عن إسحاق بن عبد الله بن كنانة قال: أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس يسأله عن الصلاة في الاستسقاء، فقال ابن عباس: "ما منعه أن يسألني؟ خرج رسول الله -ﷺ- متواضعًا متبذلًا متخشعًا مترسلًا متضرعًا، فصلى ركعتين كما يصلي في العيد، لم يخطب خطبكم هذه" رواه أحمد وهذا لفظه، وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه، وأبو عوانة في صحيحه، وابن حبان والحاكم.
[ ٥٠ / ١٨ ]
وعن عائشة قالت: "شكا الناس إلى رسول الله -ﷺ- قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول الله -ﷺ- حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، وكبر -ﷺ-، وحمد الله -﷿-، ثم قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله -﷿- أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم» ثم قال: «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، واجعل ما أنزلته لنا قوة وبلاغًا إلى حين» ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأتِ مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك رسول الله -ﷺ- حتى بدت نواجذه، فقال: «أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله» رواه أبو داود، وقال: هذا حديث غريب، إسناده جيد.
وعن أنس بن مالك -﵁- قال: "كان النبي -ﷺ- لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وإنه يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه" متفق عليه، واللفظ للبخاري.
[ ٥٠ / ١٩ ]
وعنه أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله -ﷺ- قائم يخطب، فاستقبل رسول الله -ﷺ- قائمًا وقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله -ﷺ- يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحابة ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من وراءه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله -ﷺ- قائم يخطب، فاستقبله قائمًا فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله -﷿- أن يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله -ﷺ- يديه، ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر» قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: فسألت أنسًا أهو الرجل الأول؟! قال: لا أدري. متفق عليه.
وعن عبد الله بن زيد المازني قال: "خرج رسول الله -ﷺ- إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة، وصلى ركعتين" وفي لفظ له: وقلب رداءه، وفي لفظ: وجعل إلى الناس ظهره يدعو الله" متفق عليه، واللفظ لمسلم.
وفي البخاري: "ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة" وله: "فقام فدعا الله قائمًا ثم توجه قبل القبلة وحول رداءه فاسقوا" ولأحمد: أن النبي -ﷺ- استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فثقلت عليه، فقلبها عليه الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن" ولأبي داود والنسائي نحوه.
وعن أنس أن عمر بن الخطاب -﵁- كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب -﵁-، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون، رواه البخاري.
وقال الدارقطني: لم يروه غير الأنصاري عن أبيه، وأبوه عبد الله بن المثنى ليس بالقوي.
[ ٥٠ / ٢٠ ]
وعن عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- كان إذا رأى المطر قال: «صيبًا نافعًا» رواه البخاري.
وعن أنس -﵁- قال: أصابنا ونحن مع رسول الله -ﷺ- مطر فحسر رسول الله -ﷺ- ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟! قال: «لأنه حديث عهد بربه -﷿-» رواه مسلم.
وعن عائشة بنت سعد أن أباها حدثها أن رسول الله -ﷺ- نزل واديًا دهشًا لا ماء فيه، وسبقه المشركون إلى القلات، فنزلوا عليها، وأصاب العطش المسلمين، فشكوا إلى رسول الله -ﷺ-، ونجْم النفاق
ونَجَم.
ونجم النفاق، فقال بعض المنافقين: لو كان نبيًا كما يزعم لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فقال: «أو قالوها »
أو قالوها؟
«أو قالوها؟! عسى ربكم أن يسقيكم» ثم بسط يديه وقال: «اللهم جللنا سحابًا كثيفًا قصيفًا دلوقًا مخلوفًا ضحوكًا زبرجًا تمطرنا منه رذاذًا قطقطًا
قِطْقِطًا.
