التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - شرح أحاديث كتاب بدء الوحي (١)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
هذه حيلة على تحليل ما حرم الله -﷾-، وهذه طريقتهم وهذا ديدنهم، وقد يوجد بعض الحيل في بعض الصور لارتكاب أو للفرار مما حرمه الله -﷾-، وعلى كل حال للعلماء تفصيلات ولهم مسائل يطول ذكرها في هذا الباب، فتراجع كتب شروح الحديث وكتب الفقه وغيرها، وقد ألف في الحيل مؤلفات، ومن أسوأ ما نقل في الحيل ما أفتى به بعضهم: امرأة ضاقت عليها المسالك مع زوجها فلم تترك وسيلة إلا ارتكبتها من أجل فراقه، فأفتاها بعضهم بأن ترتد عن الإسلام -نسأل الله العافية-، وبذلك تبين منه، ذكره ابن القيم -رحمه الله تعالى- في إغاثة اللهفان، وأفتى ابن المبارك بكفر من أفتاها بهذه الفتوى، نسأل الله السلامة والعافية.
طالب: أحسن الله إليك، قد يفعل بعض الناس بعض أعمال الخير التي أمر بها الشارع كبر الوالدين أو الإحسان إلى الجار أو صلة الأرحام، ولكن لا يستشعر النية، وإنما هو بواقع الجبلة يفعل هذه الأفعال ولا يستشعر نية التقرب إلى الله -﷾-، فهل يؤجر على هذا؟
[ ٣ / ١ ]
فعل العبادات المحضة إذا استحضرها في أول الأمر، وأن هذا عملٌ مقربٌ إلى الله -﷾- يؤجر عليه وعلى مفرداته ولم يستحضر في جميع المفردات، تكفيه النية العامة، لكن العبادات الخاصة كل عبادة منها تحتاج إلى نية «ولكلِّ امرئ ما نوى» من أحسن إلى والديه يريد بذلك وجه الله -﷾- والدار الآخرة له ما نوى، لكن من أحسن إليهما مكافأة لهما ولم يستحضر أن الله -﷾- أمره بذلك ولا كلفه بذلك، بل لمجرد المكافأة يحصل له ما نواه ولا يحصل له شيءٌ من الأجر، بعض الناس قد يفعل؛ لأن بر الوالدين والإحسان إلى الغير من الجيران وغيرهم على درجات، والناس معطى ومحروم، من يستحضر النية في كل صغيرة وكبيرة هذا ممن أراد الله -﷾- به خيرًا، منهم من يرى أن ذلك مكافأة، أقل في الأجر، لا شك أن «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه» يدخل تحت هذا الخبر ما يؤجر عليه الإنسان، يلي ذلك مرتبة ثالثة وهي أن يفعل ذلك رياءً وسمعة، ليقال: هذا بار بوالديه، وهذا يحسن إلى جيرانه، وهذا يفعل، وهذا عنده من صنائع المعروف ما عنده، هذا يأثم -نسأل الله السلامة والعافية-، ففعل مثل هذه الأشياء على درجات، والأمور بمقاصدها.
طالب: أحسن الله إليكم، في المقابل قد يطلب بعض الناس أو بعض طلبة العلم بعض العلوم التي ليست من العلوم الشرعية مثل علم النحو، وإنما يطلب ذلك من أجل فهم كتاب الله وسنة رسول الله -ﷺ-.
[ ٣ / ٢ ]
هذا يندرج، نعم يؤجر على ذلك يندرج تحته القاعدة العامة الأمور بمقاصدها، والوسائل لها أحكام المقاصد، ولا يمكن فهم الكتاب والسنة إلا من خلال العربية، علمًا بأن المقاصد نفسها دخلت في العربية، والنيات حتى أثرت في علم العربية، هناك ما يختلف فيه الإعراب تبعًا للقصد والنية، فمثلًا قبل وبعد والجهات الست ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [(٤) سورة الروم] مبني على الضم لماذا؟ لأن المضاف إليه محذوف مع أنه منوي، مع نية المضاف، وهنا يبنى على الضم، لكن لو حذف المضاف إليه مع عدم قصده ونيته فإنه يعرب مع التنوين، فأثر القصد في البناء والإعراب، أيضًا قول الأعمى: يا رجلًا خذ بيدي، لا يقصد رجل بعينه، يعرب وينصب وينون، لكن لو قصد رجلًا بعينه لقال: يا رجلُ خذ بيدي، فأثر القصد حتى في الإعراب، فهذا الحديث وهذه القاعدة الكلية الأمور بمقاصدها قاعدةٌ عامة مؤثرة في كثير من العلوم وفي كثيرٍ من الأشياء، ولذا عظم أهل العلم هذا الحديث، ورفعوا من شأنه وأشادوا به.
المقدم: أحسن الله إليكم، يعاني الكثير من معالجة أمر النية معاناة شديدة، حتى أن بعضهم ربما أحجم عن بعض الأعمال الصالحة التي اعتاد عليها خوفًا من أن يقع في الرياء أمام الناس، وهذا ينتشر كثيرًا حتى بين النساء مع الأسف، هل من توجيه حيال هذا الأمر؟
[ ٣ / ٣ ]
هذا يوجد كثيرًا، وهو فيمن يطلب العلم أظهر، يطلب العلم النظامي، الطلاب في الأقسام الشرعية يرد منهم الأسئلة كثيرًا في دخول أو وجود الخلل في النية، يقول القائل منهم: نحن نطلب العلم الشرعي في قسم الشريعة في قسم السنة في قسم القرآن وغيرها من الأقسام الشرعية، ونصب أعيننا التخرج والوظيفة وبناء الأسرة وما أشبه ذلك، ولا نستطيع أن نتخلص من هذه الأمور، عالجنا أنفسنا فلم نستطع، فهل العلاج في ترك طلب العلم الشرعي؟ لا، عليه أن يواصل طلب العلم الشرعي، كما أن عليه أن يعالج نيته، ويصدق اللجأ إلى الله -﷾- في طلبه تخليص نيته من جميع الشوائب؛ لأن العلم الشرعي عبادة محضة من علوم الآخرة لا يجوز التشريك فيها، والله -﷾- إذا علم صدق النية أعان العبد على ما يريده بإذن الله -﷾-، فليس الترك علاج، لا ترك النوافل ولا ترك طلب العلم ليس هو العلاج، وإنما العلاج الجهاد، مجاهدة النفس، وتحسس النية، وتعهد القلب؛ لأن النية شرود، والقلب سريع الالتفات إذا لم يتعاهد، يتعاهد في كل لحظة فإنه يشرد بصاحبه إما بغفلة أو تشريك أو شبه ذلك.
المقدم: قال -﵀-: عن عائشة -﵂- أن الحارث بن هشام -﵁- سأل رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «أحيانًا يأتني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليه، فيفصم عني وقد وعيتُ عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول» قالت عائشة -﵂-: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيقصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقًا".
[ ٣ / ٤ ]
في شرح الحديث الثاني من أحاديث المختصر، تروي الحديث عائشة -﵂- أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق أبي بكر، أحب النساء إلى رسول الله -ﷺ-، بنت أحب الرجال إليه، وعن الحارث بن هشام المخزومي أحد فضلاء الصحابة ممن أسلم يوم الفتح، واستشهد في فتوح الشام سنة (١٥هـ)، والحديث ترويه عائشة -﵂- عن الحارث أو عن قصة الحارث، ففي الصحيح عن عائشة -﵂- أن الحارث بن هشام سأل رسول الله -ﷺ-.
ولا فرق بين السند المؤنن كما هنا: أن الحارث بن هشام وبين السند المعنعن كما فيما لو قالت: عن الحارث بن هشام، فحكم (أن) حكم (عن) عند جمهور العلماء، وإن كان سياق القصة يدل على أن عائشة تروي القصة مع احتمال أن تكون حضرة السؤال، واحتمال آخر أن تكون لم تحضر هذا السؤال، وإنما تنقله عن الحارث بن هشام إما مباشرة أو بواسطة، فالحديث يحتمل أن تكون عائشة حضرت السؤال والجواب فيكون من مسندها، وعلى هذا مشى أصحاب الأطراف كالمزي حيث ذكره في مسندها في الجزء الثاني عشر صفحة (١٩٣) ويحتمل أن يكون الحارث بن هشام أخبرها بذلك فيكون الحديث من مراسيل الصحابة، وهو موصول عند جماهير العلماء، كما قال الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
أما الذي أرسله الصحابي فحكمه الوصل على الصوابِ
ونقل عليه الاتفاق، وإن خالف في ذلك أبو إسحاق الإسفرايني فزعم أن مراسيل الصحابة كمراسيل غيرهم، لكن لم يلتفت أهل العلم إلى هذا القول، فنقلوا عليه الاتفاق، فمرسل الصحابي في حكم الموصول، وقد جاء ما يؤيد الثاني، ففي مسند الإمام أحمد -﵀- من طريق عامر بن صالح الزبيري عن هشام عن أبيه عن عائشة عن الحارث بن هشام قالت: سأل .. وعامر فيه ضعف؛ لكن له متابعٌ عند ابن مندة؛ قاله الحافظ -﵀- ابن حجر.
على كل حال سواءٌ قلنا: أنه متصل، وأن عائشة شهدت السؤال والجواب، أو لم تشهد السؤال والجواب فبلغها عن الحارث نفسه، فيكون من مرسل الصحابي، ومرسل الصحابي حكمه حكم الموصول، ولا فرق.
مناسبة الحديث للترجمة المناسبة ظاهرة، حيث كان السؤال عن صفة الوحي، وكيفية مجيئه بواسطة حامله، فالمناسبة ظاهرة.
