذه الصورة.
نعم، هو بكسر العين الأقارب.
المقدم: عِترة.
نعم، هم الأقارب.
المقدم: نعم، معنا مجموعة من الأسئلة يا شيخ إذا أذنتم.
تفضل.
[ ١٠ / ١١ ]
الطالب: أحسن الله إليك يا شيخ في سند الحديث الأول قال الإمام البخاري فيما أذكر السند: حدثنا آدم حدثنا الشعبي وساق الحديث، ثم قال: وإسماعيل عن شعبة أو كذا، أو نحو هذا السند، فإسماعيل هذا متابع لمن؟ وهل إسماعيل حدث البخاري يعني تابع آدم؟ وإذا كان فهمي هذا صحيح أي أن إسماعيل حدث البخاري أليس هذا موضع حاء التحويل التي يكثر منها الإمام مسلم في صحيحه حتى يوردها أحيانًا عدد من المرات في حديث واحد، لماذا لم يوردها البخاري؟ جزاكم الله خير.
الإمام البخاري كما ذكرنا يروي الحديث من طرق أولها قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر، ثم قال: وإسماعيل، عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل عن الشعبي، فإسماعيل معطوف على عبد الله بن أبي السفر، نعم.
الطالب: نعم.
يقول: حدثنا آدم بن أبي إياس قال حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل كلاهما عن الشعبي عن عبد الله، شعبة عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل، عبد الله وإسماعيل كلاهما يروي الحديث عن الشعبي، نعم، الحاء تتصور هنا لو كان البخاري يروي الحديث عن إسماعيل، نعم، فيقول: حدثنا آدم بن أبي إياس قال: حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيلُ، يعني: وحدثنا إسماعيل، حاء وحدثنا إسماعيل، فالحاء هنا لا ترد، وهي ترد كثيرًا في صحيح مسلم، ويقصد بها التحول من إسناد إلى إسناد، ويستفاد منها اختصار الأسانيد، والجمع على نقطة الالتقاء.
الطالب: لكن إسماعيل حدث من؟ حدث البخاري؟!
شوف حدثنا آدم بن أبي إياس قال: حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل، فإسماعيل حدث شعبة مع عبد الله بن أبي السفر، عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل كلاهما حدث شعبة عن الشعبي.
المقدم: نعم، أحسن الله إليكم، ونفع بعلمكم.
إذًا توقفنا عند قول المؤلف:
باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه
[ ١٠ / ١٢ ]
عن أنس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
فقد نبهنا مرارًا أن الترجمة لا توجد في المختصر، وهي موجودة في الأصل، فحديث أنس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
أنس بن مالك راوي الحديث هو أبو حمزة أنس بن مالك بن النظر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصاري النجاري البصري، خادم رسول الله -ﷺ-، خدم رسول الله -ﷺ- عشر سنين.
قال النووي: روي له عن رسول الله -ﷺ- ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفق منها على مائة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحد وسبعين، وشهرته وشهرة من روى عنه ومناقبه أظهر من أن تحتاج إلى نص عليها.
[ ١٠ / ١٣ ]
ثبت للبخاري وغيره أن رسول الله -ﷺ- دعا له، توفي -﵁- بالبصرة سنة ثلاث وتسعين عن مائة وثلاث سنين الحديث ترجم عليه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بقوله: (باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) يقول الكرماني: قدم لفظ الإيمان قال: (باب من الإيمان) بخلاف أخواته حيث يقول في الباب الذي سيأتي: (باب حب الرسول من الإيمان) هنا قال: (باب من الإيمان أن يحب) وفي الباب الذي يليه: (باب حب الرسول من الإيمان) وقال: (إطعام الطعام من الإيمان) فقدم لفظ الإيمان إما للاهتمام بذكره، وإما للحصر فكأنه قال: المحبة المذكورة ليست إلا من الإيمان تعظيمًا لهذه المحبة، وتحريضًا عليها، قال ابن حجر: وهو توجيه حسن إلا أنه يرد عليه أن الذي بعده أليق بالاهتمام، هذا الباب (باب من الإيمان أن يحب لأخيه) والذي بعده (باب حب الرسول -ﷺ- من الإيمان) يقول: يرد عليه أن الذي بعده أليق بالاهتمام، يعني: فرق بين محبة الرسول وبين محبة أخيه، فالظاهر أنه أراد التنويع في العبارة، ويمكن أنه اهتم بذكر حب الرسول فقدمه والله أعلم.