«قطقطًا سجلًا بغاقًا يا ذا الجلال والإكرام» فما رد يديه من دعائه حتى أظلتنا السحاب التي وصف، تتلون في كل صفة وصف رسول الله -ﷺ- من صفة السحاب، ثم أمطرنا كالضروب التي سألها رسول الله -ﷺ-، فأفعم السيل الوادي، وشرب الناس فارتووا. رواه أبو عوانة الإسفرايني في صحيحه.
يقول -رحمه الله تعالى-:
باب: صلاة الاستسقاء
[ ٥٠ / ٢١ ]
الاستسقاء السين والتاء للطلب، يعني طلب السقيا، كما أن الاستصحاء طلب الصحو وكشف المطر عند زيادته التي يخشى منها الضرر، فالاستسقاء طلب السقيا إذا أجدبت الأرض، وقل المطر، وضعفت الأموال والمواشي، تطلب السقيا من الله -جل وعلا-، خرج النبي -﵊- بأصحابه بعد أن ضرب لهم موعدًا يخرجون فيه، وصلى بهم واستسقى، واستسقى على المنبر يوم الجمعة، واستسقى على المنبر في غير جمعة ومن غير صلاة، ودعا استسقى وهو جالس في المسجد بين أصحابه، واستسقى عند أحجار الزيت، ويقول ابن القيم: إنه استسقى على ست صور: منها ما ذكرنا، والسادسة: لما سبقه المشركون إلى الماء دعا الله -جل وعلا- فنزل المطر، فأنواع استسقائه -﵊- على ستة أنحاء، الذي يُذكر في هذا الباب هو المقرون بالصلاة، أو في خطبة الجمعة؛ لأنه مُدخل في كتب الصلاة.
باب: صلاة الاستسقاء
الاستسقاء كما ذكرنا هو طلب السقيا، فإذا تأخر نزول المطر، وتضرر الناس بذلك خرجوا يطلبون من الله -جل وعلا-، ويتوسلون إليه بما يقربهم إليه، ويتضرعون إليه أن يغيثهم ويسقيهم، ولا شك أن امتناع القطر عقوبة من الله -جل وعلا-، سببها كثرة الذنوب والمعاصي، ومنع زكوات الأموال، كما جاء في خبر عند ابن ماجه بإسناد لا بأس به: «وما منعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء» ونرى الأموال الطائلة عند التجار يعني بإمكان بعضهم من زكاته أن يرفع حاجة أسر كثيرة جدًا، ونرى حاجة المسلمين تزداد والأموال في بلدانهم تزداد، ومع ذلك لا تجود النفس بإخراج ما فرض الله -جل وعلا- على بعض التجار، وإن كان يوجد من التجار من فيه الخير، فيخرج الواجب، ويضرب في كل باب من أبواب الخير بسهم من أمواله، ونجد أمواله تزيد ما تنقص، إذا منعت الزكاة منع القطر، إذا كثرت الذنوب والمعاصي كثرت المصائب ﴿وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [(٣٠) سورة الشورى].
قال -رحمه الله تعالى-:
[ ٥٠ / ٢٢ ]
"عن إسحاق بن عبد الله بن كنانة قال: أرسلني أمير من الأمراء" جاء في بعض الروايات: أنه الوليد بن عتبة، وما سمي في رواية الباب؛ لأن تسميته لا تضر، يعني وجوده مثل عدمه، المقصود الخبر المترتب على هذا السؤال "أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس يسأله عن الصلاة في الاستسقاء؟ فقال ابن عباس: ما منعه أن يسألني؟ " لأن ابن عباس خشي أن يكون منعه الكبر، وهو متصور، لكنه أجابه؛ لأن من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، يعني حتى لو كان المانع الكبر لا بد أن تجيب إذا سئلت عن علم.
