حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى»
_________________
(١) - بَابُ الْأَمْرِ بِالْوِتْرِ اخْتُلِفَ فِيهِ فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ: فِي وُجُوبِهِ وَعَدَدِهِ وَاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ وَاخْتِصَاصِهِ بِقِرَاءَةٍ وَاشْتِرَاطِ شَفْعٍ قَبْلَهُ وَفِي آخِرِ وَقْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي السَّفَرِ عَلَى الدَّابَّةِ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ. زَادَ غَيْرُهُ: وَفِي قَضَائِهِ وَالْقُنُوتِ فِيهِ وَفِي مَحَلِّ الْقُنُوتِ مِنْهُ وَفِيمَا يُقَالُ فِيهِ وَفِي فَصْلِهِ وَوَصْلِهِ وَهَلْ يُسَنُّ رَكْعَتَانِ بَعْدَهُ وَفِي صَلَاتِهِ عَنْ قُعُودٍ، لَكِنَّ هَذَا الْأَخِيرَ يَنْبَنِي عَلَى كَوْنِهِ مَنْدُوبًا أَمْ لَا، وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ أَيْضًا، وَفِي أَنَّهُ أَفْضَلُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَوِ الرَّوَاتِبَ أَفْضَلُ مِنْهُ أَوْ خُصُوصِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ.
(٢) ٢٦٦ ٣
[ ١ / ٤٤١ ]
- (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) وَكِلَاهُمَا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ نَافِعًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ أَخْبَرَاهُ كَذَا فِي الْمُوَطَّآتِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ وَأَوْرَدَهُ الْبَاقُونَ بِالْعَنْعَنَةِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الصَّغِيرِ أَنَّهُ ابْنُ عُمَرَ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّائِلِ، الْحَدِيثَ وَفِيهِ: ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِ الْحَوَلِ وَأَنَا بِذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْهُ فَمَا أَدْرِي أَهُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ»؟ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ السَّائِلَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ.
وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْوِتْرِ وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ فِي مُجَلَّدٍ مِنْ رِوَايَةِ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْمَعَ بِتَعَدُّدِ مَنْ سَأَلَ (رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ) وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ: كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟» (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) أَيِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ لَا يَنْصَرِفُ لِتَكْرَارِ الْعَدْلِ فِيهِ قَالَهُ الْكَشَّافُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لِلْعَدْلِ وَالْوَصْفِ وَإِعَادَةُ مَثْنَى مُبَالَغَةً فِي التَّأْكِيدِ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: مَا مَثْنَى مَثْنَى؟ قَالَ: يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى مَثْنَى يَتَشَهَّدُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ، وَتَفْسِيرُهُ هُوَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الْفَهْمِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ مَثَلًا أَنَّهَا مَثْنَى، وَتَبَيَّنَ مِنَ الْجَوَابِ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ عَدَدِهَا أَوْ عَنِ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُصَلِّيَ مِنَ اللَّيْلِ»؟ وَقَوْلُ ابْنِ بَزِيزَةَ: جَوَابُهُ بِقَوْلِهِ مَثْنَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ السَّائِلَ طَلَبَ كَيْفِيَّةَ الْعَدَدِ لَا مُطْلَقَ الْكَيْفِيَّةِ فِيهِ نَظَرٌ، وَأَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ الْحَدِيثُ مِنَ الْحَدِيثِ وَفِيهِ تَعَيُّنُ الْفَصْلِ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ ظَاهِرٌ لِحَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لِبَيَانِ الْأَفْضَلِ لِمَا صَحَّ مِنْ فِعْلِهِ - ﷺ - بِخِلَافِهِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَيْضًا كَوْنُهُ كَذَلِكَ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِلْإِرْشَادِ إِلَى الْأَخَفِّ، إِذِ السَّلَامُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَخَفُّ عَلَى الْمُصَلِّي مِنْ أَرْبَعٍ فَمَا فَوْقَهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الرَّاحَةِ غَالِبًا وَقَضَاءِ مَا يَعْرِضُ مِنْ أَمْرٍ مُهِمٍّ، وَلَوْ كَانَ الْوَصْلُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَقَطْ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ - ﷺ - وَمَنِ ادَّعَى اخْتِصَاصَهُ بِهِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ الْفَصْلُ كَمَا صَحَّ عَنْهُ الْوَصْلُ، فَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ - ﷺ -
[ ١ / ٤٤٢ ]
يُصَلِّي مَا بَيْنَ أَنْ يَفْرَغَ مِنَ الْعَشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» " وَاحْتُجَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعًا وَهُوَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَإِسْحَاقَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الرَّاجِحِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْأَخْذِ بِهِ فَلَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ فِي الْأَرْبَعِ وَبِأَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَيَّدَ الْجَوَابَ بِذَلِكَ مُطَابَقَةً لِلسُّؤَالِ وَبِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ حُكْمَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ حُكْمُ الْمَنْطُوقِ بِهِ، فَفِي السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» " لَكِنْ تُعُقِّبَ هَذَا الْأَخِيرُ بِأَنَّ أَكْثَرَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ أَعَلُّوا زِيَادَةَ وَالنَّهَارِ بِأَنَّ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَذْكُرُوهَا، وَحَكَمَ النَّسَائِيُّ عَلَى رَاوِيهَا بِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِيهَا، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: مَنْ عَلِيٌّ الْأَزْدِيُّ حَتَّى أَقْبَلَ مِنْهُ وَأَدَعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَطَوَّعُ بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ، وَإِذَا كَانَ حَدِيثُ الْأَزْدِيِّ صَحِيحًا لَمَا خَالَفَهُ ابْنُ عُمَرَ يَعْنِي مَعَ شِدَّةِ اتِّبَاعِهِ، رَوَاهُ عَنْهُ مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي سُؤَالَاتِهِ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» " مَوْقُوفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِهِ فَلَعَلَّ الْأَزْدِيَّ اخْتَلَطَ عَلَيْهِ الْمَوْقُوفُ بِالْمَرْفُوعِ فَلَا تَكُونُ زِيَادَتُهُ صَحِيحَةً عَلَى رَأْيِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الصَّحِيحِ أَنْ لَا يَكُونُ شَاذًّا.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا وَهَذَا مُوَافِقٌ لِنَقْلِ ابْنِ مَعِينٍ.
(فَإِذَا خَشِيَ أَحَدَكُمُ الصُّبْحَ) أَيْ فَوَاتَ صَلَاتِهِ (صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً) وَلِلشَّافِعِيِّ وَابْنِ وَهْبٍ وَمَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ مَالِكٍ: «فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً»، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ هَكَذَا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً» " وَفِيهِ أَنَّ الْوِتْرَ وَاحِدَةٌ وَأَنَّ فَصْلَهُ أَوْلَى مِنْ وَصْلِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا لِاحْتِمَالِ أَنَّ مَعْنَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٌ مُضَافَةٌ إِلَى رَكْعَتَيْنِ مِمَّا مَضَى وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى («تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى») مِنَ النَّفْلِ فَفِيهِ أَنَّ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ هِيَ الْوِتْرُ وَأَنَّ كُلَّ مَا تَقَدَّمَهَا شَفْعٌ، وَسَبْقُ الشَّفْعِ شَرْطٌ فِي الْكَمَالِ لَا فِي صِحَّةِ الْوِتْرِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خِلَافًا لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ شَرْطُ صِحَّةٍ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَوْتَرُوا بِوَاحِدَةٍ دُونَ تَقَدُّمِ نَفْلٍ قَبْلَهَا.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ عُثْمَانَ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَيْلَةً فِي رَكْعَةٍ لَمْ يُصَلِّ غَيْرَهَا.
وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ سَعْدًا أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ، وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: إِنَّهُ فَقِيهٌ، وَفِي كُلِّ هَذَا رَدٌّ لِقَوْلِ ابْنِ التِّينِ: لَمْ يَأْخُذِ الْفُقَهَاءُ بِعَمَلِ مُعَاوِيَةَ، وَاعْتِذَارُ الْحَافِظِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ لَعَلَّهُ أَرَادَ فُقَهَاءَ الْمَالِكِيَّةِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَهُمْ صِحَّتُهُ بِرَكْعَةٍ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ تَعَيُّنِ الْوَصْلِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى ثَلَاثٍ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ مَوْصُولَةٌ حَسَنٌ جَائِزٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهُ، فَأَخَذْنَا بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَتَرَكْنَا مَا
[ ١ / ٤٤٣ ]
اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَتَعَقَّبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ بِمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: " «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ تُشْبِهُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» " وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَ هُوَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَأَخْرَجَ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ كَرَاهَةَ الْوِتْرِ بِثَلَاثٍ.
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ: وَقَالَ لَا يُشْبِهُ التَّطَوُّعُ الْفَرِيضَةَ، فَهَذَا كُلُّهُ يَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ الَّذِي زَعَمَهُ.
وَقَالَ ابْنُ نَصْرٍ: وَلِمَ نَجِدْ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - خَبَرًا صَحِيحًا أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ مَوْصُولَةٍ، نَعَمْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، لَكِنْ لَمْ يُبَيِّنِ الرَّاوِي هَلْ هِيَ مَوْصُولَةٌ أَوْ مَفْصُولَةٌ؟ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ: " «أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَقْعُدُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ» " وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " «كَانَ - ﷺ - يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ» ".
وَبَيَّنَ فِي عِدَّةِ طُرُقٍ أَنَّ السُّوَرَ الثَّلَاثَ لِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا لَمْ يَثْبُتَا عِنْدَ ابْنِ نَصْرٍ، وَعَلَى الثُّبُوتِ فَفَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَإِذَنِ النِّزَاعُ إِنَّمَا هُوَ فِي تَعَيُّنِ الثَّلَاثِ مَوْصُولَةً وَالْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ تَأْبَاهُ، وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْوِتْرِ.
وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ - ﷺ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَهُوَ جَالِسٌ» " وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَجَعَلُوا الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ: " «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» " مُخْتَصًّا بِمَنْ أَوْتَرَ آخِرَ اللَّيْلِ.
وَأَجَابَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ بِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ هُمَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَحَمَلَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّهُ - ﷺ - فَعَلَهُ لِبَيَانِ جَوَازِ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَجَوَازِ التَّنَفُّلِ جَالِسًا، وَقَدْ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ شَفْعًا مَا أَرَادَ وَلَا يَنْقُضُ وِتْرَهُ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: " «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ.
وَأَخْرَجَ حَدِيثَ الْبَابِ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
[ ١ / ٤٤٤ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدَجِيَّ سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ فَقَالَ الْمُخْدَجِيُّ فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَاعْتَرَضْتُ لَهُ وَهُوَ رَائِحٌ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فَقَالَ عُبَادَةُ كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ ﷿ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ»
_________________
(١) ٢٦٧ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةَ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ ابْنِ مُنْقِذٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ رَوَى لَهُ الْجَمَاعَاتُ مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. (عَنْ) عَبْدِ اللَّهِ (بْنِ مُحَيْرِيزٍ) بِمِيمٍ وَمُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ وَآخِرُهُ زَايٌ مَنْقُوطَةٌ مُصَغَّرٌ ابْنِ جُنَادَةَ بْنِ وَهْبٍ الْجُمَحِيِّ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْمِيمِ فَمُهْمَلَةٍ الْمَكِّيِّ، كَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي مَحْذُورَةَ بِمَكَّةَ ثُمَّ نَزَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، عَابِدٌ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ السِّتَّةُ وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَقِيلَ قَبْلَهَا (أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدَجِيَّ) بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَمُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا بَعْدَهَا جِيمٌ فَتَحْتِيَّةٌ آخِرُهُ مَنْسُوبٌ إِلَى
[ ١ / ٤٤٤ ]
مُخْدَجِ بْنِ الْحَارِثِ كَذَا فِي التَّرْتِيبِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَقَبٌ وَلَيْسَ بِنَسَبٍ فِي شَيْءٍ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ قَالَ: وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُعَرَفُ بِغَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقِيلَ اسْمُهُ رُفَيْعٌ (سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ) الْأَنْصَارِيَّ صَحَابِيٌّ، قَالَ فِي الْإِصَابَةِ: قِيلَ اسْمُهُ مَسْعُودُ بْنُ أَوْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَصْرَمَ، وَقِيلَ مَسْعُودُ بْنُ زَيْدِ بْنِ سَبُعٍ، وَقِيلَ اسْمُهُ قَيْسُ بْنُ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ الْخَوْلَانِيُّ حَلِيفُ بَنِي حَارِثَةَ مِنَ الْأَوْسِ، وَقِيلَ مَسْعُودُ بْنُ يَزِيدَ عِدَادُهُ فِي الشَّامِيِّينَ وَسَكَنَ دَارِيَّا، وَقِيلَ اسْمُهُ سَعْدُ بْنُ أَوْسٍ، وَقِيلَ قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: شَهِدَ فَتَحَ مِصْرَ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَزَعَمَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا ثُمَّ شَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ صِفِّينَ، وَفِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ عَنْ رُفَيْعٍ قَالَ: تَذَاكَرْنَا الْوِتْرَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (يَقُولُ: إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ) وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَالضَّحَّاكُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمْ، وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ: الْوِتْرُ وَاجِبٌ وَلَمْ يُكْتَبْ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ أَصْبَغَ وَسَحْنُونٍ وَكَأَنَّهُمَا أَخَذَاهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: مَنْ تَرَكَهُ أُدِّبَ وَكَانَ جَرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ: قَالَ سَحْنُونٌ: يُجَرَّحُ تَارِكُ الْوِتْرِ.
وَقَالَ أَصْبَغَ: يُؤَدَّبُ تَارِكُهُ فَجَعَلَاهُ وَاجِبًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْقَوْلُ بِأَنَّ الْوِتْرَ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ يَكَادُ يَكُونُ إِجْمَاعًا لِشُذُوذِ الْخِلَافِ فِيهِ.
(فَقَالَ الْمُخْدَجِيُّ: فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجَيِّ الْمَدَنِيِّ أَحَدِ النُّقَبَاءِ الْبَدْرِيِّ مَاتَ بِالرَّمْلَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَلَهُ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَقِيلَ عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ: كَانَ طُولُهُ عَشَرَةَ أَشْبَارٍ.
(فَاعْتَرَضْتُ) أَيْ تَصَدَّيْتُ (لَهُ) وَتَطَلَّبْتُهُ (وَهُوَ رَائِحٌ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأَخْبَرَتْهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ) أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ (فَقَالَ عُبَادَةُ: كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ) قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ وَهِمَ وَغَلِطَ وَالْكَذِبُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدِهَا عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ فِيمَا خَفِيَ عَلَيْهِ وَلَا إِثْمَ فِيهِ.
ثَانِيهَا: أَنْ يَعْمِدَهُ فِيمَا لَا يَحِلُّ فِيهِ الصِّدْقُ كَأَنْ يُسْأَلَ عَنْ رَجُلٍ يُرَادُ قَتْلُهُ ظُلْمًا فَيَجِبُ الْكَذِبُ وَلَا يُخْبِرُ بِمَوْضِعِهِ.
وَالثَّالِثِ: يَأْثَمُ فِيهِ صَاحَبُهُ وَهُوَ قَصْدُ الْكَذِبِ فِيمَا يَحْرُمُ فِيهِ قَصْدُهُ.
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ») أَيْ فَرَضَهُنَّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَنْ عُبَادَةَ: افْتَرَضَهُنُّ (اللَّهُ - ﷿ - عَلَى الْعِبَادِ) فَأَفَادَ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ غَيْرَهُنَّ وَمِنْهُ الْوِتْرُ (فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ) قَالَ الْبَاجِيُّ: احْتِرَازًا مِنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ الِاحْتِرَازَ مِنْهُ إِلَّا مَنْ
[ ١ / ٤٤٥ ]
خَصَّهُ اللَّهُ بِالْعِصْمَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ التَّضْيِيعَ لِلصَّلَاةِ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُنَا أَنْ لَا يُقِيمَ حُدُودَهَا مِنْ مُرَاعَاةِ وَقْتٍ وَطَهَارَةٍ وَإِتْمَامِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُصَلِّيهَا انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ عَنْهُ - ﷺ -: " «خَمْسٌ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَسُجُودَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ» (كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَدْخُلَهُ الْجَنَّةَ) مَعَ السَّابِقَيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ عَذَابٍ، وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِ عُبَادَةَ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ جَعْلُهُ الْعَهْدَ لِمَنْ جَاءَ بِهِنَّ فَيُفِيدُ دُخُولَهَا وَإِنْ لَمْ يَجِئْ بِغَيْرِهِنَّ وَمِنْهُ الْوِتْرُ، وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ مِنَ الْوَجْهِ الْآخَرِ عَنْ عُبَادَةَ: " «كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ» " وَالْجُمْلَةُ فِي هَذَا وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنْ يُدْخِلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أَيْ هُوَ أَنْ. . . . . إِلَخْ، أَوْ صِفَةُ عَهْدٍ أَوْ بَدَلٌ مِنْ عَهْدٍ وَهُوَ الْأَمَانُ وَالْمِيثَاقُ وَعَهْدُ اللَّهِ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ.
(وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ) عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا («فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ») عَدْلًا («وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ») بِرَحْمَتِهِ فَضْلًا، وَفِيهِ أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ لَا يَكْفُرُ وَلَا يَتَحَتَّمُ عَذَابُهُ بَلْ هُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ بِنَصِّ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَجَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ بِنَحْوِهِ فِي أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي.
