_________________
(١) بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالِاحْتِبَاءِ وَمَنْ تَرَكَهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ جَمْعُ الظَّهْرِ وَالسَّاقَيْنِ بِثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْيَدَيْنِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: كَذَا تَرْجَمَ يَحْيَى وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ بُكَيْرٍ وَغَيْرِهِ (مَالِكٌ) أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَحْتَبِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ قَالَ: وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ، وَلَا رُوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ التَّابِعِينَ كَرَاهِيَةُ الِاحْتِبَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ جَوَازُهُ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الِاحْتِبَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ» " قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ وَشُرَيْحٌ وَصَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالنَّخَعِيُّ وَمَكْحُولٌ يَحْتَبُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَأَنْ يَمُدَّ رِجْلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعُونَةٌ فَلْيَفْعَلْ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ أَرْفُقُ بِهِ. (وَمَنْ تَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) مِنَ الْأَعْذَارِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الْفُرُوعِ.
[ ١ / ٤٠٨ ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ «مَاذَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى إِثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ كَانَ يَقْرَأُ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ»
_________________
(١) - ٢٤٧ ٢٤٣ (مَالِكٌ عَنْ ضَمْرَةَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ (ابْنِ سَعِيدٍ) بِفَتْحِ السِّينِ ابْنِ أَبِي حِنَّةَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ نُونٍ وَقِيلَ مُوَحَّدَةٌ الْأَنْصَارِيِّ (الْمَازِنِيِّ) بِزَايٍ وَنُونٍ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بِفَتْحِهَا (ابْنِ عُتْبَةَ) بِضَمِّهَا وَإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ (ابْنِ مَسْعُودٍ) أَحَدُ الْفُقَهَاءِ (أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ) بْنِ خَالِدِ بْنِ وَهْبٍ الْفِهْرِيَّ أَبُو أُنَيْسٍ الْأَمِيرُ الْمَشْهُورُ صَحَابِيٌّ قُتِلَ فِي وَقْعَةِ مَرْجِ رَاهِطٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ (سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ) بْنِ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ ثُمَّ سَكَنَ الشَّامَ ثُمَّ وَلِيَ إِمْرَةَ الْكُوفَةِ ثُمَّ قُتِلَ بِحِمْصَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. («مَاذَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ») بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ («عَلَى إِثْرِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ») الَّتِي كَانَ يَقْرَؤُهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى («قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ») قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَوْلُهُ عَلَى أَثَرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَقْرَأُ مَعَهَا شَيْئًا وَاحِدًا أَبَدًا لِعَلِمَهُ كَمَا عَلِمَ سُورَةَ
[ ١ / ٤٠٨ ]
الْجُمُعَةِ وَلَكِنَّهُ كَانَ مُخْتَلِفًا فَسَأَلَ عَنِ الْأَغْلَبِ مِنْهُ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْآثَارُ فِيهِ وَالْعُلَمَاءُ وَهُوَ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ الَّذِي وَرَدَ وُرُودُ التَّخْيِيرِ، فَرُوِيَ «أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدَانُ فِي يَوْمٍ قَرَأَهُمَا جَمِيعًا» .
وَرُوِيَ «أَنَّهُ - ﷺ - قَرَأَ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] فِي الْآخِرَةِ»، وَاخْتَارَ هَذَا الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلِيٍّ وَهِيَ آثَارٌ صِحَاحٌ.
وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَهَلْ أَتَاكَ وَأَجَازَ فِي الثَّانِيَةِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] .
وَجُمْلَةُ قَوْلِهِ: إِنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْجُمُعَةَ فِي الْأَوْلَى وَيَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِمَا شَاءَ إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَا ذَكَرْنَا.