[ ٥٠ / ٢٣ ]
"فقال ابن عباس: ما منعه أن يسألني؟ خرج رسول الله -ﷺ- متواضعًا" لأننا نحتاج إلى التذلل والانكسار والخضوع بين يدي الله -جل وعلا-، ليس مثل العيد يخرجون بكامل الزينة، ويتطلب لها أحسن لباس "خرج رسول الله -ﷺ- متواضعًا متبذلًا" يعني لابسًا لباس البذلة لا لباس الزينة "متخشعًا" في بصره وفي جوارحه وفي صوته "مترسلًا" متأنيًا غير مستعجل في مشيه "متضرعًا" ملحًا على الله -جل وعلا- بدعائه أن ينزل الغيث "فصلى ركعتين كما يصلي في العيد" يعني صفة صلاة الكسوف هي صفة صلاة العيد، يكبر في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا، ويقرأ كما يقرأ في العيد؛ لأن ابن عباس صلى ركعتين كما يصلي في العيد "لم يخطب خطبتكم هذه" التي تطيلون فيها، وتضمنونها ما تضمنونها من الكلام المنمق المرتب المسجوع، المسلمون بحاجة إلى قلب سليم يخطب في الناس، ويدعو الله -جل وعلا- لتجاب دعوته، وليسوا بحاجة في مثل هذا المقام إلى مقامات ومقطوعات أدبية كما يفعله بعضهم، الناس بحاجة إلى قلب صالح سليم، كانوا يتوسلون بدعاء النبي -﵊- فيسقون، وتوسل عمر بدعاء العباس فيسقون، وتوسل معاوية بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي فيسقون، نحن بحاجة إلى أمثال هذه القلوب، لسنا بحاجة إلى جمال الظاهر مع أن الباطن الله أعلم به، ولا يقال هذا في شخص بعينه، لكن النتائج تدل على المقدمات، كم نستسقي من مرة؟ وكم نسقى من مرة؟! نستسقي مرارًا، المرتين والثلاث والأربع والخمس ولا ينزل قطرة، نحتاج إلى معالجة القلوب، نحتاج إلى إعادة النظر في المعاملة مع علام الغيوب، نحتاج إلى النظر في معاملتنا مع أنفسنا، ومع أهلينا، ومع جيراننا، ومع معارفنا وأرحامنا وأصهارنا، نحتاج إلى أن نعيد النظر في سائر أعمالنا، نستسقي ثم نستسقي ولا يلزم من هذا أننا نقنط، لا، أو نترك، لا، نبذل الأسباب، لكن نسعى في نفي الموانع؛ لأننا نبذل الأسباب، وولي الأمر يضرب موعد لصلاة الاستسقاء، ويخرج المسلمون يستسقون، وفيهم الصالحون، وفيهم المخلطون، لكن النتائج كما رأيتم، والسبب في هذا وجود الموانع، الحرام يؤكل «أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة» والناس يأكلون المحرم،
[ ٥٠ / ٢٤ ]
ويرفعون أيدهم "وذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب" كل هذه من أسباب القبول، كونه أشعث، وكونه أغبر، وكونه مسافر، وكونه يمد يديه من أسباب الإجابة، لكن المانع «ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له!» استبعاد، وهذا واقع كثير من المسلمين، وليس هذا سر، هذا الآن أمور معلنة، ولا تنقيب عما في القلوب الناس بدؤوا يظهرون معاصيهم، يعني استفاضت المعاصي، وظهرت للعيان، وكثر الخبث في المسلمين "أنهلك وفيها الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» وإلا العلماء موجودون، العباد موجودون، في زهاد، وفي علماء، وفيه دعاة، وفيه أخيار من الرجال والنساء، لكن الخبث كثير، الموانع موجودة، ولا يعني هذا أننا نيأس، فنحن بحاجة إلى الخروج بهذه القلوب، بالتواضع، بالتبذل، بالتخشع، بالترسل، بالتضرع.