[ ١٠ / ١٤ ]
يقول العيني: قلت: الذي ذكره -يعني: ابن حجر- لا يرد على الكرماني، وإنما يرد على البخاري حيث لم يقل: (باب من الإيمان حب الرسول) ولكن يمكن أن يجاب عنه بأنه إنما قدم لفظة حب الرسول -ﷺ- إما اهتمامًا بذكره أولًا، وإلا استلذاذًا باسمه مقدمًا؛ ولأن محبته هي عين الإيمان، ولولاه ما عرف الإيمان، تَعَقُب ابن حجر على الكرماني ظاهر؛ لأنه قال في الترجمة التي معنا: إنما قدم "من الإيمان" للاهتمام (باب من الإيمان أن يحب لأخيه) الاهتمام وإرادة الحصر؛ لأن تقديم المسند على المسند إليه يفيد الحصر، تقديم المسند "من الإيمان أن يحب" كأنه قال: من الإيمان محبة المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، فالتقديم والتأخير هنا يفيد الحصر، وهذا ما أشار إليه الكرماني، وهنا تعقبه الحافظ قال: هو توجيه حسن، لا شك أنه لو لم يرد إلا هذه الترجمة لكان التوجيه حسنًا إلا أنه يرد عليه أن الذي بعده أليق بالاهتمام والحصر معًا، وهو محبة الرسول -﵊-، وهو قوله: (باب حب الرسول من الإيمان) فالظاهر أنه أراد التنويع، ويمكن أنه اهتم بذكر حب الرسول فقدمه والله أعلم.
[ ١٠ / ١٥ ]
العيني أراد أن يتعقب ابن حجر، ولعله في هذا المجال بأي كلام لذات التعقب يقول: الذي ذكره -يعني: ابن حجر- لا يرد على الكرماني وإنما يرد على البخاري، هل البخاري أفصح بمراده؟ ما أفصح البخاري بمراده، ولعل مراده التنويع، الكرماني هو الذي أفصح بمراد البخاري وابن حجر تعقب الكرماني في هذا الإفصاح، يعني: في تحديده مراد البخاري -رحمه الله تعالى-، لكن كلام العيني آخره جيد، ولكن يمكن أن يجاب عنه بأنه: إنما قدم لفظ حب الرسول -ﷺ- إما اهتمامًا بذكره، أو استلذاذًا باسمه مقدمًا؛ ولأن محبته هي عين الإيمان، ولولاه ما عرف الإيمان، الرابط بين هذا الباب والذي قبله (باب إطعام الطعام من الإسلام) أن الشعبة في الباب الأول وهي إطعام الطعام غالبًا لا تكون إلا عن محبة المطعَم، وهذا الباب فيه هذه المحبة.
قوله: «لا يؤمن» الذي عندنا في المتن «لا يؤمن أحدكم» في كثير من الروايات: «لا يؤمن» وعليها شرح ابن حجر والقسطلاني وغيرهم.
«لا يؤمن» الفاعل من يدعي الإيمان، وفي رواية: «أحدكم» كما هو مثبت هنا، وعزاها ابن حجر للمستملي وللأصيلي «أحدٌ» ولابن عساكر «عبد» وكذا لمسلم عن أبي خيثمة، والمراد بالإيمان المنفي هنا كمال الإيمان، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان، إذا قلت: فلان ليس بإنسان، أي: ليس بإنسان كامل، هو في الحقيقة إنسان، إذا قلت: فلان ليس برجل، فمرادك أنه ليس رجل كامل، وإلا فهو في الحقيقة رجل يأخذ مثل حق الأنثيين في الإرث، وله ما للرجال، وعليه ما عليهم من الأحكام.
المقدم: في الرواية الأولى -أحسن الله إليك- «لا يؤمن حتى يحب» هكذا تستقيم؟
نعم «لا يؤمن حتى يحب لأخيه».