[ ١ / ٤٠٩ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ مَالِكٌ لَا أَدْرِي أَعَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَمْ لَا أَنَّهُ قَالَ «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ»
_________________
(١) ٢٤٤ - (مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) بِضَمِّ السِّينِ الزُّهْرِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ، الثِّقَةُ الْعَابِدُ التَّابِعِيُّ الصَّغِيرُ. (قَالَ مَالِكٌ: لَا أَدْرِي أَعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَمْ لَا) قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا يُسْنَدُ مِنْ وُجُوهٍ أَحْسَنُهَا حَدِيثُ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ بِنَحْوِهِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - (أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ») مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) كَشِدَّةِ وَحْلٍ (وَلَا عِلَّةٍ) مِنْ مَرِضٍ وَنَحْوِهِ («طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ») أَيْ خَتَمَ عَلَيْهِ وَغَشَّاهُ وَمَنَعَهُ أَلْطَافَهُ فَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ، أَوْ جَعَلَ فِيهِ الْجَهْلَ وَالْجَفَا وَالْقَسْوَةَ، أَوْ صَيَّرَ قَلْبَهُ قَلَبَ مُنَافِقٍ، وَالطَّبْعُ بِسُكُونِ الْبَاءِ الْخَتْمُ وَبِالتَّحْرِيكِ الدَّنَسُ وَأَصْلُهُ الْوَسَخُ يُغْشِي السَّيْفَ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِنَ الْآثَامِ وَالْقَبَائِحِ. أَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ مَرْفُوعًا: " «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» " وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَقَدْ طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ» " وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا وِلَاءً مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» " وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كُتِبَ مُنَافِقًا فِي كِتَابِ لَا يُمْحَى وَلَا يُبَدَّلُ» " وَالْمُرَادُ النِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ. وَأَخْرَجَ أَبُو يُعْلَى بِرُوَاةِ الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: " «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمُعَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ فَقَدْ نَبَذَ الْإِسْلَامَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ» "، وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهُمُ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» "، وَقَالَ ابْنُ
[ ١ / ٤٠٩ ]
مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ: «إِنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَرَادَ - ﷺ - أَنْ يُحَرِّقَ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا بَيْتَهُ هِيَ الْجُمُعَةُ» .
قَالَ أَبُو عُمَرَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ شَهْرًا كُلَّ يَوْمٍ يَقُولُ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ وَلَا يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ وَلَا الْجَمَاعَاتِ؟ فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ لَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: صَاحِبُكَ فِي النَّارِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ عَرَفَ حَالَ الْمَسْئُولِ عَنْهُ بِاعْتِقَادِ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ فِي اسْتِحْلَالِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَتَكْفِيرِهِمْ وَلِذَا تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَاتِ فَأَجَابَهُ بِذَلِكَ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ.
[ ١ / ٤١٠ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَجَلَسَ بَيْنَهُمَا»
_________________
(١) ٢٤٥ - (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرٍ) الصَّادِقِ لِصِدْقِهِ فِي مَقَالِهِ (ابْنِ مُحَمَّدٍ) الْبَاقِرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ الْمَدَنِيِّ الْفَقِيهِ الصَّدُوقِ الْإِمَامِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، ذَكَرَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: اخْتَلَفْتُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ زَمَانًا فَمَا كُنْتُ أَرَاهُ إِلَّا عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا مُصَلٍّ وَإِمَّا صَائِمٌ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَا رَأَيْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ، وَكَانَ لَا يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعُبَّادِ الزُّهَّادِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ وَلَقَدْ حَجَجْتُ مَعَهُ سَنَةً فَلَمَّا أَتَى الشَّجَرَةَ أَحْرَمَ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ كَادَ يُغْشَى عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: لَا بُدَّ لَكَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ يُحِبُّنِي وَيَنْبَسِطُ إِلَيَّ، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ أَبِي عَامِرٍ إِنِّي أَخْشَى أَنْ أَقُولَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ فَيَقُولُ: لَا لَبَّيْكَ وَلَا سَعْدَيْكَ. وَذَكَرَ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لَبَّيْكَ أَوْ قَالَهَا غُشِيَ عَلَيْهِ وَسَقَطَ مِنْ نَاقَتِهِ فَتَهَشَّمَ وَجْهُهُ (عَنْ أَبِيهِ) مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ لِأَنَّهُ بَقَرَ الْعِلْمَ أَيْ شَقَّهُ فَعَرَفَ أَصْلَهُ وَخَفِيَّهُ ثِقَةٌ فَاضِلٌ تَابِعِيٌّ («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَجَلَسَ بَيْنَهُمَا») أَرْسَلَهُ الْمُوَطَّأُ وَهُوَ يَتَّصِلُ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» " وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا لِمُوَاظَبَتِهِ - ﵇ - عَلَى ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» " وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ أَنَّ إِقَامَةَ الْخُطْبَتَيْنِ دَاخِلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ اهـ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ الْفَصْلِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَقِيلَ الرَّاحَةُ وَعَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ يَكْفِي السُّكُوتُ بِقَدْرِهَا.
[ ١ / ٤١٠ ]