التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - شرح أحاديث كتاب بدء الوحي (٢)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
[ ٤ / ١ ]
وصحح ابن حجر كونه يكتب بالعبرانية والعربية؛ لأن ورقة تعلم اللسان العبراني والكتابة العبرانية، فكان يكتب الكتاب العبراني كما كان يكتب الكتاب العربي، وقد جاءت الرواية بهما لتمكنه من الكتابين واللسانين، وبهذا يعرف بطلان من يزعم أن القرآن عبارة عن كلام الله، وكلام الله واحد، إن كان بالعربية كان قرآنًا، وإن كان بالعبرانية كان إنجيلًا، وإن كان بالسريانية كان توراةً، نعم إن كان بالعربية كان قرآنًا، وإن كان بالعبرية أو العبرانية كان توراةً، وبالسريانية كان إنجيلًا؛ لأنه لو قلنا بهذا لقلنا: أن ورقة ما استفاد، ما استفاد شيئًا من الدين الجديد، نعم؛ لأنه مجرد ما يترجمه من لغة إلى لغة يصير على ما أراد، إن ترجمه بالعربية صار هو القرآن نفسه، مع العلم بأنه قرأ التوراة والإنجيل وترجمهما إلى العربية وإلى لغةٍ أخرى، إما السريانية وإما العبرانية قبل نزول القرآن، حقيقةً مثل هذا الكلام لا يدعمه لا عقل ولا نقل، ولا يؤيده رأي ولا دليل، وإنما وصف بكتابة الإنجيل دون حفظه؛ لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن متيسرًا كتيسر حفظ القرآن الذي خصت به هذه الأمة، لذا جاء في صفتها: "أناجيلها في صدورها"، وكان ورقة شيخًا كبيرًا قد عمي، "فقالت خديجة -﵂-: يا ابن عم"، هذا النداء على حقيقته؛ لأنه بمنزلتها وفي مرتبتها في النسب، ووقع في مسلم: "يا عم"، وهو وهم؛ لأنه وإن كان صحيحًا لجواز إرادة التوقير لكن القصة واحدة، لم يتعدد مخرجها، بل مخرجها متحد فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين، فيتعين الحمل على الحقيقة، وإنما صحح وجوز ذلك في العربي والعبراني، قد يقول قائل: لماذا منعنا يا عم، وقلنا: أن مخرج القصة واحد، وقلنا: يكتب الكتاب العبراني، وفي رواية العربي وصححنا اللفظين، وإنما صحح وجوز ذلك في العربي والعبراني لأنه من كلام الراوي، الراوي هو الذي تحدث عن ورقة بأنه يكتب الكتاب العربي والعبراني؛ لأنه من كلام الراوي في وصف ورقة، واختلفت المخارج فأمكن التعداد، وهذا الحكم يضطرد في جميع ما أشبهه، اللفظ المنسوب إلى مصدره إذا لم يتعدد مخرجه فإنه يرجح بين ألفاظه ولا يجوز الاحتمال، ولا يصوغ تجويز أكثر من احتمال، بينما إذا
[ ٤ / ٢ ]
تعددت المخارج جاز وصححت جميع الألفاظ، أمكن تصحيح جميع الألفاظ، وصححت الاحتمالات، "اسمع من ابن أخيك" –تعني النبي -ﷺ-؛ لأن والده عبد الله بن عبد المطلب وورقة في عدد النسب إلى قصي بن كلاب الذي يجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحيثية في درجة إخوته، أو قالته على سبيل التوقير لسنه، "فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله -ﷺ- خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس"، بالنون والسين المهملة، وهو صاحب السر، وقال ابن دريد هو صاحب سر الوحي، والمراد بن جبريل -﵇-، وأهل الكتاب يسمونه الناموس الأكبر، وزعم بعضهم أن الناموس صاحب سر الخير والجاسوس صاحب سر الشر، "الذي نزل الله على موسى"، وفي رواية: أنزل الله، وفي رواية: أُنزل، فإن قيل: لمَ قال ورقة: موسى ولم يقل عيسى؟ مع كونه نصرانيًا، أجيب بأن كتاب موسى مشتمل على أكثر الأحكام، وكذلك كتاب نبينا -﵊-، بخلاف عيسى فإنه كتاب أمثال ومواعظ، وفي رواية الزبير بن بكار بلفظ: عيسى، "يا ليتني فيها جذعًا"، يا: نداء، والتقدير: يا محمد، ليتني فيها أي في مدة النبوة أو الدعوة، جذعًا بفتح الجيم المعجمة وبالنصب خبر كان مقدرة عند الكوفيين، يعني يا ليتني أكون فيها جذعًا أو على الحال.
من قال: أن قول ورقة هذا لأن عيسى شريعته ليست مستقلة وإنما تبعًا لموسى هل هذا القول صحيح؟
[ ٤ / ٣ ]
نعم، هي مكملة لشريعة موسى، الأحكام تؤخذ من التوراة والمواعظ والأمثال من الإنجيل كما هو معروف، يقول: "يا ليتني فيها جذعًا"، يا: نداء، والتقدير: يا محمد ليتني فيها: أي في مدة النبوة أو الدعوة، (جذعًا) بفتح الجيم المعجمة وبالنصب خبر كان مقدرة عند الكوفيين، أو على الحال من الضمير المستكن في خبر ليت، وخبر ليت متعلق وجار ومجرور كائن فيها حال الشبيبة والقدرة والقوة لأنصرك، "ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك" من مكة، واستعمل إذ في المستقبل كإذا على حد قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [(٣٩) سورة مريم] لتحقق الوقوع، فنزل منزلته، فإن قيل: كيف تمنى ورقة مستحيلًا وهو عود الشباب؟ أجيب بأنه يجوز تمني المستحيل إذا كان في فعل خير، كما تمنى النبي -ﷺ- الشهادة مرارًا، فقال رسول الله -ﷺ-: "أوَ –بفتح الواو- مخرجي هم" بتشديد الياء مفتوحة، لأن أصله مخرجوني جمع مخرج من الإخراج فحذفت نون الجمع للإضافة إلى ياء المتكلم، وهم مبتدأ الخبر، هم مخرجي مقدمًا ولا يجوز عكسه؛ لأنه يلزم منه الإخبار بالمعرفة عن النكرة؛ لأن إضافة مخرجي لفظية، والهمزة للاستفهام الإنكاري؛ لأنه استعبد إخراجه عن الوطن من غير سببٍ يقتضي ذلك، قال ورقة: "نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به من الوحي إلا عودي"؛ لأن الإخراج عن المألوف موجب لذلك؛ لأن الناس أعداء لما يجهلون، فإذا أخرجتهم من المألوف من عوائدهم من طبائعهم عادوك، "وإن يدركني -بالجزم بإن الشرطية- يومك" بالرفع فاعل، أي يوم انتشار نبوتك، "أنصرك -بالجزم جواب الشرط- نصرًا -مصدر مؤزرًا" أي قويًا بالغًا، وظاهر هذا أنه أقر بنبوة محمد -ﷺ-، ولكنه مات قبل الدعوة إلى الإسلام، فيكون مثل بحيرى الراهب، وفي إثبات الصحبة له نظر، وقد ذكره بعضهم في الصحابة كابن مندة، "ثم لم ينشب -أي يلبث- ورقة -فاعل- أن توفي" أي لم تتأخر وفاته عن هذه القصة، واختلف في وقت وفاته، فالحديث دليل على أنه مات بمكة بعد المبعث بقليل، وقال بعضهم: أنه خرج إلى الشام وتأخرت وفاته ولكن هذا ضعيف، "وفتر الوحي" أي احتبس ثلاث سنين، كما جزم به ابن
[ ٤ / ٤ ]
إسحاق، وفي بعض الأحاديث أنه قدر سنتين ونصف.
وزاد معمر عن الزهري في كتاب التعبير من الصحيح: "حتى حزن رسول الله -ﷺ- فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل كي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك".
قال ابن حجر: "وهذا من بلاغات الزهري، وليس موصولًا"، قال الكرماني: "هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور"، وهذا مجرد احتمال أبداه الكرماني، والاحتمالات العقلية كما قرر ذلك الحافظ ابن حجر في رده على الكرماني في مواضع، الكرماني يجوز إذا كان التجويز العقلي عنده سائغ حمل الحديث عليه أحيانًا بمجرد التجويز العقلي، الحافظ ابن حجر -﵀- يقول: "الاحتمالات العقلية التي لا تستند إلى دليل لا دخل لها في هذا العلم البتة"، في علم الحديث؛ لأن الكرماني يقول: "هذا هو الظاهر ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور"، التجويز العقلي عند الكرماني مستمر، فإذا جاز عنده الاحتمال عقلًا مشاه عليه، لكن الحافظ -﵀- رد عليه في مواضع، وقال: "إن الاحتمالات العقلية المجردة التي لا يسندها دليل من روايةٍ ثابتة فإن هذا الاحتمال لا قيمة له".
الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- ترجم على حديث عائشة -﵂- ببدء الوحي بتراجم عديدة حسب وروده في كتابه، حيث أخرجه في سبعة مواضع، الأول: في بدء الوحي، حيث قال -﵀-: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهابٍ عن عروة بن الزبير عن عائشة، ومناسبة الحديث للترجمة ظاهرة كما تقدم.
الموضع الثاني: في كتاب أحاديث الأنبياء باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ [(٥١) سورة مريم] فقال: عن عبد الله بن يوسف قال: حدثنا الليث قال: حدثني عقيل عن ابن شهاب، سمعت عروة قال: قالت عائشة -﵂- فذكره مختصرًا.
[ ٤ / ٥ ]
ومناسبته: قوله "هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى"، الشاهد من الحديث قوله: "هذا الناموس"، قول ورقة: "هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى"، ومناسبته للترجمة ظاهرة؛ لأنه قال: باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾ وفي الحديث: "هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى"، فذكر موسى في الحديث يوافق أو يطابق ما جاء في الترجمة.
