ويمنع أهل المسجد من الخصومة في المسجد، فالمسجد للصلاة والذكر ودروس العلم، وما والاه.
أما الخصومة فلا تجوز في المسجد كأن يتعارك اثنان على أمر دنيوي، أو أن يأتي صاحب حاجة يبحث عن من أخذ ماله في المسجد.
فقد حدث مرة في مسجد النبي ﷺ أن تخاصم اثنان في مال فقد كان كعب عليه مال لـ ابن أبي حدرد، وجاء ابن أبي حدرد في المسجد وكأنه لم ينتبه أن النبي ﷺ موجود وقال له: هات الذي عليك، فارتفع صوته هو والآخر، فخرج النبي ﷺ وقال لـ ابن أبي حدرد: (ضع الشطر -أي: ضع شطر المال الذي تطلبه فهذه المجادلة ليس مكانها المسجد- فالرجل قال: أفعل، قال النبي ﷺ للآخر: قم فاقضه)، وأنهى الخصومة ﷺ.
فالمسجد ليس محلًا لسماع القضايا المالية، ولا يجوز فيه البيع ولا الشراء ولا الإجارة ولا نحوها من العقود.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا) فلو أضاع إنسان مالًا داخل المسجد، أو ضاع منه مال خارج المسجد فجاء المسجد فسأل الناس عن ماله، فالنبي ﷺ لم يكتف بأن قال: لا تنشد الضالة في المسجد، وإنما دعى على الذي ينشد ضالته حتى يمتنع عن فعله، وحين يعرف أن جزاءه أن يقول الناس له: نسأل الله أن لا تجد هذا المال فإنه سيمتنع من إنشاده داخل المسجد، فالمساجد لم تبن للخصومات، ولا لرفع الأصوات.
أيضًا في البيع والشراء قال ﷺ: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك) فإذا أتى إنسان بسلعة ويريد أن يبيعها في المسجد فادع عليه بلا أربح الله تجارتك؛ لكي يمتنع عن فعل ذلك في المسجد.
فالمسجد سوق للدار الآخرة، ولذلك كان بعض التابعين عندما يجد إنسانًا يتكلم في البيع والشراء يقول: يا هذا! إن هذا سوق الآخرة اذهب إلى سوق الدنيا، فبيت الله لذكر الله سبحانه وللصلاة.
روى مسلم عن بريدة ﵁ أن رجلًا نشد في المسجد فقال: من دل على الجمل الأحمر، والجمل الأحمر من الأموال النفيسة عند العرب، فالرجل ضاع منه جمل أحمر، فذهب ينشده في المسجد، فقال له رسول الله ﷺ: (لا وجدته لا وجدته؛ إنما بنيت المساجد لما بنيت له).
إذًا فالإنسان الذي ضاع منه شيء إذا أراد أن ينادي بالبحث عنه فليكن ذلك خارج المسجد إما في السوق أو يعلن في أي مكان آخر.
جاء عنه ﷺ (أنه نهى عنه البيع والشراء في المسجد وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر)، وهذا من عادة أهل الجاهلية، فقد كانوا عندما يتقابلون في سوق عكاظ يقول هذا شعرًا والثاني يرد عليه بشعر مثله، فنهى عنه النبي ﷺ أن يكون ذلك داخل المسجد.
أما الشعر في شيء تعليمي كأن تكون قصيدة في علم من العلوم كالفقه أو أصول الفقه أو مصطلح الحديث، فهذا جائز، وكذلك أن يكون هذا الشعر فيه مدح لدين الله ﷿ أو دفاع عن دين الله فهذا قد حدث في مسجد النبي ﷺ ولم ينكره صلوات الله وسلامه عليه.
روى البخاري أيضًا في الحديث نفسه (نهى أن ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة) فخطبة الجمعة هي الموعظة فلا معنى إذًا في عشرين موعظة في المسجد يوم الجمعة، فيجلس الناس حلقة قبل الجمعة كل واحد يأتي بموعظة سواءً قبل الخطبة أو بعدها مباشرة.
فقبل الخطبة الأفضل أن ينشغل الناس بالذكر وقراءة القرآن وبالصلاة، ولذلك جاء عن النبي ﷺ في الرجل الذي يأتي المسجد يوم الجمعة، فقال: (من بكر وابتكر، وغسل واغتسل، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع وأنصت ولم يلغ كتب له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها) وجاء في حديث آخر قال: (فجاء إلى بيت الله فصلى ما كتب له) يعني جاء ينتقل قبل أن يأتي الإمام، ولما جاء الإمام جلس ليستمع لخطبة الجمعة، فلو أن الناس تحلقوا قبل الجمعة، فستضيق كل حلقة على الناس المكان، فلا يستطيع الناس الجلوس، فسد النبي ﷺ الذريعة من أولها، فنهى عن عمل حلقات قبل صلاة الجمعة لكي يكفي المسجد للجميع فيصطف الناس صفوفًا فيكفيهم بيت الله ﷾، وأيضًا لا ينشغل الناس عن الصلاة وعن الذكر بالكلام قبل الصلاة.
