حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ النَّاسُ نَعَمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ»
_________________
(١) بَابُ مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ سَاهِيًا
(٢) ٢٠٨ - (مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ) بِفَوْقِيَّةٍ وَمِيمَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَاءٌ وَاسْمُهُ كَيْسَانُ (السَّخْتِيَانِيِّ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَحُكِيَ ضَمُّهَا وَكَسْرُهَا، وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ خَفِيفَةٍ فَأَلِفٍ فَنُونٍ نِسْبَةً إِلَى السَّخْتِيَانِ وَهُوَ الْجِلْدُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعُهُ بِالْبَصْرَةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو عُمَرَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لِبَيْعٍ أَوْ عَمَلٍ، الْبَصْرِيِّ أَبِي بَكْرٍ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ حُجَّةٌ مِنْ كِبَارِ الْفُقَهَاءِ الْعُبَّادِ، رَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَرَوَى عَنْ سَالِمٍ وَنَافِعٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ السُّفْيَانَانِ وَالْحَمَّادَانِ وَمَالِكٌ وَخَلْقٌ، قَالَ شُعْبَةُ: كَانَ سَيِّدَ الْفُقَهَاءِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ وَلَهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ مَوْلَاهُمُ الْبَصْرِيِّ، رَوَى عَنْ مَوْلَاهُ أَنَسٍ وَأَبِي قَتَادَةَ وَسَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَخَلْقٍ، وَعَنْهُ ثَابِتٌ وَأَيُّوبُ وَقَتَادَةُ وَخَلْقٌ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا عَالِمًا فَقِيهًا إِمَامًا، كَثِيرَ الْعِلْمِ وَرِعًا، وَكَانَ بِهِ صَمَمٌ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ مِنْ أَوْرَعَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَقِيهًا فَاضِلًا حَافِظًا مُتْقِنًا يَعْبُرُ الرُّؤْيَا، رَأَى ثَلَاثِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، مَاتَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ بَعْدِ الْحَسَنِ بِمِائَةِ يَوْمٍ
[ ١ / ٣٤٦ ]
وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - انْصَرَفَ) أَيْ سَلَّمَ (مِنَ اثْنَتَيْنِ) أَيْ رَكْعَتَيْنِ (فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ) اسْمُهُ الْخِرْبَاقُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ فَأَلِفٌ فَقَافٌ ابْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ بِضَمِّ السِّينِ، فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، بِنَاءً عَلَى اتِّحَادِ حَدِيثَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانَ وَرَجَّحَهُ الْحَافِظُ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ غَيْرُ الْخِرْبَاقِ وَطُولُ يَدَيْهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ طُولِهِمَا بِالْعَمَلِ وَبِالْبَذْلِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَجَزَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِأَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، وَزَعَمَ بَعْضٌ أَنَّهُ كَانَ قَصِيرَ الْيَدَيْنِ وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ فَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: كَانَ ذُو الْيَدَيْنِ يَكُونُ بِالْبَادِيَةِ فَيَجِيءُ فَيُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -.
(أَقُصِرَتْ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (الصَّلَاةُ) أَيْ أَقَصَرَهَا اللَّهُ، وَبِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الصَّادِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، أَيْ صَارَتْ قَصِيرَةً، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا أَكْثَرُ وَأَرْجَحُ («أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ») فَاسْتَفْهَمَ لِأَنَّ الزَّمَانَ زَمَانُ نَسْخٍ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وَرَعِ الصَّحَابِيِّ: إِذْ لَمْ يَجْزِمْ بِشَيْءٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
(«فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ») فِيمَا قَالَ.
(فَقَالَ النَّاسُ) أَيِ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ: (نَعَمْ) صَدَقَ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ «قَالُوا: صَدَقَ لَمْ تُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ»، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «فَقَالَ - ﷺ - لِأَصْحَابِهِ: " أَحَقٌّ مَا يَقُولُ؟ " فَقَالُوا: نَعَمْ» .
(«فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -») وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ فَلِذَا قِيلَ مَعْنَى قَامَ اعْتَدَلَ، وَقِيلَ الْقِيَامُ كِنَايَةٌ عَنِ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ أَحْرَمَ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ قَامَ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا وَلَا بُعْدَ فِيهِ فَضْلًا عَنْ قُوَّتِهِ إِذْ غَايَةُ مَا قَالَ فِيهِ إِيمَاءٌ.
(«فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ») بِتَحْتِيَّتَيْنِ بَعْدَ الرَّاءِ.
(ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ لِلْإِحْرَامِ لِإِتْيَانِهِ بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرَاخِي فَلَوْ كَانَ التَّكْبِيرُ لِلسُّجُودِ لَكَانَ مَعَهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ يُشْتَرَطُ لِسُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ إِحْرَامٌ أَوْ يُكْتَفَى بِتَكْبِيرِ السُّجُودِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وُجُوبُ التَّكْبِيرِ لَكِنْ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ، وَأَمَّا نِيَّةُ إِتْمَامِ مَا بَقِيَ فَلَا بُدَّ مِنْهَا.