الموضع الثالث: في كتاب التفسير، باب بدون ترجمة، قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، وحدثني سعيد بن مروان، قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، قال: أخبرنا أبو صالح سلمويه، قال: حدثني عبد الله عن يونس بن يزيد قال: أخبرني ابن شهاب أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة، وإيراده في تفسير سورة اقرأ ظاهر المناسبة، والباب بلا ترجمة كما هنا قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "الباب إذا لم تذكر له ترجمة خاصة يكون بمنزلة الفصل مما قبله، مع تعلقه به كصنيع مصنفي الفقهاء".
الموضع الرابع: في كتاب التفسير أيضًا: باب قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [(٢) سورة العلق] قال: حدثنا ابن بكير، قال: حدثنا الليث عن عقيل فذكره مختصرًا، ومناسبته ظاهرة حيث ذكرت الآية في الحديث.
وفي الموضع الخامس في كتاب التفسير باب قوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [(٣) سورة العلق] قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا عبد الرازق أخبرنا معمر عن الزهري ح، وقال: الليث حدثني عقيل قال محمد: أخبرني عروة عن عائشة مختصرًا، ومناسبته ظاهرة حيث ذكرت الآية في الحديث.
ويحسن أن ننبه أن هذه الحاء المهملة التي توجد في الأسانيد لا سيما عند مسلم كثيرًا، وهي قليلة عند الإمام البخاري، يراد بها التحويل من إسنادٍ إلى آخر، ويستفاد منها اختصار الأسانيد؛ لأنها قد تعرض لطالب العلم المبتدي، مثل هذه الحاء فتشكل عليه.
[ ٤ / ٦ ]
الموضع السادس: في كتاب التفسير أيضًا، باب: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [(٤) سورة العلق] قال: حدثني عبد الله بن يوسف، قال: حدثني الليث عن عقيل مختصرًا، ومناسبته كسابقيه، ولم يذكر الآية المترجم بها هنا، في الحديث لما ذكره مختصرًا، لم يذكر الآية التي ترجم بها، وقد أشار بها إلى ما جاء في الحديث بتمامه.
الموضع السابع: في كتاب التعبير، باب: (أول ما بدء به رسول الله -ﷺ- من الوحي الرؤية الصادقة) قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب ح، وحدثني عبد الله بن محمد قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر قال: الزهري، فذكره مطولًا، ومناسبته للترجمة ظاهرة، التعبير، تعبير الرؤيا، (كتاب التعبير) يعني تعبير الرؤيا، ومناسبة الحديث، حيث ذكر في أول ما بدء به رسول الله -ﷺ- الرؤيا، الرؤيا الصالحة، وفي رواية: (الصادقة) هذا ما يتعلق بتراجم الحديث، ويبين لنا ويتضح لنا أن الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- يخرج الحديث في مواضع متعددة تبعًا لما لدلالته المتعددة وأجزائه.
المقدم: عفوًا يا شيخ، نحن أشرنا في حلقات ماضية إلى أن المصنف لهذا الكتاب أو حتى الذي قام بخدمته علي حسن، وضع الأطراف هنا، الأحاديث وفقًا للترقيم الموجود في الأصل؛ لأن لما يرجع المستمع مثلًا، والمتابع مع فضيلتكم الآن يجد في آخر الحديث أطرافه ثلاثة آلاف وثلاثمائة واثنين وتسعين، أربعة آلاف وتسعمائة وثلاثة وخمسين وهكذا، هذه الأطراف غير موجودة في هذا الكتاب؛ لأن الحديث مرّ، وقد أشرتم أنه إذا مرّ لا يكرره مرةً أخرى، فبالتالي هذه الأطراف يرجع بها إلى الأصل؟
إلى الأصل الصحيح ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
المقدم: أحسن الله إليكم، نستمر في الحديث الذي يليه؟
[ ٤ / ٧ ]
قال -﵀- عن جابر بن عبد الله الأنصاري -﵄- وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [(١ - ٥) سورة المدثر] فحمي الوحي وتتابع.
الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- قال في صحيحه: قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: وهو يحدث عن فترة الوحي فذكر الحديث، قال: ابن شهاب، الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- لم يدرك ابن شهاب، فهل هذا من المعلقات؟ ولماذا جاء بالواو؟ قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة، يقول ابن حجر: "إنما أتى بحرف العطف ليعلم أنه معطوف على ما سبق؛ كأنه قال: أخبرني عروة بكذا، وأخبرني أبو سلمة بكذا، يعني قال ابن شهاب: أخبرني عروة بكذا، وأخبرني أبو سلمة بكذا، فعلى هذا يكون هذا الحديث بالإسناد السابق فلا يعد من المعلقات"، يقول القسطلاني -﵀-: مقول القول لا يكون
بالواو، وحينئذٍ فليس هذا من التعاليق، ولو كانت صورته صورته"، صورة المعلق، خلافًا للكرماني حيث أثبته منها وقد خطأه ابن حجر في الفتح.
مناسبة الحديث في بدء الوحي ظاهرة لظهور علاقته بالحديث الذي قبله وهو يحدث عن فترة الوحي، يقول: وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: «بينا أنا أمشي » الخ، فعلاقته ببدء الوحي ظاهرة جدًا، وجابر بن عبد الله راوي الحديث، جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري الخزرجي، المتوفى سنة ثمانٍ وسبعين، وهو آخر الصحابة موتًا بالمدينة، وله في الصحيح تسعون حديثًا.
[ ٤ / ٨ ]
يقول: "وهو يحدث عن فترة الوحي"، أي احتباسه والجملة حالية، "فقال في حديثه: «بينا» "، بالألف، أصله: بين، فأشبعت فتحة النون فصارت ألفًا، وهي ظرف زمان مكفوف بالألف عن الإضافة للمفرد، «أنا أمشي» وجواب (بين) قوله: «إذ سمعت صوتًا من السماء» أي في أثناء أوقات المشي فاجأني السماع، «فرفعت بصري فإذا الملك –جبريل -﵇- الذي جاءني بحراء جالس» خبر عن الملك الذي هو مبتدأ، ويجوز نصب جالسًا على الحال، «على كرسي» بضم الكاف، وقد تكسر، وجمعه: كراسي، قال الماوردي في تفسيره: "أصل الكرسي: العلم، ومنه قيل لصحيفة يكون فيها علم: كراسة"، وقال الزمخشري: "الكرسي ما يجلس عليه، ولا يفضل عن مقعد القاعد"، يعني قد يكون الأصل –أصل الكلمة- في العلم، ثم الاستعمال خصصها بما يجلس عليه، فتكون حقيقته العرفية ما يجلس عليه، «بين السماء والأرض» ظرف في محل جر صفة لكرسي، «فرعبت منه» بضم الراء وكسر العين المهملة مبني لما لم يسمّ فاعله أي فزعت، «فرجعت» أي إلى أهلي بسبب الرعب، «فقلت لهم: زملوني زملوني» بالتكرار، وفي رواية كريمة مرة واحدة، ولمسلم كالمؤلف في التفسير، يعني الإمام البخاري -﵀- خرج الحديث في كتاب التفسير وخرجه أيضًا مسلم من رواية يونس: «دثروني» بدل «زملوني» قال الزركشي: "وهو أنسب لماذا؟ لقوله: «فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [(١) سورة المدثر] لأن المناسب لقوله: «زملوني زملوني» ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [(١) سورة المزمل] أما «دثروني دثروني» المناسب له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إيناسًا له وتلطفًا، والتدثير والتزميل بمعنىً واحد، والمعنى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ بثيابه، وعن عكرمة: أي المدثر بالنبوة وأعبائها، ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [(٢) سورة المدثر] حذر من العذاب من لم يؤمن بك، وفيه دلالة على أنه أمر بالإنذار عقب نزول الوحي للإتيان بفاء التعقيب، واقتصر على الإنذار؛ لأن التبشير إنما يكون لمن دخل في الإسلام، ولم يكن إذ ذاك من دخل فيه، يعني إلا القليل مثل خديجة، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [(٣) سورة المدثر] أي عظمه، ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [(٤) سورة
[ ٤ / ٩ ]
المدثر] أي من النجاسة، وقيل: المراد بالثياب النفس وتطهيرها اجتناب النقائص، ﴿وَالرُّجْزَ﴾ [(٥) سورة المدثر] الأوثان كما جاء في التفسير من تفسير الراوي، تفسير يعني من صحيح البخاري فسره الراوي بأنها الأوثان، وسميت رجزًا لأنها سبب للرجز والرجز هو العذاب، والأوثان جمع وثن وهو ما له جثة من خشبٍ أو حجرٍ أو فضةٍ أو جوهر، وكانت العرب تنصبها وتعبدها، قاله العيني.
﴿فَاهْجُرْ﴾ [(٥) سورة المدثر] أي اترك، يقول بعد ذلك: "فحمي الوحي وتتابع" حمي: أي بعد نزول هذه الآيات كثر نزول الوحي وتتابع، وللكشمهني: وتواتر، بدل وتتابع، والتواتر: هو التتابع، ولم يكتف بحمي؛ لأنه لا يستلزم الاستمرار والدوام والتواتر، والتواتر: مجيء الشيء يتلو بعضه بعضًا من غير تخللٍ، تقول: تواتر الإبل والقطا إذا جاءت متتابعة، ولم تأتِ دفعةً واحدة.
هنا يقول البخاري -رحمه الله تعالى- وهذا من باب الفائدة: يقول بعد رواية الحديث: "تابعه عبد الله بن يوسف، وأبو صالح، وتابعه هلال بن رداد عن الزهري" أي تابع يحيى بن بكير شيخ المؤلف عن الليث بن سعد عبد الله بن يوسف، "وكذا تابعه أبو صالح كاتب الليث عن الليث، وتابع عقيل بن خالد شيخ الليث هلال بن رداد عن الزهري"، والمتابعة موافقة الراوي في الرواية عن شيخه أو شيخ شيخه، وتسمى الأولى متابعة تامة، كمتابعة عبد الله بن يوسف وأبي صالح ليحيى بن بكير في الراوية عن الليث، وتسمى الثانية متابعة قاصرة، كمتابعة هلال بن رداد لعقيل بن خالد في الراوية عن الزهرية.
