فالتأديب: الحمل على محاسن الأخلاق ومكارمهما، وهذا ما يعرف عند بعضهم بأدب النفس، مقابلةً له بأدب الدرس الذي اشتهرت كتبه في أوساط المتعلمين مما يشتمل في كثيرٍ من أحيانه على ما يخالف الأدب المحمود، يعني تسمى كتب أدب، يعني لو سألتك كتاب الأغاني أيش، كتاب أيش؟ أدب، وكتاب مثلًا، الكتب الأخرى التي لا نطيل بذكرها، هذه يسمونها كتب أدب، هذا أيضًا يسمى أدب الدرس في مقابلة أدب النفس، والمطلوب أدب النفس.
[ ١١ / ٥ ]
كتب أدب الدرس اشتهرت في أوساط المتعلمين، وما يشتمل كثيرٌ منها في بعض الأحيان على ما يخالف الأدب المحمود في مصنفات ملأت دور الكتب مما يشتمل على الهزل والقصص والأخبار الماجنة كالأغاني ونحوه يسمى أهله بالأدباء، هذا أدب الدرس.
روى السمعاني في أول أدب الإملاء والاستملاء عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن الله أدبني وأحسن تأديبي - أو أحسن أدبي - ثم أمرني بمكارم الأخلاق فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [(١٩٩) سورة الأعراف]، الآية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "معناه صحيح، ولكن لا يعرف له إسنادٌ يثبت" وضعفه أيضًا السخاوي في المقاصد، والألباني في الضعيفة، وقال الزركشي: معناه صحيح لكنه لم يأتِ من طريقٍ صحيح، وذكره ابن الجوزي في الواهيات، ورمز له السيوطي في الجامع الصغير رمز الصحة، لكن كما قال أهل العلم: ليس له إسناد يثبت به، وإن كان معناه صحيحًا.
هناك الكتب التي يستفاد منها في هذا الباب، ككتب الأدب من كتب السنة، كتاب الأدب من صحيح البخاري، أو كتاب الأدب من صحيح أبي داود، أو غيرهما من كتب السنة، هذه يستفاد منها. وكتب الأدب المفردة مثل: الأدب المفرد للبخاري والبيهقي وغيرهما، وهناك أيضًا، ليست باب من أبواب كتب، وأخلاق العلماء للآجري أيضًا يستفاد منه، وهناك أيضًا جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب، وتذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لبدر الدين بن جماعة، وهناك –أيضًا- مؤلفات خاصة مثل الآداب الشرعية لابن مفلح، وغذاء الألباب للسفاريني وهو شرح لمنظومة الآداب لابن عبد القوي، وفي كتب ابن القيم من ذلك شيء كثير، يمكن أن يستخلص منه مجلد كبير في هذا الباب، وهناك نضمٌ أيضًا يفاد منه، يستفيد منه طالب العلم كمنظومة عبد القوي في منظومة الآداب لابن عبد القوي، وشرحه المذكور آنفًا، والقصيدة الميمية في الوصايا والآداب العلمية للشيخ حافظ الحكمي، وغيرها كثير، هذه يستفيد منها طالب العلم، تهذب النفوس، وأيضًا الحافظ ابن رجب له كتابات يعض عليها بالنواجذ في هذا الباب.
متفرقة.
[ ١١ / ٦ ]
متفرقة نعم .. ولا مانع من الاطلاع على الكتب كتب الأدب من النوع الثاني، مع الحذر مما فيها من المخالفات، ويحرص طالب العلم على العفيف منها، مثل زهر الآداب للحصري، وأيضًا مهذب الأغاني للخضري، مع أن الخضري لما هذب الأغاني ووجه بالنقد الشديد من قبل الأدباء، لأنه من وجهة نظرهم أهمل جانب حيوي من جوانب الآداب، وهو المجون.