(فَسَجَدَ) لِلسَّهْوِ (مِثْلَ سُجُودِهِ) لِلصَّلَاةِ (أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ) مِنْ سُجُودِهِ (ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ) ثَانِيَةً (مِثْلَ سُجُودِهِ) لِلصَّلَاةِ (أَوْ أَطْوَلَ) مِنْهُ (ثُمَّ رَفَعَ) أَيْ ثَانِيًا مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ،
[ ١ / ٣٤٧ ]
وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ تَشَهَّدَ بَعْدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ تِلْوَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ تَشَهُّدٌ؟ قَالَ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنِ ابْنِ الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ» " صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِهِمَا.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا وَوَهِمُوا رِوَايَةَ أَشْعَثَ لِمُخَالَفَتِهِ غَيْرَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، فَإِنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْهُ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّشَهُّدِ، وَكَذَا الْمَحْفُوظُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ لَا ذِكْرَ لِلتَّشَهُّدِ فِيهِ، كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فَصَارَتْ زِيَادَةً شَاذَّةً، لَكِنْ قَدْ جَاءَ التَّشَهُّدُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَعَنِ الْمُغِيرَةِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَفِي إِسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ إِلَّا أَنَّهُ بِاجْتِمَاعِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ تَرْتَقِي إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ، قَالَ الْعَلَاءُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَحَمَّادٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَيُّوبَ بِنَحْوِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.
[ ١ / ٣٤٨ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالَ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالُوا نَعَمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَهُوَ جَالِسٌ»
_________________
(١) ٢٠٩ - (مَالِكٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ الْأُمَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَرَوَى لَهُ السِّتَّةُ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، وَرُمِيَ بِرَأْيِ الْخَوَارِجِ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَوْلَا أَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنْهُ لَتُرِكَ حَدِيثُهُ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً. (عَنْ أَبِي سُفْيَانَ) اسْمُهُ وَهْبٌ قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: اسْمُهُ قُزْمَانُ بِضَمِّ الْقَافِ، وَإِسْكَانِ الزَّايِ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: ثِقَةٌ قَلِيلُ الْحَدِيثِ رَوَى لَهُ السِّتَّةُ. (مَوْلَى) عَبْدِ اللَّهِ (بْنِ أَبِي أَحْمَدَ) بْنِ جَحْشٍ الْقُرَشِيِّ الْأَسَدِيِّ الصَّحَابِيِّ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ. (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى، وَزَادَ ابْنُ وَهْبٍ وَالْقَعْنَبِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَقُتَيْبَةُ لَنَا فَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِحُضُورِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْقِصَّةَ (صَلَاةَ الْعَصْرِ) جَزَمَ بِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «بَيْنَمَا أَنَا أُصْلِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الظُّهْرِ» " وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ بِالشَّكِّ، وَلِمُسْلِمٍ: إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاهُمَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا. وَلِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ:
[ ١ / ٣٤٨ ]
وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهَا الْعَصْرُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ مِنَ الرُّوَاةِ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ بَلْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الشَّكَّ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ: «صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَلَكِنْ نَسِيتُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى الْحَدِيثَ كَثِيرًا عَلَى الشَّكِّ، وَكَانَ رُبَّمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الظُّهْرُ، فَجَزَمَ بِهَا، وَتَارَةً غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الْعَصْرُ فَجَزَمَ بِهِ، وَطَرَأَ الشَّكُّ فِي تَعْيِينِهَا أَيْضًا عَلَى ابْنِ سِيرِينَ وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ الِاهْتِمَامَ بِمَا فِي الْقِصَّةِ مِنَ الْأَحْكَامِ اهـ.
وَكَذَا قَالَ الْوَلِيُّ بْنُ الْعِرَاقِيِّ: الصَّوَابُ أَنَّهَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ وَأَنَّ الشَّكَّ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لِرِوَايَةِ النَّسَائِيِّ الْمَذْكُورَةِ، وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ وَأَنَّ الشَّكَّ طَرَأَ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ أَيْضًا.