المقدم: تستقيم بدون أحدكم؟
أكثر الروايات على هذا، وعليه شرح ابن حجر والقسطلاني.
[ ١٠ / ١٦ ]
قال ابن حجر: فإن قيل: فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمنًا كاملًا، وإن لم يأتِ ببقية الأركان، أجيب بأن هذا ورد مورد المبالغة أو يستفاد من قوله: «لأخيه» ملاحظة بقية صفات المسلم، هذا ورد مورد المبالغة، يعني كما قال -﵊-: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» مع أنه لا بد أن يأتي بجميع ما يطلبه الإسلام من الأركان، ويجتنب ما ينهى عنه الإسلام، في رواية ابن حبان: «لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان» ومعنى الحقيقة هنا الكمال ضرورة أن من لم يتصف بهذه الصفة لا يكون كافرًا، وبهذا يتم استدلال المصنف على أنه يتفاوت، وأن هذه الخصلة من شعب الإيمان، وجه استدلال المصنف بالحديث وإدخاله في كتاب الإيمان، أولًا نفي الإيمان عن من لم يتصف بهذه الصفة وبهذه الخصلة وبهذه الشعبة، والمراد نفي الإيمان الكامل كما أشار إليه الشراح.
«حتى يحب» بالنصب لأن حتى جارة، كيف بالنصب وحتى جارة؟ نعم، حتى جارة، وهي من حروف الجر كما هو معروف.
هاك حروف الجر وهي من إلى حتى خلا حاشا عدا في عن على
إلى آخره.
يقول: «حتى يحب» بالنصب؛ لأن حتى جارة، وأن بعدها مضمرة، ولا يجوز الرفع فتكون حتى عاطفة، فلا يصح المعنى حينئذٍ، إذ عدم الإيمان ليس سببًا للمحبة.
والمحبة كما قال النووي الميل إلى ما يوافق المحب، وقد تكون بحواسه كحسن الصورة، أو بفعله، إما لذاته كالفضل والجمال، وإما لإحسانه كجلب نفع أو دفع ضر، يقول ابن حجر: المراد بالميل هنا الاختياري دون الطبيعي والقسري، والمراد أيضًا أن يحب أن يحصل لأخيه نظير ما يحصل له لا عينه سواء، أن يحب لأخيه ما يحب، يحب لأخيه الذي يحبه هذا الأصل، لكن هل هذا متصور؟ لو تصورنا أن رجل وفق بزوجة جميلة وصاحبة دين، هل نقول: عليه أن يتمنى ويحب لأخيه هذه الزوجة لأنه يحب هذه الزوجة ويحبها لنفسه؟ هذا مستحيل، لكن يحب له نظير ما حصل له.
[ ١٠ / ١٧ ]
يقول: المراد بالميل هنا الاختياري دون الطبيعي والقسري، والمراد أيضًا أن يحصل لأخيه نظير ما يحصل له لا عينه، سواء كان في الأمور المحسوسة أو المعنوية، يحب المرء المسلم لأخيه أن يحصل لأخيه من الأمور المحسوسة من متاع هذه الدنيا ما يحب لنفسه، كما أنه يحب أن يكون له من الأمور المعنوية من لذة العبادة مثلًا والتلذذ بمناجاة الله، والتلذذ بطاعته ما يحبه لنفسه، وهذا خلاف المشاهد من كثير من المسلمين، الذي يحب الواحد منهم أن يستأثر بهذا الشيء ويفوق به أقرانه.
سواء كان ذلك في الأمور المحسوسة أو المعنوية، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له، لا مع سلبه عنه، ولا مع بقائه بعينه، ما يتمنى أن تكون هذه المرأة الصالحة الجميلة لأخيه دونه هذا ما يلزمه، ولا يلزم أن تحصل لهما بالاشتراك؛ لماذا؟ ولا بقائه بعينه له، إذ قيام الجوهر أو العرض بمحلين محال، العيني يقول: المراد أيضًا بأن يحب إلى آخره ليس تفسيرًا للمحبة، وإنما المحبة مطالعة المنة من رؤية إحسان أخيه وبره وأياديه ونعمه المتقدمة التي ابتدأ بها من غير عمل استحقها به، وستره على معايبه، وهذه محبة العوام، قد تتغير بتغير الإحسان، فإن زاد الإحسان زاد الحب، وإن نقصه نقص، وأما محبة الخواص فهي تنشأ من مطالعة شواهد الكمال لأجل الإعظام والإجلال، ومراعاة حق أخيه المسلم فهذه لا تتغير لأنها لله تعالى لا لأجل غرض دنيوي كذا قال.