[ ٣ / ٥ ]
في متن الحديث يقول في سؤاله: "كيف يأتيك الوحي؟ " يحتمل أن يكون السؤال عن صفة الوحي نفسه، ويحتمل أن يكون عن صفة حامله، أو ما هو أعم من ذلك، يكون السؤال عن الوحي وحامله أيضًا، يقول ابن حجر: وعلى كل تقدير فإسناد الإتيان إلى الوحي مجاز؛ لأنه قال: كيف يأتيك الوحي؟ والوحي معنىً من المعاني إسناد الإتيان إليه مجاز.
أقول: لا حاجة إلى ادعاء المجاز هنا؛ لأن من جيء به فقد جاء، ومن حج به فقد حج، يعني لو شخص حج به أبوه ألا يمكن أن يقال: حج فلان وسقطت عنه الفريضة؟ فمن جيء به فقد جاء حقيقة، كمن حُج به فقد حج حقيقة، فلا حاجة إلى ادعاء المجاز هنا على النزاع المعروف عند أهل العلم في وقوع المجاز في لغة العرب عمومًا، أو في نفيه عن النصوص الشرعية على وجه الخصوص.
قوله -﵊- في الجواب: "أحيانًا" جمع حين، والحين يطلق على كثير الوقت وقليله، والمراد به هنا مجرد الوقت، وانتصابه على الظرفية، وعامله (يأتيني) مؤخرٌ عنه، أي يأتيه الوحي أحيانًا، والتقدير في أحيانًا، فكأنه قال: أوقاتًا، "يأتيني مثل" مفعول مطلق، أي إتيانًا مثل أو حال، أو أي إتيانًا مشبهًا حال كونه مشبهًا.
[ ٣ / ٦ ]
"صلصلة الجرس" الجرس الجلجل الذي يعلق في رؤوس الدواب لتسرع في السير، و(الصلصلة) صوت الملك بالوحي، وقيل: صوت حفيف أجنحة الملك، وهي في الأصل صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوتٍ له طنين، وقيل: هو صوت متدارِك لا يدرك في أول وهلة، والحكمة في تقدم الصوت أن يقرع سمعه -﵊- الوحي، فلا يبقى فيه متسعٌ لغيره، فإن قيل -وهذا إشكال-: كيف شبه الوحي وهو محمود بالجرس وهو مذموم لصحة النهي عنه؟! ففي صحيح مسلم: «الجرس مزمار الشيطان» عن أبي هريرة، وفيه أيضًا: «لا تصحب الملائكة رفقةً فيها كلبٌ ولا جرس» وفي سنن أبي داود: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جرس» وجاء غير ذلك من الأحاديث مما يدل على ذم اتخاذ الجرس، فالوحي محمود والجرس مذموم فكيف يشبه المحمود بالمذموم؟! أجيب عن ذلك بأنه: لا يلزم من التشبيه تساوي المشبه بالمشبه به في جميع صفاته، بل يكفي اشتراكهما في صفة ما، فالصوت يعني صوت الجرس له جهتان: جهة قوة وجهة طنين وإطراب، فمن حيث القوة وقع التشبيه به، ومن حيث الطنين والإطراب وقع التنفير عنه، كما جاء تشبيه رؤية الباري -﷾- يوم القيامة برؤية القمر ليلة البدر، فالمراد تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي، ومثله النهي عن مشابهة البعير في بروكه مع أمره -﵊- بوضع اليدين قبل الركبتين، يقول -﵊-: «إذا صلى أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» هل هناك تنافر بين الجملتين؟ لا تنافر بينهما، فالمنهي عنه النزول على الأرض بقوة مشابهة للبعير في بروكه حينما يثير الغبار ويفرق الحصا، لا من جهة تقديم اليدين على الركبتين ووضعهما فقط، وفرقٌ بين مجرد الوضع والبروك، فرق بين مجرد وضع اليدين قبل الركبتين وبين البروك.
المقدم: الحديث -أحسن الله إليكم- مرة أخرى حديث النهي عن البروك.
جاء النهي في السنن –وهو حديث صحيح- عن مشابهة البعير في بروكه «إذا صلى أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع» اللام لام الأمر «وليضع يديه قبل ركبتيه».
المقدم: هذا من قوله -﵊-؟
[ ٣ / ٧ ]
من قوله -﵊-: «وليضع يديه قبل ركبتيه».
المقدم: ليس من إدراج الراوي؟
ليس من إدراج الراوي، وليس فيه قلب كما يزعم بعضهم، بل الحديث ملتصق، بعض أهل العلم لما رأى أن البعير يبرك فيقدم يديه قبل ركبتيه قال: انقلب على الراوي؛ لأن وضع اليدين هو بروك البعير، نقول: لا، بروك البعير هو نزوله على الأرض بقوة، فلا يقال: برك البعير وحصص البعير حتى ينزل على الأرض بقوة فيثير الغبار ويفرق الحصا، وإلا لو قدم ركبتيه قبل يديه أشبه غير البعير من الحيوانات، أشبه الحمار مثلًا، لا من هذه الحيثية النهي «لا يبرك كما يبرك البعير» يعني ينزل على الأرض بقوة، وصدر الحديث موافق لعجزه، والأمر بوضع اليدين «وليضع» مجرد وضع، فرقٌ بين أن تضع المصحف على الأرض وبين أن تلقيه على الأرض وترميه على الأرض، أو وضع الشيء عمومًا على الأرض وإلقاءه على الأرض، هو مرده إلى الأرض لكن فرقٌ بينهما، وضع المصحف على الأرض جائز عند أهل العلم لكن إلقاؤه على الأرض خطرٌ عظيم، فرقٌ بينهما، ولذا قال: «وليضع يديه قبل ركبتيه» فالنهي عن مشابهة البعير من وجه دون وجه، إذا علم هذا فما ورد في ذم الجرس صحيح لا مرية فيه.
طالب: يعني السنة الآن يقدم يديه؟
هذا هو الظاهر؛ لأن الحديث أرجح من حديث وائل، كان رسول الله -ﷺ-: إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه.
طالب: ما يكون النهي عن صفة البروك كبروك البعير لا على ما يبرك عليه؟
النهي عن مشابهة البعير في النزول على الأرض بقوة؛ ولذا قال: «وليضع يديه قبل ركبتيه» وله شاهد من حديث ابن عمر وغيره. المقصود أن الخلاف الذي حصل حصل في فهم الحديث، الذي ادعى أن الحديث انقلب على الراوي قال: هذا تناقض، كيف يقول: «لا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه»؟ هذا بروك البعير، نقول: لا، ليس هذا بروك البعير، بروك البعير إذا نزل على الأرض بقوة أثار الغبار وفرق الحصار، وتسمعون أنتم بعض الناس ينزل على الأرض بقوة، والناس إذا ما الإنسان وقع إما مريض وإلا كبير سن وإلا شيء ونزل على الأرض بقوة يقولون: برك، الرجل برك.
[ ٣ / ٨ ]
المقدم: لكن فرق بين قوله -﵊-: «كما يبرك» لو قال: على ما يبرك يختلف المعنى تمامًا؟
نعم نعم، على كل حال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يقول: كلاهما سنة، سواءٌ قدم يديه أو قدم ركبتيه لا فرق، والمسألة معروفة عند أهل العلم، وهي مسألة اجتهادية، فلا ينبغي التشديد في مثل هذا، إذا علم هذا فما ورد في ذم الجرس صحيح لا مرية فيه، فلا ينبغي للمسلم أن يتساهل في مثل هذا، وإن عمت به البلوى وتساهل به الناس، ووجد بينهم من غير نكير، لكن إيثار مراد الله ومراد رسوله -﵊- أولى على حظوظ النفس، وأولى من متابعة الناس وتقليدهم، فطاعة الله وطاعة رسوله -ﷺ- مقدمةٌ على كل اعتبار.
فعلى المسلم أن يحتاط لدينه، وما نراه ونسمعه من كثيرٍ من الناس ممن ابتلي بسماع الأغاني والمزامير من اختيار بعض النغمات المثيرة في مثل الهاتف والجوال وأجراس البيوت عليهم التوبة والإقلاع والندم واستبدال ذلك مما يمكن استعماله من غير ارتكاب محظور، ومن المؤسف من الأسف الشديد نرى استعمال مثل هذه الأصوات، ومثل هذه النغمات الموسيقية في مواطن العبادة كالمساجد وحلق العلم وأحيانًا في المطاف، كثيرًا ما نسمع في المساجد أثناء الصلاة مما يشوش على المصلين وفي المطاف وغيرها من الأماكن الفاضلة مثل هذه النغمات، على المسلم أن يحتاط لدينه، شخص يأتي لابتغاء ما عند الله من ثواب، ويرتكب في الوقت نفسه محظور، فعلى المسلم أن ينتبه لمثل هذا، ويهتم به.
روى الإمام البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: إن نبي الله -ﷺ- قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه صلصلة على صفوان، فإذا فزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير» الحديث. فقوله: «صلصلة على صفوان» هو مثل قوله: «صلصلة الجرس» هنا، وهو صوت الملك بالوحي، والمشبه قول المسموع.