(«فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ») الْخِرْبَاقُ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ السِّينِ (فَقَالَ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الصَّادِ، أَيْ صَارَتْ قَصِيرَةً وَفِي رِوَايَةٍ: بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الصَّادِ أَيْ أَقَصَرَهَا اللَّهُ وَالْأُولَى أَكْثَرُ وَأَرْجَحُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ («يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ؟») وَلَمْ يَهَبِ السُّؤَالَ لِأَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ حِرْصُهُ عَلَى تَعَلُّمِ الدِّينِ، فَاسْتَصْحَبَ حُكْمَ الْإِتْمَامِ، وَأَنَّ الْوَقْتَ قَابِلٌ لِلنَّسْخِ وَبَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ تَرَدَّدُوا بَيْنَ اسْتِصْحَابِ وَتَجْوِيزِ النَّسْخِ فَسَكَتُوا، وَهَابَ الشَّيْخَانِ أَنْ يُكَلِّمَاهُ لِأَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِمَا احْتِرَامُهُ وَتَعْظِيمُهُ مَعَ عِلْمِهِمَا أَنَّهُ يُبَيِّنُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالسَّرَعَانُ بَنَوْا عَلَى النَّسْخِ فَخَرَجُوا يَقُولُونَ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ («فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ») أَيْ لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ كَمَا فِي أَكْثَرِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ أَصْحَابِ الْمَعَانِي: لَفْظُ كُلٍّ إِذَا تَقَدَّمَ عَلَى النَّفْيِ كَانَ نَافِيًا لِكُلِّ فَرْدٍ لَا لِلْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَقْوِيَةِ الْحُكْمِ فَيُفِيدُ التَّأْكِيدَ فِي الْمُسْنَدِ وَالْمَسْنَدِ إِلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ بَلْ كَانَ بَعْضُهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا تَأَخَّرَ، كَمَا لَوْ قِيلَ لَمْ يَكُنْ كُلُّ ذَلِكَ إِذْ لَا تَأْكِيدَ فِيهِ، فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ بَلْ كَانَ بَعْضُهُ؛ وَلِذَا أَجَابَهُ ذُو الْيَدَيْنِ («فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ») وَأَجَابَهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِقَوْلِهِ: " «بَلَى قَدْ نَسِيتَ» " لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى الْأَمْرَيْنِ وَكَانَ مُقَرَّرًا عِنْدَ الصَّحَابِيِّ أَنَّ السَّهْوَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِي الْأُمُورِ الْبَلَاغِيَّةِ جَزَمَ بِوُقُوعِ النِّسْيَانِ لَا الْقَصْرِ، وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ السَّهْوُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّشْرِيعُ، وَإِنْ كَانَ عِيَاضٌ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ دُخُولِ السَّهْوِ فِي الْأَقْوَالِ التَّبْلِيغِيَّةِ وَخَصَّ الْخِلَافَ بِالْأَفْعَالِ لَكِنَّهُمْ تَعَقَّبُوهُ، نَعَمِ اتَّفَقَ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ بَلْ يَقَعُ لَهُ بَيَانُ ذَلِكَ إِمَّا مُتَّصِلًا بِالْفِعْلِ كَمَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَإِمَّا غَيْرَ مُتَّصِلٍ.
(فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى النَّاسِ) الَّذِينَ صَلُّوا مَعَهُ («فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟») فِيمَا قَالَ (فَقَالُوا: نَعَمْ) صَدَقَ
[ ١ / ٣٤٩ ]
(«فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَأَتَمَّ») بِشَدِّ الْمِيمِ كَمَّلَ (مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ) وَهُوَ الرَّكْعَتَانِ (ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) لِلسَّهْوِ مِثْلَ سُجُودِهِ لِلصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ (بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَهُوَ جَالِسٌ) فَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَرْجِعُ عَنْ يَقِينِهِ لِكَثْرَةِ الْمَأْمُومِينَ لِأَنَّهُ - ﷺ - سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مُعْتَقِدًا الْكَمَالَ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَّا بِإِخْبَارِ الْجَمِيعِ، وَجَوَازُ الْبِنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ لِمَنْ أَتَى بِالْمُنَافِي سَهْوًا.
وَقَالَ سَحْنُونٌ إِنَّمَا: يَبْنِي مَنْ سَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ فَيُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، وَأُلْزِمَ بِقَصْرِ ذَلِكَ عَلَى إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ فَيَمْنَعُهُ مَثَلًا فِي الصُّبْحِ، وَالَّذِينَ قَالُوا يَجُوزُ الْبِنَاءُ مُطْلَقًا قَيَّدُوهُ بِمَا إِذَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الطُّولِ فَقِيلَ بِالْعُرْفِ أَوِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ أَوْ قَدْرِ رَكْعَةٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَدْرُ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا السَّهْوُ، وَفِيهِ أَنَّ السَّلَامَ وَنِيَّةَ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ سَهْوًا لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ إِذَا كَانَ لِزِيَادَةٍ لِأَنَّهُ زَادَ السَّلَامَ وَالْكَلَامَ، وَأَنَّ الْكَلَامَ سَهْوًا لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَزَعْمُ بَعْضِهِمْ أَنَّ قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَتْ قَبْلَ نَسْخِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ ضَعِيفٌ، فَقَدْ ثَبَتَ شُهُودُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِلْقِصَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَشَهِدَهَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، وَرَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ خُدَيْجٍ بِمُهْمَلَةٍ وَجِيمٍ مُصَغَّرٌ قِصَّةً أُخْرَى فِي السَّهْوِ وَوَقَعَ فِيهَا الْكَلَامُ ثُمَّ الْبِنَاءُ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِشَهْرَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ أَيْ إِلَّا إِذَا وَقَعَ عَمْدًا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ فَلَا يُعَارِضُ قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ، وَفِيهِ أَنَّ تَعَمُّدَ الْكَلَامِ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ - ﷺ - إِنَّمَا تَكَلَّمَ نَاسِيًا، وَأَمَّا قَوْلُ ذِي الْيَدَيْنِ لَهُ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ، أَوْ بَلَى قَدْ نَسِيتَ، وَقَوْلُ الصَّحَابَةِ لَهُ صَدَقَ فَإِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا مُعْتَقِدِينَ لِلنَّسْخِ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ فِيهِ، فَتَكَلَّمُوا ظَنًّا أَنَّهُمْ لَيْسُوا فِي صَلَاةٍ كَذَا قِيلَ وَهُوَ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا بَعْدَ قَوْلِهِ - ﷺ - لَمْ تُقْصَرْ، وَالْجَوَابُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْطِقُوا وَإِنَّمَا أَوْمَأُوا كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَى الْإِشَارَةِ مَجَازٌ سَائِغٌ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ رِوَايَاتِ الْأَكْثَرِينَ، وَبِقَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ أَوْ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ، فَنُرَجِّحُ كَوْنَهُمْ نَطَقُوا وَانْفَصَلَ عَنْهُ مَنْ قَالَ كَأَنَّ نُطْقَهُمْ جَوَابًا لِلنَّبِيِّ - ﷺ - وَجَوَابُهُ لَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَفِيهِ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يُتْرَكُ إِلَّا بِالْيَقِينِ لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ كَانَ عَلَى يَقِينٍ أَنَّهَا أَرْبَعٌ، فَلَمَّا اقْتَصَرَ عَلَى اثْنَيْنِ سَأَلَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ سُؤَالَهُ، وَإِنَّ الظَّنَّ قَدْ يَصِيرُ يَقِينًا بِخَبَرِ أَهْلِ الصِّدْقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ - ﷺ - رَجَعَ لِخَبَرِ الْجَمَاعَةِ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ يَرْجِعُ لِقَوْلِ الْمَأْمُومِينَ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ إِذَا كَثُرُوا جِدًّا بِحَيْثُ يُفِيدُ خَبَرُهُمُ الْعِلْمَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا، وَفِيهِ غَيْرُ هَذَا مِمَّا يَطُولُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
[ ١ / ٣٥٠ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ بَلَغَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ إِحْدَى صَلَاتَيْ النَّهَارِ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَصُرَتْ الصَّلَاةُ وَمَا نَسِيتُ فَقَالَ ذُو الشِّمَالَيْنِ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَلَّمَ»
_________________
(١) ٢١٠ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يُوقَفُ لَهُ عَلَى اسْمٍ وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ عَارِفٌ بِالنَّسَبِ (ابْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ ابْنِ غَانِمٍ الْعَدَوِيِّ، وَفِي الْإِصَابَةِ أَبُوهُ سُلَيْمَانُ لَهُ رُؤْيَةٌ وَجَدُّهُ أَبُو حَثْمَةَ صَحَابِيٌّ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ (قَالَ: بَلَغَنِي) قَالَ أَبُو عُمَرَ: حَدِيثُهُ هَذَا مُنْقَطِعٌ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ إِحْدَى صَلَاتَيِ النَّهَارِ») لَا تُخَالِفُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ؛ لِأَنَّ الْعَشِيَّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الْيَاءِ مِنَ الزَّوَالِ وَقَدْ قَالَ (الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ) بِالشَّكِّ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ (مِنِ اثْنَتَيْنِ) أَيْ مِنْ رَكْعَتَيْنِ (فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ) رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ أَيْ مِنْ حُلَفَائِهِمْ وَهُوَ خُزَاعِيٌّ وَاسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ الْحَافِظُ: اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَهِمَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ بِبَدْرٍ وَهِيَ قَبْلَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ سِنِينَ وَإِنَّمَا هُوَ ذُو الْيَدَيْنِ عَاشَ مُدَّةً بَعْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَحَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَجَوَّزَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ لِكُلٍّ مِنْ ذِي الشِّمَالَيْنِ وَذِي الْيَدَيْنِ، وَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى الْحَدِيثَيْنِ فَأَرْسَلَ أَحَدَهُمَا وَهُوَ قِصَّةُ ذِي الشِّمَالَيْنِ، وَشَاهَدَ الثَّانِيَ وَهُوَ قِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ وَقِيلَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ كَانَ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا ذُو الْيَدَيْنِ وَبِالْعَكْسِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الِاشْتِبَاهِ، قَالَ: وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ اسْمَ ذِي الْيَدَيْنِ الْخِرْبَاقُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، وَهَذَا مَنْبَعُ مَنْ يُوَحِّدُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي نَظَرِي، وَإِنْ كَانَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ جَنَحُوا إِلَى التَّعَدُّدِ لِاخْتِلَافِ السِّيَاقَيْنِ، فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ سَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ وَأَنَّهُ - ﷺ - قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي الْمَسْجِدِ»، وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ «أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَأَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ»، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ حَكَى الْعَلَائِيُّ أَنَّ بَعْضَ شُيُوخِهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ سَلَّمَ فِي ابْتِدَاءِ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَاسْتَبْعَدَهُ، وَلَكِنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ يُكْتَفَى فِيهَا بِأَدْنَى مُنَاسَبَةٍ، وَلَيْسَ بِأَبْعَدَ مِنْ دَعْوَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ ذِي الْيَدَيْنِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ سَأَلَ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَفْهَمَ الصَّحَابَةَ عَنْ صِحَّةِ قَوْلِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ لَمَّا رَآهُ تَقَدَّمَ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى جِهَةِ الْخَشَبَةِ ظَنَّ أَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ لِأَنَّ الْخَشَبَةَ كَانَتْ فِي جِهَتِهِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَرِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ
[ ١ / ٣٥١ ]
أَرْجَحُ لِمُوَافَقَةِ ابْنِ عُمَرَ لَهُ عَلَى سِيَاقِهِ كَمَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَلِمُوَافَقَةِ ذِي الْيَدَيْنِ نَفْسِهِ عَلَى سِيَاقِهِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّوْحِيدَ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ وَفِيمَا رَجَّحَهُ نَظَرٌ، فَإِنَّ حَمْلَهُ عَلَى أَنَّهُ سَلَّمَ فِي ابْتِدَاءِ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ وَقَعَ وَهُوَ جَالِسٌ عَقِبَ الرَّكْعَتَيْنِ فَأَيْنَ ابْتِدَاءُ الثَّالِثَةِ، وَغَايَةُ مَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ هُوَ فِي إِرَادَةِ ابْتِدَاءِ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ فَسَلَّمَ سَهْوًا قَبْلَ الْقِيَامِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِأَبْعَدَ مِنْ دَعْوَى التَّعَدُّدِ لِلُزُومِ وُقُوعِ الِاسْتِفْهَامِ فِي الْمَرَّتَيْنِ مِنْ ذِي الْيَدَيْنِ وَالنَّبِيِّ - ﷺ - مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَا بُعْدَ فِيهِ، وَلَوْ لَزِمَ ذَلِكَ اسْتِفْهَامُ دَعْوَى ذِي الْيَدَيْنِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعِ اسْتِفْهَامَهُ، ثَانِيًا لِأَنَّهُ زَمَانُ نَسْخٍ لَا سِيَّمَا وَقَدِ اقْتَصَرَ عِمْرَانُ عَلَى قَوْلِهِ: «أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟» كَمَا فِي مُسْلِمٍ، وَكَذَلِكَ اسْتِفْهَامُ الْمُصْطَفَى الصَّحَابَةَ عَنْ صِحَّةِ قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تُقْصَرْ، وَقَدْ سَلَّمَ مُعْتَقِدًا الْكَمَالَ، وَالْإِمَامُ لَا يَرْجِعُ عَنْ يَقِينِهِ لِقَوْلِ الْمَأْمُومِينَ إِلَّا لِكَثْرَتِهِمْ جِدًّا، بَلْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَا لِكَثْرَتِهِمْ جِدًّا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا أَقْرَبُ مِنْ إِخْرَاجِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ الْمُحْوَجِ إِلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ بِلَا قَرِينَةٍ، وَكَوْنُهَا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَنْهَضُ لِاخْتِلَافِ الْمُخَرِّجِ أَيِ الصَّحَابِيِّ، ثُمَّ مَاذَا يَصْنَعُ بِقَوْلِ عِمْرَانَ فِي حَدِيثِهِ «فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ» وَكِلَاهُمَا فِي مُسْلِمٍ، وَتَصْحِيحُهُ بِجِنْسِ الرَّكْعَةِ يَنْبُو عَنْهُ الْمُقَامُ نُبُوًّا ظَاهِرًا، فَدَعْوَى التَّعَدُّدِ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا بِكَثِيرٍ، وَمُوَافَقَةُ ابْنِ عُمَرَ وَذِي الْيَدَيْنِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى سِيَاقِهِ لَا يَمْنَعُ الْجَمْعَ بِالتَّعَدُّدِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ قَالَ: " ثُمَّ سَلَّمَ " دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ يَرَى اتِّحَادَ الْحَدِيثَيْنِ، إِذْ غَايَةُ مَا أَفَادَهُ أَنَّ عِمْرَانَ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: ثُمَّ سَلَّمَ فَفِيهِ إِثْبَاتُ السَّلَامِ عَقِبَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ الْخَالِي مِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ هَلْ هُوَ مُتَّحِدٌ مَعَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ حَدِيثٍ آخَرَ مَسْكُوتٍ عَنْهُ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَعَلَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَبَعِيدٌ جِدًّا أَوْ مَمْنُوعٌ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ عِمْرَانَ أَخْبَرَ بِالظَّنِّ وَهُوَ قَدْ شَاهَدَ الْقِصَّةَ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ: «إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنَ الْعَصْرِ ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ فَقَامَ رَجُلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَخَرَجَ مُغْضَبًا فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ثُمَّ سَلَّمَ»، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عِمْرَانَ.
أَفَلَا يَعْلَمُ الْحُجَرَةَ مِنَ الْخَشَبَةِ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ وَيُؤَوِّلُ بِذَلِكَ التَّأْوِيلِ الْمُتَعَسِّفِ فِرَارًا مِنْ دَعْوَى التَّعَدُّدِ مَعَ أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا بِلَا رَيْبٍ.
(«أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:
[ ١ / ٣٥٢ ]
مَا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ وَمَا نَسِيتُ») فَصَرَّحَ بِنَفْيِهِمَا مَعًا عَنْهُ، وَهُوَ يُفَسِّرُ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، مِنْ أَنَّهُ نَفْيٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا لِمَجْمُوعِهِمَا وَلِذَا أَجَابَهُ («فَقَالَ ذُو الشِّمَالَيْنِ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ») وَفِي رِوَايَةٍ: " بَلَى قَدْ نَسِيتَ "، لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى الْأَمْرَيْنِ وَكَانَ مُقَرَّرًا عِنْدَ الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّهْوُ عَلَيْهِ فِي الْأُمُورِ الْبَلَاغِيَّةِ جَزَمَ بِوُقُوعِ النِّسْيَانِ لَا الْقَصْرِ، وَفَائِدَةُ جَوَازِ السَّهْوِ فِي مِثْلِ هَذَا بَيَانُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِذَا وَقَعَ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ جَوَّزَ السَّهْوَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّشْرِيعُ وَلَكِنْ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ السَّهْوَ مُطْلَقًا فَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ نَفْيُ النِّسْيَانِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ السَّهْوِ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مَرْدُودٌ وَيَكْفِي فِيهِ قَوْلُهُ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ، وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ: وَمَا نَسِيتُ، عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَكَانَ يَتَعَمَّدُ مَا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ لِيَقَعَ لِلتَّشْرِيعِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنَ الْقَوْلِ، وَبِأَنَّ مَعْنَى وَمَا نَسِيتُ أَيْ فِي اعْتِقَادِي لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الِاعْتِقَادَ عِنْدَ فَقْدِ الْيَقِينِ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَتُعُقِّبَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ» " فَأَثْبَتَ الْعِلَّةَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِإِثْبَاتِ وَصْفِ النِّسْيَانِ حَتَّى دَفَعَ قَوْلَ مَنْ عَسَاهُ يَقُولُ لَيْسَ نِسْيَانُهُ كَنِسْيَانِنَا فَقَالَ: كَمَا تَنْسَوْنَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ: مَا نَسِيتُ إِنْكَارٌ لِلَّفْظِ الَّذِي نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ: إِنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى، وَإِنْكَارُ اللَّفْظِ الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَى غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: «بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا»، وَتَعَقَّبُوا هَذَا أَيْضًا بِأَنَّ حَدِيثَ «إِنِّي لَا أَنْسَى» مِنْ بَلَاغَاتِ مَالِكٍ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ مَوْصُولَةً، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَمِّ إِضَافَةِ نِسْيَانِ الْآيَةِ ذَمُّ إِضَافَةِ كُلِّ شَيْءٍ، فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ جِدًّا، وَقِيلَ: قَوْلُهُ: وَمَا نَسِيتُ رَاجِعٌ إِلَى السَّلَامِ أَيْ سَلَّمْتُ قَصْدًا بَانِيًا عَلَى اعْتِقَادِي أَنِّي صَلَّيْتُ أَرْبَعًا وَهَذَا جَيِّدٌ، فَإِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ فَهِمَ الْعُمُومَ فَقَالَ: «بَلَى قَدْ نَسِيتَ»، فَأَوْقَعَ قَوْلُهُ شَكًّا احْتَاجَ مَعَهُ إِلَى الِاسْتِثْبَاتِ مِنَ الْحَاضِرِينَ.
(«فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ») صَدَقَ لَمْ تُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ إِيرَادُ مَنِ اسْتَشْكَلَ كَوْنَ ذِي الْيَدَيْنِ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ بِمُفْرَدِهِ، فَسَبَبُ التَّوَقُّفِ فِيهِ كَوْنُهُ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمَسْئُولِ مُغَايِرٍ لِمَا فِي اعْتِقَادِهِ، وَبِهَذَا أُجِيبَ عَمَّنْ قَالَ: مَنْ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ حِسِّيٍّ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ التَّوَاطُؤُ وَلَا حَامِلَ لَهُمْ عَلَى السُّكُوتِ عَنْهُ، ثُمَّ لَمْ يُكَذِّبُوهُ أَنَّهُ يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ فَإِنَّ سَبَبَ عَدَمِ الْقَطْعِ كَوْنُ خَبَرِهِ مُعَارَضًا بِاعْتِقَادِ الْمَسْئُولِ خِلَافَ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَفِيهِ أَنَّ الثِّقَةَ إِذَا انْفَرَدَ بِزِيَادَةِ خَبَرٍ وَكَانَ الْمَحَلُّ مُتَّحِدًا وَمَنَعَتِ الْعَادَةُ غَفْلَتَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ.
(«فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَا بَقِيَ
[ ١ / ٣٥٣ ]
مِنَ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَلَّمَ») قَالَ الْبَاجِيُّ: لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شِهَابٍ فِي حَدِيثِهِ هَذَا سُجُودَ السَّهْوِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْأَخْذُ بِالزَّائِدِ أَوْلَى إِذَا كَانَ رِوَايَةَ ثِقَةٍ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: كَانَ ابْنُ شِهَابٍ أَكْثَرَ النَّاسِ بَحْثًا عَنْ هَذَا الشَّأْنِ فَكَانَ رُبَّمَا اجْتَمَعَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ جَمَاعَةٌ فَحَدَّثَ بِهِ مَرَّةً عَنْهُمُ وَمَرَّةً عَنْ أَحَدِهِمْ وَمَرَّةً عَنْ بَعْضِهِمْ عَلَى قَدْرِ نَشَاطِهِ حِينَ تَحْدِيثِهِ، وَرُبَّمَا أَدْخَلَ حَدِيثَ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ كَمَا صَنَعَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ وَغَيْرِهِ، وَرُبَّمَا كَسَلَ فَلَمْ يُسْنِدْ، وَرُبَّمَا انْشَرَحَ فَوَصَلَ وَأَسْنَدَ عَلَى حَسَبِ مَا تَأْتِي بِهِ الْمُذَاكَرَةُ، فَلِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ رِوَايَتُهُ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ، فَمَرَّةً يَذْكُرُ فِيهِ وَاحِدًا وَمَرَّةً اثْنَيْنِ وَمَرَّةً جَمَاعَةً غَيْرَهَا، وَمَرَّةً يَصِلُ وَمَرَّةً يَقْطَعُ اهـ.
[ ١ / ٣٥٤ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ كُلُّ سَهْوٍ كَانَ نُقْصَانًا مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ سُجُودَهُ قَبْلَ السَّلَامِ وَكُلُّ سَهْوٍ كَانَ زِيَادَةً فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ سُجُودَهُ بَعْدَ السَّلَامِ
_________________
(١) ٢١١ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِثْلَ ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بَلَاغًا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اضْطَرَبَ الزُّهْرِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اضْطِرَابًا أَوْجَبَ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ تَرْكَهُ مِنْ رِوَايَتِهِ خَاصَّةً، ثُمَّ ذَكَرَ طُرُقَهُ وَبَيَّنَ اضْطِرَابَهَا فِي الْمَتْنِ وَالْإِسْنَادِ وَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يُقِمْ لَهُ مَتْنَا وَلَا إِسْنَادًا وَإِنْ كَانَ إِمَامًا عَظِيمًا فِي هَذَا الشَّأْنِ فَالْغَلَطُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ بَشَرٌ وَالْكَمَالُ لِلَّهِ، وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا النَّبِيَّ - ﷺ - اهـ. لَكِنَّ رِوَايَةَ مَالِكٍ عَنْهُ غَايَةُ مَا فِيهَا أَنَّهُ فِي هَذِهِ الثَّانِيَةِ أَرْسَلَهُ، وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَحَالَ لَفْظَهَا عَلَى لَفْظِ الْأُولَى، وَقَدْ جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ ذِي الشِّمَالَيْنِ وَذِي الْيَدَيْنِ، وَتَقَدَّمَ احْتِمَالُ أَنْ ذَا الْيَدَيْنِ يُلَقَّبُ بِهِمَا أَوْ عَكْسُهُ وَأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لَهُمَا، وَأَرْسَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ ذِي الشِّمَالَيْنِ وَشَاهِدَ حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا سُجُودَ السَّهْوِ، وَلَيْسَ بِكَبِيرِ عِلَّةٍ، وَجَعَلَ الْإِسْنَادَ بَلَاغًا حَسْبَمَا حَدَّثَهُ شَيْخُهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ وَهُوَ مُتَّصِلٌ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ. (قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ سَهْوٍ كَانَ نُقْصَانًا مِنَ الصَّلَاةِ) كَتَرْكِ الْجُلُوسِ الْوَسَطِ (فَإِنَّ سُجُودَهُ قَبْلَ السَّلَامِ) كَمَا فَعَلَ - ﷺ - فِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْآتِي. (وَكُلُّ سَهْوٍ كَانَ زِيَادَةً فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ سُجُودَهُ بَعْدَ السَّلَامِ) كَفِعْلِهِ - ﷺ - فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ لِأَنَّهُ زَادَ سَلَامًا وَعَمَلًا وَكَلَامًا وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَبِهَذَا قَالَ الْمُزَنِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ قَالَ النَّوَوِيُّ:
[ ١ / ٣٥٤ ]
وَهُوَ أَقْوَى الْمَذَاهِبِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهُ أَقْوَى الْأَقْوَالِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ وَهُوَ أَوْلَى مِنِ ادِّعَاءِ النَّسْخِ، قَالَ: وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلنَّظَرِ؛ لِأَنَّ فِي النَّقْصِ جَبْرًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ وَفِي الزِّيَادَةِ تَرْغِيمُ الشَّيْطَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَا شَكَّ أَنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ وَادِّعَاءِ النَّسْخِ، وَيَتَرَجَّحُ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ بِالْمُنَاسَبَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِذَا كَانَتِ الْمُنَاسَبَةُ ظَاهِرَةً وَكَانَ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهَا كَانَ عِلَّةً، فَيَعُمُّ الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ مَحَالِّهَا فَلَا يَتَخَصَّصُ إِلَّا بِنَصٍّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ كَوْنَ سُجُودِ الزِّيَادَةِ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ فَقَطْ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ جَبْرٌ أَيْضًا لِلْخَلَلِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ زِيَادَةً فَهُوَ نَقْصٌ فِي الْمَعْنَى، وَهَذَا مَرْدُودٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ تَرْغِيمٌ فَقَطْ، كَمَا زَعَمَ الْمُتَعَقِّبُ، وَكَوْنُهُ نَقْصًا فِي الْمَعْنَى لَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا نَظَرَ إِلَى الْحِسِّيِّ حَتَّى لَا يَحْصُلَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ فَيَضْطَرَّ إِلَى دَعْوَى النَّسْخِ بِلَا دَلِيلٍ وَالتَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَمَذْهَبُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ مَتَى أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَجَبَ الْجَمْعُ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيِّ سُجُودُ السَّهْوِ كُلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ كُلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْإِجْمَاعَ عَلَى صِحَّتِهِ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخِلَافَ مَوْجُودٌ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَبْلَ حُدُوثِ هَذِهِ الْآرَاءِ فِي الْمَذَاهِبِ بَيْنَ أَهْلِهَا، وَقَالَ أَحْمَدُ: يَسْجُدُ كَمَا سَجَدَ - ﷺ - فَفِي سَلَامِهِ مِنِ اثْنَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ كَقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ، وَفِي التَّحَرِّي بَعْدَ السَّلَامِ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِي الْقِيَامِ مِنْ ثِنْتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ لِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، وَفِي الشَّكِّ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عَوْنٍ، وَمَا عَدَا هَذِهِ الْمَوَاضِعَ يَسْجُدُ فِيهَا قَبْلَ السَّلَامِ لِأَنَّهُ يُتِمُّ مَا نَقَصَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَوْلَا الْأَحَادِيثُ لَرَأَيْتُ السُّجُودَ كُلَّهَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا أَقْوَى الْمَذَاهِبِ لِاسْتِعْمَالِهِ كُلَّ حَدِيثٍ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ، وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مَا يَرُدُّ، وَقَالَ إِسْحَاقُ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ يُفَرِّقُ فِيهِ بَيْنَ الزِّيَادَةِ فَبَعْدَهُ وَالنَّقْصِ فَقَبْلَهُ، فَحَرَّرَ مَذْهَبَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَزَعَمَ بَعْضٌ أَنَّهُ أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَأَمَّا دَاوُدُ فَجَرَى عَلَى ظَاهِرِيَّتِهِ فَقَالَ: لَا يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ إِلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الْخَمْسِ الَّتِي سَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِيهَا فَقَطْ.
[ ١ / ٣٥٥ ]