والمتابعات إنما تكون مع اتحاد الصحابي، وإذا جاء الحديث عن صحابي آخر فهو الشاهد، وقيل: المتابع ما جاء من طريقٍ آخر باللفظ بغض النظر عن اتحاد الصحابي واختلافه، والشاهد ما جاء بالمعنى سواء اتحد الصحابي أو اختلف.
[ ٤ / ١٠ ]
وعلى كل حال الخطب سهل، سواء سمي متابعة أو شاهد الأمر لا يختلف؛ لأن المقصود منهما التقوية، لكن الذي استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين أن المتابع ما اتحد به الصحابي، والشاهد ما اختلف الصحابي، والاعتبار طريق التوصل والبحث عن وجود المتابعات والشواهد؛ لأنه يذكر العنوان في كتب علوم الحديث: (الاعتبار والمتابعات والشواهد) فيظن القاري أنه قسيم للمتابعات والشواهد، وهو في الحقيقة ليس بقسيم، وإنما هو هيئة التوصل إلى المتابعات والشواهد.
يقول النووي في شرحه على البخاري، النووي -رحمه الله تعالى- شرح قطعة من أوائل الصحيح، بدء الوحي والإيمان فقط، يقول: "طريقك في معرفة مثل هذا -أي معرفة المتابع- أن تنظر طبقة المتابِع -بكسر الباء- فتجعله متابعًا لمن هو في طبقته بحيث يكون صالحًا لذلك".
المقدم: كما تلاحظون في الكتاب -أحسن الله إليكم- وضع علامة ثم في أسفل الهامش وضع حرف الزاي ثم واحد ثم خمسة ثم ساق الحديث باختلافٍ بسيط جدًا مثل «رفعت بصري» بدل: «رفعت رأسي» وزيادة: «زملوني زملوني» مرتين وإلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [(٥) سورة المدثر] ثم قال: وروايات أخرى في تفسير سورة المدثر مسندةً ومتصلة، فترك الزبيدي كلها، ثم ذكر الأطراف مرةً أخرى ما سبب الإيراد في هذا الوضع؟
هذا اعتبره صاحب الزوائد وهو عمر ضياء الدين الداغستاني من الزوائد، وهو في الحقيقة ليس من الزوائد، هذا لا يرد على الزبيدي؛ لأن الحديث يكاد يكون بحروفه، أما الزيادات اليسيرة التي لا يترتب عليها تأثير في حكم ولا تخل بمعنى فإنه لا يلتفت إليها، وإلا لو أراد أن يأتي بجميع الألفاظ التي في صحيح البخاري ما صار مختصرًا بالمعنى الذي يرمي إليه المؤلف من أجل أن يحفظه طلاب العلم، فالاهتمام بمثل هذه الزوائد اليسيرة جدًا لا تعني المختصِر، ولذا لم يورده.
[ ٤ / ١١ ]
وحقيقةً أنا عندي للمذكور هذا عمر ضياء الدين الداغستاني، معي الآن كتابان متعلقان بصحيح البخاري، أولهما: كتاب أسماه: (كتاب سنن الأقوال النبوية من الأحاديث البخارية) هذا مطبوع في اسطنبول سنة (١٣٠٨هـ) والكتاب مختصر للصحيح، جرده من الأسانيد؛ لكن فيه من الأحاديث ضعف ما في مختصر الزبيدي، فيه من الأحاديث أربعة آلاف وخمسمائة وواحد وأربعين، على صغر حجمه فيه هذا العدد من الأحاديث، وهو مقتصر على الأحاديث القولية، والكتاب الثاني لعمر ضياء الدين المذكور كتاب اسمه: (زبدة البخاري) وهذا كتاب مختصر جدًا، فيه من الأحاديث ألف وخمسمائة وأربعة وعشرين، وهو مختصر بالنسبة لسابقه، فهذا زبدة سماه (زبدة البخاري) وأما الزوائد التي يشار إليها في الحاشية فلم أقف عليه؛ لكن من خلال تأمل هذه الزوائد نجد أنها لا ترد على الزبيدي؛ لأن الزبيدي لا يهتم بمثل هذه الفروق اليسيرة التي لا تؤثر في حكم، ولا تخل بمعنى.
المقدم: هل الكتب التي أشرتم إليها مطبوعة الآن يا شيخ، طباعة جديدة أو لا زالت؟
لا، ما طبعت غير هذه الطبعات، الأول: عرفنا أنه مطبوع في اسطنبول سنة (١٣٠٨هـ) والثاني: بمطبعة دار الكتب العربية بمصر سنة (١٣٣٠هـ) يعني من أكثر من تسعين سنة، ولم يعد طبعها.
المقدم: إذًا إذا أشار هنا إلى حرف الزاي فهو يقصد زوائد؟
نعم الزوائد.
المقدم: يليه رقم الحديث الذي يزيد، الزاي واحد يبي الزيادة الأولى.
الزيادة الأولى نعم، وخمسة يريده بعد رقم أربعة في المختصر.
المقدم:. . . . . . . . . التراجم؟
بعد هذا تراجم الإمام البخاري -﵀- على الحديث، الحديث ذكره الإمام في تسعة مواضع، الأول: في بدء الوحي سبق ذكر إسناده ومناسبته، الثاني: في كتاب بدء الخلق باب: «إذا قال: أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه»، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا الليث قال: حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله فذكره، ومناسبته لبدء الخلق وذكر الملائكة حيث ذكر فيه جبريل -﵇- على الكرسي بين السماء والأرض.
[ ٤ / ١٢ ]
في الموضع الثالث: في كتاب التفسير باب بدون ترجمة، وأشرنا إلى مراد البخاري من الباب الذي يذكره دون ترجمة، قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا وكيع عن علي بن المبارك يعني يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فذكره، ومناسبته لتفسير سورة المدثر ظاهرة؛ لأن هذا الباب يلي تفسير سورة المدثر، فهو فرع منها.
الموضع الرابع: في كتاب التفسير باب: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [(٢) سورة المدثر] قال: حدثني محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي وغيره قالا: حدثنا حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله فذكره مختصرًا، ومناسبته ظاهرة حيث ذكرت الآية في الحديث، وأحيانًا يقول الإمام البخاري -﵀-: حدثنا فلان وغيره، ومسلم أيضًا يقولها: فيكنون بذلك عن الراوي الذي لا يحتاجون إلى ذكره، إما اكتفاءً بمن ذكر؛ لأنه إمام كبير فلا يحتاج إلى من يدعمه، ولو كان المحذوف ثقةً، وأحيانًا يكنى عنه لأنه ضعيف، فمسلم يقول: حدثني فلان وغيره، يعني ابن لهيعة في أكثر من موضع، ولا يخل بالإسناد؛ لأنه يقتصر في ذلك على الثقة، ولا يحتاج إلى ذكر الضعيف، الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- وهذا من باب الفائدة قد يروي الحديث عن اثنين أحدهما ثقة والآخر ضعيف، فيقتصر على ذكر الثقة، ويترك الضعيف، وليس هذا من باب تدليس التسوية كما قد يظنه بعض الطلاب؛ لأن تدليس التسوية: إسقاط ضعيف بين ثقتين، لقي أحدهما الآخر، فالثقة هنا يكفي عن الضعيف المحذوف، ولسنا بحاجة إلى رواية الضعيف، وأما في تدليس التسوية الضعيف لا بد من وجوده؛ لأنه واسطة بين الثقتين لا بد من وجوده، وإسقاطه مخل بالإسناد، أما إسقاط الضعيف الذي لا يحتاج إليه في مثل هذا لأن هذا الثقة روى عن الثقة الآخر مباشرة، وكونه شاركه في الرواية عن ذلك الثقة راوٍ ضعيف آخر، لا يخل بالإسناد ولا داعي لذكره.
[ ٤ / ١٣ ]
الموضع الخامس: في كتاب التفسير باب: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [(٣) سورة المدثر] قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا عبد الصمد قال: حدثنا حرب قال: حدثنا يحيى قال: سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل أول؟ فقال الحديث مطولًا، ومناسبته ظاهرة حيث ذكرت الآية في الحديث.
السادس: كتاب التفسير باب: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [(٤) سورة المدثر] حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب ح وحدثني عبد الله بن محمد قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله، ومناسبته ظاهرة حيث ذكرت الآية أيضًا في الحديث.
الموضع السابع: في كتاب التفسير باب: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [(٥) سورة المدثر] قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا الليث عن عقيل، قال ابن شهاب: سمعت أبا سلمة قال: أخبرني جابر عن عبد الله فذكره، ومناسبته ظاهرة حيث ذكرت الآية في الحديث أيضًا.
الموضع الثامن: خرجه أيضًا في كتاب التفسير باب بدون ترجمة، وهو فرع من تفسير سورة (اقرأ) قال محمد بن شهاب: فأخبرني أبو سلمة أن جابر بن عبد الله الأنصاري -﵄- قال: فذكره، إثر حديث عائشة في بدء الوحي كما في بدء الوحي سواء.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، العزو إلى الباب المهمل الذي يكون يترجم له الإمام البخاري باب ثم يورد الحديث كيف يكون العزو إليه في حال التخريج منه؟
العزو لمثل هذا الباب المذكور بدون ترجمة نقول: خرجه الإمام البخاري في بابٍ دون ترجمة بعد باب قوله كذا:، باب بعد الباب المترجم، نذكر الباب المترجم، فنقول: خرجه الإمام البخاري في باب بدون ترجمة يلي الباب الذي ترجمه بكذا من كتاب كذا، فنصور الواقع للقارئ والسامع.