وقد يوجد بعض المنكرات أثناء الخروج لهذه الصلاة، يوجد، تجد امرأة خرجت للصلاة بدون محرم، تجد شخص يؤذي الناس وهو في طريقه إلى المسجد في سيارته، في حاشيته، المقصود أنك تجد مثل هذه، وهم يخرجون لهذه الصلاة، والنبي -﵊- خرج متواضعًا متبذلًا متخشعًا مترسلًا متضرعًا، نقول: هذه من أسباب القبول، وكان الناس إلى وقت قريب قبل انفتاح الدنيا يعني ما يعوقهم من المطر إلا الخروج للاستسقاء، فتجدهم يبذلون الأسباب قبل الخروج للاستسقاء؛ لأن البيوت ما كانت مشيدة من الأسمنت والحديد، كانت من الطين، فتجدهم ييسرون نزول الماء من السطوح؛ لئلا تكف على أصحابها، ويصنعون بعض الاحتياطات لنزول المطر لثقتهم بما عند الله -جل وعلا-، ومع الأسف أنه يوجد من بعض من ينتسب إلى طلب العلم يقول: إذا خرجنا لصلاة الاستسقاء كأننا نستهزئ، نصر على المعاصي والمنكرات ثم نخرج للاستسقاء! يا أخي أبذل السبب، ومع ذلك تسعى في انتفاء المانع، أما أن المانع موجود والسبب غير موجود ظلمات بعضها فوق بعض.
"فصلى ركعتين كما يصلي في العيد لم يخطب خطبتكم هذه" النفي للخطبة ليس على إطلاقه، إنما نفي الخطبة المشابهة لخطبهم التي وجدت في آخر وقت ابن عباس من بعض الأمراء.
[ ٥٠ / ٢٥ ]
"رواه أحمد، وهذا لفظه، وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه، وأبو عوانة في صحيحه وابن حبان والحاكم" والحديث مقبول لا بأس به.
"وعن عائشة -﵂- قالت: شكا الناس إلى رسول الله -ﷺ- قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه" وعد الناس يومًا يخرجون فيه ليتأهبوا للخروج، يعني ما أخذهم على غرة قال: هيا مشينا إلى الاستسقاء، إنما ليستعدوا بالتوبة النصوح، وبالخروج من المظالم "وعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول الله -ﷺ- حين بدا حاجب الشمس" يعني وقتها إذا ارتفعت الشمس، وخرج وقت النهي "فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله -﷿- ثم قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم» " يعني وقت نزوله، «وقد أمركم الله -﷿- أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم» ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [(٦٠) سورة غافر] ثم قال: «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد» كل الأمور بيده، أزمة الأمور بيده -جل وعلا- «يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت» توسل بكلمة التوحيد، «أنت الغني» اعتراف وتمجيد لله -جل وعلا- «ونحن الفقراء» اعتراف على النفس بالذل والحاجة والفاقة «أنزل علينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، واجعل ما أنزلته لنا قوة وبلاغًا إلى حين» ثم رفع يديه فلا يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه" بالغ -﵊- بالرفع حتى صار ظهور كفيه إلى السماء، كما جاء في بعض الروايات: "ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه" جعل ما على الكتف الأيمن على الأيسر والعكس "وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين" وفي الحديث ما يدل على أن الدعاء والخطبة قبل الصلاة، لكن أكثر الروايات على أن الصلاة قبل كالعيد، وعليها عامة أهل العلم، يرون أن الصلاة قبل الخطبة.
[ ٥٠ / ٢٦ ]
"فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله" النبي -﵊- ما استسقى إلا سقي وأجيب "ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأتِ مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن" يتقون المطر، انطلقوا إلى ما يكنهم ويقيهم المطر "فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك رسول الله -ﷺ- حتى بدت نواجذه" أنيابه بدت -﵊- من حالهم "فقال: «أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله» رواه أبو داود، وقال: هذا حديث غريب" وفي بعض ألفاظه غرابة لا سيما ما يتعلق بتأخير الصلاة "إسناده جيد" يعني كون الإسناد جيد لا يعني أن في بعض ألفاظه ما ينكر، والعلماء إذا قالوا: حديث جيد، أو إسناد جيد بعضهم يقول: إنه يعني صحيح، وأطلق الترمذي الجودة بإزاء الصحة، فقال: هذا حديث حسن جيد، في مقابل ما يقوله: هذا حديث حسن صحيح، مع أن ابن حجر -﵀- يقول: الحكم بالجودة يدل على قوة الحديث، لكن الجهبذ النقّاد الخبير لا يعدل عن صحيح إلى جيد إلا لنكتة، وأنه قد لا يبلغ درجة الصحة.
"وعن أنس بن مالك -﵁- قال: "كان النبي -ﷺ- لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه" متفق عليه، واللفظ للبخاري" يعني في صلاة الاستسقاء، وفي الاستسقاء في خطبة الجمعة رفع النبي -﵊- يديه، ورفع المصلون أيديهم في خطبة الاستسقاء، وفي خطبة الجمعة إذا استسقى فقط لا في جميع الدعاء.
"متفق عليه، واللفظ للبخاري".
[ ٥٠ / ٢٧ ]
"وعنه عن أنس -﵁-" راوي الحديث السابق "أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء" دار القضاء هي دار لعمر بن الخطاب، القضاء في الصدر الأول هو في المسجد، يتولاه الإمام الأعظم في المسجد، ودار القضاء هذه دار لعمر بيعت بعد وفاته لقضاء دينه "ورسول الله -ﷺ- قائم يخطب، فاستقبل رسول الله -ﷺ- قائمًا وقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السُبل" هلكت الأموال من الجدب وعدم الخصب، وانقطعت السبل ما في سبل ولا طرق ووسائل الانتقال من المواشي التي ينتقل إليها وتقطع بها السبل، والطرق قد هلكت "فادعُ الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله -ﷺ- يديه وهو يخطب في الجمعة، فقال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» " وكان إذا دعا -﵊- دعا ثلاثًا "قال أنس: "ولا والله ما نرى في السماء من سحابة ولا قزعة" يعني ما في سحابة مجتمعة، ولا قزعة سحاب متفرق "وما بيننا وبين سلع" جبل معروف بالمدينة
"من بيت ولا دار، قال: فطلعت من رواءه سحابة مثل الترس" سحابة ليست بالكبيرة "فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا" أسبوعًا من الجمعة إلى الجمعة، إلى أن جاء يطلب رفع المطر خشية ضرره "فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة" لا يدرون هل هو الرجل الذي جاء في الأسبوع الماضي أو غيره كما قال أنس؟
[ ٥٠ / ٢٨ ]
"ثم دخل رجل من ذلك الباب" الذي هو نحو دار القضاء "في الجمعة المقبلة ورسول الله -ﷺ- قائم يخطب، فاستقبله قائمًا فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل" هلكت في الأول وهلكت في الثاني، انقطعت في الأول وانقطعت في الثاني، لكن السبب الأول غير السبب الثاني، السبب الأول الجدب والقحط، والثاني زيادة المطر، والمطر والغيث كما هو غيث إلا أنه ليس بخير محض، هو خير على كل حال ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [(٣٠) سورة الأنبياء] لكن مع ذلك إذا زاد صار فيضان وغرق، وقوم نوح أهلكوا بالطوفان، فلما كثر هلكت الأموال غرقًا، وانقطعت السبل، أنتم تعرفون إذا كثرت السيول توقفت السيارات فكيف بالمواشي؟
"هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله -﷿- يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله -ﷺ- يديه فقال: «اللهم حوالينا ولا علينا» " يعني حوالينا لا تبعد عنا لأننا نريد الخير والفضل، نريد كثرة المخزون من الماء في جوف الأرض، ونريد ما ينتج وينبت بسبب هذا الغيث من عشب وربيع.
«اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام» على الهضاب «والظراب» يعني على الجبال «وبطون الأودية» التي تخلو من السكان «ومنابت الشجر» يعني الأراضي التي تنبت الشجر لا القيعان التي لا تنبت ولا ويستفاد منها.