[ ١٠ / ١٨ ]
قلت: وفي تعبير ابن حجر بالجوهر والعرض مجاراة لأهل الكلام في اصطلاحاتهم، وفي تعبير العيني بالعوام والخواص مجاراة لأهل التصوف، على أن في كلام العيني ما فيه؛ لأنه يجعل المحبة من باب المجازاة؛ لأنه قال: إنما المحبة مطالعة المنة من رؤية إحسانه أخيه وبره وأياديه ونعمه المتقدمة، لو فرضنا أن له أخًا يراه لأول مرة لم تتقدم له عليه نعمة ألا يلزمه أن يحب له ما يحب لنفسه؟ على كلام العيني لا. «لأخيه» المراد به المسلم كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [(١٠) سورة الحجرات] وقال رسول الله -ﷺ-: «المسلم أخو المسلم» وقال -﵊-: «وكونوا عباد الله إخوانًا» ويشمل المسلمة أيضًا، فيحب لها ما يحب لنفسه، هل يشمل الكافر أو لا يشمله؟ «لأخيه» النص «لأخيه» والمراد بالأخ المسلم، لكن هل يحب للكافر ما يحبه لنفسه؟ إن كان المراد أن يحب له الإسلام كما أحبه لنفسه فنعم، وإن كان المراد أن يحصل له مثل ما حصل له ..، ما حصل للمسلمين حال كفره فلا.
[ ١٠ / ١٩ ]
«ما يحب لنفسه» أي مثل ما يحب لنفسه كما تقدم، وعند النسائي والإسماعيلي وابن منده: «من الخير» والخير: كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية، وتخرج المنهيات؛ لأن الخير لا يتناولها، قال فتح المبدي: فإذا كان سارقًا مثلًا لم يكن من الإيمان أن يحب السرقة لأخيه، وإنما قدر لفظ (مثل) لأن المحبوب الواحد يستحيل أن يحصل في محلين، والمراد بالمثلية مطلق المشاركة، ولذا قال بعضهم: لعل المراد ترك الحسد والعداوة، وحصول كمال المودة حتى يقرب أن ينزل أخاه منزلة نفسه في الخيرات، أو المراد أن يحب ذلك في الأعم الأغلب، ولا يلزم في كل شيء، سيما إن لم يكن للشيء إلا فرد واحد، إذا لم يكن في الوجود إلا شيء واحد كيف يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ أولًا: الحديث جاء بصيغة العموم: «يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (ما) من صيغ العموم، يعني جميع ما يحبه لنفسه يحبه لأخيه، لكن إذا لم يكن في الوجود إلا شيء واحد كالوسيلة مثلًا، والمقام المحمود فإنه لا يمكن الاشتراك فيها حتى يحبه لغيره، فلا يرد الإشكال بسؤال سليمان -﵇- تخصيص الملك به بقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [(٣٥) سورة ص] وبما حكاه الله عن عباده الصالحين من قولهم: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [(٧٤) سورة الفرقان] وجه الاستشهاد من الوسيلة والمقام المحمود ظاهر، الوسيلة والمقام المحمود لا تنبغي إلا لشخص واحد، وهو الرسول -﵊- ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [(٣٥) سورة ص] هل نقول: إن سليمان وهو يقول هذا الكلام أنه يحب لغيره من الناس أن يوهب لهم الملك بحيث يكونوا مثله؟ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [(٣٥) سورة ص] هذا في شريعتهم، ولذا النبي -﵊- لما أراد أن يوثق الجني الذي تفلت عليه في صلاته، قال: «تذكرت دعوة أخي
[ ١٠ / ٢٠ ]
سليمان».
ما حكاه الله عن عباده الصالحين من قولهم: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [(٧٤) سورة الفرقان] هل هذا يخالف ما في الحديث؟ في الظاهر يخالف، وإلا وش معنى (اجعلنا إمامًا)؟
المقدم: يختصون بهذا.