لكن يُحرص على الأدب العفيف، ويستفاد من هذه الكتب فوائد لو لم يكن منها إلا استجمام الذهن، وأيضًا الأخبار يستفاد منها، أخبار الأمم الماضية كما في كتب التاريخ، وأخبار الدول يتعرضون لهذا، كتب الأدب يتعرضون للتواريخ، ففيها اعتبار من جهة، وفيها أيضًا استجمام للذهن، لكن لا يوغل في هذا، بل يكون معوله على الكتاب والسنة.
«فأحسن تأديبها» من غير عنف وضرب، بل باللطف والرفق؛ لأنه أدعى للقبول، وهكذا ينبغي أن يكون المربي على قدرٍ كبير من الحكمة ورعاية المصلحة، وقل مثل هذا في الداعية والمعلم والقاضي، فهم مربون في الحقيقة، لا بد أن يحسنوا التأديب، ولا ينفروا الناس.
وعلمها من أحكام الشريعة ما يجب عليها، فأحسن تعليمها لتوخي الأسلوب المناسب، والتبريد في التعليم.
يقول الكرماني: فإن قلت: أليس التأديب داخلًا تحت التعليم؟
نعم، إذا قلنا أن الأدب فرع من فروع العلم والمعرفة، فيكون التأديب داخل في التعليم، فيقول الكرماني: فإن قلت: أليس التأديب داخلًا تحت التعليم؟ قلت: لا، التأديب يتعلق بالمروءات، والتعليم بالشرعيات، أي الأول عرفي، والثاني شرعي، أو الأول دنيوي والثاني أخروي ديني.
من أهل العلم حينما يشترطون في العدالة ملازمة التقوى والمروءة، ملازمة التقوى بالشرعية، بأن لا يرتكب محظور، أو يترك مأمور من الشرعيات، أما المروءة فهي مراعاة أحوال الناس، من حيث لا يخرج على عادة الناس وأعرافهم، فهي مسألة عرفية.
[ ١١ / ٧ ]
«ثم أعتقها فتزوجها» وفي كتاب النكاح: وقال أبو بكر عن أبي حصير عن أبي بردة عن أبيه عن النبي -ﷺ-: «أعتقها ثم أصدقها»، قال الحافظ: كأنه أشار بهذه الرواية إلى أن المراد بالتزويج في الرواية الأخرى: أن يقع بمهرٍ جديد سوى العتق، يعني لا يكون العتق هو المهر، رواية الباب: «ثم أعتقها فتزوجها» ليس فيها ذكر للصداق، والرواية التي أوردها البخاري في كتاب النكاح: «أعتقها ثم أصدقها» يقول الحافظ: كأنه أشار بهذه الرواية إلى أن المراد بالتزويج في الرواية الأخرى أن يقع بمهرٍ جديد سوى العتق، لا كما وقع في قصة صفية، كما سيأتي في الباب الذي بعده، فأفادت هذه ثبوت الصداق، فإنه لم يقع التصريح به في الطريق الأولى فظاهره أن يكون العتق نفس المهر.
الظاهر من قصة صفية أن الرسول -﵊- أعتقها وجعلها عتقها صداقها، حديث الباب: «ثم أعتقها فتزوجها» ظاهره عدم ذكر الصداق، لكن رواية البخاري لهذا الحديث: «أعتقها ثم أصدقها»، ويستفاد من الرواية في كتاب النكاح أن الصداق لا بد منه، فالباب الذي في كتاب النكاح من صحيح البخاري، يقول -رحمه الله تعالى-: باب من جعل عتق الأمة صداقها، وساق بإسناده عن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ-: «أعتق صفية وجعل عتقها صداقها»، قال ابن حجر: أخذ بظاهره من القدماء -يعني بعدم ذكر الصداق، وأنه يصح جعل العتق هو المهر- يقول: أخذ بظاهره من القدماء سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وطاووس والزهري، ومن فقهاء الأنصار الثوري وأبو يوسف وأحمد بن حنبل وإسحاق قالوا: إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صح العقد، والعتق والمهر على ظاهر الحديث، يصح العقد -عقد النكاح- ويصح العتق، ويصح المهر، والمهر هو العتق.
[ ١١ / ٨ ]
وأجاب الباقون عن ظاهر الحديث أي: «جعل عتقها صداقها» وحديث الباب: «ثم أعتقها فتزوجها» أجاب الباقون عن ظاهر الحديث أجوبة أقربها إلى لفظ الحديث: أنه أعتقها بشرط أن يتزوجها، فوجبت له عليها قيمتها، وكانت معلومة فتزوجها بها، حديث «أعتق صفية وجعل عتقها صداقها» كأنه قال: أعتقك على أن أتزوجك، بمعنى كأنه قال: يعتقك بمبلغ كذا، ويكون هو الصداق؛ لأنهم قالوا: أنه أعتقها بشرط أن يتزوجها، فوجبت له عليها قيمتها وكانت معلومة فتزوجها بها، وقال آخرون: هذا من خصائصه -ﷺ- له أن يجعل العتق صداقًا.
وممن. . . . . . . . . من ذلك الماوردي، وقيل: أن هذا ظنٌ من أنس -﵁-، أنس الذي قال: جعل عتقها صداقها، فهذا بناءً على فهمه هو.
وقيل: إن هذا ظنٌ من أنس -﵁-، وإلا فقد أصدقها أمة، يقال لها رزينة، كما عند البيهقي لكنه ضعيف لا تقوم به الحجة؛ لأنه لا يقال منه: «وجعل عتقها صداقها»، وقال الترمذي بعد أن خرج الحديث، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق: وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها، حتى يجعل لها مهرًا سوى العتق، والقول الأول أصح.
قال ابن حجر: وكذا نقل ابن حزم عن الشافعي، والمعروف عند الشافعية أن ذلك لا يصح، أي: لا يجعل العتق صداق، وإنما لا بد من تسمية مهر غير العتق.
وقال ابن دقيق العيد: الظاهر مع أحمد ومن وافقه، والقياس مع الآخرين، فيتردد الحال بين ظن نشأ عن قياس، وبين ظنٍ نشأ عن ظاهر الخبر، مع ما تحتمله الواقعة من الخصوصية، وهي وإن كانت على خلاف الأصل، يعني خصوصية لكن يتقوى ذلك بكثرة خصائص النبي -ﷺ- في النكاح.
أقول: تخصيصه -ﷺ- بذلك ليس ببعيد، مثل اختصاصه بالواهبة، الواهبة المذكورة في سورة الأحزاب ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [(٥٠) سورة الأحزاب] فمن خصائصه في النكاح من وهبت نفسها له دون صداق، وهذا لا يصح لغيره؛ لأن خالصة له -﵊- من دون المؤمنين. فليقل مثل هذا من خصائصه.
[ ١١ / ٩ ]
يقول الحافظ ابن كثير: ويحل لك أيها النبي المرأة المؤمنة إن وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهرٍ إن شئت ذلك، وقصة الواهبة في البخاري وغيره، طلب النبي -ﷺ-. . . . . . . . . من طلبها من الصحابة المهر، الآية منصوص على أنها خالصة له من دون المؤمنين، وهي محمولة على أنها بدون صداق، الواهبة التي جاءت في صحيح البخاري وغيره وهبت نفسها للنبي -ﷺ-. يعني لو قبلها النبي -﵊- لصح نكاحها من غير مهر، لكن لما أعرض عنها وطلبها الصحابي قال له النبي -ﷺ-: «التمس ولو خاتمًا من حديد» فدل على أنه لا بد من المهر من غيره -ﷺ-.
إذًا لعلنا إن شاء الله يا شيخ نبدأ بمثل هذه القضية وإشكالياتها في حلقة قادمة لانتهاء وقت هذه الحلقة، مع شكري الجزيل لكم بعد شكر الله على ما تفضلتم به.
[ ١١ / ١٠ ]
التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح