_________________
(١) بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ أَيْ تَقْدِيرُهَا فِيهِمَا لِكَوْنِهِمَا جَهْرِيَّتَيْنِ، وَقَدَّمَهُمَا عَلَى تَرْجَمَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ لِأَنَّ اللَّيْلَ سَابِقُ النَّهَارِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَرْجَمَةً؛ لِأَنَّهُمَا سِرِّيَّتَانِ لَمْ تُسْمَعْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِيهِمَا، وَمَنْ تَرْجَمَ لَهُمَا أَرَادَ إِثْبَاتَ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا، وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ لَهُمَا وَرَوَى فِي التَّرْجَمَتَيْنِ حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ: " «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ سُورَةٍ وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا» " وَحَدِيثَ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: " «قُلْتُ لِخَبَّابٍ: أَكَانَ
[ ١ / ٣٠١ ]
النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قِرَاءَتَهُ؟ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ» " وَأَوْرَدَ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ الْعِلْمَ بِقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي السِّرِّيَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ بِسَمَاعِ كُلِّهَا، وَأُجِيبُ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ سَمَاعِ بَعْضِهَا مَعَ قِيَامِ الْقَرِينَةِ عَلَى قِرَاءَةِ بَاقِيهَا، وَبِاحْتِمَالِ أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يُخْبِرُهُمْ عَقِبَ الصَّلَاةِ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا بِقِرَاءَةِ السُّورَتَيْنِ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.
وَعَلَى الثَّانِي أَنَّ اضْطِرَابَ لِحْيَتِهِ لَا يُعَيِّنُ الْقِرَاءَةَ لِحُصُولِهِ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُمْ نَظَرُوهُ بِالْجَهْرِيَّةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ مِنْهَا هُوَ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ لَا الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَإِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي قَتَادَةَ كَانَ يُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا قَوِيَ الِاسْتِدْلَالُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: احْتِمَالُ الذِّكْرِ مُمْكِنٌ لَكِنَّ جَزْمَ الصَّحَابِيِّ بِالْقِرَاءَةِ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِأَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ، فَقُبِلَ تَفْسِيرُهُ وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَارَ بِالْقِرَاءَةِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إِسْمَاعِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ وَالشَّفَتَيْنِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَطْبَقَ شَفَتَيْهِ وَحَرَّكَ لِسَانَهُ بِالْقِرَاءَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَضْطَرِبُ بِذَلِكَ لِحْيَتُهُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.
[ ١ / ٣٠٢ ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِالطُّورِ فِي الْمَغْرِبِ»
_________________
(١) ١٧٠ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (ابْنِ مُطْعِمٍ) النَّوْفَلِيِّ أَبِي سَعِيدٍ الْمَدَنِيِّ، ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الْجَمِيعِ، عَارِفٌ بِالْأَنْسَابِ مَاتَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ. (عَنْ أَبِيهِ) جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، صَحَابِيٌّ أَسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَقِيلَ قَبْلَهُ، وَكَانَ أَحَدَ الْأَشْرَافِ، وَمِنْ حُلَمَاءِ قُرَيْشٍ وَسَادَاتِهِمْ عَارِفًا بِالْأَنْسَابِ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ. (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَرَأَ) كَذَا فِي نُسَخِ الْمُوَطَّأِ، وَمِثْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ قَرَأَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَفِي فَتْحِ الْبَارِيِّ قَوْلُهُ: قَرَأَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ يَقْرَأُ، وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ. («بِالطُّورِ فِي الْمَغْرِبِ») وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَكَانَ جَاءَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي فِدَاءِ أَهْلِ بَدْرٍ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا وَقَرَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ نَحْوُ: وَزَادَ فِي آخِرِهِ فَأَخَذَنِي مِنْ قِرَاءَتِهِ الْكَرْبُ، وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ هُشَيْمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَكَأَنَّمَا صُدِعَ قَلْبِي حِينَ سَمِعْتُ الْقُرْآنَ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ أَدَاءِ مَا تَحَمَّلَهُ الرَّاوِي فِي حَالِ الْكُفْرِ، وَكَذَا الْفِسْقُ إِذَا أَدَّاهُ فِي حَالَةِ الْعَدَالَةِ، وَقَوْلُهُ بِالطُّورِ أَيْ بِسُورَةِ الطُّورِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُحْتَمَلُ أَنِ الْبَاءَ بِمَعْنَى مِنْ كَقَوْلِهِ تَعَالَىْ: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] (سُورَةُ الْإِنْسَانِ: الْآيَةُ ٦) وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ
[ ١ / ٣٠٢ ]
لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: ٧] (سُورَةُ الطُّورِ: الْآيَةُ ٧) قَالَ: فَأَخْبَرَ أَنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ هُوَ هَذِهِ الْآيَةُ خَاصَّةً، قَالَ الْحَافِظُ: وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَقْتَضِي قَوْلَهُ خَاصَّةً، مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ هُشَيْمٍ بِخُصُوصِهَا مُضَعَّفَةٌ، بَلْ جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَرَأَ السُّورَةَ كُلَّهَا، فَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ: فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ - أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] (سُورَةُ الطُّورِ: الْآيَةُ ٣٥ - ٣٧) كَادَ قَلْبِي يَطِيرُ، وَنَحْوُهُ لِقَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ.
وَلِلطَّبَرَانِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿وَالطُّورِ - وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢] (سُورَةُ الطُّورِ: الْآيَةُ ١، ٢) وَمِثْلُهُ لِابْنِ سَعْدٍ، وَزَادَ: فَاسْتَمَعْتُ قِرَاءَتَهُ حَتَّى خَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ انْتَهَى.
وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَجَعَلَ مَوْضِعَ الْمَغْرِبِ الْعَتَمَةَ.
وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: " «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لِأُكَلِّمَهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ الْمَغْرِبَ أَوِ الْعِشَاءَ، وَهُوَ يَقْرَأُ وَقَدْ خَرَجَ صَوْتُهُ مِنَ الْمَسْجِدِ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ - مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧ - ٨] (سُورَةُ الطُّورِ: الْآيَةُ ٧، ٨) فَكَأَنَّمَا صُدِعَ قَلْبِي»، أَخْرَجَهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فَأَمَّا رِوَايَةُ الشَّكِّ، فَالصَّحِيحُ مِنْهُ الْمَغْرِبُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْعَتَمَةِ فَضَعِيفَةٌ لِأَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يَعْنِي وَابْنُ لَهِيعَةَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ، فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ؟ وَالْمَحْفُوظُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ حُفَّاظِ أَصْحَابِهِ الْمَغْرِبُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ «سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَقَالَتْ لَهُ يَا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ إِنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ»
_________________
(١) ١٧١ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بِفَتْحِهَا (ابْنِ عُتْبَةَ) بِضَمِّهَا بَعْدَهَا فَوْقِيَّةٌ (ابْنِ مَسْعُودٍ) أَحَدُ الْفُقَهَاءِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) الْحَبْرُ التُّرْجُمَانُ (أَنَّ) أُمَّهُ (أُمَّ الْفَضْلِ) اسْمُهَا لُبَابَةُ بِضَمِّ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَتَيْنِ (بِنْتَ الْحَارِثِ) بْنِ حَزْنٍ، بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا نُونٌ، الْهِلَالِيَّةَ، زَوْجَ الْعَبَّاسِ وَأُمَّ بَنِيهِ السِّتَّةِ النُّجَبَاءِ، وَأُخْتَ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، لَهَا صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، وَكَانَ - ﷺ - يَزُورُهَا وَيَقِيلُ عِنْدَهَا، وَيُقَالُ إِنَّهَا أَوَّلُ امْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ بَعْدَ خَدِيجَةَ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدِيمَةَ الْإِسْلَامِ لَكِنَّهَا سَبَقَتْهَا أُمُّ عَمَّارٍ وَأُمُّ بِلَالٍ وَغَيْرُهُمَا، قَالَ فِي الْفَتْحِ هُنَا: وَالصَّحِيحُ أَيْ فِي أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ خَدِيجَةَ فَاطِمَةُ أُخْتُ عُمَرَ زَوْجُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، كَمَا فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ حَدِيثِهِ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَعُمْرُ مُوَثِّقِي، وَأُخْتُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مَاتَتْ بَعْدَ الْعَبَّاسِ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ. (سَمِعَتْهُ وَهُوَ)
[ ١ / ٣٠٣ ]
أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ (يَقْرَأُ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ مِنَ الْحَاضِرِ إِلَى الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ سَمِعَتْنِي وَأَنَا أَقْرَأُ.
﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] أَيِ الرِّيَاحَ مُتَتَابِعَةً كَعُرْفِ الْفَرَسِ يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا، وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ.
(فَقَالَتْ لَهُ: يَا بُنَيَّ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ (لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي) بِشَدِّ الْكَافِ شَيْئًا نَسِيتُهُ (بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ) مَنْصُوبٌ بِقِرَاءَةٍ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَبِذَكَّرْتَنِي عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ.
(«إِنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ») زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، مِنْ رِوَايَةِ عَقِيلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ: ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ.
وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِأَصْحَابِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ كَانَتِ الظُّهْرَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنِ الَّتِي حَكَتْهَا عَائِشَةُ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ، وَالَّتِي حَكَتْهَا أُمُّ الْفَضْلِ كَانَتْ فِي بَيْتِهِ، كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: " «خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ عَاصِبٌ رَأْسَهُ فِي مَرَضِهِ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ» " الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهَا خَرَجَ إِلَيْنَا أَيْ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ رَاقِدًا فِيهِ إِلَى مَنْ فِي الْبَيْتِ فَصَلَّى بِهِمْ فَتَلْتَئِمُ الرِّوَايَاتُ، قَالَهُ الْحَافِظُ.
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَعَلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا بِغَيْرِ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ «عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ؟» تَأْنِيثُ أَطْوَلَ، وَالطُّولَيَيْنِ بِتَحْتِيَّةٍ تَثْنِيَةُ طُولَى أَيْ بِأَطْوَلِ السُّورَتَيْنِ الطَّوِيلَتَيْنِ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ - ﷺ - يَقْرَأُ فِيهَا بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا.
وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى تَفْسِيرِ الطُّولَى بِالْأَعْرَافِ، وَفِي تَفْسِيرِ الْأُخْرَى بِالْمَائِدَةِ وَالْأَنْعَامِ وَيُونُسَ رِوَايَاتٌ الْمَحْفُوظُ مِنْهَا الْأَنْعَامُ.
وَفِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ فُلَانٍ، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ» " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ كَانَ - ﷺ - أَحْيَانًا يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَغْرِبِ إِمَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَإِمَّا لِلْعِلْمِ بِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جُبَيْرٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِ أَنْكَرَ عَلَى مَرْوَانَ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَلَوْ عَلِمَ مَرْوَانُ أَنَّهُ - ﷺ - وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ لَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى زَيْدٍ، لَكِنْ لَمْ يُرِدْ زَيْدٌ مِنْهُ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالطِّوَالِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَتَعَاهَدَ ذَلِكَ كَمَا رَآهُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -.
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ الْفَضْلِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الصِّحَّةِ بِأَطْوَلَ مِنَ الْمُرْسَلَاتِ، لِكَوْنِهِ حَالَ شِدَّةِ مَرَضِهِ وَهُوَ مَظِنَّةُ التَّخْفِيفِ، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى أَبِي دَاوُدَ ادِّعَاءَ نَسْخِ التَّطْوِيلِ ; لِأَنَّهُ رَوَى عَقِبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالْقِصَارِ، قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ
[ ١ / ٣٠٤ ]
حَدِيثِ زَيْدٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الدَّلَالَةِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى عُرْوَةَ رَاوِيَ الْحَدِيثِ عَمِلَ بِخِلَافِهِ، حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ عَلَى نَاسِخِهِ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الْحَمْلِ، وَكَيْفَ يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ وَأُمُّ الْفَضْلِ تَقُولُ: آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِهِمْ قَرَأَ بِالْمُرْسَلَاتِ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: هَذَا مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ، فَجَائِزٌ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقْرَأَ فِي الْمَغْرِبِ وَفِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا بِمَا أَحَبَّ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ إِمَامًا اسْتُحِبَّ لَهُ تَخْفِيفُ الْقِرَاءَةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقُرْطُبِيِّ: مَا وَرَدَ مِنْ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ التَّقْصِيرُ أَوْ عَكْسُهُ فَهُوَ مَتْرُوكٌ انْتَهَى.
وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَالْمُرْسَلَاتِ وَنَحْوِهِمَا، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ لَا أَكْرَهُ ذَلِكَ بَلْ أَسْتَحِبُّهُ غَرِيبٌ، فَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ وَلَا اسْتِحْبَابَ بَلْ هُوَ جَائِزٌ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، نَعَمِ الْمُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُهَا لِلْعَمَلِ بِالْمَدِينَةِ وَبِغَيْرِهَا، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَى تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَتَقْصِيرِهَا فِي الْمَغْرِبِ، وَالْحَقُّ عِنْدَنَا أَنَّ مَا صَحَّ عَنْهُ - ﷺ - فِي ذَلِكَ وَثَبَتَتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَمَا لَمْ تَثْبُتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَيْهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ.
وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ بِالْأَحَادِيثِ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إِلَى الشَّفَقِ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ مَنْ قَالَ إِنَّ لَهَا وَقْتًا وَاحِدًا لَمْ يَحُدَّهُ بِقِرَاءَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ أَوَّلِ غُرُوبٍ، وَلَهُ أَنْ يُطَوِّلَ الْقِرَاءَةَ فِيهَا إِلَى الشَّفَقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ وَلَوْ غَابَ الشَّفَقُ، وَحَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ رَكْعَةً فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَيُدِيمُ الْبَاقِيَ وَلَوْ غَابَ الشَّفَقُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ ; لِأَنَّ تَعَمُّدَ إِخْرَاجِ الصَّلَاةِ عَنِ الْوَقْتِ مَمْنُوعٌ وَلَوْ أَجْزَأَتْ فَلَا يُحْمَلُ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى ذَلِكَ، وَحَدِيثُ أُمِّ الْفَضْلِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
[ ١ / ٣٠٥ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّيْتُ وَرَاءَهُ الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ ثُمَّ قَامَ فِي الثَّالِثَةِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنَّ ثِيَابِي لَتَكَادُ أَنْ تَمَسَّ ثِيَابَهُ فَسَمِعْتُهُ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]
_________________
(١) ١٧٢ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ مُصَغَّرٌ الْمِذْحَجِيِّ، قِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَقِيلَ حَيٌّ، وَقِيلَ حُيَيٌّ، وَقِيلَ حُوَيٌّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْوَاوِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ ثَقِيلَةٌ، ثِقَةٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَعَلَّقَ لَهُ الْبُخَارِيُّ. (مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ) بْنِ مَرْوَانَ أَحَدِ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ وَحَاجِبِهِ. (عَنْ عُبَادَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالتَّخْفِيفِ وَهَاءٍ آخِرَهُ (ابْنِ نُسَيٍّ) بِضَمِّ النُّونِ، وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ، الْكِنْدِيُّ الشَّامِيُّ، قَاضِي طَبَرِيَّةَ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ تَابِعِيٌّ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. (عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ) الْكِنْدِيُّ الْحِمْصِيُّ ثِقَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ. (عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ النُّونِ فَأَلِفٌ، فَمُوَحَّدَةٌ فَمُهْمَلَةٌ، اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ الْمُرَادِيُّ، ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِخَمْسَةِ
[ ١ / ٣٠٥ ]
أَيَّامٍ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
(قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَصَلَّيْتُ وَرَاءَهُ الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ) وَهَلْ أَوَّلُهُ الصَّافَّاتُ أَوِ الْجَاثِيَةُ أَوِ الْفَتْحُ أَوِ الْحُجُرَاتُ أَوْ قَافٌ أَوِ الصَّفُّ أَوْ تَبَارَكَ أَوْ سَبِّحْ أَوِ الضُّحَى إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ، أَقْوَالٌ أَكْثَرُهَا مُسْتَغْرَبٌ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ الْحُجُرَاتُ، وَنَقَلَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ قَوْلًا شَاذًّا أَنَّ الْمُفَصَّلَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ.
(ثُمَّ قَامَ فِي الثَّالِثَةِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنَّ ثِيَابِي لَتَكَادُ أَنْ تَمَسَّ ثِيَابَهُ فَسَمِعْتُهُ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةُ ٨) تُمِلْهَا عَنِ الْحَقِّ بِابْتِغَاءِ تَأْوِيلِهِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِنَا، كَمَا زَاغَتْ قُلُوبُ أُولَئِكَ، (بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) أَرْشَدْتَنَا إِلَيْهِ، ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ [آل عمران: ٨] مِنْ عِنْدِكَ، (رَحْمَةً) تَثْبِيتًا ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، قَالَ الْبَاجِيُّ: قِرَاءَتُهُ فِي الثَّالِثَةِ هَذِهِ الْآيَةَ ضَرْبٌ مِنَ الْقُنُوتِ وَالدُّعَاءِ، لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَأَجَازَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْقُنُوتَ فِي الْمَغْرِبِ، وَكُلِّ صَلَاةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَاهُ أَصْلًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قِرَاءَةُ النَّبِيِّ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَالْمُرْسَلَاتِ وَفِي الْعِشَاءِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَقِرَاءَةُ أَبِي بَكْرٍ بِمَا ذُكِرَ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْمُبَاحِ يَقْرَأُ بِمَا شَاءَ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ مَا لَمْ يَكُنْ إِمَامًا فَلَا يُطَوِّلُ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ، وَتَخْفِيفُهُ - ﷺ - مَرَّةً وَرُبَّمَا طَوَّلَ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا تَوْقِيتَ فِي الْقِرَاءَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَهَذَا إِجْمَاعٌ، وَقَدْ قَالَ: " «مَنْ أَمَّ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ» " وَلَمْ يَحُدَّ شَيْئًا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِبَغْدَادَ: تَسْقُطُ الْقِرَاءَةُ عَمَّنْ نَسِيَ فَإِنَّ النِّسْيَانَ مَوْضُوعٌ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ بِمِصْرَ، وَأَظُنُّهُ كَانَتْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الشُّبْهَةُ بِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَلَمْ يَقْرَأْ، فَذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: كَيْفَ كَانَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ؟ قِيلَ: حَسَنٌ، قَالَ: لَا بَأْسَ إِذًا.
وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، كَانَ مَالِكٌ ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّأِ مُرْسَلًا، ثُمَّ رَمَاهُ مِنْ كِتَابِهِ، وَصَحَّ أَنَّ عُمَرَ أَعَادَ تِلْكَ الصَّلَاةَ بِإِقَامَةٍ، وَقَالَ: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ.
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ فَعَلَهُ، وَقَالَ: يَرَى النَّاسُ عُمَرَ يَفْعَلُ هَذَا فِي الْمَغْرِبِ فَلَا يُسَبِّحُونَ لَهُ وَلَا يُخْبِرُونَهُ.
[ ١ / ٣٠٦ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ يَقْرَأُ فِي الْأَرْبَعِ جَمِيعًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَكَانَ يَقْرَأُ أَحْيَانًا بِالسُّورَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ كَذَلِكَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سُورَةٍ
_________________
(١) ١٧٣ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ) أَيْ مُنْفَرِدًا (يَقْرَأُ
[ ١ / ٣٠٦ ]
فِي الْأَرْبَعِ) مِنْ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ (جَمِيعًا) أَيْ فِي جَمِيعِهِنَّ لَا فِي بَعْضِهِنَّ، زَادَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ) طَوِيلَةٍ أَوْ قَصِيرَةٍ، وَهَذَا لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ مَالِكٌ وَلَا الْجُمْهُورُ، بَلْ كَرِهُوا قِرَاءَةَ شَيْءٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَثَالِثَةِ الْمَغْرِبِ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الثَّانِيَةِ وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ» .
(وَكَانَ يَقْرَأُ أَحْيَانًا بِالسُّورَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ) وَبِجَوَازِ ذَلِكَ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ، فَذَكَرَ عِشْرِينَ آيَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ» .
(وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ كَذَلِكَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سُورَةٍ) بَيَانٌ لِمُرَادِهِ بِالتَّشْبِيهِ.
[ ١ / ٣٠٧ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ قَالَ «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ فَقَرَأَ فِيهَا بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ»
_________________
(١) ١٧٤ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ) الْكُوفِيِّ، ثِقَةٌ رَوَى لَهُ الْجَمِيعُ وَرُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ مَاتَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) الصَّحَابِيُّ ابْنُ الصَّحَابِيِّ («أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الْعِشَاءَ») زَادَ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ عَدِيٍّ فِي سَفَرٍ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ رَكْعَتَيْنِ («فَقَرَأَ فِيهِمَا بِالتِّينِ») أَيْ بِسُورَةِ التِّينِ (وَالزَّيْتُونِ)، زَادَ النَّسَائِيُّ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى. وَفِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ لِابْنِ السِّكِّيتِ فِي تَرْجَمَةِ وَرَقَةَ بْنِ خَلِيفَةَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ أَنَّهُ قَالَ: «سَمِعْنَا بِالنَّبِيِّ - ﷺ - فَأَتَيْنَاهُ فَعَرَضَ عَلَيْنَا الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمْنَا وَأَسْهَمَ لَنَا، وَقَرَأَ فِي الصَّلَاةِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» . قَالَ الْحَافِظُ: يُمْكِنُ إِنْ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي عَيَّنَ الْبَرَاءُ أَنَّهَا الْعِشَاءُ، أَنْ يُقَالَ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِالتِّينِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْقَدْرِ، وَإِنَّمَا قَرَأَ فِيهَا بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ لِكَوْنِهِ مُسَافِرًا، وَالسَّفَرُ يُطْلَبُ فِيهِ التَّخْفِيفُ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] (سُورَةُ الِانْشِقَاقِ: الْآيَةُ ١) مَحْمُولٌ عَلَى الْحَضَرِ فَلِذَا قَرَأَ فِيهَا بِأَوَاسِطِ الْمُفَصَّلِ. وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مِسْعَرِ عَنْ عَدِيٍّ عَنِ الْبَرَاءِ بِزِيَادَةِ مَا سَمِعْتُ صَوْتًا أَحْسَنَ مِنْهُ أَوْ قِرَاءَةً، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ صَوْتًا أَحْسَنَ مِنْهُ بِدُونِ شَكٍّ.
[ ١ / ٣٠٧ ]