[ ٣ / ٩ ]
قوله: «وهو أشده علي» يعني أشد أنواع الوحي، ويفهم منه أن الوحي كله شديد، ولكن هذا النوع أشد، وهو واضح؛ لأن الفهم من كلامٍ مثل الصلصلة أشد من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود، لا شك أن الفهم من الكلام الذي يشبه صلصلة الجرس أشد من فهم الكلام الذي يتمثل فيه الملك رجلًا فيخاطبه بالكلام المعهود بين الرجال، وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى له -﵊-، ورفع الدرجات، والظاهر أن ذلك لا يختص بالقرآن، كما في حديث لابس الجبة المتضمخ بالطيب في الحج، فإن فيه أنه رآه -ﷺ- حال نزول الوحي عليه، وإنه ليغط، يعني من شدة ما يلقى -﵊-، وهذا من السنة فالسنة وحي؛ لأنه -﵊- لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى.
قوله: «فيفصم عني» يفصم مضارع فصم، يفصم من باب ضرب، والمراد قطع الشدة أن يقلع وينجلي ما يغشاني من الكرب والشدة، ويروى بضم الياء يُفصم من الرباعي، يقال: أفصم المطر إذا أقلع، وأصل الفصم القطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾ [(٢٥٦) سورة البقرة] وقيل: الفصم بالفاء القطع بلا إبانة، وبالقاف القطع بإبانة، فذكر الفصم إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود؛ لأن الفصم قطعٌ بلا إبانة، بخلاف القصم الذي هو القطع بإبانة، فذكر الفصم إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود، والجامع بينهما بقاء العُلقة.
قوله: «وقد وعيتُ» أي فهمت وحفظتُ «عنه» أي عن الملك «ما قال» أي القول الذي قاله.
[ ٣ / ١٠ ]
وفيه إسناد الوحي إلى قول الملك، ولا معارضة بينه وبين قوله تعالى عن الوحيد: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [(١١) سورة المدثر] ماذا قال؟ هذا تعبير يعبر به شيخ الإسلام كثيرًا إذا أراد أن يسوق هذه الآية قال: هي قول الوحيد، قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [(٢٥) سورة المدثر] أقول: إسناد الوحي إلى قول الملك (أعي عنه ما قال) إسناده إلى الملك لا معارضة بينه وبين قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [(٢٥) سورة المدثر] لأن الكفار كانوا ينكرون الوحي وينكرون مجيء الملك به، وتارة -الوحي- ينسب إلى الملك وتارة إلى الرسول -ﷺ-، وكل ذلك بلفظ الرسول، ففي سورة الحاقة يقول الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [(٤٠) سورة الحاقة] ما قال لقول ملك كريم أو قول رجل كريم، ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [(٤٠) سورة الحاقة] يعني محمد -ﷺ-، ونلاحظ التعبير برسول، وفي سورة التكوير قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [(١٩ - ٢٠) سورة التكوير] يعني جبريل -﵇-، وأضافهما إليه بلفظ الرسالة على معنى التبليغ؛ لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل كما أفاده شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- والحافظ ابن كثير في تفسيره، في شرح الشيخ عبد الله الشرقاوي المسمى (فتح المبدي) قال: "وسماع الملك وغيره من الله تعالى ليس بحرفٍ ولا صوت، بل يخلق الله للسامع علمًا ضروريًا، فكما أن كلامه تعالى ليس من جنس كلام البشر فسماعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس سماع الأصوات" والصحيح أن الله -﷾- يتكلم بصوتٍ وحرفٍ يسمع، كما قرره علماء الإسلام، مع اعتقاد عدم المشابهة بين الخالق والمخلوق، بل كما يليق بجلاله -﷾- وعظمته، وفي عون الباري للصديق حسن خان يقول: "وفي الباب أحاديث تدل على أن العلم بكيفية الوحي سرٌ من الأسرار التي لا يدركها العقل، وفيه: دلالة على أن سماع الملك وغيره من الله تعالى يكون بحرفٍ وصوت يليق بشأنه سبحانه، وقد دلت الأحاديث
[ ٣ / ١١ ]
الصحيحة الكثيرة على ذلك خلافًا لمن أنكره فرارًا عن التشبيه، وأوله بخلق الله للسامع علمًا ضروريًا، والسنة المطهرة ترده كما هو مقررٌ في محله".
هذا نوع من أنواع الوحي، والنوع الآخر هو ما أشار إليه النبي -﵊- بقوله: «وأحيانًا يتمثل» أي يتصور «لي» أي لأجلي، فاللام تعليلية، وفي رواية: «إليَّ» والتمثل مشتق من المثل، «الملك» اللام للعهد، أي جبريل، وقد وقع التصريح به في رواية ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون أنه بلغه أن النبي -ﷺ- كان يقول: «كان الوحي يأتيني على وحيين» يأتيني به جبريل فيلقيه عليَّ كما يلقي الرجل على الرجل، «رجلًا» منصوبًا على المصدرية، أي يتمثل مثل رجل، أو تمييز أو حال، وقد جاء الملك على صورة دحية الكلبي جاء الملك على صورة دحية بن خليفة الكلبي، وذكر في الشروح من جماله من ذكر، حتى أنه كان يمشي بين الناس متلثمًا؛ لئلا يفتتن به، المتكلمون يزعمون أن الملائكة أجسام علوية لطيفة تتشكل في أي شكل أرادوا.
المقدم: ضبط الصحابي -أحسن الله إليكم- يا شيخ دِحية؟
دِحية نعم.
[ ٣ / ١٢ ]
وبعض الفلاسفة يزعم أنها جواهر روحانية، وعلى كل حال الإيمان بالملائكة ركنٌ من أركان الإيمان، نؤمن بهم على ما بلغنا عنهم في الكتاب والسنة، ونعتقد أن لله ملائكة مطهرين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، يقول ابن حجر: الحق أن تمثل الملك رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيثًا لمن يخاطبه، والظاهر أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط، والله أعلم، وذلك بعد أن نقل عدة أقوال لبعض أهل العلم، الزائد من خلق جبريل الذي يسد الأفق وله ستمائة جناح يأتي على صورة رجل، منهم من يقول: يفنى، ومنهم من يقول: يزول ثم يعود، كل هذا لا دليل عليه، القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفى على الرائي، لا يمنع أن يكون الرسول -﵊- يراه على صورة رجل وعلى هيئة رجل كما رآه الصحابة -رضوان الله عليهم- في حديث عمر وغيره وأبو هريرة وغيرهما حينما سأل النبي -﵊- عن الإسلام والإيمان والإحسان، رأوه على صورة رجل، وجاء ذكره في الأحاديث الصحيحة على هذه الكيفية.
طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ [(٥١) سورة الشورى] وحيًا أول أقسامه، هذا كأنه من غير طريق الملك؟
هناك من أقسام الوحي ما يأتي ذكره؛ لأن الحديث حصر الوحي في نوعين، ويأتي في الكلام على الحديث أنواع أخرى -إن شاء الله تعالى-، فالحصر غير مفهوم، سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
طالب: في قوله: «مثل صلصلة الجرس» يعني التشبيه هنا من حيث التتابع والقوة لا من حيث. . . . . . . . .؟
نعم، من حيث القوة نعم لا من حيث الإطراب والطنين كما ذكرنا.
[ ٣ / ١٣ ]
وقفنا عند قوله في الحديث: «فيكلمني» كذا للأكثر، ووقع عند البيهقي: «فيعلمني» بالعين بدل الكاف، والظاهر أنها بتصحيف كما قال ابن حجر، قوله: «فأعي ما يقول» أي القول الذي يقوله، ووقع التغاير في فهم النوعين، فقال في النوع الأول: «وعيتُ» «فيفصم عني وقد وعيتُ» بلفظ الماضي، وفي الثاني قال: «فأعي ما يقول» بلفظ المضارع؛ لأن الوعي والفهم والحفظ حصل قبل الفصم، ولا يتصور بعده، هذا بالنسبة للنوع الأول.
[ ٣ / ١٤ ]
وفي الثاني يحصل حال المكالمة ولا يتصور قبلها، فرق بين «وعيت» إذا جاءه مثل صلصلة الجرس، إذا انتهى فإذا النبي -﵊- قد وعى حتى حفظ ما قاله، وفي الثاني يقول: «أعي» يعني حال المكالمة، هذا الثاني يحصل حال المكالمة ولا يتصور قبلها، يقول: وقع التغاير في فهم النوعين فقال في الأول: «وعيت» بلفظ الماضي، وفي الثاني قال: «فأعي» بلفظ المضارع؛ لأن الوعي والفهم والحفظ حصل قبل الفصم في النوع الأول، ولا يتصور بعده، وفي النوع الثاني يحصل حال المكالمة ولا يتصور قبلها، يعني إذا حددنا فيها ظهر معناها، في النوع الأول الذي هو مثل صلصلة الجرس، إذا انتهت هذه الصلصلة لا تنتهي إلا والنبي -﵊- قد وعى ما قال، في الحال الثانية حينما يتمثل له الملك رجلًا فيكلمه كما يخاطبه الرجال يكلمه فيعي، يقول الرسول -﵊-: «فأعي» بصيغة المضارع، أعي حال المكالمة، هناك ما تنتهي العملية التي مثل صلصلة الجرس حتى يكون الرسول قد وعى وانتهى، وهنا حال المكالمة (يعي) بلفظ المضارع، ولا يتصور قبلها، ومفهوم الحصر في الحديث حصر الوحي في النوعين المذكورين غير مراد؛ لأن للوحي أنواعًا أخر، إما من صفة الوحي كمجيئه كدوي النحل، والنفث في الروع والإلهام والرؤيا الصالحة، والتكليم ليلة الإسراء بلا واسطة، وإما من صفة حامل الوحي كمجيئه في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح، ورؤيته على كرسي بين السماء والأرض، وقد سد الأفق، يقول ابن حجر: "الجواب: منع الحصر في الحالتين المذكورتين، وحملهما على الغالب، أو حمل ما يغايرهما على أنه وقع بعد السؤال، أو لم يتعرض لصفتي الملك المذكورتين لنذورهما، فقد ثبت عن عائشة أنه لم يره كذلك إلا مرتين، ولم يأتِ في تلك الحالة أو لم يأتِ بتلك الحالة بوحي أو أتاه به فكان على مثل صلصلة الجرس، ما الذي يمنع أن يكون على هيئته له ستمائة جناح وجاء عليه مثل صلصلة الجرس فيدخل في النوع الأول في الحديث؟.
[ ٣ / ١٥ ]
وأما فنون الوحي فدوي النحل لا يعارض صلصلة الجرس؛ لأن سماع الدوي بالنسبة إلى الحاضرين كما في حديث عمر: "يسمع عنده كدوي النحل"، والصلصلة بالنسبة للنبي -ﷺ-، وأما النفث في الروع فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين فإذا أتاه الملك في مثل صلصلة الجرس نفث في روعه، فلا تنافي ولا تضاد، وأما الإلهام فلم يقع السؤال عنه؛ لأن السؤال وقع عن صفة الوحي الذي يأتي بحامل، وكذلك التكليم ليلة الإسراء لا يدخل، لا يدخل في السؤال؛ لأن السؤال وقع عن كيفية مجيء الوحي الذي يحمل، وأما الرؤيا الصالحة فقال ابن بطال: "لا ترد"؛ لأن السؤال وقع عما ينفرد به عن الناس؛ لأن الرؤيا قد يشركه فيها غيره، والرؤيا الصادقة وإن كانت جزءً من النبوة فهي باعتبار صدقها لا غير، وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى نبيًا، لا سيما إذا رأى رؤيا صالحة ٤٦ مرة، نقول: أخذ النبوة كلها، إذا قلنا: أن الجزء بمعنى حقيقة النبوة جزء من حقيقة النبوة، فإذا اجتمعت هذه الأجزاء صار نبينًا كاملًا، وهذا غير مراد، إنما هي مشبهة للنبوة في صدقها، يحتمل أن يكون السؤال وقع عما في اليقظة فلا يشمل ما يجيء في المنام، وإلا فرؤيا الأنبياء وحي كما هو معروف، أو لكون حال المنام لا يخفى على السائل فاقتصر على ما يخفى عليه.
قالت عائشة -﵂- قال ابن حجر: "هو بالإسناد الذي قبله" ما قال: وقالت عائشة، يقول: "وهو بالإسناد الذي قبله" يعني موصول بالإسناد الذي قبله وليس معلقًا، يقول: "وإن كان بغير حرف العطف كما يستعمل المصنف غيره كثيرًا" يقول: "وحيث يريد التعليق يأتي بحرف العطف"، وتعقبه العيني بأنه لم يقم دليلًا على قوله، لا شك أن كلام الحافظ -رحمه الله تعالى- أغلبي، وقد جاء في الصحيح التعليق بدون حرف العطف في مواضع من الصحيح، كما أنه جاء بحرف العطف من غير تعليق في الإسناد السابق، لكن كلام الحافظ -رحمه الله تعالى- أغلبي.
[ ٣ / ١٦ ]
ونكتة الاقتطاع هنا اختلاف التحمل، قد يقول قائل: لماذا أفرد قول عائشة هنا؟ والحديث كله مروي عن عائشة؟ ما ألحق بهذه الجملة ألحق بالحديث كله؟ لما قال: «فأعي ما يقول» لماذا ما قال مباشرة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد إلى آخره؟ إنما قال: قالت عائشة لماذا؟ نكتة الاقتطاع هنا -يعني فصل الخبر الثاني عن الأول- اختلاف التحمل؛ لأنها في الأول أخبرت عن مسألة الحارث، وفي الثاني أخبرت عما شاهدت تأييدًا للخبر الأول.
تقول -﵂-: "ولقد رأيته" تعني النبي -﵊-، وهذا مقول عائشة، والواو للقسم واللام للتأكيد أي: والله لقد أبصرته "يَنزل" بفتح أوله وكسر ثالثه من الثلاثي، وفي رواية أبي ذر والأصيلي: "يُنزلُ" بالضم والفتح، " عليه -ﷺ- الوحي في اليوم الشديد البرد" الشديد صفة جرت على غير ما هي له، الأصل أن الصفة تتبع الموصوف، هنا صفة الشديد صفة لليوم في الإعراب، هي تابعةً له في الإعراب، في اليوم الشديد، لكنها من حيث المعنى هي صفةٌ للبرد لا لليوم، فهي من حيث الإعراب وصف لليوم، ومن حيث المعنى وصف للبرد، هل اليوم هو الشديد أو البرد هو الشديد؟
المقدم: البرد هو الشديد.
البرد هو الشديد، فهي من حيث الإعراب تابعة لليوم ومن حيث المعنى تابعة للبرد، وفيه دلالة على كثرة معاناته -ﷺ- بالتعب والكرب عند نزول الوحي لما فيه من مخالفة العادة، وهو كثرة العرق في شدة البرد.
«فيَفصمُ عنه» أي يقلع، أو «فيُفصمُ عنه» في بعض الروايات أي يقلع، «وإن جبينه يتفصد» الجبين فوق الصفد، والصفد ما بين العين والأذن، وللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة، والمراد جبيناه معًا، والإفراد يجوز أن يعاقب التثنية، يعني يأتي الإفراد ويراد به التثنية، والإفراد يجوز أن يعاقب التثنية في كل اثنين يغني أحدهما عن الآخر كالعينين والأذنين، يعني إذا قلت: فلان واسع العين، تريد واحدة وإلا الثنتين؟
المقدم: الثنتين.
[ ٣ / ١٧ ]
نعم، كبير الأذن، تريد الواحدة ولا اثنتين؟ لا، تريد اثنتين، ومن ذلك قوله -﵊-: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» وفي الرواية الأخرى: «عاتقيه» يفسر المراد، «ليتفصد» بالصاد المهملة المشددة أي يسيل، مأخوذٌ من الفصد، وهو قطع العرق بإسالة الدم، شبه جبينه المبارك -﵊- بالعرق المفصود مبالغة في كثرة العرق، «عرَقًا» بفتح الراء رشح الجلد، وإنما كان ذلك ليبلى صبره -﵊- فيرتاض لاحتمال ما كلف من أعباء النبوة، وهو منصوبٌ على التمييز.
الحديث مشتمل على فوائد كثيرة جدًا، لكن منها أن السؤال عن الكيفية لطلب الطمأنينة لا يقدح في اليقين، الحارث ابن هشام سأل النبي -﵊- كيف يأتيه الوحي؟ هل نقول: لأن الحارث شك؟ لا، طلبًا للطمأنينة كما سأل إبراهيم -﵇- ربه -﷿-: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى﴾ [(٢٦٠) سورة البقرة] فلا يقدح في يقين إبراهيم، ولذا جاء في الحديث الصحيح من قوله -﵊-: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» ما شك إبراهيم -﵇-.
فالسؤال عن الكيفية لطلب الطمأنينة لا يقدح في اليقين، ولذلك جواز السؤال عن أحوال الأنبياء من الوحي وغيره، وأن المسؤول عنه إذا كان ذا أقسام يذكر المجيب في أول جوابه ما يقتضي التفصيل، ينتبه لبقية الأقسام.
وفيه إثبات الملائكة خلافًا لمن أنكرهم من الملاحدة والفلاسفة، وأن لهم قدرةً على التشكل، ولا شك أن الإيمان بالملائكة ركنٌ من أركان الإيمان كما هو معروف، والحديث مخرج في الصحيح في البخاري في موضعين: الأول: في بدء الوحي والمناسبة ظاهرة كما تقدم، والثاني: في بدء الخلق في باب ذكر الملائكة، قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: حدثنا فروة قال: حدثنا عليٌ بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -﵂- أن الحارث بن هشام سأل النبي -ﷺ- فذكره، لكن بدون قول عائشة: ولقد رأيته إلى آخره.
[ ٣ / ١٨ ]
في بدء الخلق باب ذكر الملائكة المناسبة ظاهرة من قوله: «وأحيانًا يتمثل لي الملك» ومن قوله: «وأحيانًا يأتي مثل صلصلة الجرس» يعني مع الملك الذي يحمله، وأظهر منه قوله في الشق الثاني: «وأحيانًا يأتيني أو يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول».
أخرجه أيضًا الإمام مسلم في الفضائل في باب عرق النبي -ﷺ-، فالحديث متفق عليه، ومعنى كون الحديث متفقًا عليه أن يكون مخرج في الصحيحين من طريقٍ راوٍ واحد عن صحابيٍ واحد، أما إذا كان في البخاري عن صحابي ومسلم عن صحابي آخر، ولو اتحد اللفظ فإنه لا يسمى حينئذٍ متفقٌ عليه، وأخرجه أيضًا الإمام مالك في القرآن باب ما جاء في القرآن، وأخرجه الترمذي في المناقب والنسائي في الافتتاح: باب جمع ما جاء في القرآن.
المقدم: أحسن الله إليكم، بعد هذا البيان من خلال الحديث وما تفضلتم به من ذكر بعض ألفاظه، لم يمر بنا حتى الآن أي حديث حذفه المختصر يا شيخ؟
إلى الآن نعم، لم يرد مكرر إلى الآن.
المقدم: هل هناك منهج للبخاري -﵀- في ترتيب الأحاديث، بمعنى ما دام الآن في كتاب بدء الوحي لماذا لم يقدم حديث عائشة أول ما بدئ النبي -ﷺ- من الوحي هو الرؤيا الصالحة، ثم ذكرت بداية الوحي، ألم يكن هذا الحديث هو الأحق أن يبدأ به قبل حديث الحارث؟
مما قيل في ذلك: أن الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- خرج حديث (الأعمال بالنيات) عن شيخه الحميدي وهو مكي، ثم ثنى بحديث عائشة الثاني؛ لأنه من طريق مالك وهو مدني، فقدم مكة ثم المدينة، من أجل هذا قدم الحديث على حديث عائشة أول ما بدئ به رسول الله -ﷺ- من الوحي الرؤيا الصادقة أو الصالحة على ما سيأتي، هذا مما قيل، وعلى كل حال هذا وقع في الصحيح، ومناسبة الحديث للباب ظاهرة، وكونها من الدقة بحيث تكون مائة بالمائة لا يلزم؛ لأنه المقصود العلم وقد حصل، وحفظ السنة يحصل بهذه الكيفية.
طالب: ذكرتم فضيلة الشيخ حديث: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» فهل يعني هذا أن إبراهيم -﵇- أفضل من نبينا محمد -ﷺ-؟ لو فصلتم في هذا فضيلة الشيخ.
[ ٣ / ١٩ ]
الحديث كما في الصحيح يقول -﵊-: «نحن أحق بالشك من إبراهيم ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي» هذا من الأحاديث التي في ظاهرها الإشكال، لكنها ليست بمشكلة عند أهل العلم، فالنبي -﵊- حينما قال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» قاله على جهة التواضع، والهضم من حقه، والرفع من شأن إبراهيم﵇-؛ لئلا يتطاول بعض السفهاء فيقول: إن إبراهيم شك، فأراد النبي -﵊- أن يرفع هذا الاحتمال من قلوب الناس، «ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديد» حينما قال: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [(٨٠) سورة هود] ومراده بذلك من بني جنسه وقومه وعشيرته، وقد كان يأوي إلى ركنٍ شديد، وهو الله -﷾-. «ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف» لبث بضع سنين يوسف، وما في شك أن النفس مجبولة على حب الحرية والخروج من السجن، وقاله النبي -﵊- لرفع شأن يوسف ووصفه بالأناة لتبرأ ساحته وتظهر براءته للناس كلهم، لما جاءه الداعي قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [(٥٠) سورة يوسف] غير يوسف لو جاءه الداعي خرج مباشرةً، أقول: غير يوسف -﵇- لو جاءه الداعي الذي يطلبه إلى الملك أو العزيز خرج مباشرة، لكن يريد أن تبرأ ساحته من كل وجه، ويعرف ذلك الخاص والعام، أراد أن يقول له: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [(٥٠) سورة يوسف] لتظهر براءته للناس كلهم.
طالب: هل مثل هذا قوله -ﷺ-: «لا تفضلوني على يونس بن متى»؟
[ ٣ / ٢٠ ]
هو مثله نعم، التفضيل بين الأنبياء جاء منعه، جاء النهي عن التفضيل بين الأنبياء، والمراد به التفضيل الذي يتضمن التنقص، فيونس بن متى حصل منه ما حصل، مما يجعل بعض السفهاء يتطاول عليه، ويقع فيه، لكن النبي -﵊- أراد أن يقطع مثل هذه التصرفات من السفهاء، فقال: «لا تفضلوني على يونس» وفي رواية: «لا تفضلوا بين الأنبياء» والرسول -﵊- أفضل الأنبياء، وهو سيد ولد آدم، لكن يقول هذا -﵊- للمحافظة على حقوق الأنبياء، وعدم التطاول عليهم.
المقدم: هل يفهم من هذا -يا شيخ- أن الإيمان في مسائل الغيب ربما يكون عند بعض الناس أقل من الإيمان في مسائل الشهادة؟
لا شك أنه ليس الخبر كالمعاينة، ولذا لما أخبر الله -﷾- موسى -﵇- أن قومه عبدوا العجل ما كان تصرفه مثل تصرفه لما رآهم عيانًا، ألقى الألواح لما رآهم معاينة، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، يختلف التصرف وإن كان الخبر خبر صدق لا يحتمل النقيض لكن المعاينة تختلف عن الخبر، وإن كان الخبر صادقًا لا يحتمل النقيض بوجهٍ من الوجوه.
المقدم: لكن لا يمكن أن يقال: أن إيمان إبراهيم -﵇- في هذه الجزئية كان ناقصًا بأي حال من الأحوال؟
أبدًا أبدًا بأي حال من الأحوال.
المقدم: نعم، عندنا أيضًا أسئلة تفضلوا.
طالب: يا شيخ ذكرتم الفرق بين قولنا: متفقٌ عليه، وبين ما رواه البخاري ومسلم مثلًا، فهل هذا التفريق متفقٌ عليه بين المحدثين؟
الحديث يكون واحدًا إذا كان عن صحابي واحد، ولو اختلف اللفظ، فيتفق عليه بين الشيخين إذا خرجاه عن طريق صحابي واحد، وإذا كان عن صحابيين فإنه يقال: أخرجه البخاري عن فلان ومسلم عن فلان، المجد بن تيمية جد شيخ الإسلام صاحب المنتقى لا يقول: متفق عليه حتى ينضم إلى الشيخين الإمام أحمد في المسند، فإذا كان الحديث مخرج في المسند والصحيحين من طريقٍ صحابي واحد قال المجد متفق عليه، البغوي في شرح السنة أحيانًا يقول: متفق عليه مع اختلاف الصحابي، وهذا اصطلاح خاص به، فيقول: متفق عليه أخرجه محمد عن ابن عمر يعني البخاري ومسلم عن أبي هريرة، وهذا يختلف عن الاصطلاح السائد المعروف.
[ ٣ / ٢١ ]
المقدم: ومثل متفق على صحته سواء؟
متفق على صحته يعني لم يختلف أحد في صحته، ولو لم يكن في الصحيح، يعني العلماء ما اختلفوا في تصحيح هذا الحديث.
المقدم: بخلاف متفقٌ عليه؟
متفق عليه يعني بين الشيخين.
المقدم: لكن أيضًا بعض الألفاظ رواه البخاري ومسلم أخرجه الشيخان سواء؟
لا إشكال.
المقدم: هذا فقط اختلاف عند المحدثين؟
نعم.
طالب: يا شيخ: في متن الحديث لفظ: (وعيت) (وأعي) هل وردت في بعض الروايات بصيغ مختلفة أم أنها بنفس الصيغة التي وردت هنا؟
ظاهر توجيه الشراح بما ذكرناه سابقًا أنه لم يكن هناك اختلاف في ألفاظ الحديث بين رواة الصحيح.
المقدم: أحسن الله إليك في حديثكم قبل قليل بالنسبة للسند المؤنئن هل هناك فرق بين السند المؤنئن والمعنعن خصوصًا أننا في المقدمة ذكرنا شيئًا من هذا عندما تفضلتم بشرح خطبة المختصر -﵀-.
هنا في حديث الباب تقول عائشة -﵂-: أن الحارث ابن هشام سأل رسول الله -ﷺ-، وجاء عنها في المسند عن الحارث بن هشام أنه سأل النبي -﵊-، الأصل أن السند المؤنئن أو المؤنن لا يختلف عن السند المعنعن، ولذا يقول الحافظ العراقي:
. . . . . . . . . وحكم (أن) حكم (عن) فالجلُ
سووا وللقطع نحا البرديجي حتى يبين الوصل في التخريجِ
وابن الصلاح نقل عن الإمام أحمد ويعقوب بن شيبة أن هناك فرقًا بين السند المؤنن والسند المعنعن، فالمعنعن على الاتصال والمؤنئن عن الانقطاع، والسبب أنه وقف على حديث محمد بن الحنفية عن عمار أن النبي -ﷺ- مرَّ به، الإمام أحمد ويعقوب بن شيبة قالا متصل، والرواية الأخرى عن محمد بن الحنفية أن عمارًا مرَّ به النبي -ﷺ- فقال: منقطع، فأخذ من هذا أن الإمام أحمد ويعقوب بن شيبة يفرقان بين المؤنن والمعنعن، لكنه كما قال الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
. . . . . . . . . كذا له ولم يصوب صوبه
[ ٣ / ٢٢ ]
يعني ما نظر إلى السبب الحقيقي في الاختلاف بين حكميهما على الحديث بطريقيه، فمحمد بن الحنفية لما قال عن عمار أن النبي -ﷺ- مرَّ به، محمد بن الحنفية يروي عن عمار قصةً حصلت له يرويها عن صاحبه عن صاحب الشأن فهي متصلة، وفي الطريق الآخر الذي قال فيه محمد بن الحنفية أن عمارًا به النبي -﵊-، محمد الحنفية يتحدث عن قصةٍ لم يشهدها فحكم عليه بالانقطاع، يعني فرقٌ بين أن نقول: عن فلان من المشايخ عن الشيخ ابن باز أن الشيخ محمد بن إبراهيم قال له، نحن نروي عن الشيخ مباشرة والقصة حصلت له ومتصل، لكن لو قلنا: عن فلان الذي هو شخص متأخر في طبقتنا مثلًا أن الشيخ محمد بن إبراهيم قال للشيخ عبد العزيز مثلًا هذه قصة لم نشهدها فهي منقطعة، فهي تختلف من هذه الحيثية، الشخص إذا نقل القصة عن صاحبها تكون متصلة، لكن إذا تحدث عن قصة لم يشهدها ولو شهد أو أدرك أحد طرفيها ولم ينقل عنه فهذا حكمه حكم الانقطاع، ولذا قال الحافظ العراقي:
. . . . . . . . . كذا له ولم يصوب صوبه
يعني ابن الصلاح ما فهم المقصد من اختلاف الحكمين على الطريقين، وإلا فالأصل أن السند المؤنئن في حكم المعنعن، والحكم عند أهل العلم حكمه الاتصال بالشرطين المعروفين عند أهل العلم أن يكون الراوي بريئًا من وصمة التدليس، وأن يكون قد لقي أو عاصر من روى عنه على الخلاف بين أهل العلم في ذلك.