[ ٤ / ١٤ ]
الموضع التاسع: كتاب الأدب، باب رفع البصر إلى السماء، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [(١٧) سورة الغاشية] قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة ابن عبد الرحمن يقول: أخبرني جابر بن عبد الله فذكره، ومناسبته ظاهرة لقوله: «فرفعت بصري إلى السماء» مناسبة الحديث لباب (رفع البصر إلى السماء) ظاهرة، لكن اقتصار الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- على قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ والترجمة باب (رفع البصر إلى السماء) لماذا لم يأتي بالآية التي بعدها؟ ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [(١٧ - ١٨) سورة الغاشية]؟ أيهما أصرح في المراد؟ الآية الثانية هي الصريحة في المراد، هي المطابقة للترجمة، جاءت في بعض الروايات، الآية الثانية جاءت في بعض الروايات دون بعض من الصحيح.
وعلى كل حال اقتصار البخاري على هذه الآية هو المناسب لتصرفاته -رحمه الله تعالى-، فالبخاري يستدل بالغامض ويترك الصريح الواضح؛ لأن الذي يحتاج إلى النظر أو ينظر إلى الإبل نظر اعتبار ينظر في الغالب إلى أعلاها؛ لأنه هو موضع العجب، وإذا نظر إلى أعلاها اضطر أن يرفع بصره، فلا شك أن الاستدلال من هذه الآية لما ترجم به فيه غموض، وفيه بعد، والآية التي تليها صريحة في المراد، فالبخاري -رحمه الله تعالى- قد يعمد إلى الغامض دون الصريح، وهذه عادته -رحمه الله تعالى-، وإن وجدت الآية في بعض الروايات، لكن أكثر رواياته ليس فيها الآية الثانية.
طالب: فضيلة الشيخ ذكرتم -حفظكم الله- كلام الإمام البخاري قبل قليل في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [(١٧) سورة الغاشية] ثم ذكرتم التوجيه لاستدلاله بالآية، ولكن أليس من المناسب أن يقال في توجيه كلامه -رحمه الله تعالى-: أنه قد ورد أن من معاني (الإبل) أنها هي السحاب، والسحاب موجود في السماء؟
[ ٤ / ١٥ ]
لا أعرف هذا القول منسوبًا لأحدٍ من أهل العلم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فإن كان ذلك ثابت عن أحد من أهل اللغة المعتبرين أو من المفسرين من الصحابة أو من دونهم فيكون المعنى ظاهر، إذا كان المراد بالإبل السحاب، وتراجع المسألة -إن شاء الله تعالى- في مظانها، وعلى كل حال اللائق بتصرفات الإمام البخاري مثلما ذكرت، يعدل عن الشيء الصريح الواضح إلى الغامض الذي قد لا يدرك.
ولا شك أن الإنسان بخلقته التي خلقه الله عليها أقل بكثير من مستوى الإبل، فإذا أراد أن ينظر إليها نظر اعتبار وتفكر اضطر أن يرفع بصره إلى رأسها مثلًا، إذا رفع الإنسان رأسه إلى رأس هذا البعير أو ما أشبهه فإنه يحتاج إلى أن يرفع رأسه رفعًا ينظر فيه إلى السماء.
طالب: أحسن الله إليك، لماذا يستدل البخاري دائمًا بالغامض ويترك الصريح؟ هل لأن الصريح واضح، أو يريد أن يدرب طالب العلم على البحث والنظر؟
الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- عرفنا دقته وخفاء أدلته -رحمه الله تعالى- على كثير ممن تصدى لشرح كتابه، فضلًا عن من يجهل مقاصد الكتاب، ومغازي الكتاب، وطريقة المؤلف في الكتاب، ومنهج المؤلف في الكتاب، فالإمام البخاري -رحمه الله تعالى- يعدل عن الصريح لوضوحه، فلا يحتاج إلى أن يذكره، وقد يترجم بالشيء الواضح، ويستدل له بالشيء الواضح للإيماء إلى أن مثل هذا الواضح قد خفي على بعض الناس، كقول الإمام البخاري -﵀-: (باب قول الرجل: ما صلينا) واستدل لذلك بحديث قال فيه عمر -﵁-: "ما صليت"، أو قال النبي -﵊- أيضًا: «وأنا والله ما صليتها» فترجم ظاهرة والمستدل به ظاهر، ويريد بذلك الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- الرد على من أنكر مثل هذا القول، يريد بذلك الرد على من أنكر مثل هذا القول، وخفي عليه مثل هذا الدليل.
المقدم: أحسن الله إليكم، نستمر في قراءة الأحاديث.
[ ٤ / ١٦ ]
قال: باب: عن ابن عباسٍ -﵄- في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [(١٦) سورة القيامة] قال: كان رسول الله -ﷺ- يعالج من التنزيل شدةً، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما كما كان رسول الله -ﷺ- يحركهما، فأنزل الله -﷿-: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [(١٦ - ١٧) سورة القيامة] قال: جمعه لك في صدرك وتقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [(١٨) سورة القيامة] قال: فاستمع له وأنصت، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [(١٩) سورة القيامة] ثم إن علينا أن تقرأه، فكان رسول الله -ﷺ- بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي -ﷺ- كما قرأه.
الحديث الخامس راويه ابن عباس -﵄-، وللعباس بن عبد المطلب أكثر من ابن، لكن إذا أطلق ابن عباس فالمراد به عبد الله بن عباس ابن عبد المطلب ابن عم النبي -﵊-، حبر الأمة وترجمان القرآن، أحد العبادلة الأربعة، المتوفى بالطائف بعد أن كفّ بصره سنة ثمانٍ وستين.
يقول: "كان رسول الله -ﷺ-"، لفظة: (كان) في مثل هذا التركيب تفيد الاستمرار، وأعاده في قوله: "وكان" "قال: كان رسول الله -ﷺ- يعالج من التنزيل شدةً وكان"، وأعاده في قوله: "وكان مما يحرك" مع تقدمه في قوله: "كان يعالج" لطول الكلام، كما في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ﴾ [(٣٥) سورة المؤمنون] فأعاد أنكم لطول الكلام.
"يعالج" المعالجة محاولة الشيء بمشقةٍ أي يحاول من تنزيل القرآن عليه شدة، لا شك أن القرآن ثقيل وشديد، والنبي -﵊- يتنزل عليه القرآن في اليوم الشديد البرد كما تقدم، وإن جبينه ليتفصد عرقًا، ولا شك أن الله -﷾- يلقي عليه القرآن وهو قول ثقيل كما جاء في سورة المزمل.
[ ٤ / ١٧ ]
ومنه ما جاء في الحديث: «ولي حره وعلاجه» يعني الخادم، أي عمله وتعبه، ومنه معالجة المريض، وهي ملاطفته ومحاولته بالدواء حتى يقبل عليه، والمعالجة الملاطفة بالمراودة بالقول والفعل.
[ ٤ / ١٨ ]
"شدةً" بالنصب، مفعول يعالج، وقال الكرماني: "يجوز أن يكون مفعولًا مطلقًا أي يعالج معالجةً شديدة"، وكان مما يحرك شفتيه، يقول العيني: "اختلفوا في معنى هذا الكلام وتقديره، فقال القاضي: معناه كثيرًا ما كان يفعل ذلك" وبهذا قال ثابت السرقسطي، وثابت له كتاب الدلائل، له ولأبيه قاسم، وهو من أنفس كتب غريب الحديث، وقال الكرماني: "أي كان العلاج ناشئًا من تحريك الشفتين، أي مبدأ العلاج منه، فعلى هذا تكون (ما) مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة، وقد تجيء لمن يعقل، وصوب ابن حجر الأول، وقال في الثاني فيه نظر؛ لأن الشدة حاصلة قبل التحريك، وتعقب بأن الشدة وإن كانت حاصلةً قبل التحريك، إلا أنها لم تظهر إلا بتحريك الشفتين إذ هي أمر باطني لا يدركه الرائي إلا به، فقال ابن عباس: "فأنا أحركهما -أي شفتي لك وفي بعض النسخ: لكم- كما كان رسول الله -ﷺ- يحركهما"، لم يقل ابن عباس كما رأيت رسول الله -ﷺ- يحركهما، لم يقل كما رأيت؛ لأن ابن عباس لم يدرك ذلك، وقال سعيد بن جبير: "فأنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما" لأنه رأى ذلك منه بخلاف ابن عباس فإنه لم يرَ النبي -﵊- في تلك الحالة لسبق نزول آية القيام على مولده إذ كان مولده قبل الهجرة بثلاث سنين، ونزول الآية في بدء الوحي كما هو ظاهر صنيع المؤلف حيث أورده هنا، ويحتمل أن يكون أخبره أحد الصحابة أنه رأى النبي -﵊- يحركهما، أو أنه -﵊- أخبر ابن عباس بعد ذلك فرآه ابن عباس حينئذٍ، وفي مسند الطيالسي: قال ابن عباس: فأنا أحرك لك شفتي كما رأيت رسول الله -ﷺ- يحركهما، فإن ثبت ما في مسند الطيالسي فالتغيير من الرواة، وجملة: فقال ابن عباس إلى قوله: فأنزل الله اعتراض بالفاء، وفائدتها زيادة البيان بالوصف على القول، ومثل هذا يسمى المسلسل أو التسلسل، المسلسل بتحريك الشفة، لكنه لم يتصل تسلسله، والمراد بالمسلسل عند أهل الحديث ما تتابع الرواة على نقله من صفةٍ قولية أو فعلية، هنا لم يتتابع التسلسل انقطع، ما كل واحد يروي الحديث من لدن النبي -﵊- إلى آخر الإسناد يحرك
[ ٤ / ١٩ ]
شفتيه كما كان النبي -﵊- يحركهما.
فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ﴾ [(١٦) سورة القيامة] يا محمد، ﴿بِهِ﴾ أي بالقرآن ﴿لِسَانَكَ﴾ قبل أن يتم وحيه ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ لتأخذه على عجلٍ مخافة أن يتفلت منك، وفي تفسير ابن جرير من رواية الشعبي: عجل به لحبه إياه، ولا تنافي بين محبته إياه والشدة التي تلحقه في ذلك، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [(١٧) سورة القيامة] أي قراءته فهو مصدر مضاف للمفعول والفاعل محذوف، والأصل: وقراءتك إياه، قال ابن حجر: "ولا منافاة بين قوله: يحرك شفتيه وبين قوله في الآية: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [(١٦) سورة القيامة] في الخبر: (يحرك شفتيه) والنهي عن تحريك اللسان، هل معنى هذا أنه يجوز له أن يحرك شفتيه؟ لأن النهي عن تحريك اللسان دون الشفتين؟ يقول ابن حجر: "ولا منافاة بين قوله: يحرك شفتيه وبين قوله في الآية: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ لأن تحريك الشفتين بالكلام المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلا اللسان يلزم منه تحريك اللسان"، فإذا نهي عن تحريك اللسان فنهي عن تحريك الشفتين؛ لأن هذا لا يتم إلا بهذا، أو اكتفي بالشفتين وحذف اللسان لوضوحه لأنه الأصل في النطق، أو الأصل حركة الفم، وكل من الحركتين ناشئ عن ذلك، وهو مأخوذ من كلام الكرماني، وتعقبه العيني بأن الملازمة من التحريكين ممنوعة على ما لا يخفى، وتحريك الفم مستبعد بل مستحيل؛ لأن الفم اسم لما يشتمل عليه وعند الإطلاق لا يشتمل على الشفتين، ولا على اللسان لا لغةً ولا عرفًا، بل هو من باب الاكتفاء، والتقدير: فكان مما يحرك به شفتيه ولسانه، على حد قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [(٨١) سورة النحل] أي والبرد، وفي تفسير الطبري من طريق جرير عن ابن أبي عائشة: ويحرك به لسانه وشفتيه، فجمع بينهما، قال ابن عباس في تفسير جمعه: أي جمعه بفتح الميم والعين لك صدرك، بالرفع على الفاعلية، وهذا في أكثر الروايات، وفي اليونينية: أي جمعه الله في صدرك، وإسناد الجمع على الصدر على حد: أنبت الربيع البقل، أي أنبت الله في الربيع البقل.
[ ٤ / ٢٠ ]
وفي رواية أبي ذر: جمعه لك صدرك، بسكون الميم وضم العين مصدر، ورفع راء صدرك فاعل، ولكريمة: جمعه لك في صدرك بفتح الجيم وإسكان الميم وزيادة في وهو يوضح الأول، وفي روايةٍ جمعه له بإسكان الميم أي جمعه تعالى للقرآن صدرك، وفي رواية الأصيل وحده جمعه له في صدرك، بزيادة في، على كل حال المعنى ظاهر، وكله متقارب وهي ألفاظ متقاربة.
المقدم: والمثبت عندنا جمعه لك في صدرك.
جمعه لك في صدرك، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [(١٧) سورة القيامة] أي قراءته، فهو مصدر مضاف للمفعول، والفاعل محذوف والأصل: وقراءتك إياه، يطلق القرآن ويراد به القراءة، كما جاء في وصف عثمان -﵁-:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحًا وقرآنا
أي قراءة، وقال ابن عباس أيضًا في تفسير ﴿قُرْآنَهُ﴾: أي تقرأه، بفتح الهمزة في اليونينية، وقال البيضاوي: إثبات قرآنه في لسانك وهو تعليل للنهي، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي أنزلنا إليك بواسطة جبريل ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ وقال ابن عباس في تفسير ﴿فَاتَّبِعْ﴾ [(١٨) سورة القيامة] أي فاستمع له وأنصت، بهمزة القطع، أي كن حال قراءته ساكتًا، والاستماع أخص من الإنصات؛ لأن الاستماع الإصغاء، والإنصات السكوت، ولا يلزم من السكوت الإصغاء، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [(١٩) سورة القيامة] فسره ابن عباس بقوله: ثم إن علينا أن تقرأه، وفسره غيره: ببيان ما أشكل عليك من معانيه.
[ ٤ / ٢١ ]
قال ابن حجر: "فيستدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، كما هو الصحيح في الأصول"، قال القسطلاني: "لا عن وقت الحاجة"، وهو الصحيح عند الأصوليين، ونص عليه الشافعي لما تقتضيه ثم من التراخي، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [(١٩) سورة القيامة] البيان إلى وقت الحاجة جائز، بدليل العطف بـ (ثم) وثم تقتضي التراخي، لكن البيان عن وقت الحاجة هذا الذي لا يجوز عند أهل العلم، وأول من استدل لذلك بهذه الآية القاضي أبو بكر بن الطيب وتبعوه على ذلك، قال القسطلاني: "وهذا لا يتم إلا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلا فإذا حمل على استمرار حفظه له بظهوره على لسانه فلا"، قال الآمدي: "يجوز أن يراد بالبيان الإظهار لا بيان المجمل، يقال: بان الكوكب إذا ظهر"، قال: "ويؤيد ذلك أن المراد جميع القرآن، والمجمل إنما هو بعضه، ولا اختصاص لبعضه بالأمر المذكور دون بعض"، وقال أبو حسين البصري: "يجوز أن يراد البيان التفصيلي، ولا يلزم منه جواز تأخير البيان الإجمالي فلا يتم الاستدلال"، وتعقب باحتمال إرادة المعنيين الإظهار والتفصيل وغير ذلك؛ لأن قوله: ﴿بَيَانَهُ﴾ [(١٩) سورة القيامة] جنس مضاف فيعم جميع أصنافه، من إظهاره وتبيين أحكامه وما يتعلق بها من تخصيصٍ وتقييدٍ ونسخٍ وغير ذلك، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة طه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [(١١٤) سورة طه] فنهاه عن الاستعجال في تلقي الوحي من الملك ومساوقته في القرآن حتى يتم الوحي، فكان رسول الله -ﷺ- بعد ذلك إذا أتاه جبريل ملك الوحي المفضل به على سائل الملائكة ومعناه: عبد الله، يعني جبريل معناه عبد الله بالسريانية لأن جبر: عبد بالسريانية، وإيل: اسم من أسماء الله عندهم.
[ ٤ / ٢٢ ]
وروى عبد بن حميد في تفسيره عن عكرمة أن اسم جبريل: عبد الله، واسم ميكائيل: عبيد الله، وقال السهيلي: جبريل سرياني ومعناه عبد الرحمن، كما جاء عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا، لكن الموقوف أصح، وذهبت طائفة إلى أن الإضافة في هذه الأسماء مقلوبة، فإيل هو العبد، وأوله: اسم من أسماء الله تعالى، والجبر عند العجم هو إصلاح ما فسد، وهي توافق معناه من جهة العربية، وقال العيني: "ورأيت في أثناء مطالعتي في الكتب أن اسم جبريل -﵊- عبد الجليل، وكنيته: أبو الفتوح، واسم ميكائيل: عبد الرزاق وكنيته: أبو الغنائم".
على كل حال هذا مما طالعه العيني في بعض الكتب التي لا تعتني بذكر الأخبار بأسانيدها، ولا تحقق الصحيح من غيره، ومثل هذا لا فائدة من العناية به وتحقيقه وتمحيصه وإثبات الثابت منه، إنما يمرّ كما جاء. وفي جبريل تسع لغات نقلها العيني عن الزمخشري وابن الأنباري.
بعد هذا يقول: "فكان رسول الله -ﷺ- بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي -﵊- كما قرأ"، وفي روايةٍ: (كما قرأه) بضمير المفعول أي القرآن، ولأبي ذرٍ عن الكشمهني يعني: (كما كان قرأ) والحاصل أن الحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية: تلاوته، والثالثة: تفسيره وإيضاحه، والحديث كما هو مخرج في صحيح البخاري مخرج أيضًا في صحيح مسلم، وجامع الترمذي وغيرهما.
طالب: أحسن الله إليك، يلاحظ في شرح ابن حجر -﵀- في فتح الباري أنه يذكر حينما يذكر قطعة من الحديث دائمًا يذكر الخلاف الموجود في نص الحديث، كقوله هنا في الحديث: قال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [(١٦ - ١٧) سورة القيامة] قال: جمعه لك في صدرك وتقرأه، وهنا قال: قوله: جمعه لك وصدرك، فهذه تتكرر دائمًا.
[ ٤ / ٢٣ ]
نعم، في اختلاف بين الشرح وبين المتن المطبوع مع الشرح، الأصل أن الفتح مجرد عن المتن، لكن الطابع تصرف، وأدخل في الشرح متنًا يختلف في كثيرٍ من الأحيان عن الرواية التي اعتمدها الحافظ في شرحه، لأن الحافظ ابن حجر اعتمد على رواية أبي ذر كما نص على ذلك، وأشار إلى ما عداها عند الحاجة، والحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- قصد تجريد الشرح من المتن لئلا يطول الكتاب، فتصرف الطابع وأدخل متنًا لا يوافق الرواية التي اعتمد عليها الحافظ في شرحه، وليته إذ تصرف في كتاب غيره أدخل روايةً تناسب الشرح، على أن الكتاب طبع أخيرًا، لا أقول: طبع، صور عن الطبعة السلفية الثانية التي بعد السلفية الأولى، طبعة سماحة الشيخ -﵀-، والتي تصرف في إدخال المتن هو محمد فؤاد عبد الباقي بالاتفاق مع محب الدين الخطيب والشيخ -رحمه الله تعالى- وافقهم على ذلك، لكن لو اختاروا رواية تناسب المشروح، لو اعتنوا برواية أبي ذر وبحثوا عنها لا إخالها معدومة، نعم بحث عنها فيما بعد، ويذكر الطابع الذي صور الكتاب عن الطبعة السلفية الثانية أنه وجد رواية أبي ذر على أن لي تحفظ عن كونها رواية أبي ذر بحروفها، فيه اختلاف في بعض المواضع عن رواية أبي ذر، فأدخل هذه الرواية التي وقف عليها في الشرح، صور الطبعة الثانية من الطبعة السلفية أو الثالثة أو ما اشتهر عند الناس وتداولوه طبعة الريان هي السلفية الثانية، ثم صوروه الطبعة السلفية صوروا الثانية فسموها ثالثة، ثم صوروا الريان وتداولها الناس وسمونها طبعة، هي كلها عبارة عن السلفية الثانية وهي أسوأ من الطبعة السلفية الأولى، الطبعة السلفية الأولى أجود منها بكثير.
[ ٤ / ٢٤ ]
فينبغي لطالب العلم الذي لا يستطيع الحصول على طبعة بولاق أو صورتها التي طبع عنها الكتاب أن يعتني بالسلفية الأولى التي أشرف على أوائلها سماحة الشيخ عبد العزيز -رحمه الله تعالى- مباشرةً، أما هذه الطبعات الأخيرة نقلت تعاليق الشيخ عليها لا بأس، وهذا شيء نافع، وإن كانت الطبعة التي نشرت أخيرًا مع رواية أبي ذر، وإن كنت متحفظًا عن إطلاق رواية أبي ذر على هذه الطبعة؛ لأنها توافقها في كثيرٍ من الأحيان، وفيها بعض الاختلاف حذفت تعاليق الشيخ -رحمه الله تعالى- لا أدري ما السبب، لكن مع ذلك ينبغي العناية بالصحيح، وأن يعتني الإنسان بنسخةٍ متقنةٍ محررة مضبوطة، وتكون على روايةٍ واحدة إن أمكن، مع العناية بالروايات الأخرى لئلا يتشوش القارئ، وإذا أراد أن يقرأ شرح ينظر الرواية المعتمدة في الشرح، ينظر ما الرواية المعتمدة في الشرح، وكل واحد من الشراح ذكر سنده إلى الإمام البخاري فنعرف من خلال إسناده الرواية التي اعتمد عليها واعتنى بها، وحينئذٍ لا يحصل مثل هذا التفاوت بين الشرح والمشروح.
حديث ابن عباس خرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في ستة مواضع، الموضوع الأول هنا في بدء الوحي، قال الإمام -رحمه الله تعالى-: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا موسى بن أبي عائشة قال: حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس، ومناسبة الحديث لبدء الوحي كما قال العيني ظاهرة لأن المذكور فيما مضى هو ذات بعض القرآن، وهاهنا التعرض إلى بيان كيفية التلقن والتلقين، وقدم ذلك لأن الصفات تابعة للذوات.
والموضع الثاني: في كتاب التفسير في سورة القيامة، قال الإمام -رحمه الله تعالى-: حدثنا حميدي قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا موسى بن أبي عائشة وكان ثقةً، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره مختصرًا. وفيه فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [(١٦) سورة القيامة] والآية جزء من سورة القيامة، فالمناسبة ظاهرة؛ لأنه ذكرت فيه الآية، والآية جزء من السورة المترجم بها.
[ ٤ / ٢٥ ]
والموضع الثالث: في كتاب التفسير أيضًا باب: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [(١٧) سورة القيامة] قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة به ومناسبته للباب ظاهرة، حيث ذكرت الآية في الحديث.
والموضع الرابع: في كتاب التفسير باب ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [(١٨) سورة القيامة] قال الإمام -رحمه الله تعالى-: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا جرير عن موسى بن أبي عائشة به فذكره بأطول منه والمناسبة ظاهرة حيث ذكرت الآية في الخبر.
الموضع الخامس: في كتاب فضائل القرآن، باب (الترتيل في القرآن) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا جرير عن موسى بن أبي عائشة فذكره بأطول منه، والمناسبة ظاهرة حيث نهي عن تعجيله بالتلاوة، فإنه يقضي استحباب التأني فيه، وهو المناسب للترتيل.
الموضع السادس: في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [(١٦) سورة القيامة] قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة به فذكره بمثله، قال ابن حجر: "الحديث من أوضح الأدلة على أن القرآن يطلق ويراد به القراءة، فإن المراد بقوله: ﴿قُرْآنَهُ﴾ في الآيتين القراءة لا نفس القرآن"، وقال ابن بطال: "غرضه في هذا الباب أن تحريك اللسان والشفتين بقراءة القرآن عمل له يؤجر عليه"، وقال الكرماني: "المقصود من الباب بيان كيفية تلقي النبي -ﷺ- كلام الله تعالى من جبريل -﵇-"، والحديث مخرج في مسلم والنسائي والترمذي وأحمد والطيالسي والحميدي وغيرهم.
المقدم: قال -رحمه الله تعالى-: وعنه -﵁- قال: كان رسول الله -ﷺ- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل -﵇-، وكان يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله -ﷺ- أجود بالخير من الريح المرسلة.
[ ٤ / ٢٦ ]
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- المختصِر: "وعنه" جرت عادة المتأخرين من المصنفين بالحديث الذين يصنفون المختصرات في الحديث للحفظ أن يقتصروا على القدر المحتاج إليه، فتجدهم يحذفون الأسانيد ويقتصرون على الصحابي فقط، أو على التابعي معه إن دعت الحاجة إلى ذكره، كما جرت عادتهم التكنية عن الراوي بالضمير إذا كان هو راوي الحديث السابق، فيصرحون بذكره في الموضع الأول ثم يعطفون الثاني بالضمير فيقولون: وعنه، وإن كان هذا يرد على ما التزمه المؤلف في خطبة الكتاب من أنه يلتزم كثيرًا ألفاظه في الغالب –يعني ألفاظ البخاري -رحمه الله تعالى- كان يقول البخاري: عن عائشة، أو يقول: عن ابن عباس أو يقول: عن عبد الله بن عباس وكذلك ابن عمر وحينًا يقول: عن أنس، وحينًا يقول: عن أنس بن مالك، يقول: "فأتبعه في جميع ذلك"، وقد كرر ذكر عائشة -﵂- في الحديث الثالث وكناها بأم المؤمنين رغم أنها تقدمت في الحديث الثاني أيضًا، ولعل ما هنا من غير الغالب الذي أشار إليه بقوله: "في الغالب"؛ لأنه يتبع لفظ البخاري -رحمه الله تعالى- في الغالب، فلعل ما هنا جريًا على العادة ومشيًا على الجادة في المختصرات، وهذا هو غير الغالب، وأما الغالب أنه يتبع لفظ البخاري بالحرف.
والضمير المجرور يعود على ابن عباس راوي الحديث السابق، والواو في قوله: "وعنه"، عاطفة تعطف مقدر، أي وأروي أيضًا عنه –أي عن ابن عباس- "قال: كان رسول الله -ﷺ- أجود الناس" بنصب أجود خبر كان، أي أجودهم على الإطلاق، "وكان أجودُ ما يكون -حال كونه- في رمضان"، برفع أجود اسم كان وخبرها محذوف وجوبًا على حد قولك: أخطبُ ما يكون الأمير قائمًا، و(ما) مصدرية أي أجود أكوان الرسول -ﷺ-، وفيها مظان سد مسد الخبر أي حاصلًا فيه، وفي رواية الأصيلي: (أجودَ) بالنصب خبر كان وعورض بأنه يلزم منه أن يكون اسمها خبرها، وأجيب بجعل اسم كان ضمير للنبي -﵊- و(ما) حينئذٍ مصدرية ظرفية والتقدير: كان رسول الله -ﷺ- متصفًا بالأجودية مدة كونه في رمضان، مع أنه أجود الناس مطلقًا -﵊-.
[ ٤ / ٢٧ ]
يقول النووي: "يجوز في أجود الرفع والنصب، والرفع أصح وأشهر" وقال ابن حجر: "يرجح الرفع وروده بدون كان عند المؤلف في الصوم، وفائدة الجملة الأولى وإن كانت لا تتعلق بالقرآن الاحتراس من مفهوم ما بعدها، "وكان أجود ما يكون في رمضان"، جاء أولًا بقوله: "كان رسول الله -ﷺ- أجود الناس"، يعني مطلقًا في رمضان وفي غير رمضان، هو أجود الناس على الإطلاق، في كل زمان وفي كل مكان -﵊-، وجاء في الحديث الصحيح أنه أجود الناس، وأشجع الناس -﵊-.
مفهوم الجملة الثانية أنه أجود ما يكون في رمضان، مفهومها أنه في غير رمضان أنه ليس بأجود، فاحترس من مفهوم الجملة الثانية بالجملة الأولى، ومعنى أجود الناس أكثر الناس جودًا، والجود الكرم، وهو من الصفات المحمودة، وفي الصحيحين وغيرهما نعم.
المقدم: قبل ذلك في إشكال بسيط قد يرد على الإخوة المستمعين، أيضًا في تحديد الراجح في كون أجود بالنصب أو الرفع، ولعلكم تتفضلون باختصارها أو بتوضيحها أكثر، بالنسبة للموضع الثاني: وكان أجودَ، هذه هي المثبتة عندنا في الكتاب النصب، ويرجح النووي أنها بالرفع وكان أجودُ.
[ ٤ / ٢٨ ]
بالنسبة للموضع الأول ما فيه إشكال، "كان رسولُ الله -ﷺ- أجودَ الناس"، خبر كان، الموضع الثاني: "وكان أجودُ ما يكون في رمضان" أجود اسم كان، وخبرها محذوف وجوبًا، على حد قولهم: (أخطب ما يكون الأمير قائمًا) يعني إذا كان قائمًا، النووي يقول: "يجوز في أجود الرفع والنصب، والرفع أصحّ وأشهر"، وابن حجر يرجح الرفع لوروده بدون كان عند المؤلف في الصوم، كونه يرد بدون كان مرفوعًا لا يرجح كونه منصوبًا مع كان؛ لأن كان عامل مؤثر في الجملة، إذا وجد وجد الأثر، وإذا ارتفع ارتفع الأثر، والمعروف أن الرواية بالمعنى عند أهل العلم، بل عند الجمهور جائزة بشرطها المعروف أن يكون الراوي عارف بمدلولات الألفاظ، عالمًا بما يحيل المعاني، فلعل هذا من تصرف الرواة، وعلى هذا لا يرجح ما في رواية برواية أخرى؛ لأنه إذا حذفت كان ارتفع عملها، وعرفنا أن معنى أجود الناس أكثر الناس جودًا، والجود هو الكرم، وهو من الصفات المحمودة، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس بن مالك -﵁- قال: "كان رسول الله -ﷺ- أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس".
[ ٤ / ٢٩ ]
وفي الترمذي من حديث سعيد مرسلًا: «إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود» وهو مرسل، ويروى من حديث سعد بن أبي وقاص وهو ضعيف، على كل حال الخبر فيه مقال، وله في حديث أنس رفعه: «أنا أجود ولد آدم، وأجودهم بعدي: رجل علم علمًا فنشر علمه، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله» وهذا أيضًا في سنده مقال، وفي الصحيح من حديث جابر: ما سئل رسول الله -ﷺ- شيئًا فقال: لا، وهذا غاية في الجود، حين يلقاه جبريل -﵊- إذ في ملاقاته زيادة في اطلاعه على علوم الله تعالى، لا سيما مع مدارسة القرآن، لا شك أن لقاء الصالحين مؤثر في النفس، ورؤيتهم مؤثرة، فلقاء الصالحين يزهد في الدنيا فإذا زهد الشخص في الدنيا، ورغب في الآخرة رخصت عنده الدنيا وما تتطلبه هذه الدنيا فينتج عن ذلك الجود، والرسول -﵊- يتضاعف جوده في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل -﵇- يلقاه -أي النبي -﵊-، وجوز الكرماني أن يكون الضمير المرفوع للنبي -ﷺ-، والمنصوب لجبريل، ورجح العيني الأول لقرينة قوله: حين يلقاه جبريل، في كل ليلةٍ من رمضان فيدارسه القرآن بالنصب مفعول ثاني، ليدارسه على حد: جاذبته الثوب، والفاء في (فيدارسه) عاطفة على (يلقاه) فبمجموع ما ذكر من رمضان ومدارسة القرآن وملاقاة جبريل يتضاعف جوده -﵊-؛ لأن الوقت موسم الخيرات؛ لأن نعم الله تربو فيه على عباده.
[ ٤ / ٣٠ ]
والمدارسة مفاعلة من الدرس وهو القراءة على سرعة، يقول تعالى: ﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [(٧٩) سورة آل عمران] وقال: ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾ [(١٦٩) سورة الأعراف] ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ [(١٠٥) سورة الأنعام] أي قرأت فالمدارسة هي القراءة، وهاهنا لما كان النبي -﵊- وجبريل -﵇- يتناوبان في قراءة القرآن كما هو عادة القراء بأن يقرأ هذا عشرًا والآخر عشرًا أتى بلفظ المدارسة يعني المفاعلة، أو أنهما كانا يتشاركان في القراءة أي يقرءان معًا، وقد علم أن باب المفاعلة لمشاركة اثنين، نحو (ضارت زيدًا) و(خاصمت عمرًا) يقول القسطلاني: "وإنما دارسه بالقرآن لكي يتقرر عنده، ويرسخ أتم الرسوخ، فلا ينساه وكان هذا إنجاز وعده تعالى لرسوله -﵊- حيث قال له: ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى﴾ [(٦) سورة الأعلى] وقال الطيبي: "فيه تخصيص بعد تخصيص على سبيل الترقي، فضل أولًا جوده مطلقًا على جود الناس كلهم، ثم فضل ثانيًا جود كونه في رمضان على جوده في سائر الأوقات، ثم فضل ثالثًا جوده في ليالي رمضان عند لقاء جبريل على جوده في رمضان مطلقًا، ثم شبه جوده بالريح، فقال: فلرسول الله -ﷺ- أجود بالخير من الريح المرسلة"، فلرسول الله (والفاء) للسببية، واللام للابتداء، وزيدت للتأكيد، أو في جواب قسمٍ مقدر، فلرسول الله بالرفع مبتدأ خبره قوله: "أجود بالخير من الريح المرسلة" أي المطلقة، إشارةً إلى أنه في الإسراع أسرع من الريح، وعبر بالمرسلة إشارةً إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده -﵊- كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه، وقال الزين بن المنير: "
[ ٤ / ٣١ ]
وجه التشبيه بين أجوديته -ﷺ- بالخير وبين أجودية الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سببًا لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة، ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعم غيث الناس عن الريح المرسلة، وفي هذا جواز المبالغة في التشبيه، وجواز تشبيه المعنوي بالمحسوس، ليقرب لفهم سامعه وذلك أنه أثبت له أولًا وصف الأجودية ثم أراد أن يصفه بأزيد من ذلك فشبه جوده بالريح المرسلة، بل جعله أبلغ منها في ذلك؛ لأن الريح قد تسكن"، قال بعضهم: حكمة المدارسة ليكون ذلك سنةً في عرض القرآن على من هو أحفظ منه، وقال الكرماني: "لتجويد لفظه" وقال غيره: لتجويد حفظه.
وتعقب بأن الحفظ كان حاصلًا له، والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس، وفي الحديث جواز قول: رمضان من غير إضافة شهر، أطلق رمضان من غير إضافة شهر، فقال: "في كل ليلةٍ من رمضان"، ما قال: في كل ليلة من شهر رمضان، قد جاء عن بعض السلف كراهة إطلاق رمضان من دون إضافة شهر، ويروون في ذلك حديث أن رمضان من أسماء الله، لكن مثل هذا لا يلتفت إليه؛ لأنه جاء في النصوص الصحيحة في الصحيحين وغيرهما إطلاق رمضان من غير إضافة الشهر.
وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان؛ لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملةً واحدة كان في رمضان، كما ثبت من حديث ابن عباس، فكان جبريل يتعاهده في كل سنة، فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة وفاطمة -﵃-، قال ابن حجر: "وبهذا يجاب من سأل عن مناسبة إيراد هذا الحديث في هذا الباب، والله أعلم بالصواب".
[ ٤ / ٣٢ ]
قد يقول قائل: ما المناسبة بين هذا الحديث وبدء الوحي؟ للإشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان، ابتداء النزول، وهو ابتداء الوحي، يقول النووي: "في حديث الفوائد: منها: الحث على الجود في كل وقت، ومنها: الزيادة في الجود في رمضان، وعند الاجتماع بأهل الصلاح"، الحث على الجود في كل وقت، الجود صفة من الصفات المحمودة الذي هو الكرم، الكرم من الصفات المحمودة في الشرع وفي العقل وفي العرف، وكان العرب يتمدحون بالجود والكرم؛ لكن شريطة أن لا يخرج عن حده إلى حد الإسراف والتبذير، يقول: "ومنها الزيادة في الجود في رمضان" لأنه شهر تضاعف فيه الحسنات والأعمال، فينبغي أن يكون هذا الخلق الحسن مضاعفًا ليضاعف ثوابه، وعند الاجتماع بأهل الصلاح. يقول: "وفيه زيارة الصلحاء وأهل الخير وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكرهه".
لا شك أن المجالسة لها أثر، أثر على النفس، وكم من شخص أثر في الناس بمرآه فقط قبل أن يتكلم، وكثير من أهل العلم إذا ترجموا لشيوخهم يذكرون شيئًا من ذلك، وأنهم يستفيدون من رؤية الشيخ أكثر من علمه، وذكر ابن الجوزي في ترجمة شيخه -أحد شيوخه- في فهرسته أنه استفاد من بكائه أكثر من فائدته في علمه، ولا شك أن مثل هذا مؤثر، مؤثر جدًا، رؤية الشيخ العامل بعلمه، الداعي إلى علمه، المعلم، معلم الناس الخير لا شك أنه مؤثر، قد لا يتيسر لكثيرٍ من الناس زيارة مثل هؤلاء، إن تيسر فليحرص على ذلك، إن لم يتيسر فليقرأ في أخبارهم، أخبار هؤلاء الأخيار وهؤلاء الصلحاء، وعلى رأسهم مقدمهم -﵊-، فليدم النظر طالب العلم في سيرته -﵊-، ويسمعها غيره من عامة الناس لكي يقتدوا به ويأتسوا به، من ذلكم سير الصالحين من الصحابة والتابعين، لا شك أن لها أثرًا كبيرًا في نفوس الناس، وفيها أيضًا شحذ الهمم من حيث الاقتداء والائتساء بهم.
[ ٤ / ٣٣ ]
ومما يستفاد من الحديث: استحباب الإكثار من القراءة في رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار، لا شك أن القراءة -قراءة القرآن- في رمضان لا شك أن أنها من أفضل الأعمال، وإذا كان الحرف بعشر حسنات في سائر الأوقات فما بالك في رمضان! فعلى المسلم أن يغتنم عمره وأنفاسه في مدارسة كتاب ربه، وتلاوته وقراءته على الوجه المأمور به بالترتيل والتدبر، والتفهم والعمل والتطبيق.
المقدم: عفوًا يا دكتور، ألا يفهم من هذا الحديث أن قراءة القرآن في رمضان ليلًا أفضل منه نهارًا؟
نعم، بعضهم على ما سيأتي تأتي الإشارة إلى ذلك في التراجم، بعضهم ذكر أن المدارسة في الليل أفضل من النهار.
المقدم: تفضل المدارسة على مجرد القراءة، أم أن هذا خاص به -﵊- من أجل الضبط؟
لا شك أن من دارس القرآن مع غيره ممن هو أحفظ منه وأتقن يحصل له أجر الاقتداء والإئتساء، إضافةً إلى أجر التلاوة والتدبر.
يقول: "واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان وكونها أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويًا لفعلاه"، وعلى كل حال الذكر أمر مطلوب، ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [(٣٥) سورة الأحزاب] «سبق المفردون» وجاء في الذكر وفضل الذكر نصوص كثيرة عن النبي -﵊- في فضله والإشادة به، وفضل أهله، من الأذكار التي لا تكلف الإنسان شيئًا: «من قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرة -سبحان الله وبحمده يمكن أن تقال في دقيقة ونصف- حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» ولا يقول قائل: أن هذه مبالغة في الثواب، هذا الحديث في الصحيحين، يعني هذا في دقيقة ونصف يمكن أن يقال أو دقيقتين، «حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» وهذا في الأذكار فما بالك في القرآن الذي هو كلام الله؟!
هو الكتاب الذي من قام يقرؤه كأنما خاطب الرحمن بالكلمِ
وشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يقول: "من قرأ القرآن على الوجه المأمور به أورثه من الإيمان واليقين والطمأنينة وراحة القلب ما لا يدركه إلا من صنع ومن فعل مثل هذا الفعل"، والله المستعان.
ابن القيم -﵀- يقول:
[ ٤ / ٣٤ ]
فتدبر القرآن إن رمت الهدى فالعلم تحت تدبر القرآنِ
فتدبر القرآن وترتيله على الوجه المأمور به، ولا يعني هذا إخراجه عن الحد المشروع إلى التمطيط وزيادة الحروف والحركات التي غير مشروعة كما يفعله بعض القراء، لكن مما يعين على التدبر الترسل في القراءة والترتيل، وسماع القرآن من القراء المؤثرين الذين إذا سمعت قراءتهم جزم الإنسان بأنهم يخشون الله ويتقون الله في هذه القراءة، يعين على الترتيل وعلى التدبر مراجعة التفاسير الموثوقة عند أهل العلم، هي التي تكشف معاني هذه الآيات.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ: قلتم: أن الجملة الثانية (وكان أجود ما يكون في رمضان) المقصود بها أو المقصود بالجملة الأولى -عفوًا- أن تذهب مفهوم الجملة الثانية؟ طيب هل تعتبر على ذلك الفهم وعلى هذا الكلام حسب فهمي أنا القاصر، هل تعتبر الجملة الثانية مؤكدة للجملة الأولى، أم ماذا إذا قلنا: أن الجملة الأولى لتذهب مفهوم الجملة الثانية، إذا ما فائدة الجملة الثانية تأكيد فقط؟
الجملة الثانية سيقت لبيان زيادة جوده -﵊-، وزيادة كرمه في رمضان.
المقدم: في رمضان أكثر من غيره؟
في رمضان أكثر من غيره نعم.
طالب: يعني يا شيخ نفهم أن كرم النبي -ﷺ- كان على درجات؟
على درجات نعم، هو على العموم في جميع الأوقات، وفي جميع الأماكن أجود الناس.
المقدم: لكن كان يزداد في رمضان؟
هو أجود الناس يعني أدنى درجات الجود عنده -﵊- لم يبلغها مخلوق، وهذا الجود يتضاعف في رمضان منه -﵊-.
طالب: يا شيخ كلامكم أن الجملة الأولى تنفي مفهوم الجملة الثانية؟
كان أجود ما يكون في رمضان، يعني لو ما جاء إلا هذه الجملة فقط؟ ما جاءت الجملة الأولى كان أجود الناس، لو لم تأت الجملة الأولى لقلنا: أنه في رمضان أجود من غيره، فعلى هذا ينزل عنده الجود في غير رمضان إلى حدٍ قد يلحقه فيه غيره من كرام الناس.
[ ٤ / ٣٥ ]
طالب: أحسن الله إليكم، هنا تأتي مسألة، لما قلتم أن النبي -﵊- كان أجود الناس، قد يقول بعض الناس: إن هناك من الأغنياء الآن قد يكون معهم أو عندهم من الغنى أكثر مما عند النبي -ﷺ- هل. . . . . . . . .، وقد يكونوا يجودون مثلًا، بعض التجار عرفوا بالجود، هل ممكن يصلون مع كثرة تبرعهم إلى أكثر من جود النبي -ﷺ-، مع قلة ما كان في عهد النبي -ﷺ-؟
أبدًا؛ لأن الجود نسبي، فالذي يملك المليارات ويتبرع بالملايين، هذا جواد بلا شك لكن ليس جوده مثل الذي يملك الشيء اليسير ويتبرع به كله، هذا نسبي، الجود نسبي بلا شك، وأيضًا الأوقات تختلف، شخص يجود في وقت لا يجد الناس فيه شيء غير شخص يجود على أناس ليسوا بحاجة إلى مثل هذا الجود، ولذا يختلف الإنفاق بعد الفتح عن الإنفاق قبل الفتح، إنسان يجود بماله، يجود بنفسه، يجود بجاهه، أنواع الجود درجات.
طالب: قضية الكرم، قلتم: عدم السرف بعضهم يستدل يا شيخ بقول الله تعالى عن إبراهيم: ﴿أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [(٦٩) سورة هود] فلو جاء ضيف ووضع له ذبيحة أو أكثر أو أقل، يقول: مادام ما ترمى أنا عندي دليل من القرآن ﴿أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ما الضابط أحسن الله إليك؟
كون إبراهيم -﵇- يأتي بالعجل لا يوجد غيره، فماذا يقدم لضيوفه؟ هل تتصور أن إبراهيم يذهب إلى الثلاجة ويأتي بكيلو أو كيلوين، مقدار ما يحتاجه الضيوف؟ ما عنده إلا هذا العجل، وهذه طريقة الناس كلهم قبل وجود هذه الأمور التي تحفظ اللحم من التلف، والله المستعان.
الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- خرج الحديث في خمسة مواضع من صحيحه، الأول في بدء الوحي في هذا الموضع، قال الإمام -﵀-: حدثنا عبدان قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا يونس عن الزهري ح، وحدثنا بشر بن محمد قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس ومعمر عن الزهري نحوه قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس فذكره، والمناسبة تقدمت الإشارة إليها.
[ ٤ / ٣٦ ]
عبدان لقب اسمه: عبد الله بن عثمان المروزي، وشيخه عبد الله بن المبارك، والإمام البخاري -رحمه الله تعالى- روى الحديث من طريق يونس ومعمر عن اثنين، الإمام البخاري -رحمة الله عليه- لا يبين صاحب اللفظ بخلاف مسلم فيبين صاحب اللفظ بدقة، حدثنا فلان وفلان واللفظ لفلان، هذا الإمام مسلم، والإمام البخاري كما هنا روى الحديث من طريق يونس ومعمر ولم يبين صاحب اللفظ، فهل اللفظ ليونس أو لمعمر؟ يقول ابن حجر -رحمه الله تعالى- في أواخر المجلد الأول من الفتح صـ (٣٣٦) يقول: "قد ظهر من صنيع البخاري أنه إذا أورد الحديث عن غير واحد فإن اللفظ يكون للأخير، على هذا يكون اللفظ لمن؟ لمعمر، يونس ومعمر، فهل صاحب اللفظ معمر أو يونس؟ ابن حجر -﵀- في هذا الموضع يقول: "أما باللفظ فعن يونس، وأما بالمعنى عن معمر"
عكس القاعدة، لا شك أن القاعدة أغلبية وليست كلية، ولدينا أمثلة مما يخرج عن هذه القاعدة، وإن كان الغالب من صنيعه -رحمه الله تعالى- أن اللفظ للأخير، قال بعضهم أن مراد ابن حجر: صاحب اللفظ هو الأخير إذا روى الحديث عن شيخين من شيوخه، لا من شيوخ شيوخه أو شيوخهم، لكن كلامه عام، يشمل شيوخه ويشمل شيوخ شيوخه ومن فوقهم؛ لأنه يقول: قد ظهر بالاستقراء من صنيع البخاري أنه إذا أورد حديث عن غير واحد فإنه اللفظ يكون للأخير، لكن الذي معنا على خلاف هذه القاعدة.
الموضع الثاني: في كتاب الصوم باب (أجود ما يكون النبي -ﷺ- يكون في رمضان) قال الإمام -رحمه الله تعالى-: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا إبراهيم بن سعدٍ أخبرنا ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس قال: كان الحديث، ومناسبة الباب للكتاب والحديث للباب ظاهرة، أجود ما يكون في رمضان مناسب لكتاب الصوم، والحديث أجود ما يكون في رمضان مناسب بل مطابق مطابقةً تامة للترجمة.
الموضع الثالث: في كتاب بدء الخلق باب (ذكر الملائكة) قال: حدثنا محمد بن مقاتل قال: أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري، قال: حدثني عبيد الله به، ومناسبته ظاهرة لذكر جبريل في الخبر؛ لأن الباب باب ذكر الملائكة وجبريل منهم.
[ ٤ / ٣٧ ]
الموضع الرابع: في كتاب المناقب في باب (صفة النبي -ﷺ-) قال: حدثنا عبدان قال: أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري قال: حدثني عبيد الله فذكره، ومناسبته ذكر جوده -﵊- وهي صفة من صفاته -﵊-.
الموضع الخامس: في كتاب فضائل القرآن في باب (كان جبريل يعرض القرآن على النبي -ﷺ-) قال: حدثنا يحيى بن قزعة، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله فذكره بنحوه، والمناسبة ظاهرة، فضائل القرآن باب (كان جبريل يعرض القرآن على النبي -﵊-) فلا شك أن كون القرآن يعرض ويعتنى به، ويدارس في الأوقات الفاضلة، دليل على فضله، فهذه مناسبة الباب للكتاب، كتاب فضائل القرآن، ومناسبة الحديث للباب ظاهرة، والحديث مخرج في صحيح مسلم أيضًا.
المقدم: قال -رحمه الله تعالى-: وعنه -﵁- أن أبا سفيان ابن حربٍ أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركبٍ من قريش كانوا تجارًا بالشام، في المدة التي كان رسول الله -ﷺ- مادّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم فدعا بالترجمان، فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم، فقال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال: لترجمانه قل لهم: إني سائل هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذبًا لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا، قال: هل كان من آبائه من ملكٍ؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدةٍ لا ندري ما هو فاعل فيها، ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه، قال: فماذا يأمركم؟ قلت يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما كان يعبد آباءكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة
[ ٤ / ٣٨ ]