نعم يختصون بالإمامة وغيرهم مأمومين، والإمام أفضل من المأموم، وبسؤال النبي -ﷺ- الوسيلة لنفسه، وأمره الأمة بذلك السؤال، ويلزم من محبة ذلك لأخيه أن ينصفه من نفسه إذا كان عليه مظلمة كما أنه يحب أن ينتصف من حقه ومظلمته.
المقدم: فتح المبدي أشرتم إليه قبل قليل يا شيخ لعلنا نشير إلى المستمع شيئًا منه؛ لأن مثل هذه المصطلحات تمر ويسأل عنها الإخوان المستمعين كثيرًا، فتح المبدي لمن؟ ولماذا استشهدتم به هنا؟
فتح المبدي هو شرح للمختصر -مختصر البخاري- مختصر الزبيدي لعبد الله الحجازي الشرقاوي، هذا من شيوخ الأزهر، بل تولى مشيخة الأزهر في آخر القرن قبل الماضي، والكتاب في الجملة جيد، شرح تحليلي طيب، وفيه نقوول طيبة، ولا يسلم من ملاحظات كغيره من الشروح، يقول الكرماني: ومن الإيمان أيضًا أن يبغض لأخيه ما يبغضه لنفسه من الشر؛ لأن مفهوم يحب ما يحب لأخيه من الخير مفهومه -مفهوم المخالفة- أن يبغض ما يبغضه لنفسه من الشر.
المقدم: هذا استمرارًا للحديث للتوجيه لما ورد قبل قليل من الآيات والأحاديث؟
لا، هذا شرح لمفهوم الحديث.
المقدم: نعم، لكن توجيههم لما سبق وذكرتم -أحسن الله إليكم- من الأمور الثلاثة الوسيلة و
الوسيلة قلنا: إنها لا تنبغي إلا لشخص واحد.
المقدم: وملك سليمان
وملك سليمان لعله في شرع من قبلنا.
المقدم: يبقى ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [(٧٤) سورة الفرقان].
[ ١٠ / ٢١ ]
يبقى ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [(٧٤) سورة الفرقان] أنه لا بد من إمام ومأموم، ولا يمكن بل يستحيل أن يكون كل الناس أئمة، فإذا كان الخيار بين إمام أو مأموم نعم يختار الإنسان لنفسه الأعلى.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ الآن إذا كان مثل هذه الآية ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [(٧٤) سورة الفرقان] لا يمكن اجتماع الإمام والمأموم هل هذا يتعارض مع كون المؤمن يحب لأخيه كما يحب لنفسه أن يكونوا جميعًا أئمة؟ وكذا حتى ما ذكرتم من الوسيلة والمقام المحمود مع كون هذا لن يحصل لهم جميعًا، لكن المحبة هل يلزم منها الوقوع حتى يتعارضا؟
نقول: المحبة هنا يحب الإنسان أن يكون إمامًا، وقد دعا العباد الصالحون بأن يجعلهم الله للمتقين إمامًا، نعم، لكن هل يتصور أن يكون الناس كلهم أئمة؟ فإما أن يكون الحديث جرى مجرى الغالب، كما تقدمت الإشارة إليه، وإن كان من صيغ العموم، لكن لا بد من تخصيصه بمثل هذه الآية؛ لأنه لا يمكن أن يجتمع في آن واحد الناس كلهم أئمة، بل لا بد أن يكون هناك إمام ومأموم، لكن الإمامة لا تعني الفضل مطلقًا، بل قد يكون من المأمومين من هو أفضل من الإمام، على أن المراد بالإمام هنا الإمامة في الدين، ليس معناها في الصلاة خاصة، الإمامة في الدين عمومًا، والإمامة في الدين فضل مطلق، في قول الكرماني: ومن الإيمان أيضًا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر، ولم يذكره لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاءً، والله أعلم، هو يستفاد من مفهوم الحديث لا من منطوقه.
