حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ مَوْلًى لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَوْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ وَهُوَ قَاعِدٌ مِثْلُ نِصْفِ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ»
_________________
(١) بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الْقَائِمِ عَلَى صَلَاةِ الْقَاعِدِ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ زِيَادَتِهَا.
(٢) ٣٠٦ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) مَالِكٍ الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ حُجَّةٌ رَوَى لَهُ الْخَمْسَةُ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، (عَنْ مَوْلًى لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِي أَوْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي) شَكَّ الرَّاوِي (عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَذَا اتَّفَقَ الرُّوَاةُ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورِ فَقَالَ عَنْ أَنَسٍ وَالْقَوْلُ عِنْدَهُمْ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِابْنِ عَمْرٍو اهـ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهُ بِمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ الْمَكِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانِ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْحَذَّاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ صَلَاةِ الْقَائِمِ " فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَجَلْ وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ»، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَدَّ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ هَذَا فِي خَصَائِصِهِ
[ ١ / ٤٨٤ ]
ﷺ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ أَحَدِكُمْ وَهُوَ قَاعِدٌ مِثْلُ نِصْفِ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ») قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لِمَا فِي الْقِيَامِ مِنَ الْمَشَقَّةِ أَوْ لِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ، وَقَدْ «سُئِلَ ﷺ عَنْ أَفْضَلِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ»، وَالْمُرَادُ صَلَاةُ النَّافِلَةِ لِأَنَّ الْفَرْضَ إِنْ أَطَاقَ الْقِيَامَ فَقَعَدَ صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ عَلَيْهِ إِعَادَتُهَا، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ نِصْفُ فَضْلِ صَلَاةٍ بَلْ هُوَ عَاصٍ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَفَرْضُهُ الْجُلُوسُ اتِّفَاقًا لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا بِأَفْضَلَ مِنْهُ لِأَنَّ كُلًّا أَدَّى وَجْهَهُ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ أَجْرَ الصَّلَاةِ لَا تَتَبَعَّضُ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ عَامًّا لَكِنَّ الْمُرَادَ بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ بِاتِّفَاقٍ فَهُوَ فِيمَنْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لِلْقِيَامِ أَوْ نَافِلَةً مُطْلَقًا.
وَعَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ فِي الْمَرِيضِ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ لَكِنَّ الْقُعُودَ أَرْفَقُ بِهِ، فَأَمَّا مَنْ أَقْعَدَهُ الْمَرَضُ فِي فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ فَثَوَابُهُ مِثْلُ صَلَاةِ الْقَائِمِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: الْحَدِيثُ وَرَدَ فِي النَّوَافِلِ وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ انْتَهَى، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنْ إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ فَذَاكَ وَإِلَّا فَقَدْ أَبَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ.
وَحَكَى ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَابْنُ شَعْبَانَ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَالدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُمْ حَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى الْمُتَنَفِّلِ، وَكَذَا نَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: وَأَمَّا الْمَعْذُورُ إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَشْهَدُ لَهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ: " «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ صَالِحَ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ» "، وَشَوَاهِدُهُ كَثِيرَةٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَاعِدَةُ تَغْلِيبِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَبُولُ عُذْرِ مَنْ لَهُ عُذْرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ١ / ٤٨٥ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ «لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ نَالَنَا وَبَاءٌ مِنْ وَعْكِهَا شَدِيدٌ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ فِي سُبْحَتِهِمْ قُعُودًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةُ الْقَاعِدِ مِثْلُ نِصْفِ صَلَاةِ الْقَائِمِ»
_________________
(١) ٣٠٧ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي) هُوَ مُنْقَطِعٌ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَابْنَ عَمْرٍو مَاتَ بَعْدَ السِتِّينَ فَلَمْ يَلْقَهُ. (أَنَّهُ قَالَ لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ نَالَنَا وَبَاءٌ) بِالْمَدِّ سُرْعَةُ الْمَوْتِ وَكَثْرَتُهُ فِي النَّاسِ (مِنْ وَعْكِهَا) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْوَعْكُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْحُمَّى دُونَ سَائِرِ الْأَمْرَاضِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (شَدِيدٌ) بِالرَّفْعِ صِفَةُ وَبَاءٍ («فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ فِي سُبْحَتِهِمْ قُعُودًا») يَعْنِي نَافِلَتَهُمْ قَالَ ﷺ فِي الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ: " «صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً» " أَيْ نَافِلَةً فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ
[ ١ / ٤٨٥ ]
قَبْلَهُ فِي النَّافِلَةِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «صَلَاةُ الْقَاعِدِ مِثْلُ») أَجْرِ (نِصْفِ صَلَاةِ الْقَائِمِ) لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَتَبَعَّضُ وَلَا نِصْفَهَا دُونَ سَائِرِهَا، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ عَلَى النَّافِلَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا تُزَادَ صُورَةٌ ذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ وَهِيَ أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى مَرِيضٍ مُفْتَرِضٍ يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ بِمَشَقَّةٍ فَجُعِلَ أَجْرُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْقِيَامِ مَعَ جَوَازِ قُعُودِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهِيَ مُحَمَّةٌ فَحُمَّ النَّاسُ فَدَخَلَ ﷺ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ مِنْ قُعُودٍ فَقَالَ ﷺ: " صَلَاةُ الْقَاعِدِ نِصْفُ صَلَاةِ الْقَائِمِ» " رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلَهُ مُتَابِعٌ فِي النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ وَارِدٌ فِي الْمَعْذُورِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَنْ تَكَلَّفَ الْقِيَامَ مَعَ مَشَقَّتِهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الْأَحَادِيثِ صِفَةَ الْقُعُودِ فَيُؤْخَذُ مِنْ إِطْلَاقِهِ جَوَازُهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ شَاءَ الْمُصَلِّي، وَاخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ فَعَنِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا وَقِيلَ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَقِيلَ مُتَوَرِّكًا وَفِي كُلٍّ مِنْهَا أَحَادِيثُ.
[ ١ / ٤٨٦ ]