حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ هَلْ يَقْرَأُ أَحَدٌ خَلْفَ الْإِمَامِ قَالَ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ خَلْفَ الْإِمَامِ فَحَسْبُهُ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيَقْرَأْ قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنْ يَقْرَأَ الرَّجُلُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ وَيَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ
_________________
(١) بَابُ تَرْكِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ
(٢) ١٩١ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ هَلْ يَقْرَأُ أَحَدٌ خَلْفَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ خَلْفَ الْإِمَامِ فَحَسْبُهُ) أَيْ كَافِيهِ (قِرَاءَةُ الْإِمَامِ) وَلَا يَقْرَأْ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: " «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» "، (وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيَقْرَأْ) فَعُلِمَ مِنْهُ وُجُوبُهَا عِنْدَهُ عَلَى الْإِمَامِ وَالْفَذِّ. (قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَرَى الْقِرَاءَةَ فِي سِرِّ الْإِمَامِ وَلَا فِي جَهْرِهِ، وَلَكِنْ مَالِكٌ قَيَّدَهُ بِتَرْجَمَةِ الْبَابِ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا جَهَرَ بِهِ الْإِمَامُ بِمَا عَلِمَ مِنَ الْمَعْنَى، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُنْصِتُ لِلْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ وَلَا يَقْرَأُ مَعَهُ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ مَعَهُ فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ، (قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا) بِالْمَدِينَةِ (أَنْ يَقْرَأَ الرَّجُلُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ، وَيَتْرُكَ الْقِرَاءَةَ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] (سُورَةُ الْأَعْرَافِ: الْآيَةُ ٢٠٤) لَا خِلَافَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى دُونَ غَيْرِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ؛ لِأَنَّ السِّرَّ لَا يُسْمَعُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْجَهْرَ خَاصَّةً، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ كُلَّ مَوْضِعٍ يُسْتَمَعُ فِيهِ الْقُرْآنُ وَإِنَّمَا أَرَادَ الصَّلَاةَ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ - ﷺ - فِي الْإِمَامِ: " «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» " صَحَّحَهُ ابْنُ حَنْبَلٍ فَأَيْنَ الْمَذْهَبُ عَنِ السُّنَّةِ؟ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُسْلِمٍ: قُلْتُ لِأَبِي عِيَاضٍ: لَقَدْ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا لَا يَسْمَعُ الْقُرْآنَ إِلَّا يَسْتَمِعُ، قَالَ: لَا إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، فَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَإِنْ شِئْتَ اسْتَمَعْتَ وَأَنْصَتَّ وَإِنْ شِئْتَ مَضَيْتَ وَلَمْ تَسْتَمِعْ، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَزَادَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: وَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ هَلْ قَرَأَ مَعِي مِنْكُمْ أَحَدٌ آنِفًا فَقَالَ رَجُلٌ نَعَمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»
_________________
(١) ١٩٢ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ مُصَغَّرُ أَكَمَةٍ وَاسْمُهُ عُمَارَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ وَالْهَاءِ، وَقِيلَ عَمَارٌ بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ، وَقِيلَ عَمْرٌو بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَقِيلَ عَامِرٌ (اللَّيْثِيِّ) أَبِي الْوَلِيدِ الْمَدَنِيِّ، ثِقَةٌ مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ وَلَهُ تِسْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ») وَعِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: سَمِعْتُ ابْنَ أُكَيْمَةَ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ»، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ فَقَالَ: نَظُنُّ أَنَّهَا صَلَاةُ الصُّبْحِ «(فَقَالَ: هَلْ قَرَأَ مَعِي مِنْكُمْ أَحَدٌ آنِفًا) بِمَدِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ النُّونِ أَيْ قَرِيبًا (فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) قَرَأْتُ (قَالَ) أَبُو هُرَيْرَةَ: (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ)» هُوَ بِمَعْنَى التَّثْرِيبِ وَاللَّوْمِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ: أَيْ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ فَإِنْ قَرَأْتُمْ وَرَائِي فَكَأَنَّمَا تُنَازِعُونَنِي الْقُرْآنَ الَّذِي أَقْرَأُ وَلَكِنْ أَنْصِتُوا، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: وَمَعْنَى مُنَازَعَتِهِمْ لَهُ أَنْ لَا يُفْرِدُوهُ بِالْقِرَاءَةِ وَيَقْرَءُوا مَعَهُ مِنَ التَّنَازُعِ بِمَعْنَى التَّجَاذُبِ، وَقَوْلُهُ: («فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِيمَا جَهَرَ فِيهِ») لَا فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ (رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) يَجْعَلُهُ أَكْثَرُ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُمُومُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنْ لَا تَجُوزَ الْقِرَاءَةُ مَعَ الْإِمَامِ إِذَا جَهَرَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَبَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ كِلَيْهِمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
[ ١ / ٣٢٧ ]