[ ٣ / ٢٣ ]
المقدم: قال -﵀-: باب: عن عائشة أم المؤمنين -﵂- قالت: أول ما بدئ -ﷺ- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [(١ - ٤) سورة العلق] فرجع بها رسول الله -ﷺ- يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال: «زملوني زملوني» فزملوه، حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: «لقد خشيت على نفسي» فقالت خديجة: "كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرئً قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت خديجة: "يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: "يا ابن أخي ماذا ترى؟ " فأخبره رسول الله -ﷺ- خبر ما رأى، فقال له ورقة: "هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني حيًا إذ يخرجك قومك" فقال رسول الله -ﷺ-: «أو مخرجي هم؟» قال: "نعم لم يأتِ رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا أوذي، وإن يدرك يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا" ثم لن ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي.
[ ٣ / ٢٤ ]
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الثالث: عن عائشة أم المؤمنين -﵂- قالت: "أول ما بدئ به -ﷺ- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح".
هذا الحديث ترويه عائشة -﵂- في قصةٍ حصلت قبل أن تولد، فيحتمل أنه من مراسيل الصحابة؛ لأن عائشة لم تدرك هذه القصة، ومراسيل الصحابة حجة كما تقدم عند جماهير أهل العلم خلافًا لأبي إسحاق الإسفرائيني، لكن الظاهر أن عائشة -﵂- سمعت ذلك من النبي -ﷺ-؛ لقولها فيه: قال: «فغطني» فيكون قولها: أول ما بدئ به حكاية ما تلفظ به النبي -ﷺ- وحينئذٍ فيكون الحديث موصولًا ولا يكون من المراسيل، ومناسبة الحديث لبدء الوحي ظاهرة جدًا: أول ما بدئ به، والباب باب بدء الوحي.
وقوله في إسناد الحديث عن البخاري عن عائشة أم المؤمنين، هذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [(٦) سورة الأحزاب] أي في الاحترام، وتحريم النكاح، لا في غير ذلك مما اختلف فيه، يعني من الخلوة والسفر ونكاح البنات، وما أشبه ذلك، قال ابن حجر: "وإنما قيل للواحدة: أم المؤمنين للتغليب، وإلا فلا مانع من أن يقال لها: أم المؤمنات على الراجح" يعني كما يقال: أمير المؤمنين أي والمؤمنات، وقال العيني: "وهل يقال عنهن: أمهات المؤمنين؟ فيه خلاف، والأصح أنه لا يقال، بناءً على الأصح أنهن لا يدخلن في خطاب الرجال، وجاء عن عائشة -﵂- أنها قالت: "أنا أم رجالكم لا أم نسائكم" وقال ابن كثير: "هذا أصح الوجهين" والخبر صححه الحافظ ابن كثير في تفسيره، والعيني في عمدة القاري.
[ ٣ / ٢٥ ]
وهل يقال للنبي -ﷺ-: أبو المؤمنين؟ فيه قولان لأهل العلم، قال العيني: "والأصح الجواز، نص عليه الشافعي وغيره" يعني في الحرمة، ومعنى قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [(٤٠) سورة الأحزاب] يعني لصلبه، وعن الأستاذ أبي إسحاق أنه لا يقال: أبونا، وإنما يقال: هو كأبينا، لما روي أنه -﵊- أنه قال: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم» والحديث مخرج في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجة، وهو حديث بطرقه حسن.
"أول ما بدئ" بضم الموحى وكسر الدال "من الوحي" من هذه تبعيضية، أي من أقسام الوحي، وقال القزاز: ليست الرؤيا من الوحي، فعلى هذا تكون (من) لبيان الجنس، يعني كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [(٣٠) سورة الحج] "الرؤيا" فعلى كحبلى مصدر رأى، وجمعها رؤى، والفعل رأى له مصادر تبعًا لمعانيه، تبعًا لمعاني الفعل، فتقول: رأى رؤيا، ورأى رؤيةً يعني ببصره، ورأى رأيًا يعني بعقله.
"الصالحة" وفي التعبير يعني في كتاب التعبير من صحيح البخاري: "الصادقة" وهي التي ليست فيها ضغث، "في النوم" ذكر هذا لمجرد زيادة الإيضاح والبيان؛ لأن الرؤيا لا تكون إلا في النوم، فهو تصريح لما هو مجرد توضيح، أو لدفع وهم من يتوهم أن الرؤيا تطلق على رؤية العين، فهي صفةٌ موضحة، أو لأن غيرها يسمى حلمًا، وكانت مدة الرؤيا ستة أشهر فيما حكاه البيهقي وغيره، وحينئذٍ يكون ابتداء النبوة بالرؤيا حصل في شهر ربيع، وهو شهر مولده -﵊-، وبهذا يعلم كونها جزءً من ستة وأربعين جزءً من النبوة، إذا كان مدة الرؤيا ستة أشهر، ومدة النبوة ثلاثٌ وعشرين سنة، الستة الأشهر نصف سنة، والثلاث والعشرين سنة ستة وأربعة نصف، فتكون الرؤيا جزءً من ستة وأربعين جزءً.
"فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" كرؤياه دخول المسجد الحرام، ووجه الشبه بين الرؤيا وفلق الصبح الوضوح، والفلق هو ضياء الصبح، و(مثل) نصب بمصدر محذوف أي إلا جاءت مجيئًا مثل فلق الصبح، أو نصبت على الحال والتقدير مشبهةً ضياء الصبح.
[ ٣ / ٢٦ ]
"ثم حبب إليه الخلاء" الخلاء بالمد مصدر بمعنى الخلوة، أي الاختلاء، وبني حبب بما لم يسم فاعله أي للمجهول لعدم تحقق الباعث على ذلك، وإن كان كلٌ من عند الله -﷾-، وحببت إليه الخلوة -﵊-؛ لأن معها يحصل فراغ القلب، والانقطاع عن الخلق؛ ليجد الوحي منه متمكنًا كما قيل:
. . . . . . . . . فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
لا شك أن القلب الخالي يقبل ما يجيئه لأول مرة، وفي ذلك تنبيهٌ على فضل العزلة؛ لأنها تريح القلب من أشغال الدنيا وتفرغه لله تعالى، والخلوة أن يخلو عن غيره بربه، والعزلة يأتي بيانُ حكمها، وتفصيل ذلك في شرح حديث: «يوشك خير مال المسلم غنمٌ يتبع بها شعف الجبال» من كتاب الإيمان -إن شاء الله تعالى-، ولأهمية هذا الموضوع وما جاء فيه من النصوص التي ظاهرها التعارض نقدم للتوفيق لمثل هذه النصوص بكلامٍ مختصر، ونترك التفصيل في مكانه.
العزلة محمودة، جاءت النصوص بمدحها، وجاءت النصوص أيضًا بمدح الخلطة، ومخالطة الناس، والصبر على أذاهم، وشهود الجمع والجماعات، وحضور محافل الناس، وتغيير ما يقع منهم، وتعليم الجاهل، وغير ذلك، فلا شك أن العزلة محمودة بالنسبة لبعض الناس، لا سيما من لا يستطيع أو ليست عنده القدرة على التغيير والتأثير، بل العكس إذا كان ممن يتأثر بغيره، فمثل هذا العزلة في حقه أفضل، بينما بعض الناس الذين لديهم القدرة على التأثير في غيرهم، وهم لا يتأثرون بغيرهم مثل هؤلاء يقال لهم: الخلطة في حقهم أفضل، الذي يستطيع أن يؤثر في الناس، ولا يتأثر هو، هذا يقال له: اختلط بالناس وانفعهم وعلمهم وأرشدهم وأمرهم وانههم، لكن الذي يتأثر ولا يستطيع التأثير مثل هذا يقال له: اعتزل.
[ ٣ / ٢٧ ]
"وكان يخلو بغار حراء" الغار هو النقب في الجبل، وحراء جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منى "فيتحنث فيه" بالحاء وآخره مثلثة، يعني ثاء، وهو التعبد، الضمير هو عائدٌ إلى مصدر يتحنث، يعني التحنث التعبد، وهو من الأفعال التي معناها السلب، أي اجتناب فاعلها لمصدرها، مثل (تأثم وتحوب) إذا اجتنب الإثم والحوب، أو هو بمعنى (يتحنف) بالفاء، أي يتبع الحنيفية ملة إبراهيم -﵇-، والفاء تبدل ثاءً، كما يقال في الأجداث: الأجداف، وقد وقع كذلك بالفاء في رواية ابن هشام في السيرة: (يتحنف) وتفسير (التحنث) مدرجٌ من تفسير الزهري أدرجه في الخبر، كما جزم به الطيبي، وإن لم يذكر دليله، نعم في رواية البخاري في كتاب التفسير في صحيحه ما يدل على الإدراج، حيث قال: قال والتحنث التعبد، يعني قال، والخبر مروي عن عائشة، يعني لو كان سياقه سياق الخبر، ما دام غير وقال: قال، ونسبه إلى مذكر فالإدراج يكون من غيرها.
المقدم: وهو ممن يا شيخ؟
من الزهري، الإدراج من الزهري.
"الليالي ذوات العدد" أي مع أيامهن اقتصر عليهن للتغليب، يعني اقتصر على الليالي دون الأيام للتغليب؛ لأنهن أنسب للخلوة، ووصف الليالي بذوات العدد لإرادة التقليل كما في قوله تعالى: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [(٢٠) سورة يوسف] أو للكثرة لاحتياجها للعدد وهو المناسب للمقام، وجاء تحديد المدة بشهر، روى الشيخان: «جاورت بحراء شهرًا» وعند ابن إسحاق أنه شهر رمضان، و(ذواتِ) بالكسر صفةً لليالي، أما ما يزعمه بعضهم من استحباب الخلوة
المقدم: عفوًا -يا دكتور- في بعض النسخ جاءت: (ذوات العُدد).
العُدد؟ لا لا، غير صحيح.
طالب:. . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٨ ]
لا لا، أبدًا غير صحيح؛ لأن الطبعة التي معك يا شيخ ناصر، الطبعة العامرة الطبعة التركية، وقد زعم طابعها أنه أخذها بحروفها من إرشاد الساري للقسطلاني، ونعلم جميعًا أن إرشاد الساري اهتم بألفاظ الصحيح، واعتنى به عنايةً فائقة، لكن هذه الطبعة مع كونها لا بأس بها في الجملة لكن فيها أخطاء، وفيها سقط بعض الأحاديث، فليست بأجود الطبعات للصحيح، وإن زعم طابعها أنه أخذها من إرشاد الساري بحروفها، فيها سقط أحاديث، وقفنا فيها على سقط أحاديث.
ولم يأتِ التصريح بكيفية تعبده -ﷺ-، فيحتمل أن عائشة -﵂- أطلقت على الخلوة بمجردها تعبدًا؛ لأن الانعزال عن الناس لا سيما من كان على باطل من جملة العبادة، فلا شك أن مفارقة العصاة عبادة، إذا قصد بهذه المفارقة مفارقة مشاهدة العصاة والمعاصي، بهذه النية تنقلب إلى عبادة، كما أن النوم للتخلص من بعض الأعمال المحرمة والمكروهة يكون عبادة، كما أنه يكون عبادة أيضًا إذا استعين به على طاعة الله -﷾-، وقيل: يتعبد بالتفكر.
"قبل أن ينزع إلى أهله" ينزع بفتح أوله وكسر الزاي، أي يحن ويشتاق ويرجع "ويتزودُ لذلك" برفع الدال، أي يتخذ الزاد للخلوة، "يتزود لذلك" برفع الدال، لماذا لم نعطفها على ينزع؟ يفسد المعنى، لو قلنا: قبل أن يتزود ما نفع؛ لأن العطف على نية تكرار العامل.
"ثم يرجع إلى خديجة" زوجه وهو تفسيرٌ للأهل السابق الذكر، "فيتزود لمثلها"، أي لمثل الليالي، وفي رجوعه -﵊- دليلٌ على أن الانقطاع الدائم عن الأهل ليس من السنة، "حتى جاء الحق" وهو الوحي، وفي التفسير "حتى فجئه الحق" أي بغته، "وهو في غار حراء فجاءه الملك" جبريل -﵇- في يوم الاثنين لسبعة عشرة ليلةً خلت من رمضان، وهو ابن أربعين سنة.
"فقال: اقرأ" هذا الأمر لمجرد التنبيه والتيقن بما سيلقى إليه؛ لأنه -﵊- أمي لا يقرأ ولا يكتب، فكيف يؤمر بالقراءة وهو أمي؟ "اقرأ" إنما أمر ليتنبه ويتيقظ لما سيلقى عليه، ويحتمل أن يكون على بابه من الطلب كما قال بعض الشراح، وأنه أُمر بالقراءة فعلًا، فيستدل به على تكليف ما لا يطاق في الحال، وإن قدر عليه بعد.
[ ٣ / ٢٩ ]
"قال -ﷺ-: «ما أنا بقارئ» وفي رواية: «قلت» هذه الرواية: «قلت» تؤيد أن عائشة سمعت الخبر من النبي -﵊-.
[ ٣ / ٣٠ ]
«ما أنا بقارئ» وفي رواية: «ما أحسن أن أقرأ» وفي رواية: «ماذا أقرأ؟»، قال -ﷺ-: «فأخذني» يعني جبريل -﵇-، «فغطني» أي ضمني وعصرني، وعند الطبري: «فغتني» بالتاء، والغت حبس النفس، «حتى بلغ مني الجهد» بفتح الجيم ونصب الدال، أي بلغ الغط مني غاية وسعي، وروي بالضم والرفع أي: بلغ مني الجُهدُ مبلغه، «ثم أرسلني» أي أطلقني، «فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني» وهكذا مرتين، ثم الثالثة (فغطني) الثالثة، وفائدة هذا الغط ليفرغه عن النظر إلى أمور الدنيا، ويقبل بكليته إلى ما يلقى إليه، وكرره للمبالغة، واستدل به بعضهم على أن المؤدِب لا يضرب المؤدَب أكثر من ثلاث ضربات، لكن هل هذا الغط للتأديب ليتم الاستدلال، أو هو لمجرد التنبيه والتوقف؟ للتنبيه وليس للتأديب، «ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [(١) سورة العلق] في هذا دليلٌ على أن أول ما نزل من القرآن هذه السورة سورة اقرأ، أو الخمس الآيات الأولى منها إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [(٥) سورة العلق] في الصحيحين في البخاري ومسلم عن يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل قبل؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [(١) سورة المدثر] فقلت: أو (اقرأ)؟ فقال: سألتُ جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: أو (اقرأ)؟ قال جابر: أحدثكم ما حدثنا رسول الله -ﷺ-: «جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيتُ جواري خبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرت أمامي فلم أرَ شيئًا، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني، وصبوا عليَّ ماءً باردًا، قال: فدثروني فصبوا علي ماءً باردًا، قال: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [(١ - ٣) سورة المدثر] استدل به يحيى بن أبي كثير وجابر على أن ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أول ما نزل من القرآن، وحديث الباب صريحٌ على أن أول ما نزل (اقرأ).
[ ٣ / ٣١ ]
يقول النووي في شرح مسلم: "قوله: إن أول ما أنزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [(١) سورة المدثر] ضعيف، بل باطل" أقول: هذه العبارة وإن صدرت من النووي إلا أنه لكونه القائل صحابي لا تليق؛ لأن هذا فهم الصحابي، هو ثابت إلى الصحابي وهو في الصحيحين، لكن هذا فهمه، تقول: باطل وهو قول صحابي؟ نعم قولٌ مرجوح، والراجح غيره، هذا فهمه.
ثم استدل النووي على ما ذهب إليه حيث قال: والصواب أنه أول ما نزل على الإطلاق ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [(١) سورة العلق] كما صرح به في حديث عائشة -﵂-، وأما ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [(١) سورة المدثر] فكان نزولها بعد فترة الوحي، كما صرح به في رواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر، والدلالة صريحة فيه في مواضع منها: قوله: وهو يحدث عن فترة الوحي إلى أن قال: فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ عن فترة الوحي، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [(١) سورة المدثر] دليلٌ على أن هناك وحي قبل ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ومنها: قوله -ﷺ-: «فإذا الملك الذي جاءني بحراء، ثم قال: فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فدل على أن الملك جاءه قبل ذلك بحراء، ومنها قوله: ثم تتابع الوحي يعني بعد فترته، كل هذه أدلة على أن أول ما نزل من القرآن (اقرأ) وإن فهم الصحابي أن أول ما نزل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يقول الطيبي: في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [(١) سورة العلق] يقول: هذا أمرٌ بإيجاد القراءة مطلقًا، وهو لا يختص بمقروءٍ دون مقروء، فقوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أي قل: بسم الله الرحمن الرحيم، فهذا يدل على أن البسملة مأمورٌ بها بابتداء كل قراءة.
[ ٣ / ٣٢ ]
وقوله: ﴿رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [(١) سورة العلق] وصفٌ مناسبٌ مشعر بعلية الحكم بالقراءة، والإطلاق في قوله: ﴿خَلَقَ﴾ أولًا: على منوال يعطي ويمنع، وجعله توطئةً لقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [(٢) سورة العلق] قال السهيلي: "لما قال ثلاثًا: ما أنا بقارئ، قيل له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أي لا تقرأ بقوتك، ولا بمعرفتك، لكن بحولِ ربك وإعانته، فهو يعلمك كما خلقك، ولما نزع عنك علق الدم ومغمز الشيطان في الصغر، وعلم أمتك حتى صارت تكتب بالقلم، بعد أن كانت أمية" وفي قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ إشارة إلى أن الإنسان أشرف المخلوقات، ثم الامتنان بقوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ﴾ [(٥) سورة العلق] يدل على أن العلم أجل النعم، ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [(٣) سورة العلق] أي الزائد في الكرم على كل كريم.
المقدم: وبالنسبة لما ذكرتم عن جابر -﵁- في ترجيحه تقديم ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يقول: هو يرويه عن النبي -﵊-، يقول: أحدثكم بما سمعت عن النبي -ﷺ-، بناءً على سماعه فقط نحن رددنا قوله بناءً على الفهم، وإلا لم يصرح النبي -﵊- في أن أول ما بدئ به الوحي عليه بـ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.
النبي -﵊- لم يصرح بذلك، وإنما فهم جابر -﵁- أن أول ما نزل عليه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يقول: أحدثكم ما حدثنا رسول الله -ﷺ- قال: «جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت» الآن سورة اقرأ نزلت في الجوار نفسه أو بعد الجوار؟ في الجوار بالغار، فدل على أن بعد الجوار نزلت سورة ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ بينما اقرأ في وقت الجوار «فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا » إلى آخره، فقلت: «دثروني دثروني» إلى أن قال: «فنزلت يا أيها المدثر».
المقدم: هنا بقي شهر كما بالنص قبل قليل، ونحن نقول: أنه ابتدأ -﵊- بالتحنث لمدة تقرب من ستة أشهر، أو هذه فقط كانت بدايتها في الرؤيا الصالحة؟
الرؤيا مدة الرؤيا ستة أشهر.
المقدم: والتحنث كان شهر؟
كان شهر نعم.
[ ٣ / ٣٣ ]
المقدم: أحسن الله إليكم أخيرًا بالنسبة لسورة (اقرأ) بعضهم يقول: (اقرأ) وبعضهم يقول: (العلق) فيها تسمية ثابتة؟
السورة قد تسمى بأبرز ما فيها، وقد تسمى بأول لفظٍ منها، والأدلة على ذلك من سور القرآن كثيرة، كما يقال: الفاتحة والحمد، وهكذا.
وقفنا على قولها: "فرجع بها" أي بالآيات أو بالقصة، والفاعل رسول الله -ﷺ-، "يرجف" يخفق ويضطرب، "فؤاده" الفؤاد: هو القلب، أو باطن القلب، أو غشاء القلب، على خلافٍ في ذلك بين الشراح، لما فجأه من الأمر المخالف للعادة والمألوف، فنفر طبعه البشري وهاله ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحالة؛ لأن النبوة لا تزيل طباع البشر كلها، "فدخل -ﷺ- على خديجة بنت خويلد" أم المؤمنين -﵂- التي ألف تأنيسها له فأعلمها بما وقع له، وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، تزوجها رسول الله -ﷺ- وهو ابن خمسٍ وعشرين سنة، وهي أم أولاده كلهم، خلا إبراهيم فمن مارية القبطية، ولم يتزوج قبلها ولا عليها حتى ماتت -﵂-، توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين على الأصح، فأقامت أربعًا وعشرين سنة وأشهر، وهي أول من آمن من النساء اتفاقًا، بل أول من آمن مطلقًا على قول.
فقال: -ﷺ-: «زملوني زملوني» بكسر الميم من التزميل وهو التلفيف، وقال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر، والعادة جارية بسكون الرعدة بالتلفلف، "فزملوه -أي لفوه- حتى ذهب عنه الروع" أي الفزع، "فقال -ﷺ- لخديجة وأخبرها الخبر" جملة حالية، «لقد» اللام واقعة في جواب قسم مقدر تقديره: والله لقد «خشيت على نفسي» واختلف في سبب الخشية، هل خشي من الموت من شدة الرعب؟ أو خشي من المرض؟ أو خشي أن يفقد عقله -﵊-؟ أو خشي أن لا يطيق حمل أعباء الوحي أو غير ذلك؟ ذكر الحافظ ابن حجر في المراد بالخشية ذكر أن العلماء اختلفوا في المراد بالخشية على اثني عشر قولًا.
[ ٣ / ٣٤ ]
"فقالت خديجة: كلا" نفيٌ وإبعاد، أي لا خوفٌ عليك، وفي التهذيب للأزهري: قال الأخفش: معنى كلا الردع والزجر، وهو مذهب الخليل، وإليه ذهب الزجاج في جميع القرآن، وقال ابن الأنباري: قال المفسرون معنى كلا حقًا.
"والله ما يخزيك الله أبدًا" يخزيك من الخزي، أي ما يفضحك الله، وفي رواية الكشميهني: "ما يحزنك" بفتح أوله والحاء المهملة "يُحزنك" أو بضم الياء وكسر الزاي من الحزن من الثلاثي أو الرباعي.
المقدم: عفوًا، فضيلة الدكتور الكشميهني يتكرر كثيرًا، هو له علاقة بصحيح البخاري؟
نعم، أحد الرواة المشهورين، بل من أشهر الرواة على ما قال عنه الشراح، لا سيما ابن حجر ذكره في مواضع أنه ليس من الحفاظ بل هو مجرد راوية، لكنه راويةً من أتقن الرواة، وإن كان ليس أتقنهم، بل في بعض رواياته شيءٌ من الاستدراك، لكنه من أتقن الرواة؛ لأن ابن حجر ثلاث مرات يذكره، ويذكر أن بعض الشراح يغمزه، لكن مع ذلك هو متقن في الجملة، وإن كان عليه بعض الملاحظات.
"والله ما يخزيك الله أبدًا" ثم ذكرت العلة والسبب على ما أقسمت عليه "إنك لتصل الرحم" أي القرابة، "وتحمل الكل" الذي لا يستقل بأمره، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ﴾ [(٧٦) سورة النحل].
"وتكسب المعدوم" أي تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، و(كسب) يتعدَ بنفسه إلى واحد، نحو كسبتُ المال، وإلى اثنين نحو كسبتُ غيري المال، وهذا منه، وتكسب بفتح التاء، وللكشميهني تُكسب بضم أوله من أكسب أي تُكسب غيرك المال المعدوم، أي تتبرع به، والرواية الأولى أصح كما قال القاضي عياض.
قال الخطابي: "الصواب المعدم، بلا واو أي الفقير" لأن المعدوم لا يُكسب، المعدوم معدوم أي مفقود كيف يكسب؟ وأجيب بأنه لا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم؛ لكونه كالمعدوم الميت الذي لا تصرف له، وفي تهذيب اللغة للأزهري وهو بالمناسبة كتابٌ من أنفس كتب اللغة وأهمها وأعلاها، قال ابن الأعرابي: "رجلٌ عديمٌ لا عقل له، ورجلٌ معدم لا مال له" وقال غيره: فلانٌ يكسب المعدوم إذا كان مجدودًا ينال ما يُحرمه غيره.
[ ٣ / ٣٥ ]
"وتقري الضيف" بفتح أوله بلا همز، وقال الأوبي: "وسمع بضمها رباعيًا" أي تهيئ له طعامه ونزله "وتعين على نوائب الحق" أي حوادثه، وفي هذا إشارة إلى فضل خديجة وجزالة رأيها، وإجابته بكلامٍ فيه قسم وتأكيد بإن واللام لتزيل حيرته ودهشته، واستدلت على ما أقسمت عليه بأمر استقرائي جامعٍ لأصول مكارم الأخلاق، وفيه: دليلٌ على أن من طبع على أفعال الخير لا يصيبه ضير، لا شك أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وهذا منها. خديجة -﵂- استدلت بأمرٍ استقرائي وجزمت بذلك وأقسمت عليه، وهذا لا شك أنه من جزالة رأيها، وتمام عقلها.
"فانطلقت -أي مضت- به خديجة -مصاحبة له- حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة" بنصب ابن الأخيرة بدلًا من ورقة أو صفة، ولا يجوز جره؛ لأنه يصير صفةً لعبد العزى وليس كذلك، ويكتب بالألف، ولا تحذف؛ لأنه لم يقع بين علمين متوالدين، كما يقال: عبد الله بن أبي ابن سلول، عبد الله بن مالك ابن بحينة وهكذا، ويجتمع ورقة مع خديجة في أسد؛ لأنها بنت خويلد بنت أسد.
[ ٣ / ٣٦ ]
"وكان امرئً قد -ترك عبادة الأوثان- وتنصر في الجاهلية" أي اعتنق النصرانية قبل بعثة النبي -ﷺ-، وذلك أنه خرج هو وزيد بن عمرو ابن نفيل لما كره طريق الجاهلية إلى الشام وغيرها يسألان عن الدين، فأعجب ورقة النصرانية للقيه من لم يبدل شريعة عيسى -﵊-؛ لأنه لقي من النصارى من لم يبدل فأعجب بدينهم، وأما زيد بن عمرو بن نفيل فذكر البخاري في صحيحه في كتاب المناقب عن ابن عمر أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين، فلقي عالمًا من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إني لعلي أن أدين بدينكم، فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال: زيد ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا، وأنَّى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفًا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دينُ إبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا يعبد إلا الله، فخرج زيدٌ فلقي عالمًا من النصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئًا أبدًا، وأنَّى أستطيع ذلك؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفًا، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم -﵇- خرج فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم. وفيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: رأيتُ زيد بن عمرو بن نفيل قائمًا مسندًا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري.
"وكان -ورقة أيضًا- يكتب الكتاب العبراني" أي الكتابة العبرانية، وفي روايةٍ في الصحيحين: "الكتاب العربي" "فيكتب من الإنجيل -بالعبرانية- ما شاء الله أن يكتب" والعبرانية بكسر العين فيهما نسبة إلى العِبر بكسر العين وإسكان الموحدة، وزيدت الألف والنون في النسبة على غير قياس، قيل: سميت بذلك لأن الخليل -﵇- تكلم بها لما عبر الفرات فارًا من نمرود، وقيل: إن التوراة عبرانية والإنجيل سرياني، وكتابته الإنجيل باللغة العبرانية لتمكنه في دين النصارى، ومعرفته بكتابهم، وصحح ابن حجر كونه يكتب بالعبرانية والعربية؛ لأن ورقة تعلم اللسان العبراني والكتابة العبرانية، فكان يكتب الكتاب العبراني كما كان يكتب الكتاب العربي.
[ ٣ / ٣٧ ]