[ ١٠ / ٢٢ ]
الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- يقول في شرحه: لما نفى النبي -﵊- الإيمان عمن لم يحب لأخيه ما يحبه لنفسه دل على أن ذلك من خصال الإيمان، بل من واجباته، فإن الإيمان لا ينفى إلا بانتفاء بعض واجباته، كما قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» الحديث متفق عليه، وإنما يحب الرجل لأخيه ما يحبه لنفسه متى؟ إذا سلم من الحسد والغل والغش والحقد؛ لأن كثير من الناس إذا رأى واقع المسلمين اليوم قال: تطبيق الحديث مستحيل، كثير من الناس إذا رأى واقع المسلمين قال: تطبيق الحديث مستحيل، والأمر بهذا أمر بما لا يُطاق، وتكليف بالمحال، نقول: لا، هو سهل لمن؟ لمن كان قلبه سليمًا، أما من انطوى على غل أو حقد أو غش أو حسد فإنه لن يصل إلى هذه المرتبة، والله المستعان.
يقول -رحمه الله تعالى-: وإنما يحب الرجل لأخيه ما يحبه لنفسه إذا سلم من الحسد والغل والغش والحقد وذلك واجب كما قال النبي -﵊-: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا» رواه مسلم، فالمؤمن أخو المؤمن يحب له ما يحب لنفسه، ويحزنه ما يحزنه، كما قال -ﷺ-: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر» متفق عليه من حديث النعمان بن بشير.
[ ١٠ / ٢٣ ]
فإذا أحب المؤمن لنفسه فضيلة من دين أو غيره أحب أن يكون لأخيه نظير هذا من غير أن تزول عنه، كما قال ابن عباس -﵄-: "إني لأمر بالآية من القرآن فأفهمها فأود أن الناس كلهم فهموا منها ما أفهم" لو طبقنا هذا، ونظرنا في واقع عموم المسلمين، بل مع الأسف الشديد بعض من ينتسب إلى العلم، هل يحب لغيره من أهل العلم أن يظفر بهذه الفائدة كما ظفر بها؟ لا شك أن هذا عزيز جدًا، يقول ابن عباس -﵄-: "إني لأمر بالآية من القرآن فأفهمها فأود أن الناس كلهم فهموا منها ما أفهم" بعض الناس يحزن إذا رأى آخاه المسلم حفظ ما لم يحفظ من القرآن، أو تقدم عليه في التلاوة مثلًا، أين هذا من قوله -﵊-: «أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه» الله المستعان.
يقول الشافعي: "وددت أن الناس كلهم تعلموا هذا العلم ولم ينسب إليّ منه شيء".
في قوله -﷿-: ﴿وَسَارِعُواْ﴾ [(١٣٣) سورة آل عمران] ﴿سَابِقُوا﴾ [(٢١) سورة الحديد] هل في ذلك ما ينافي هذا الحديث؟ لأن المسارعة والمسابقة والمنافسة في الخيرات تقتضي أن الإنسان يسارع غيره، ويسابق غيره، فكيف نوفق ما قد يُفهم من هذه النصوص وما معنا من هذا الحديث؟ هل في ذلك معارضة؟ هل معنى هذا أنك إذا نافست زيدًا من الناس أو سابقته أو سارعته إلى الخيرات؟
المقدم: كأنك تريد أكثر منه.
أنك تسبقه.
المقدم: نعم.
[ ١٠ / ٢٤ ]
﴿سَابِقُوا﴾ [(٢١) سورة الحديد] المسابقة لتسبقه، والمسارعة أن تسرع أمامه، وإلا وش معنى المسارعة؟ هل معنى هذا أنك تود أنك تصل إلى الهدف أنت وإياه في وقت واحد؟ هذه النصوص فيها الحث على المسابقة والمسارعة للأطراف كلها، وللمسلمين كلهم، وكون الإنسان يسابق ويسارع لا يعني ٍأنه يستأثر بهذا الأمر دون غيره، بل هو مجرد حث له على هذا العمل المطلوب شرعًا، فحث له وحفز على أن يسبق غيره في هذا وغيره أيضًا محثوث على أن يسبقه وهكذا، ففيه أمر للمسلمين كلهم بأن يسارعوا، هذا أمر من الله تعالى للمسلمين أن يسارعوا وأن يسابقوا، وحينئذٍ لا يكون فيه تعارض مع الخبر
[ ١٠ / ٢٥ ]
التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح