حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ الْجُرُفِ حَتَّى إِذَا كَانَا بِالْمِرْبَدِ نَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَيَمَّمَ صَعِيدًا طَيِّبًا فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ صَلَّى
_________________
(١) بَابُ الْعَمَلِ فِي التَّيَمُّمِ
(٢) ١٢١ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنَ الْجُرْفِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَوْ بِضَمَّتَيْنِ مَوْضِعٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. (حَتَّى إِذَا كَانَا بِالْمِرْبَدِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُهْمَلَةٍ عَلَى مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَهُمَا قَوْلَانِ جَزَمَ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ عَلَى مِيلٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ عَلَى مِيلَيْنِ. (نَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَيَمَّمَ صَعِيدًا طَيِّبًا
[ ١ / ٢٢٤ ]
فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ صَلَّى) حِفْظًا لِلْوَقْتِ، قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ عَنْ أَبِيهِ: مَعْنَاهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ لِأَنَّهُ رَوَى أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَجَعَلَ التَّيَمُّمَ حِينَ عَدِمَ الْمَاءَ عِوَضًا مِنَ الْوُضُوءِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: فِيهِ التَّيَمُّمُ فِي الْحَضَرِ لِعَدَمِ الْمَاءِ إِذْ مَنْ قَصَرَهُ عَلَى السَّفَرِ لَا يُجِيزُهُ إِلَّا فِي مَسَافَةِ قَصْرٍ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْجَرْفِ وَالْمَدِينَةِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: وَإِنَّمَا تَيَمَّمَ بِالْمِرْبَدِ لِأَنَّهُ خَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ يَعْنِي الْمُسْتَحَبَّ
وَرُوِيَ يَعْنِي فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ وَلَمْ يَعُدْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً إِلَّا أَنَّ الصُّفْرَةَ دَخَلَتْهَا، أَوْ لَعَلَّهُ رَأَى أَنَّهُ فِي ضِيقٍ مِنَ الْوَقْتِ ثُمَّ تَبَيَّنَ غَيْرُ ذَلِكَ
وَقَالَ الْبُونِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَرَى حِلَّ التَّيَمُّمِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ، انْتَهَى.
وَإِلَى جَوَازِهِ فِي الْحَضَرِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِإِدْرَاكِ الْوَقْتِ، فَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْحَاضِرُ الْمَاءَ تَيَمَّمَ وَالْآيَةُ خَرَجَتْ عَلَى الْأَغْلَبِ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَجِدُ الْمَاءَ كَمَا أَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ الْحَاضِرَ يَجِدُهُ فَلَا مَفْهُومَ لَهَا
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ فِي الْحَضَرِ بِحَالٍ وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ، وَعَلَى التَّيَمُّمِ فَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ: الْمَشْهُورُ لَا إِعَادَةَ قِيَاسًا عَلَى الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ بِجَامِعِ أَنَّهُ شُرِعَ لَهُمَا لِإِدْرَاكِ الْوَقْتِ فَيَلْحَقُ بِهِمَا الْحَاضِرُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ فِي عَدَمِ الْإِعَادَةِ كَمَا أَلْحَقَ بِهِمَا فِي التَّيَمُّمِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ، وَقَالَ بِهَا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَابْنُ حَبِيبٍ، وَالشَّافِعِيُّ لِنُدُورِ ذَلِكَ
[ ١ / ٢٢٥ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَيَمَّمُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَسُئِلَ مَالِكٌ كَيْفَ التَّيَمُّمُ وَأَيْنَ يَبْلُغُ بِهِ فَقَالَ يَضْرِبُ ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةً لِلْيَدَيْنِ وَيَمْسَحُهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ
_________________
(١) ١٢٢ - (مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَيَمَّمُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ أَوْ أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ فَرْضٌ إِلَيْهِمَا (وَسُئِلَ مَالِكٌ كَيْفَ التَّيَمُّمُ وَأَيْنَ يَبْلُغُ بِهِ؟ فَقَالَ يَضْرِبُ ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةً لِلْيَدَيْنِ) لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ لَهُمَا كَفَاهُ وَلَا إِعَادَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَيَمْسَحُهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) تَحْصِيلًا لِلسُّنَّةِ وَلَوْ مَسَحَهُمَا إِلَى الْكُوعِ صَحَّ وَيُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ، فَأَجَابَ ﵀ بِالصِّفَةِ الْكَامِلَةِ وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُ ضَرْبَةً لَهُمَا وَإِلَى الْكُوعَيْنِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «حَدِيثِ عَمَّارٍ: " أَنَّهُ أَجْنَبَ فَتَمَعَّكَ أَيْ تَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ وَصَلَّى قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا فَضَرَبَ - ﷺ - بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ» وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ - ﷺ -: " «يَكْفِيكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ» " فَعَلَّمَهُ فِعْلًا وَقَوْلًا فَفِيهِ أَنَّ الزَّائِدَ عَلَيْهِمَا لَيْسَ
[ ١ / ٢٢٥ ]
بِفَرْضٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَأَنْكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ: وَهُوَ إِنْكَارٌ مَرْدُودٌ فَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ إِمَامٌ ثِقَةٌ وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا عِنْدَ الْأَصْحَابِ فَهُوَ الْقَوِيُّ فِي الدَّلِيلِ
وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ جَوَابًا عَنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَيَانُ صُورَةِ الضَّرْبِ لِلتَّعْلِيمِ لَا بَيَانَ جَمِيعِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّيَمُّمُ
قَالَ الْحَافِظُ: وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ: " «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ» "، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ لِاشْتِرَاطِ بُلُوغِ الْمَسْحِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ بِأَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي الْوُضُوءِ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ، وَقَدْ عَارَضَهُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ بِقِيَاسٍ آخَرَ وَهُوَ الْإِطْلَاقُ فِي آيَةِ السَّرِقَةِ وَلَا حَاجَةَ لِذَلِكَ مَعَ وُجُودِ هَذَا النَّصِّ. انْتَهَى
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَغَيْرِهِمَا إِلَى وُجُوبِ ضَرْبَتَيْنِ وَوُجُوبِهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ: " «أَنَّهُ - ﷺ - تَيَمَّمَ ضَرْبَتَيْنِ مَسَحَ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ وَالْأُخْرَى يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ» " وَرَوَى الْحَاكِمُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ» " وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الصَّوَابَ وَقْفُهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَخَبَرُ أَبِي دَاوُدَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَوْ ثَبَتَ بِالْأَمْرِ دَلَّ عَلَى النَّسْخِ فَيَلْزَمُ قَبُولُهُ، لَكِنْ إِنَّمَا وَرَدَ بِالْفِعْلِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَكْمَلِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَمَّارٍ
[ ١ / ٢٢٦ ]