روى البخاري عن السائب بن يزيد ﵁ قال: كنت قائمًا في المسجد فحصدني رجل -أي: رماني بالحصى- فنظره فوجده عمر ﵁، وقد فعل ذلك لئلا يرفع صوته، وإنما أراد أن يناديه فرمى عليه الحصى فانتبه السائب حين أبصر الحصى وذهب إلى عمر ﵁، فقال: اذهب فائتني بهذين، وكانا يتكلمان بصوت مرتفع، فأتى له بهما فقال: من أين أنتما؟ أو من أنتما؟ فقالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، فمن الواضح أنكما جهلة لا تعرفانت، فعذرهما بجهلهما، فقال: ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ؟! فأنكر عليهما ﵁ ذلك.
ومسجد رسول الله ﷺ له فضيلة عظيمة، وكل المساجد لها فضيلة فهي بيوت الله سبحانه، فما لا يباح في مسجد النبي ﷺ لا يباح في غيره أيضًا، فعلى ذلك لا ينبغي للمسلم أن يرفع صوته بخصومة ولا بنداء ولا بغيره في بيت الله سبحانه إلا إن يحتاج إلى شيء فيتكلم بصوت منخفض.
فيصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين فيه، حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه لا يجوز، وكذلك توسيخهم لفراشه، كان يأتي أحدهم بابنه ومعه مأكول فيأكله ويلوث به أرض المسجد فهذا غير جائز.
وقد ذكرنا فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية: يصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين فيه، حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه، وكذلك توسيخهم الحصر ونحو ذلك، لاسيما إن كان ذلك في وقت الصلاة فإن ذلك من عظيم المنكرات.
وهذا الكلام الفقهي الرصين المتين لـ شيخ الإسلام ﵀، وليس كمثل بعض الناس ممن ينعق بما لا يعلم، ويقول: الكنائس يأتون فيها بالأطفال الصغار فاتركوا المسجد كالكنائس.
ويقول: النبي ﷺ كان يأخذ أمامة ودخل بها المسجد، فيجوز لي أن أعمل مثل النبي ﷺ، وجواب هذا أن نلزمه بما يقول، فقد أخذ أمامة ودخل بها وصلى وهو يحملها صلوات الله وسلامه عليه، فعليك إذًا أن تأخذ ابنك ولا تضعه في الأرض فيؤذي الناس، واعمل كالنبي ﷺ، فقد أخذ أمامة وهو واقف في الصلاة، فلما ركع وضعها بجواره، فلما رفع رفعها ﷺ، ولما سجد وضعها بجواره، وهكذا فعل في صلاته ﷺ، فإذا كنت تحتج بذلك فافعل كما فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولم يأت عنه ﷺ أنه كان يأتي بها كل صلاة ويدخل بها المسجد ﵊، فلم يأت بها إلا مرة واحدة.
وقد ركب الحسن ظهر النبي ﷺ وهو ساجد فخشي أن يزعج الناس فظل النبي ﷺ ساجدًا والغلام على ظهره، وخشي أن يرفع مرة واحدة فيصرخ الطفل، فظل ﷺ ساجدًا ثم رفع بعد ذلك، وظن الناس أن النبي ﷺ توفي في هذه السجدة فأخبرهم: (إنه ليس كما ظننتم، ولكن ارتحلني ابني فكرهت أن أعجله)، أي: أعجل في ذلك فيبكي الصبي فيزعج المصلين في المسجد ببكائه.
يقول الإمام النووي ﵀: يكره إدخال المجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد؛ لأنه لا يؤمن تلويثهم إياه.
قال: ولا يحرم ذلك.
أي: إذا عرف الإنسان أن ابنه لن يلوث المسجد فغايته أن يكره في هذه الحال، فإذا علم أنه سيلوثه فيحرم عليه الإتيان به، وذكر أن رسول الله ﷺ صلى حاملًا أمامة بنت زينب ﵄ وطاف على بعيره ﷺ في المسجد.
يقول النووي ﵀: ولا ينفي هذا الكراهة.
يعني الذي يقول أن النبي ﷺ أخذ أمامة ودخل بها المسجد، فالعلماء يقولون: إن النبي ﷺ يشرع للأمة فيفعل الشيء الذي لو فعله غيره كان مكروهًا، ولكنه بالنسبة للنبي ﷺ يكون مستحبًا فلو اضطررت في مثل هذه الصورة فلابد أن تفعل كما فعل النبي ﷺ.
يقول في حاشية قليوبي وعميرة عن كلام النووي هذا: اعترضه الأسنوي بتصريحهم بتحريم إدخال الصبيان المساجد كما نقله الرافعي عن صاحب العدة.
وقال الأسنوي: هذا صريح في التحريم عند غلبة النجاسة، والكراهة عند عدم الغلبة، فقيد الأمر بذلك، فلو أن الأطفال حال وجودهم في المسجد يمكن أن يحصل منهم الأذى، كأن يتبولون في المسجد أو يتغوطون أو أن يفسدون في أرض المسجد فيحرم إدخالهم، أما إذا كان الصبي لا يؤذي أحدًا من المصلين بل يصلي فغايته الكراهة، أي: إذا كان الصبي دون التمييز، أما إذا كان فوق سن التمييز فعلى ذلك يستحب أن يؤتى به للمسجد إذا جاوز سبع سنوات ويؤمر ويزجر حتى يتعلم آداب الصلاة.
[ ٤ / ٩ ]