[ ١ / ٤٤٦ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ قَالَ سَعِيدٌ فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَيْنَ كُنْتَ فَقُلْتُ لَهُ خَشِيتُ الصُّبْحَ فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ «أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ فَقُلْتُ بَلَى وَاللَّهِ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ»
_________________
(١) ٢٦٨ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَمِنْهُمْ يَحْيَى عَلَى الصَّوَابِ وَفَتَحِ الْعَيْنَ، وَزِيَادَةُ وَاوٍ وَهْمٌ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ: هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلَى اسْمِ الْقُرَشِيِّ الْعَدَوِيِّ الْمَدَنِيِّ مِنَ الثِّقَاتِ لَيْسَ لَهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ (عَنْ سَعِيدِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ (بْنِ يَسَارٍ) بِتَحْتِيَّةٍ مُخَفَّفَ السِّينِ التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ الْمَدَنِيِّ، اخْتُلِفَ فِي وَلَائِهِ لِمَنْ هُوَ وَقِيلَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ وَلَا يَصِحُّ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ (أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ (بِطَرِيقِ مَكَّةَ قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ) عَنْ مَرْكُوبِي (فَأَوْتَرْتُ) عَلَى
[ ١ / ٤٤٦ ]
الْأَرْضِ (ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: خَشِيتُ الصُّبْحَ) أَيْ خِفْتُ طُلُوعَ الْفَجْرِ بِفَوَاتِ الْوِتْرِ، وَآخِرُ وَقْتِهِ الْمُخْتَارُ الْفَجْرُ كَصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَآخِرُ وَقْتِهِمَا الضَّرُورِيِّ مَا لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ (فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا قُدْوَةٌ، وَفِيهِ إِرْشَادُ الْعَالَمِ لِرَفِيقِهِ مَا قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنَ السُّنَنِ، (فَقُلْتُ: بَلَى، وَاللَّهِ) فِيهِ الْحَلِفُ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي يُرَادُ تَأْكِيدُهُ (فَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ») فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِثُبُوتِ أَحْكَامِ النَّافِلَةِ فِيهِ وَهُوَ فِعْلُهُ عَلَى الْبَعِيرِ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ فِعْلَهُ عَلَى الْأَرْضِ لِتَأَكُّدِ أَمْرِهِ، فَمَنْ صَلَّى عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي اللَّيْلِ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَنْزِلَ لِلْوِتْرِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى الْفَرْضُ عَلَى الدَّوَابِّ إِلَّا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ خَاصَّةً أَوْ غَلَبَةِ مَطَرٍ بِأَنْ كَانَ الْمَاءُ فَوْقَهُ وَتَحْتَهُ فَفِيهِ خِلَافٌ، فَلَمَّا أَوْتَرَ - ﷺ - عَلَى الْبَعِيرِ عُلِمَ أَنَّهُ سُنَّةٌ انْتَهَى.
لَكِنِ اسْتُشْكِلَ بِأَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ - ﷺ - وُجُوبَ الْوِتْرِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ صَلَّاهُ رَاكِبًا؟ وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَحَلَّ الْوُجُوبِ بِالْحَضَرِ بِدَلِيلِ إِيتَارِهِ رَاكِبًا فِي السَّفَرِ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَالْقَائِلُ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، قَالَ: يُحْتَمَلُ خُصُوصِيَّةً ثَانِيَةً لَهُ أَوْ أَنَّهُ تَشْرِيعٌ لِلْأُمَّةِ بِمَا يَلِيقُ بِالسُّنَّةِ فِي حَقِّهِمْ فَصَلَّاهُ عَلَى الْبَعِيرِ لِذَلِكَ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَاحْتُمِلَ الرُّكُوبُ فِيهِ لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيعِ وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى، وَالْأَوْلَى فِيهِ أَنَّ الْخَصَائِصَ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ فِرَاشَهُ أَوْتَرَ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُوتِرُ آخِرَ اللَّيْلِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَأَمَّا أَنَا فَإِذَا جِئْتُ فِرَاشِي أَوْتَرْتُ
_________________
(١) ٢٦٩ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بِكَسْرِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا (أَنَّهُ قَالَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ (الصِّدِّيقُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ فِرَاشَهُ أَوْتَرَ) قَبْلَ أَنْ يَنَامَ (وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُوتِرُ آخِرَ اللَّيْلِ) بَعْدَ تَهَجُّدِهِ، فَفِي فِعْلَيْهِمَا إِبَاحَةُ تَقْدِيمِ الْوِتْرِ وَتَأْخِيرِهِ وَهُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْوِتْرَ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَلَا وَقْتَ لَهَا مَحْدُودٌ فَاللَّيْلُ كُلُّهُ وَقْتٌ لَهُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَبْدَأَهُ مَغِيبُ الشَّفَقِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ: " «كُلَّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ - ﷺ - وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» " وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهَا: " «أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ
[ ١ / ٤٤٧ ]
وَأَوْسَطَهُ وَآخِرَهُ وَلَكِنِ انْتَهَى وِتْرُهُ حِينَ مَاتَ إِلَى السَّحَرِ» " فَيُحْتَمَلُ أَنَّ إِيتَارَهُ أَوَّلُهُ وَأَوْسَطُهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَحَيْثُ أَوْتَرَ أَوَّلَهُ لَعَلَّهُ كَانَ وَجِعًا، وَفِي وَسَطِهِ مُسَافِرًا اهـ. وَكَانَ غَالِبُ أَحْوَالِهِ وِتْرَ آخِرِ اللَّيْلِ لِمَا عُرِفَ مِنْ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَكْثَرِ اللَّيْلِ.
(قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: فَأَمَّا أَنَا فَإِذَا جِئْتُ فِرَاشِي أَوْتَرْتُ) كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ أَخَذَ بِالْحَزْمِ وَغَلَبَةِ النَّوْمِ.
«وَأَوْصَى - ﷺ - أَبَا الدَّرْدَاءِ وَأَبَا ذَرٍّ وَأَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَنَامَ أَحَدُهُمْ إِلَّا عَلَى وِتْرٍ» .
وَرُوِيَ أَنَّهُ «ذَكَرَ لَهُ فِعْلَ الْعُمَرَيْنِ فَقَالَ: حَذِرَ هَذَا وَقَوِيَ هَذَا»، يَعْنِي عُمَرَ وَلَمْ يُفَضِّلْ فِعْلَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلِكُلٍّ وَجْهٌ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَجَاءَ أَنَّهُ «قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخَذْتَ بِالْحَزْمِ، وَلِعُمَرَ: أَخَذْتَ بِالْقُوَّةِ»، وَلَا مُعَارَضَةَ لِهَؤُلَاءِ وَبَيْنَ قَوْلِ عَائِشَةَ: " «وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» " لِأَنَّ الْأَوَّلَ لِإِرَادَةِ الِاحْتِيَاطِ وَالْآخَرَ لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً وَوَثِقَ بِالِانْتِبَاهِ كَمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ أَفْضَلُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ لِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: " «مَنْ طَمِعَ مِنْكُمْ أَنْ يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ، وَمَنْ خَافَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ أَوَّلِهِ» ".
[ ١ / ٤٤٨ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ الْوِتْرِ أَوَاجِبٌ هُوَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ
_________________
(١) ٢٧٠ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ الْوِتْرِ أَوَاجِبٌ هُوَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ) يُكَرِّرُ السُّؤَالَ (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: يَقُولُ أَوْتَرَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ) فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عِنْدَهُ لِأَفْصَحَ لَهُ بِوُجُوبِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: خَشِيَ ابْنُ عُمَرَ إِنْ قَالَ وَاجِبٌ يَظُنُّ السَّائِلُ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ، وَإِنْ قَالَ غَيْرَ وَاجِبٍ يَتَهَاوَنُ بِهِ وَيَتْرُكُهُ. وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا: " «زَادَنِي رَبِّي صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ وَقْتُهَا مِنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» " وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَكَذَا فِي حَدِيثِ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ فِي السُّنَنِ وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْوِتْرِ وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الْوُجُوبِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ لِلْفَرْضِ كَحَدِيثِ: " «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَكُمْ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ» " وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا هُوَ لَنَا خِلَافٌ لِمَا افْتُرِضَ عَلَيْنَا وَيُصَحِّحُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةَ ٢٣٨) وَلَوْ كَانَتْ سِتًّا لَمْ يَكُنْ فِيهَا وَسَطٌ. وَقَوْلُ الْأَعْرَابِيِّ: " «يَا رَسُولَ اللَّهِ
[ ١ / ٤٤٨ ]
هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: " لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» " وَالْآثَارُ بِمِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ: " «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يَوْتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» " وَأَعَادَ ذَلِكَ ثَلَاثًا فَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ قَبُولِهِ فَيَحْتَاجُ مَنِ احْتَجَّ بِهِ إِلَى أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ لَفْظَ حَقٍّ بِمَعْنَى وَاجِبٍ فِي عُرْفِ الشَّارِعِ، وَأَنَّ لَفْظَ وَاجِبٍ بِمَعْنَى مَا ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ مَنْ خَشِيَ أَنْ يَنَامَ حَتَّى يُصْبِحَ فَلْيُوتِرْ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ وَمَنْ رَجَا أَنْ يَسْتَيْقِظَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُؤَخِّرْ وِتْرَهُ
_________________
(١) ٢٧١ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ: مَنْ خَشِيَ أَنْ يَنَامَ حَتَّى يُصْبِحَ) أَيْ يَدْخُلَ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي (فَلْيُوتِرْ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ) حَتَّى لَا يَفُوتَهُ الْوَقْتُ الِاخْتِيَارِيُّ لِلْوِتْرِ. (وَمَنْ رَجَا) بِأَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِعَادَتِهِ (أَنْ يَسْتَيْقِظَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُؤَخِّرْ وِتْرَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ ﷺ فِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ وَقَالَ: " «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» "، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ وَاحْتَجَّ بِهِ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ وَرُدَّ بِأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَكَذَا آخِرُهُ، وَبِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُهُ.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ وَالسَّمَاءُ مُغِيمَةٌ فَخَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ الصُّبْحَ فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ ثُمَّ انْكَشَفَ الْغَيْمُ فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا فَشَفَعَ بِوَاحِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ
_________________
(١) ٢٧٢ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ وَالسَّمَاءُ مُغَيِّمَةٌ) مُحِيطٌ بِهَا السَّحَابُ (فَخَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ الصُّبْحَ فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ ثُمَّ انْكَشَفَ الْغَيْمُ فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا فَشَفَعَ بِوَاحِدَةٍ) قَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ مِنَ الْوَاحِدَةِ فَشَفَعَهَا بِأُخْرَى عَلَى رَأْيِ مَنْ قَالَ لَا يَحْتَاجُ فِي نِيَّةِ أَوَّلِ الصَّلَاةِ إِلَى اعْتِبَارِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَلَا اعْتِبَارِ وِتْرٍ وَلَا شَفْعٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَلَّمَ (ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ) رُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُسَامَةَ وَعُرْوَةَ وَمَكْحُولٍ وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِمَسْأَلَةِ نَقْضِ الْوِتْرِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ كَانَ يُوتِرُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ ثُمَّ إِنْ قَامَ صَلَّى وَلَمْ يَعُدِ الْوِتْرُ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَمَّارٍ وَعَائِشَةَ وَكَانَتْ تَقُولُ أَوِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ؟ إِنْكَارًا لِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَلْقَمَةَ وَأَبِي مِجْلَزٍ
[ ١ / ٤٤٩ ]
وَطَاوُسٍ وَالنَّخَعِيِّ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ ﷺ: " «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» "، فَإِنْ قَالُوا: إِنْ شَفَعَهَا بِرَكْعَةٍ لَمْ يُوتِرْ وِتْرَيْنِ، قِيلَ لَهُمْ: مُحَالٌ أَنْ يَشْفَعَ رَكْعَةً قَدْ سَلَّمَ مِنْهَا وَقَامَ مُصَلِّيًا وِتْرًا عَلَى أَثَرِهَا، هَذَا مَا لَا يَصِحُّ فِي قِيَاسٍ وَلَا نَظَرٍ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي: ذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَّا أَنَّ مَنْ أَوْتَرَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتَنَفَّلَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ شَفْعًا مَا أَرَادَ وَلَا يَنْقُضُ وِتْرَهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﷺ: " «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» "، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ نَقْضُ الْوِتْرِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِمَشْرُوعِيَّةِ التَّنَفُّلِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرِ الْوِتْرِ.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِذَا كُنْتَ لَا تَخَافُ الصُّبْحَ وَلَا النَّوْمَ فَاشْفَعْ ثُمَّ صَلِّ مَا بَدَا لَكَ ثُمَّ أَوْتِرْ وَإِلَّا فَصَلِّ عَلَى وِتْرِكَ الَّذِي كُنْتَ أَوْتَرْتَ.
وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا انْصَرَفْتُ رَكَعْتُ وَاحِدَةً، فَقِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَوْتَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ ثُمَّ قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَشَفَعْتُ حَتَّى أُصْبِحَ؟ قَالَ: لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٍ.
[ ١ / ٤٥٠ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ فِي الْوِتْرِ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ
_________________
(١) ٢٧٣ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ فِي الْوِتْرِ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْوِتْرَ مَوْصُولًا، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَصَلَ ثُمَّ بَنَى عَلَى مَا مَضَى، وَهَذَا دَفْعٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ الْوِتْرُ إِلَّا مَفْصُولًا. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزْنِيِّ قَالَ: صَلَّى ابْنُ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ ارْحَلْ لَنَا ثُمَّ قَامَ فَأَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ. وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ شَفْعِهِ وَوِتْرِهِ بِتَسْلِيمَةٍ وَأَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَفْعَلُهُ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، وَلَمْ يَعْتَذِرِ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ إِلَّا بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ " تَسْلِيمَةٍ " أَيِ التَّسْلِيمُ فِي التَّشَهُّدِ وَلَا يَخْفَى بُعْدَ هَذَا التَّأْوِيلِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي، وَفِي دَعْوَاهُ أَنَّ ظَاهِرَهُ وَصْلُهُ وَأَنَّ رِوَايَةَ سَعِيدٍ أَصْرَحُ فِي ذَلِكَ وَقَفَهُ، بَلْ ظَاهِرُ رِوَايَةِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ عَادَتُهُ فَصْلَهُ لِإِتْيَانِهِ بَكَانَ وَحَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَحَتَّى الْغَائِيَّةِ، نَعَمْ لَوْ عَبَّرَ بِحِينَ بَدَلِ حَتَّى لَكَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا، وَأَمَّا رِوَايَةُ سَعِيدٍ فَمُحْتَمَلَةٌ.
[ ١ / ٤٥٠ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ يُوتِرُ بَعْدَ الْعَتَمَةِ بِوَاحِدَةٍ قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا وَلَكِنْ أَدْنَى الْوِتْرِ ثَلَاثٌ
_________________
(١) ٢٧٤ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) مَالِكٍ الزُّهْرِيَّ أَحَدَ الْعَشْرَةِ (كَانَ يُوتِرُ بَعْدَ الْعَتَمَةِ) أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ (بِوَاحِدَةٍ) وَكَذَا صَحَّ عَنْ عُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ وَصَوَّبَهُ ابْنُ
[ ١ / ٤٥٠ ]
عَبَّاسٍ كَمَا مَرَّ.
(قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا) بِالْمَدِينَةِ (وَلَكِنْ أَدْنَى) أَيْ أَقَلُّ (الْوِتْرِ ثَلَاثٌ) بِرَكْعَتَيِ الشَّفْعِ الْمَفْصُولَتَيْنِ مِنْهُ، فَالْمَعْنَى يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَاحِدَةِ الَّتِي هِيَ الْوِتْرُ دُونَ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَهَا الشَّفْعَ هَذَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ ظَاهِرِ الْمُوَطَّأِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا: " «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ وَمَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ بِوَاحِدَةٍ» ".
[ ١ / ٤٥١ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ قَالَ مَالِكٌ مَنْ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ فَبَدَا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ مَثْنَى مَثْنَى فَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ
_________________
(١) ٢٧٥ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ) أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِوُقُوعِهَا عَقِبِهِ فَهِيَ نَهَارِيَّةٌ حُكْمًا وَإِنْ كَانَتْ لَيْلِيَّةً حَقِيقَةً. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: سُمِّيَتِ الْمَغْرِبُ لِأَنَّهُ اسْمٌ يُشْعِرُ بِمُسَمَّاهَا وَبِابْتِدَاءِ وَقْتِهَا وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا الْعِشَاءَ الْأُولَى كَمَا يُقَالُ الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ، وَهَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وِتْرُ النَّهَارِ فَأَوْتِرُوا صَلَاةَ اللَّيْلِ» "، وَلِأَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «صَلَاةُ الْمَغْرِبِ أَوْتَرَتِ النَّهَارَ فَأَوْتِرُوا صَلَاةَ اللَّيْلِ» "، قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ: وَالْحَدِيثُ سَنَدُهُ صَحِيحٌ انْتَهَى. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا أَيْضًا لَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الصَّحِيحُ وَقْفُهُ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ: (قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ فَبَدَا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ مَثْنَى مَثْنَى فَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ) وَلَا يُعِيدُ الْوِتْرَ لِحَدِيثِ: " «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» "، وَلِأَنَّ إِعَادَتَهُ تَصِيرُ الصَّلَاةُ كُلُّهَا شَفْعًا فَيَبْطُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ.
[ ١ / ٤٥١ ]