انْتهى حَدِيث عَائِشَة على مَا ورد فِي " صَحِيح مُسلم ".
وَفِي الحَدِيث دَلِيل على صِحَة الرُّؤْيَا وَأَنَّهَا إِذا كَانَت صَادِقَة وَقعت.
وَفِيه دَلِيل على أَن الاعتزال وَالْخلْوَة والمجاورة أفرغ لقلب المتعبد.
وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الدُّنْيَا لَا بُد فِيهَا من التَّرَدُّد فِي التزود.
وَفِيه دَلِيل على أَن مَكَارِم الْأَخْلَاق وخصال الْخَيْر تَقِيّ مصَارِع السوء وَالله أعلم
قَوْلهَا فِي " صَحِيح البُخَارِيّ ": " لم ينشب ورقة أَن توفّي ":
قَالَ ابْن بطال: " أَي لم ينشب فِي شَيْء من الْأُمُور، وَكَأن هَذِه اللَّفْظَة عِنْد الْعَرَب عبارَة عَن السرعة والعجلة ".
قَالَ ابْن الْقَزاز: " الْعَرَب تَقول: مَا نشب فلَان أَن يفعل كَذَا أَي مَا لبث أَن فعله، وَمَا نشبت أسأَل عَن خبرك أَي مَا زلت ".
قَالَ الْحَرْبِيّ: " أَي لم يشْتَغل بِغَيْر مَا كَانَ فِيهِ وَلَا أعرض عَنهُ ".
وَمثله: " ثمَّ لم ينشب أَن طَلقهَا " أَي لم يتَعَلَّق بِشَيْء حَتَّى طلق كَمَا ينشب بالشَّيْء بالشَّيْء.
[ ١٧٦ ]
وَحكى الْبَرْمَكِي فِي كِتَابه " الْمُنْتَهى ": " مَا نشب أَن فعل كَذَا أَي مَا لبث، وَمَا نشبت أَقُول ذَلِك ".
قلت:
فقولها: " أَن توفّي ط يكون بَدَلا من " ورقة " أَي لم تلبث وَفَاته أَي أَنَّهَا أسرعت وَلم تبطئ، أَو التَّقْدِير: فِي أَن توفّي، أَي لم يلبث فِي أَمر الْوَفَاة بل فاضت نَفسه فِي ذَلِك الأوان، وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا لبث أَن جَاءَ بعجل حنيذ﴾
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي " تَفْسِيره ":
" فَمَا لبث فِي المجئ بِهِ بل عجل فِيهِ، أَو فَمَا لبث مَجِيئه ".
قَوْله: " وفتر الْوَحْي فَتْرَة حَتَّى حزن النَّبِي - ﷺ - فِيمَا بلغنَا حزنا غَدا مِنْهُ مرَارًا كي يتردى من رُؤُوس شَوَاهِق الْجبَال ":
هَذَا من كَلَام الزُّهْرِيّ أَو غَيره غير عَائِشَة وَالله أعلم لقَوْله: " فِيمَا بلغنَا "، (وَلم تقل عَائِشَة فِي شَيْء من هَذَا الحَدِيث ذَلِك وَأَن كَانَت لم
[ ١٧٧ ]
تدْرك وقته، وحديثها هَذَا من جملَة الْأَحَادِيث الَّتِي يعبر عَنْهَا بمراسيل الصَّحَابَة) .
وفتر الْوَحْي: أَي انْكَسَرَ وَضعف وَقل وَانْقطع وَمَضَت على ذَلِك مُدَّة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿على فَتْرَة من الرُّسُل﴾ أَي على حِين فتور من إرْسَال الرُّسُل وَانْقِطَاع من الْوَحْي، وَيُقَال: طرف فاتر أَي منكسر، وَمَاء فاتر للَّذي قلت برودته أَو حرارته، وَلم يذكر فِي الحَدِيث مِقْدَار الفترة.
قَالَ السُّهيْلي: " وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث المسندة أَنَّهَا كَانَت سنتَيْن وَنصف سنة ".
قَالَ: " فَمن هَا هُنَا يتَّفق مَا قَالَه أنس بن مَالك أَن مكثه - ﷺ - بِمَكَّة كَانَ عشر سِنِين، وَقَول ابْن عَبَّاس: ثَلَاث عشرَة سنة، وَكَانَ قد ابتدئ بالرؤيا الصادقة سِتَّة أشهر، فَمن عد هَذِه الفترة وأضاف إِلَيْهَا الْأَشْهر السِّتَّة كَانَت كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس، وَمن عدهَا من حِين حمي الْوَحْي وتتابع كَمَا فِي حَدِيث جَابر كَانَت عشر سِنِين ".
قَالَ: " وَوجه آخر فِي الْجمع بَين الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ أَن الشّعبِيّ قَالَ: وكل إسْرَافيل بنبوة مُحَمَّد - ﷺ - ثَلَاث سِنِين، ثمَّ جَاءَهُ جِبْرِيل بِالْقُرْآنِ ".
[ ١٧٨ ]
قلت: وَهَذَا مُنْقَطع قَالَ حَنْبَل بن إِسْحَاق: ثَنَا أَبُو عبد الله، ثَنَا مُحَمَّد بن أبي عدي، عَن دَاوُد، عَن عَامر قَالَ: نزلت عَلَيْهِ النُّبُوَّة وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة، فقرن بنبوته إسْرَافيل ثَلَاث سِنِين، فَكَانَ يُعلمهُ الْكَلِمَة وَالشَّيْء وَلم ينزل الْقُرْآن، فَلَمَّا مَضَت ثَلَاث سِنِين قرن بنبوته جِبْرِيل، فَنزل الْقُرْآن على لِسَانه عشْرين: عشرا بِمَكَّة وَعشرا بِالْمَدِينَةِ، فَمَاتَ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ.
وَقَالَ ابْن إِسْحَاق فِي حَدِيثه: " ثمَّ فتر الْوَحْي عَن رَسُول الله - ﷺ - فَتْرَة حَتَّى شقّ عَلَيْهِ وأحزنه فَقَالَ فِي نَفسه - مِمَّا بلغ ذَلِك مِنْهُ -: لقد خشيت أَن يكون صَاحِبي قد قلاني فودعني، فَجَاءَهُ جِبْرِيل بِسُورَة " وَالضُّحَى " يقسم لَهُ ربه وَهُوَ الَّذِي أكره بِمَا أكْرمه ﴿مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ ".
وشواهق الْجبَال: المرتفعات مِنْهَا وَاحِدهَا شَاهِق.
ويتردى: أَي يَرْمِي نَفسه وَيسْقط.
قَوْله: " فَكلما أوفى بِذرْوَةِ جبل لكَي يلقِي نَفسه مِنْهُ تبدا لَهُ جِبْرِيل فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، أَنَّك رَسُول الله حَقًا ".
أوفى: أَي أشرف.
وذروة كل شي: أَعْلَاهُ، وَجَمعهَا ذرا.
[ ١٧٩ ]
وتبدا لَهُ: أَي ظهر.
قَالَ السُّهيْلي: " وَاسم جِبْرِيل سرياني، وَمَعْنَاهُ عبد الرَّحْمَن أَو عبد الْعَزِيز، هَكَذَا جَاءَ عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا أَيْضا وَالْوَقْف أصح، وَأكْثر النَّاس على أَن آخر الِاسْم مِنْهُ هُوَ اسْم الله وَهُوَ: إيل ".
قَالَ: " وَكَانَ شَيخنَا ﵀ يذهب مَذْهَب طَائِفَة من أهل الْعلم فِي أَن هَذِه الْأَسْمَاء إضافتها مَقْلُوبَة، وَكَذَلِكَ الْإِضَافَة فِي كَلَام المعجم يَقُولُونَ فِي غُلَام زيد: زيد غُلَام، فعلى هَذَا يكون " إيل " عبارَة عَن العَبْد، وَيكون أول الِاسْم عبارَة عَن اسْم من أَسمَاء الله، أَلا ترى كَيفَ قَالَ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: " جبرئيل " و" مكائيل " كَمَا تَقول: عبد الله وَعبد الرَّحْمَن، أَلا ترى أَن لفظ " عبد " يتَكَرَّر إِذا قلت: عبد الله وَعبد الْعَزِيز وَعبد الرَّحْمَن، كَمَا أَن " إيل " فِي هَذِه الْأَسْمَاء يتَكَرَّر بِلَفْظ وَاحِد والأسماء ألفاظها مُخْتَلفَة ".
ثمَّ قَالَ: " وَاتفقَ فِي اسْم جِبْرِيل ﵇ أَنه مُوَافق من جِهَة الْعَرَبيَّة لمعناه وَإِن كَانَ أعجميا فَإِن الْجَبْر هُوَ إصْلَاح مَا وهى، وَجِبْرِيل مُوكل بِالْوَحْي، فِي الْوَحْي إصْلَاح مَا فسد وجبر مَا وهى من الدّين، وَلم يكن هَذَا الِاسْم مَعْرُوفا بِمَكَّة وَلَا بِأَرْض الْعَرَب، فَلَمَّا أخبر النَّبِي - ﷺ - خَدِيجَة
[ ١٨٠ ]
انْطَلَقت تسْأَل من عِنْده علم من الْكتاب كعداس ونسطور الراهب فَقَالَا: قدوس قدوس، أَنى لهَذَا الِاسْم أَن يذكر بِهَذِهِ الْبِلَاد ".
وَسُئِلَ مَالك عَن التسمي بِجِبْرِيل؟ فكره ذَلِك وَلم يُعجبهُ.
وَحقا: مصدر مُؤَكد لِمَعْنى الْجُمْلَة الْمُتَقَدّمَة أَي أَحَق ذَلِك حَقًا، أَو حق أَنْت إِنَّك رَسُول الله حَقًا.
قَوْلهَا: " فيسكن لذَلِك جأشه، وتقر نَفسه، فَيرجع فَإِذا طَال عَلَيْهِ فَتْرَة الْوَحْي غَدا لمثل ذَلِك، فَإِذا أوفى بِذرْوَةِ جبل تبدا لَهُ جِبْرِيل فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك ":
لذَلِك: أَي لأجل قَول جِبْرِيل ذَلِك.
" والجأش: جأش الْقلب وَهُوَ رواعه إِذا اضْطربَ عِنْد الْفَزع يُقَال: فلَان رابط الجأش أَي يرْبط نَفسه عِنْد الْفِرَار لشجاعته ".
" والقرار فِي الْمَكَان: الِاسْتِقْرَار فِيهِ تَقول مِنْهُ: قررت بِالْمَكَانِ بِالْكَسْرِ أقرّ قرارا، وقررت أَيْضا بِالْفَتْح أقرّ قرارا وقرورا، وقررت بِهِ عينا وقررته عينا قُرَّة وقرورا فيهمَا، وَرجل قرير الْعين، وَقد قرت عينه تقر وتقر نقيض سخنت، وَأقر الله عينه أَي أعطَاهُ حَتَّى تقر فَلَا تطمح إِلَى من هُوَ فَوْقه،
[ ١٨١ ]
وَيُقَال: حَتَّى تبرد وَلَا تسخن، فللسرور دمعة بَارِدَة وللحزن دمعة حارة ". قَالَ ذَلِك كُله الْجَوْهَرِي:
فَقَوله: " وتقر نَفسه " أَي تَسْتَقِر وَيَزُول مَا كَانَ بهَا من الِاضْطِرَاب والقلق.
قَالَ الْهَرَوِيّ: " اقر الله عَيْنك أَي صَادف فُؤَادك مَا يرضيك فَيقر عَيْنك من النّظر إِلَى غَيره ".
قَالَ: " وَقيل: أقرّ الله عينه أَي أنامها ".
قَوْله فِي حَدِيث جَابر فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": قَالَ رَسُول الله - ﷺ - وَهُوَ يحدث عَن فَتْرَة الْوَحْي قَالَ فِي حَدِيثه: " فَبينا أَنا أَمْشِي سَمِعت صَوتا من السَّمَاء فَرفعت رَأْسِي فَإِذا الْملك الَّذِي جَاءَنِي بحراء جَالِسا على كرْسِي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ":
وَفِي رِوَايَة صَالح عَن الزُّهْرِيّ: " فَبينا أَنا أَمْشِي إِذا أَنا بِالْملكِ الَّذِي أَتَانِي فِي غَار حراء على سَرِير بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ".
بَينا: هِيَ " بَين " أشبعت فتحتها فَصَارَت " بَينا " بِوَزْن فعلى، وَمِنْهُم من يزِيد على " بَين " لَفْظَة " مَا " فَيَقُول: " بَيْنَمَا " وَيجوز أَن
[ ١٨٢ ]
تكون " بَينا " محذوفة الْمِيم من " بَيْنَمَا " توسعا فِي اللُّغَة لما عرف موضعهَا الَّذِي تسْتَعْمل فِيهِ وَهُوَ إضافتها إِلَى الْجمل على حذف مُضَاف من أَسمَاء الزَّمَان.
فَقَوله: " فَبينا أَنا أَمْشِي " أَي فَبين أَوْقَات مشيي كَمَا أَن تَقْدِير قَوْلك: أَتَيْتُك زمن الْحجَّاج أَمِيرا، أَي زمن إمارته.
وَقَوله: " سَمِعت صَوتا " أَي إِذا سَمِعت صَوتا فَحذف " إِذْ " وَهُوَ الْأَفْصَح عِنْد الْأَصْمَعِي وَغَيره من الْأَئِمَّة كَمَا قَالَ:
(بَينا نَحن نرقبه أَتَانَا )
أَي سَمِعت الصَّوْت فِي أثْنَاء أَوْقَات مشيي، وَلَو كَانَ فِي الْكَلَام لَفْظَة " إِذْ " لَكَانَ التَّقْدِير: فاجأني سَماع الصَّوْت فِي أثْنَاء أَوْقَات مشيي لِأَن " إِذْ " أُقِيمَت فِي ذَلِك مقَام المفاجأة، وَكَذَلِكَ " إِذا " كَمَا قَالَ فِي الحَدِيث بعد ذَلِك وَهُوَ جِبْرِيل ﵇ دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث الْمُتَقَدّم.
وَفِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر: " سَمِعت صَوتا من السَّمَاء يَقُول: يَا مُحَمَّد، أَنْت رَسُول الله وَأَنا جِبْرِيل، فَرفعت رَأْسِي فَإِذا جِبْرِيل فِي صُورَة رجل صَاف قَدَمَيْهِ فِي أفق السَّمَاء ".
قَالَ السُّهيْلي: " وَفِي حَدِيث جَابر أَنه رَآهُ على رَفْرَف، ويروى: " على عرش بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ".
وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان الْحَافِظ: ثَنَا ابْن بكير ثَنَا عبد الله بن لَهِيعَة، حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة أَن نَبِي الله
[ ١٨٣ ]
- ﷺ - كَانَ أول شَأْنه يرى فِي الْمَنَام، فَكَانَ أول مَا رأى جِبْرِيل بأجياد أَنه خرج لبَعض حَاجته فَصَرَخَ بِهِ: يَا مُحَمَّد، يَا مُحَمَّد، فَنظر يَمِينا وَشمَالًا فَلم ير شَيْئا، ثمَّ نظر فَلم ير شَيْئا، فَرفع بَصَره فَإِذا هُوَ يرَاهُ ثَانِيًا إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى على أفق السَّمَاء فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، جِبْرِيل جِبْرِيل، يسكنهُ، فهرب مُحَمَّد - ﷺ - حَتَّى دخل فِي النَّاس فَنظر فَلم ير شَيْئا، ثمَّ خرج من النَّاس ثمَّ نظر فَرَآهُ فَدخل فِي النَّاس (فَنظر) فَلم ير شَيْئا، ثمَّ خرج فَنظر فَرَآهُ، فَذَلِك قَول الله ﷿: ﴿والنجم إِذا هوى مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى﴾ يَعْنِي إِلَى قَوْله: ﴿علمه شَدِيد القوى﴾ وَهُوَ جِبْرِيل ﴿ذُو مرّة فَاسْتَوَى وَهُوَ بالأفق الْأَعْلَى﴾ .
وَفِي " صَحِيح البُخَارِيّ " عَن عَائِشَة أَن النَّبِي - ﷺ - رأى جِبْرِيل مرَّتَيْنِ فِي صورته وخلقه سَادًّا مَا بَين الْأُفق، فَهَذِهِ هِيَ الْمرة الأولى فِي ابْتِدَاء النُّبُوَّة، وَالثَّانيَِة عِنْد سِدْرَة المنتهي لَيْلَة الْإِسْرَاء.
وَفِي " صَحِيح البُخَارِيّ " أَيْضا عَن عَلْقَمَة، عَن عبد الله فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد رأى من آيَات ربه الْكُبْرَى﴾ قَالَ: " رأى رفرفا أَخْضَر قد
[ ١٨٤ ]
مَلأ الْأُفق ".
قَالَ الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ: " يُرِيد بذلك أَنه رأى جِبْرِيل ﵇ فِي صورته على رَفْرَف أَخْضَر ".
وَوَقع فِي " صَحِيح مُسلم ": " جَالِسا " بِالنّصب على الْحَال، وَخبر الْمُبْتَدَأ يكون محذوفا أَي كَائِن أَو مُسْتَقر أَو مَوْجُود أَو نَحْو ذَلِك.
وَمن رَوَاهُ: " جَالس " بِالرَّفْع فَهُوَ ظَاهر لِأَنَّهُ خبر الْمُبْتَدَأ وَلَا حَاجَة إِلَى الْإِضْمَار وَهُوَ الْمَعْرُوف الْمُسْتَعْمل فِي هَذَا الْبَاب كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِذا أَنْتُم بشر تنتشرون﴾، ﴿إِن كَانَت إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة فَإِذا هم خامدون﴾، ﴿فَإِذا هم جَمِيع لدينا محضرون﴾، ﴿ثمَّ نفخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذا هم قيام ينظرُونَ﴾، ﴿خلق الْإِنْسَان من نظفة فَإِذا هُوَ خصيم مُبين﴾، ﴿وَآيَة لَهُم اللَّيْل نسلخ مِنْهُ النَّهَار فَإِذا هم مظلمون﴾، ﴿فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين﴾، ﴿فَإِذا هِيَ شاخصة أبصار الَّذين كفرُوا﴾، وَهُوَ كثير
[ ١٨٥ ]
وَهَذِه هِيَ الْمَسْأَلَة الَّتِي خَالف الْكسَائي فِيهَا سِيبَوَيْهٍ لما تناظرا فَقَالَهَا سِيبَوَيْهٍ بِالرَّفْع (لَا غير)، وَقَالَهَا الْكسَائي بِالنّصب (وَالرَّفْع) والأرجح الرّفْع لما ذَكرْنَاهُ، وسنبين ذَلِك فِي " شرح مَا نظمته فِي النَّحْو " إِن شَاءَ الله تَعَالَى بِزِيَادَة على مَا ذَكرْنَاهُ وَالله أعلم.
قَوْله: " فجئثت مِنْهُ فرقا ":
وَفِي رِوَايَة: " رعْبًا ".
وجئثت: أَوله جِيم مَضْمُومَة بعْدهَا همزَة مَكْسُورَة ثمَّ ثاء مُثَلّثَة ويروي بثاءين بعد الْجِيم وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد.
وَفِي رِوَايَة: " فجئنت مِنْهُ حَتَّى هويت إِلَى الأَرْض ".
أما جئثت: فَقَالَ الْهَرَوِيّ: " مَعْنَاهُ ذعرت يُقَال: جئث الرجل وجئف وجث أَي فزع، وَقَالَهُ الْأَزْهَرِي أَيْضا.
وَقَالَ الْجَوْهَرِي: " وجئث الرجل إِذا أفزع فَهُوَ مجؤوث أَي مذعور ".
[ ١٨٦ ]
وَقَالَ أَبُو عبيد: " جث الرجل جثا فَهُوَ مجثوث إِذا فزع وَخَافَ ".
وَقَالَ الْمَازرِيّ: " يرْوى: فجثثت بِالْحَاء غير مُعْجمَة وَمَعْنَاهُ: أسرعت خوفًا مِنْهُ ".
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم: ثَنَا أَحْمد بن إِسْحَاق، ثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن سُلَيْمَان، ثَنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، ثَنَا عبد الله بن وهب، أَخْبرنِي يُونُس ين يزِيد، عَن ابْن شهَاب فَذكر الحَدِيث وَقَالَ: " فحثثت ".
قَالَ مُحَمَّد بن أَحْمد: " هَكَذَا قَالَ لنا يُونُس فحثثت بِالْحَاء، وَكَانَ يُنكر على أهل الْعرَاق فجثثت بِالْجِيم ".
قَالَ: " والرواة اخْتلفت فِي هَذِه اللَّفْظَة فرويت: جئثت وجثثت وحثثت بِالْحَاء ".
قَالَ عِيَاض: " أَكثر رِوَايَات الروَاة فِي هَذَا الْحَرْف فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْأَوَّلين فِي الْأُم: فجئثت بِالْجِيم وهمزة مَكْسُورَة بعْدهَا وثاء مُثَلّثَة، وَكَذَا للعذري فِي الْموضع الثَّالِث، وَعند الْجَمَاعَة فِيهِ: فجثثت بِالْجِيم وثاءين معجمتين بِثَلَاث، وَكَذَا عِنْد السَّمرقَنْدِي فِي املواضع الثَّلَاثَة، وَكَذَلِكَ اخْتلفت فِيهِ الرِّوَايَة عَن البُخَارِيّ.
[ ١٨٧ ]
وَمعنى الرِّوَايَتَيْنِ المذكورتين: فزعت، كَمَا تفسر فِي الحَدِيث من بعض رِوَايَة البُخَارِيّ: " فَرُعِبْت " مَكَان " جئثت ".
قَالَ الْكسَائي: المجؤوث والمجثوث المذعور الْفَزع.
وَلم نقيده عَن شُيُوخنَا بِالْحَاء الْمُهْملَة فِي " مُسلم " لكنه وَقع كَذَلِك للقابسي فِي مَوضِع فِي " البُخَارِيّ " وَفَسرهُ ب: " أسرعت "، وَلَا يَصح مَعْنَاهُ وَكَيف يَصح تَفْسِيره ب " أسرعت " وَهُوَ قد قَالَ فِي الحَدِيث: " حَتَّى هويت إِلَى الأَرْض " أَي سَقَطت من الْفَزع، فَكيف يجْتَمع السُّقُوط والإسراع ".
قلت: يُمكن أَن يكون مَا زَالَ يسْرع حَتَّى أعيا فَسقط وَهَذَا ظَاهر.
وَقد روى الحَدِيث أَيْضا يحيى بن أبي كثير، عَن إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن قارظ بدل أبي سَلمَة، عَن جَابر وَقَالَ فِيهِ: " فحثثت مِنْهُ أَو كلمة تشبهها ".
قلت: فَيحْتَمل أَن يكون: " فجثيت مِنْهُ " بعد الْجِيم الْمَفْتُوحَة ثاء مُثَلّثَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت من غير همز، يُقَال: جثا على رُكْبَتَيْهِ يجثو ويجثي جثوا أَو جثيا.
ثمَّ قَالَ القَاضِي: " وَقَالَ بَعضهم: صَوَابه: أهويت، وَقد جَاءَ كَذَا فِي مَوضِع فِي: البُخَارِيّ " وَهُوَ أشهر وَأَصَح
[ ١٨٨ ]
وَقَالَ غَيره: هوى من قريب، وأهوى من بعيد.
وَقَالَ الْخَلِيل: هوى يهوي هويا وهويا.
قَالَ الْهَرَوِيّ: " وَقد يكون فِي الصعُود والهبوط يُقَال فِيهِ: هويا بِالْفَتْح إِذا هَبَط، وبالضم إِذا صعد "، وَكَذَا قَالَ الْخطابِيّ وَغَيره.
وَقَالَ لنا شَيخنَا أَبُو الْحُسَيْن بِالْعَكْسِ.
وَقَالَ غَيره: هوت الْعقَاب إِذا انْقَضتْ على صيد، فَإِذا راوغته قيل: أهوت، وَقَوله تَعَالَى: " ﴿والمؤتفكة أَهْوى﴾ أَي أَهْوى بهَا جِبْرِيل إِلَى الأَرْض، أَي ألْقى بهَا فِيهَا بعد أَن رَفعهَا إِلَى السَّمَاء.
وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿والنجم إِذا هوى﴾ أَي سقط.
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: هويت أَهْوى إِذا سَقَطت.
وَقَالَ غَيره: أهويت يَدي إِلَى السَّيْف وَغَيره أَي أملت، وَيُقَال هويت فِيهِ أَيْضا.
[ ١٨٩ ]
قلت:
وَالْفرق: بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء الْخَوْف، وَكَذَلِكَ الرعب بِضَم الرَّاء وَالْعين وبإسكان الْعين، وَقُرِئَ بهما.
وَحكى صَاحب " الْعين " أَيْضا بِفَتْح الرَّاء وَإِسْكَان الْعين رعْبًا فَقَالَ: الرعب والرعب لُغَتَانِ يَقُول: رعبته رعْبًا ورعبا، وَقيل: الرعب الْمصدر والرعب الِاسْم فَهُوَ مرعوب ورعيب، ورعبته فَهُوَ مرعب وَهُوَ مرتعب أَي فزع.
وَقَالَ الْجَوْهَرِي: " رعبته فَهُوَ مرعوب إِذا أفزعته وَلَا تقل: أرعبته ".
قَالَ: " وَالْفرق بِالتَّحْرِيكِ الْخَوْف، وَقد فرق بِالْكَسْرِ تَقول: فرقت مِنْك وَلَا تقل: فرقتك ".
قلت:
فَقَوله فِي الحَدِيث: " فرقا " أَو " رعْبًا " كِلَاهُمَا نصب على الْمصدر تَأْكِيدًا كَقَوْلِك: ضربت ضربا، إِلَّا أَنه قرن بِالْفِعْلِ غير مصدره لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ.
فَقَوله: " جئثت مِنْهُ فرقا " كَقَوْلِه: فرقت مِنْهُ فرقا، وَكَذَا رعبت مِنْهُ رعْبًا، وَأما على رِوَايَة " حثثت " بِالْحَاء الْمُهْملَة فَتكون " فرقا " مَفْعُولا من أَجله نَحْو: هربت خوفًا من زيد.
[ ١٩٠ ]
قَوْله: " فَرَجَعت فَقلت: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأنْزل الله ﵎: ﴿يَا أَيهَا المدثر - إِلَى قَوْله - وَالرجز فاهجر﴾
قد سبق معنى قَوْله " زَمِّلُونِي " و" دَثرُونِي " وَفِي رِوَايَة صَالح بن أبي الْأَخْضَر عَن الزُّهْرِيّ: " فدثرت فجَاء جِبْرِيل - ﷺ - بِرجلِهِ: ﴿يَا أَيهَا المدثر قُم فَأَنْذر وَرَبك فَكبر وثيابك فطهر وَالرجز فاهجر﴾ قَالَ أَبُو سَلمَة: وَالرجز الْأَوْثَان الَّتِي كَانُوا يعْبدُونَ من دون الله ﷿ ".
وَقَوله: " زَمِّلُونِي أَي غطوني بِثَوْب، وَإِذا كَانَ ذَلِك مِنْهُ بِنَفسِهِ قيل: تزمل وازمل فَهُوَ متزمل ومزمل، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا المزمل﴾ أَي الَّذِي تزمل فِي ثِيَابه أَي تلفف بهَا، فالمزمل هُوَ المتزمل أدغمت التَّاء فِي الزَّاي، وَنَحْوه المدثر فِي المتدثر، وَقُرِئَ: ﴿المتزمل﴾ على الأَصْل، و﴿المزمل﴾ بتَخْفِيف الزَّاي وَفتح الْمِيم وَكسرهَا على أَنه اسْم فَاعل أَو مفعول من: زمله غَيره أَو زمل نَفسه.
والمدثر: لَا بس الدثار وَهُوَ مَا فَوق الشعار وَهُوَ الثَّوْب الَّذِي يَلِي الْجَسَد، وَمِنْه قَوْله ﵇: " الْأَنْصَار شعار وَالنَّاس دثار "، وَقُرِئَ: ﴿المدثر﴾ على لفظ اسْم الْمَفْعُول من: دثره، وَقيل: المُرَاد أَنه دثر هَذَا الْأَمر وَعصب بِهِ.
وَقَوله: ﴿قُم﴾ أَي من مضجعك، أَو قُم قيام عزم وتصميم.
[ ١٩١ ]
﴿فَأَنْذر﴾: أَي فحذر النَّاس من عَذَاب الله، فَترك الْمَفْعُول لِأَن الْمَعْنى: افْعَل الْإِنْذَار من غير تَخْصِيص لَهُ بِأحد.
﴿وَرَبك فَكبر﴾: أَي صفة بالكبرياء.
﴿وثيابك فطهر﴾: من النَّجَاسَة، أَو هُوَ أَمر بتقصيرها وَمُخَالفَة الْعَرَب فِي تطويلهم الثِّيَاب وجرهم الذيول وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤمن مَعَه إِصَابَة النَّجَاسَة.
وَقيل: هُوَ أَمر بتطهير النَّفس مِمَّا يستقذر من الْأَفْعَال ويستهجن من الْعَادَات، يُقَال: فلَان طَاهِر الثِّيَاب وطاهر الجيب والذيل والأردان إِذا وصفوه بالنقاء من المعايب ومدانس الْأَخْلَاق.
وَفُلَان دنس الثِّيَاب المغادر وَذَلِكَ لِأَن الثَّوْب يلابس الْإِنْسَان ويشتمل عَلَيْهِ، فكني بِهِ عَنهُ، أَلا ترى إِلَى قَوْلهم: أعجبني زيد ثَوْبه، كَمَا تَقول: أعجبني زيد عقله وخلقه، وَيَقُولُونَ: الْمجد فِي ثَوْبه وَالْكَرم تَحت حلته.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: " وَلِأَن الْغَالِب أَن من طهر باطنة ونقاه عني بتطهير الظَّاهِر وتنقيته، وأبى إِلَّا اجْتِنَاب الْخبث وإيثار الطُّهْر ".
﴿الرجز﴾: قرئَ بِكَسْر الرَّاء وَضمّهَا وهما لُغَتَانِ وَهُوَ الْعَذَاب، وَمَعْنَاهُ: اهجر مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ من عبَادَة الْأَوْثَان وَغَيرهَا من المآثم، وَالْمعْنَى الثَّبَات على هجره لِأَنَّهُ كَانَ بَرِيئًا مِنْهُ.
[ ١٩٢ ]
قَالَ الزّجاج: " وَدخلت الْفَاء على معنى جَوَاب الْجَزَاء، الْمَعْنى: قُم فَأَنْذر، وقم فَكبر ".
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: " دخلت الْفَاء بِمَعْنى الشَّرْط كَأَنَّهُ قيل: مهما كَانَ فَلَا تدع تكبيره ".
وَفِي " تَفْسِير ابْن الْقشيرِي " قَالَ: " وَقَالَ ابْن جني: هُوَ كَقَوْلِك: زيدا فَاضْرب، أَي زيدا اضْرِب، فالفاء زَائِدَة ".
قَوْله: " ثمَّ حمي الْوَحْي وتتابع ":
أَي كثر قَالَ عِيَاض: " الكلمتان بِمَعْنى وَاحِد أَي كثر نُزُوله وَقَوي أمره وازداد، من قَوْلهم: حميت النَّار وَالشَّمْس إِذا زَاد حرهما، وَمِنْه حمي الْوَطِيس أَي قوي حره وَاشْتَدَّ، تمّ استعير فِي الْحَرْب ".
قلت: لما اشتدت الْحَرْب وهاجت يَوْم حنين قَالَ النَّبِي - ﷺ -: " الْآن حمي الْوَطِيس "، والوطيس: التَّنور، شبهها بِهِ.
[ ١٩٣ ]
قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: " قبل أَن تفرض الصَّلَاة ":
يَعْنِي نزُول أول سُورَة المدثر كَانَ أول أَمر النُّبُوَّة قبل أَن يشرع أصل الصَّلَاة، وَلَيْسَ يَعْنِي هَذِه الصَّلَوَات الْخمس فَإِن هَذِه الصَّلَوَات إِنَّمَا فرضت لَيْلَة الْإِسْرَاء على مَا شهِدت بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، والإسراء كَانَ قبل الْهِجْرَة بِقَلِيل، فقد شَارك أول سُورَة المدثر فِي ذَلِك جملَة من الْقُرْآن فَلَا يَلِيق تَحْدِيد وَقت نُزُولهَا بذلك، وَإِنَّمَا يَعْنِي فرض الصَّلَاة الَّتِي كَانَت مَأْمُورا بهَا قبل ذَلِك على مَا يشْهد بِهِ أول سُورَة المزمل وأخرها.
وَفِي " صَحِيح مُسلم " عَن عَائِشَة قَالَت: " إِن الله افْترض الْقيام فِي أول هَذِه السُّورَة فَقَامَ رَسُول الله - ﷺ - وَأَصْحَابه حولا حَتَّى انتفخت أَقْدَامهم ".
وَقَالَ قَتَادَة: " كَانَ بَدْء الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بالْعَشي ". أخرجة الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ فِي " السّنَن ".
وَإِنَّمَا ذَلِك نَظِير مَا وَقع فِي رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن شهَاب قَالَ: وَكَانَت خَدِيجَة أول من آمن بِاللَّه وَصدق رَسُوله قبل أَن تفرض الصَّلَاة. وَقد أسلم قبل لَيْلَة الْإِسْرَاء طَائِفَة من الصَّحَابَة كثير.
[ ١٩٤ ]
فَإِن قلت: كَانَت هِيَ أول من آمن مِنْهُم.
قلت: هِيَ أول من آمن على الْإِطْلَاق فَلم يبْق لقَوْله: " قبل أَن تفرض الصَّلَاة " فَائِدَة، إِلَّا أَن تقدر الْكَلَام: آمَنت قبل أَن تفرض الصَّلَاة، وَلَا تظهر فَائِدَة هَذَا الْكَلَام إِلَّا أَن يكون المُرَاد قبل شَرْعِيَّة أصل الصَّلَاة، فَحِينَئِذٍ تتبين منزلتها وَلِهَذَا جَاءَ أَنَّهَا أول من صلى.
وَوَقع فِي بعض الرِّوَايَات عَن عَائِشَة ﵂ فِي حَدِيث المبعث زِيَادَة: " ثمَّ بحث جِبْرِيل فِي الأَرْض فنبع المَاء، فَعلم رَسُول الله - ﷺ - كَيفَ يتَوَضَّأ، فَتَوَضَّأ رَسُول الله - ﷺ - ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ نَحْو الْكَعْبَة ".
قَالَ السُّهيْلي: " وَذكر الْحَرْبِيّ أَن الصَّلَاة قبل الْإِسْرَاء كَانَت صَلَاة قبل غرُوب الشَّمْس وَصَلَاة قبل طُلُوعهَا ".
قَالَ: " وَيشْهد لهَذَا القَوْل قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿وَسبح بِحَمْد رَبك بالْعَشي وَالْإِبْكَار﴾ يَعْنِي فِي سُورَة غَافِر ".
قَالَ: " وَقَالَ يحيى بن سَلام مثله ".
وَقَالَ: " كَانَ الْإِسْرَاء وَفرض الصَّلَوَات الْخمس قبل الْهِجْرَة بعام، وَقيل: بعام وَنصف، وَقيل: كَانَ بَعْدَمَا نبئ بِخَمْسَة أَعْوَام ".
[ ١٩٥ ]
قَالَ ابْن إِسْحَاق: " وحَدثني بعض أهل الْعلم أَن الصَّلَاة حِين افترضت على رَسُول الله - ﷺ - أَتَاهُ جِبْرِيل وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّة، فهمز لَهُ بعقبه فِي نَاحيَة الْوَادي، فانفجرت مِنْهُ عين، فَتَوَضَّأ جِبْرِيل وَرَسُول الله - ﷺ - ينظر ليريه كَيفَ الطّهُور للصَّلَاة، ثمَّ تَوَضَّأ رَسُول الله - ﷺ - كَمَا رأى جِبْرِيل يتَوَضَّأ، ثمَّ قَامَ بِهِ جِبْرِيل ﵇ فصلى بِهِ، وَصلى رَسُول الله - ﷺ - بِصَلَاتِهِ، ثمَّ انْصَرف جِبْرِيل فجَاء رَسُول الله - ﷺ - إِلَى خَدِيجَة فَتَوَضَّأ لَهَا ليريها كَيفَ الطّهُور للصَّلَاة كَمَا أرَاهُ جِبْرِيل، فَتَوَضَّأت كَمَا تَوَضَّأ لَهَا رَسُول الله - ﷺ -، ثمَّ صلى بهَا رَسُول الله - ﷺ - كَمَا صلى بِهِ جِبْرِيل ﵇ فصلت بِصَلَاتِهِ ".
قَول أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن: " سَأَلت جَابر بن عبد الله أَي الْقُرْآن أنزل قبل؟ قَالَ: ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾، فَقلت: أَو اقْرَأ ".
فَذكر الحَدِيث فِي نزُول ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ كَمَا تقدم مَحْمُول ذَلِك من جَابر على أَنه لم يبلغهُ حَدِيث نزُول اقْرَأ.
قَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي " دلائله ": " وَجه هَذَا الحَدِيث وَمَا رُوِيَ عَن عَائِشَة أَن أول مَا نزل ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ أَن مَا روته عَائِشَة صَحِيح لاقتصاصها أول مَا بُدِئَ بِهِ رَسُول الله - ﷺ - من الْوَحْي، وَأَن الْملك
[ ١٩٦ ]
فاجأه بِغَار حراء، وَأَنه قَالَ لَهُ - بعد مَا غطه ثَلَاث مَرَّات: ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾، وَقَالَت فِي الحَدِيث: ثمَّ فتر الْوَحْي فَتْرَة حَتَّى حزن رَسُول الله - ﷺ -، وَغدا ليلقي نَفسه من قلَّة الجيل، فتبدا لَهُ جِبْرِيل ﵇ فسكن لذَلِك جأشه، وَأَن الَّذِي رَوَاهُ جَابر: إِن أول مَا نزل ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ كَانَ بعد فَتْرَة الْوَحْي، فقد أعلم النَّبِي - ﷺ - فِي حَدِيث جَابر أَنه أُوحِي إِلَيْهِ من قبل ثمَّ فتر الْوَحْي، وَأَن الْملك جَاءَهُ ثَانِيًا بعد فَتْرَة الْوَحْي، وَفِي ذَلِك لما قَالَت عَائِشَة تَصْدِيق وَتَحْقِيق أَن أول مَا نزل: ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾، وَقَالَ الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ فِي دلائله نَحوا من ذَلِك.
وَقَالَ أَبُو عبد الله ابْن الْحَافِظ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن الْفضل فِي " شَرحه لكتاب مُسلم ":
" وَجه الْجمع بَين حَدِيثي جَابر وَعَائِشَة أَن جَابِرا إِنَّمَا سمع من رَسُول الله - ﷺ - هَذِه الْقِصَّة مختصرة كَمَا رَوَاهَا، وَلم يسمع قصَّة الغط والتعليم وَالْأَمر بِالْقِرَاءَةِ، وَهُوَ مَحْمُول على أَنه صلوَات الله عَلَيْهِ أول مَا استقرئ وَحمل على التَّعَلُّم كَانَ بقوله: ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ فَجرى ذَلِك مجْرى التَّعْلِيم وَالْهِدَايَة إِلَى الْقِرَاءَة، فَلَمَّا وَطن نَفسه على ذَلِك وربط للتبليغ جأشه أنزل عَلَيْهِ ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ فَأمر بالأوامر وفرضت عَلَيْهِ الْفَرَائِض وخوطب بالشرائع وَالله أعلم ".
[ ١٩٧ ]
قَوْله: " جَاوَرت بحراء شهرا فَلَمَّا قضيت جواري نزلت فَاسْتَبْطَنْت بطن الْوَادي فنوديت ":
يُقَال: جاورته مجاورة وجوارا وجوارا وَالْكَسْر أفْصح.
فَقَوله: " جواري " أَي مجاورتي، والمجاورة: الِاعْتِكَاف، وَفِي الحَدِيث: " كَانَ يجاور فِي الْعشْر الْأَوَاخِر ".
قَوْله: " فَرفعت رَأْسِي فَإذْ هُوَ على الْعَرْش فِي الْهَوَاء يَعْنِي جِبْرِيل - ﷺ -، فَأَخَذَتْنِي رَجْفَة شَدِيدَة ":
قَالَ القَاضِي عِيَاض: " وَعند السَّمرقَنْدِي ": " وجفة " بِالْوَاو ومعناهما مُتَقَارب هُوَ كُله من كَثْرَة الِاضْطِرَاب قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلُوب يَوْمئِذٍ واجفة﴾، وَقَالَ: ﴿يَوْم ترجف الأَرْض وَالْجِبَال﴾ .
قَالَ: وَقَوله: " فَإِذا هُوَ على الْعَرْش فِي الْهَوَاء "، وَفِي الحَدِيث الآخر: " على عرش بَين السَّمَاء وَالْأَرْض "، وَفِي الآخر: " على كرْسِي " هَذَا
[ ١٩٨ ]
تَفْسِير معنى الْعَرْش فِي الْحَدِيثين الْمُتَقَدِّمين وَأَنه كالكرسي والسرير وَلَيْسَ بعرش الرَّحْمَن الْعَظِيم قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلها عرش عَظِيم﴾، قَالَ أهل اللُّغَة: الْعَرْش السرير، وَقيل: سَرِير الْملك.
قَالَ: " وَفِي هَذَا الحَدِيث وَشبهه تَحْقِيق الْعلم بتصور الْمَلَائِكَة على صور مُخْتَلفَة، وإقدار الله لَهُم على التَّرْكِيب فِي أَي شَيْء شَاءُوا من صور بني آدم وَغَيرهَا، وَأَن لَهُم صورا فِي أصل خلقهمْ مَخْصُوصَة بهم، كل مِنْهُم على مَا خلق عَلَيْهِ وشكل ".
قَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي " دلائله ": " وَجمع مَا تقدم ذكرنَا لَهُ من هَذِه الْأَخْبَار دَاخل فِي المعجزات، وَجرى الْأَمر فِيهِ مُرَتبا فأوله مَا كالن ﵇ يرَاهُ فِي مَنَامه كَمَا روته عَائِشَة: " أول مَا بُدِئَ بِهِ الرُّؤْيَا الصادقة ". إِذْ الرُّؤْيَا الصادقة جُزْء من أَجزَاء النُّبُوَّة فَكَانَت الرُّؤْيَا الَّتِي تجئ مثل فلق الصُّبْح مُقَدّمَة للنبوة، ثمَّ وَجب أَن يكون ﵇ عَالما بِمن يَأْتِيهِ فَكَانَ التخلي والتوحد فِي الْجبَال والغيران محببا لَهُ لوُقُوع تراءي الْملك لَهُ خَالِيا، وليقع لَهُ ﵇ الْمعرفَة بِمن يَأْتِيهِ ويناديه، فإراءه جِبْرِيل ﵇ لَهُ
[ ١٩٩ ]
نَفسه على صور مُخْتَلفَة من جُمْلَتهَا صورته الَّتِي هِيَ صورته لتَكون صورته المباينة لصورة الْآدَمِيّين آيَة لَهُ فِي صدق مَا ادَّعَاهُ أَنه مُرْسل بِالْوَحْي إِلَى النَّبِي - ﷺ -، وَيكون مَا عدا هَذِه الصُّورَة الَّتِي هِيَ صورته تقريرا عِنْده لإتيانه إِلَيْهِ فِي صور مُخْتَلفَة حَتَّى كَانَ أَكثر مَا كَانَ يرَاهُ فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ، وَفِيمَا تَأَول عبد الله بن مَسْعُود وَعَائِشَة فِي قَوْله: ﴿ثمَّ دنا فَتَدَلَّى﴾ بَيَان أَن جِبْرِيل ﵇ ترَاءى للنَّبِي - ﷺ - بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فِي صورته الَّتِي عَلَيْهَا خلق، وَأَن نظر النَّبِي - ﷺ - إِلَيْهِ حِين دنا مِنْهُ متدليا حَتَّى كَانَ قرب الْمجْلس مِنْهُ قاب قوسين أَو أدنى، وَأَنه لم يلاقه فِي هَذِه الْحَالة بل جلس منتبذا عَنهُ على سَبِيل التَّعْظِيم لَهُ، كالجالس منا إِلَى سُلْطَانه وَملكه مباينا لَهُ متباعدا عَنهُ، فَفعل جِبْرِيل ذَلِك بِهِ - ﷺ - مُعظما لَهُ، ثمَّ عرفه حَقِيقَة مَا كَانَ ناجاه بِهِ، فتقرر بِهَذَا عِنْد رَسُول الله - ﷺ - أَنه ملك وَهُوَ رَسُول الله أَتَاهُ بِالْوَحْي من قبل الله، وَلم يكن التدلي والدنو فِي أول ترائيه لَهُ بل كَانَ ذَلِك بعد الأول ليَكُون التَّعْرِيف على تدريج، إِذْ فِي الْمُنَاجَاة كَونه غير مَأْمُون من دهشة تلْحقهُ فَجرى الْأَمر فِيهِ على الْمَعْقُول من الْأَمر الْجَمِيل.
وَأما غط جِبْرِيل لَهُ - ﷺ - أغير مرّة وَقَوله لَهُ: اقْرَأ، فَيَقُول: مَا أَنا بقارئ، فَيحْتَمل أَن يكون مِنْهُ على وَجه التَّقْرِير لَهُ لما كَانَ عَلَيْهِ من الأمية، فقرره بذلك ثمَّ أقرأه كَمَا قرر الله مُوسَى ﵇ بالعصا حِين
[ ٢٠٠ ]
أَرَادَ أَن يَجْعَلهَا حيه فَقَالَ: ﴿وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى﴾ ليخبره بِحَقِيقَة مَا فِي يمنيه حَتَّى إِذا قَلبهَا حَيَّة تسْعَى كَانَ أبلغ لَهُ فِي الْحجَّة والتشجع فِي أَدَاء الرسَالَة وتحملها.
وَيحْتَمل أَن يكون غطه إِيَّاه إِشَارَة إِلَى ثقل الْوَحْي، وَأَن وَرَاء هَذِه الْقِرَاءَة وَجها آخر لَا يظْهر لَهُ فِيهِ جِبْرِيل وَإِنَّمَا يعرف ﵇ نُزُوله بِمَا يحدث لَهُ من الثّقل والغطيط والبرحاء وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَغير ذَلِك.
وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بالغط تهيؤء لقبُول الْوَحْي كَمَا فعله فِي شقّ قلبه وَشرح صَدره وَالله أعلم ".
قَالَ: " وَجَمِيع ذَلِك من الْأَدِلَّة والآيات والمعجزات الَّتِي تكون لَهُ - ﷺ - فِي نَفسه، إِذْ الْوَاجِب فِي إِثْبَات النُّبُوَّة إِقَامَة الْبُرْهَان للرسول فِي نَفسه ليتقرر عِنْده حَقِيقَة رسَالَته، فَيُؤذن لَهُ عِنْد ذَلِك فِي الدعْوَة، ثمَّ يمد بالبراهين الإلاهية لأمته وَأهل دَعوته وَالله أعلم.
[ ٢٠١ ]