حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يُصِيبُهُ جَنَابَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ»
_________________
(١) بَابُ وُضُوءِ الْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَطْعَمَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْعَيْنِ مِنْ بَابِ فَرِحَ أَيْ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَهُوَ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَا يُسَاغُ حَتَّى الْمَاءَ وَذَوْقُ الشَّيْءِ، فِي التَّنْزِيلِ ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، «وَقَالَ - ﷺ - فِي زَمْزَمَ: " إِنَّهَا طَعَامٌ طُعْمٍ» " أَيْ يَشْبَعُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ، وَالطُّعْمُ بِالضَّمِّ الطَّعَامُ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَأُوثِرُ غَيْرِي مِنْ عِيَالِكَ بِالطُّعْمِ أَيْ بِالطَّعَامِ. وَفِي التَّهْذِيبِ: الطُّعْمُ بِالضَّمِّ الْحَبُّ الَّذِي يُلْقَى لِلطَّيْرِ، وَإِذَا أَطْلَقَ أَهْلُ الْحِجَازِ لَفْظَ الطَّعَامِ عَنَوْا بِهِ الْبُرَّ خَاصَّةً، وَفِي الْعُرْفِ: الطَّعَامُ اسْمٌ لِمَا يُؤْكَلُ كَالشَّرَابِ لِمَا يُشْرَبُ.
[ ١ / ٢٠٠ ]
١٠٩ - ١٠٧ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) هَكَذَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ.
وَرَوَاهُ مَالِكٌ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ بَدَلَ ابْنِ دِينَارٍ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجِيَانِيُّ وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِمَالِكٍ عَنْهُمَا جَمِيعًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْحَدِيثُ لِمَالِكٍ عَنْهُمَا لَكِنَّ الْمَحْفُوظَ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، وَحَدِيثُ نَافِعٍ غَرِيبٌ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ فَلَا غَرَابَةَ، وَإِنْ سَاقَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ فَمُرَادُهُ مَا رَوَاهُ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ فَهِيَ غَرَابَةٌ خَاصَّةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُوَطَّأِ، نَعَمْ رِوَايَةُ الْمُوَطَّأِ لِشَهْرٍ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا هُوَ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ، وَرَوَاهُ أَبُو نُوحٍ عَنْ مَالِكٍ فَزَادَ فِيهِ عَنْ عُمَرَ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّسَائِيُّ سَبَبَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ «عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَصَابَ ابْنُ عُمَرَ جَنَابَةً فَأَتَى عُمَرَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَاسْتَأْمَرَهُ فَقَالَ: " لِيَتَوَضَّأْ وَيَرْقُدْ» " وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (أَنَّهُ يُصِيبُهُ) لِابْنِ عُمَرَ (جَنَابَةٌ مِنَ اللَّيْلِ) أَيْ فِي اللَّيْلِ كَقَوْلِهِ: (مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) (سُورَةُ الْجُمُعَةِ: الْآيَةُ ٩) أَيْ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فِي الزَّمَانِ أَيِ ابْتِدَاءِ إِصَابَةِ الْجَنَابَةِ اللَّيْلَ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] (سُورَةُ التَّوْبَةِ: الْآيَةُ ١٠٨) .
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: تَوَضَّأْ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ كَانَ حَاضِرًا فَوَجَّهَ الْخِطَابَ إِلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْخِطَابَ لِعُمَرَ فِي غَيْبَةِ ابْنِهِ جَوَابُ اسْتِفْتَائِهِ وَلَكِنْ يَرْجِعُ إِلَى ابْنِهِ ; لِأَنَّ اسْتِفْتَاءَ عُمَرَ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ ابْنِهِ (وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) أَيِ اجْمَعْ بَيْنَهُمَا فَالْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُوحٍ عَنْ مَالِكٍ: " «اغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ تَوَضَّأْ» " وَلِذَا قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ أَرَادَ اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ.
وَكَذَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ بِتَقْدِيمِ غُسْلِهِ عَلَى الْوُضُوءِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ: يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِ الذَّكَرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوُضُوءٍ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّعَبُّدِ، إِذِ الْجَنَابَةُ أَشَدُّ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، وَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نُوحٍ أَنَّ غَسْلَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوُضُوءِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمَسَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَسَّهُ يَنْقُضُ، (ثُمَّ نَمْ) فِيهِ مِنَ الْبَدِيعِ جِنَاسُ التَّصْحِيفِ، وَجَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَجَاءَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِيَّ - ﷺ - أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: " نَعَمْ، يَنَامُ إِذَا تَوَضَّأَ» "، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ مُتَمَسِّكٌ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا
[ ١ / ٢٠١ ]
لِلِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى وُجُوبِهِ وَهُوَ شُذُوذٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَأُنْكِرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَقُولَا بِوُجُوبِهِ وَلَا يُعْرَفُ عَنْهُمَا، وَقَدْ نَصَّ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوُضُوءَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ مُرَادَهُ نَفْيُ الْإِبَاحَةِ الْمُسْتَوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ لَا إِثْبَاتَ الْوُجُوبِ، أَوْ أَرَادَ أَنَّهُ مُتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَابِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَابَلَهُ بِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ: هُوَ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَبُو عَوَانَةَ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ - ﷺ -: " «إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ» " وَقَدَحَ فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ وَاضِحٌ، ثُمَّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْوُضُوءَ هُنَا الشَّرْعِيُّ، وَحِكْمَتُهُ تَخْفِيفُ الْحَدَثِ لَاسِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَفْرِيقِ الْغُسْلِ فَيَنْوِيهِ فَيَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ، وَقَدْ عَلَّلَهُ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ الصَّحَابِيُّ بِأَنَّهُ نِصْفُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَقِيلَ حِكْمَتُهُ أَنَّهُ يَنْشَطُ إِلَى الْعَوْدِ أَوْ إِلَى الْغُسْلِ إِذَا بَلَّ أَعْضَاءَهُ، وَقِيلَ لِيَبِيتَ عَلَى إِحْدَى طَهَارَتَيْنِ خَشْيَةَ أَنْ يَمُوتَ فِي مَنَامِهِ.
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ «عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَأْكُلُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: " لَا يَأْكُلُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَرْقُدُ الْجُنُبُ؟ قَالَ: " مَا أُحِبُّ أَنْ يَرْقُدَ وَهُوَ جُنُبٌ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَوَفَّى فَلَا يَحْضُرُهُ جِبْرِيلُ» " وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِنَّمَا يَتَضَيَّقُ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ وَاسْتِحْبَابُ التَّنْظِيفِ عِنْدَ النَّوْمِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَحِكْمَتُهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَبْعُدُ عَنِ الْوَسَخِ وَالرِّيحِ الْكَرِيهَةِ بِخِلَافِ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهَا تَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ إِذَا أَصَابَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلَا يَنَمْ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ
_________________
(١) ١٠٨ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: إِذَا أَصَابَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ) أَيْ جَامَعَهَا مِنْ أَصَابَ بُغْيَتَهُ نَالَهَا (ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلَا يَنَمْ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ)، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: " «أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ» "، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَرْدَفَ مَالِكٌ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ هَذَا لِإِفَادَةِ أَنَّ الْوُضُوءَ الْمَأْمُورَ بِهِ لَيْسَ لِلصَّلَاةِ. قُلْتُ: وَلِإِفَادَةِ أَنَّهُ مِثْلُهُ خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ الْمَأْمُورَ بِهِ غَسْلُ الْأَذَى وَغَسْلُ ذَكَرَهُ وَيَدَيْهِ وَهُوَ التَّنَظُّفُ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَلَا يَبْطُلُ هَذَا الْوُضُوءُ بِبَوْلٍ وَلَا
[ ١ / ٢٠٢ ]
غَائِطٍ وَلَا يَبْطُلُ بِشَيْءٍ إِلَّا بِمُعَاوَدَةِ الْجِمَاعِ، وَنَظَمَهُ الْقَائِلُ:
إِذَا سُئِلْتَ وُضُوَءًا لَيْسَ يَنْقُضُهُ سِوَى الْجِمَاعُ وُضُوءُ النَّوْمِ لِلْجُنُبِ
[ ١ / ٢٠٣ ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَطْعَمَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ طَعِمَ أَوْ نَامَ
_________________
(١) ١٠٩ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَطْعَمَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ طَعِمَ أَوْ نَامَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَتْبَعَهُ بِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إِعْلَامًا بِأَنَّ هَذَا الْوُضُوءَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَمْ يُعْجِبْ مَالِكًا فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ اه. أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لِعُذْرٍ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ فُدِعَ فِي خَيْبَرَ فِي رِجْلَيْهِ فَكَانَ يَضُرُّهُ غَسْلَهُمَا. وَفِي فَتْحِ الْبَارِي وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ، وَتَمَسَّكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ: " «أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يُجْنِبُ ثُمَّ يَنَامُ وَلَا يَمَسُّ مَاءً» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحُفَّاظَ قَالُوا: إِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ غَلِطَ فِيهِ وَبِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ تَرَكَ الْوُضُوءَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ لِئَلَّا يَعْتَقِدَ وُجُوبَهُ أَوْ أَنَّ الْمَعْنَى لَمْ يَمَسَّ مَاءً لِلْغُسْلِ، وَقَدْ أَوْرَدَ الطَّحَاوِيُّ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ جَنَحَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ التَّنْظِيفُ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثِ وَهُوَ صَاحِبُ الْقِصَّةِ كَانَ يَتَوَضَّأُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ ثَبَتَ تَقْيِيدُ الْوُضُوءِ بِأَنَّهُ كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَتِهِ وَمِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فَيُعْتَمَدُ وَيُحْمَلُ تَرْكُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى عُذْرٍ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ: " «أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ إِذَا أَجْنَبَ فَأَرَادَ أَنْ يَنَامَ تَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ» " يُحْتَمَلُ أَنَّ التَّيَمُّمَ هُنَا عِنْدَ عُسْرِ وُجُودِ الْمَاءِ. انْتَهَى. قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْحَائِضِ لِأَنَّهَا لَوِ اغْتَسَلَتْ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهَا بِخِلَافِ الْجُنُبِ، قَالَ مَالِكٌ: يَأْكُلُ الْجُنُبُ بِلَا وُضُوءٍ، الْبَاجِيُّ: لِأَنَّ النَّوْمَ وَفَاةٌ فَشُرِعَ لَهُ نَوْعٌ مِنَ الطَّهَارَةِ كَالْمَوْتِ بِخِلَافِ الْأَكْلِ الَّذِي يُرَادُ لِلْحَيَاةِ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ: " «كَانَ - ﷺ - إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْهَا أَوَّلَهُ الْبَاجِيُّ بِأَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ لِلنَّوْمِ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ، وَلِلْأَكْلِ غَسْلُ يَدَيْهِ مِنَ الْأَذَى فَلَمَّا اشْتَرَكَا فِي اللَّفْظِ جَمَعَتْ بَيْنَهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] (سُورَةُ الْأَحْزَابِ: الْآيَةُ ٥٦) وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ دُعَاءٌ. انْتَهَى. يَعْنِي لِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْهَا «كَانَ - ﷺ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ غَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ» .
[ ١ / ٢٠٣ ]