"قال: فأقلعت" وقفت فورًا "قال: وخرجنا نمشي في الشمس" وبقدر الإرث من النبي -﵊- في العلم والعمل يحصل لنا مثل ما حصل لهم، بقدره، وبقدر البعد عن منهجه -﵊- علمًا وعملًا وإخلاصًا وإتباعًا يحصل لنا ما يحصل من الحرمان "قال شريك: فسألت أنسًا أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري" متفق عليه".
"وعن عبد الله بن زيد المازني قال: "خرج رسول الله -ﷺ- إلى المصلى فاستسقى" خرج ما يدل على أن صلاة الاستسقاء كصلاة العيد تكون خارج البلد، ولا تكون في المساجد إلا لحاجة من برد شديد أو مطر، بخلاف المسجد الحرام فإنه لا يخرج عنه، وما عداه حتى المسجد النبوي تكون صلاة العيد وتكون صلاة الاستسقاء خارج المدينة، فضلًا عن غيرها من البلدان.
[ ٥٠ / ٢٩ ]
"خرج رسول الله -ﷺ- إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه حين يستقبل القبلة، وصلى ركعتين، وفي لفظ: وقلب رداءه، وفي لفظ: وجعل إلى الناس ظهره يدع الله" متفق عليه، واللفظ لمسلم" استسقى وصلى ركعتين الواو كما هو معلوم لا تقتضي الترتيب.
"وفي البخاري: "ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة" وهذا لفظ مشكل على قول عامة أهل العلم، وأن الصلاة قبل الدعاء والاستسقاء، منهم من يقول: إنه دعا قبل الصلاة ودعا بعدها، فالذي قال: إنه صلى قبل ما نقل الدعاء الأول، والذي قال: صلى بعد ما نقل الدعاء الثاني "ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة" وله أي البخاري: "فقام فدعا الله قائمًا، ثم توجه قبل القبلة وحول رداءه فاسقوا".
"ولأحمد: أن النبي -﵊- استسقى وعليه خميصة سوداء" يعني من صوف، خميصة سوداء "فأراد أن يأخذ بأسفلها" يقلبها فيجعل أسلفها أعلاها وأعلاها أسفلها "فثقلت عليه" لأنها من صوف "فقلبها عليه، الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن" يعني بدلًا من أن تقلب من أسفل إلى أعلى قلبت من جهة إلى جهة، فتحويل الرداء سنة للإمام بالاتفاق، وأما بالنسبة للمأموم فهو قول جماهير أهل العلم، والذي يعني الإمام من ذلك وهو التفاؤل بتغير الحال يعني المأموم أيضًا، فتخصيص الإمام به لا وجه له كما قال بعضهم.
"ولأبي داود والنسائي نحوه".
[ ٥٠ / ٣٠ ]
"وعن أنس أن عمر بن الخطاب -﵁- كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب -﵁-" كانوا يسقون "فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا" يعني بدعائه -﵊- كما تقدم يستسقون ويتوسلون فيسقون، النبي -﵊- مات، والميت لا يتوسل به؛ لأنه لا يتصور دعاءه وهو في قبره -﵊-، ولو أمكن ذلك ما عدلوا عنه وهو بين أظهرهم قريب منهم إلى العباس، فدل على أن الدعاء إنما يطلب من الحي لا من الميت، والتوسل بدعاء الحي لا بالميت "إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون" يعني العباس -﵁- قال كلامًا فيه شيء من التواضع والانكسار: "اللهم إنهم توجهوا بي إليك لقربي من نبيك -﵊- فسقوا" فنحن بحاجة إلى مثل هذا الانكسار من مثل هذا الرجل العظيم، عندنا مع الأسف أنه يوجد من بعض الخطباء شيء بل قد لا يفرقون بين الأحوال، فتجده في خطبة الاستسقاء لا يختلف وضعه عن خطبة العيد، الظروف تختلف، معاوية عنده علماء الصحابة وعلماء التابعين، عنده الأسود بن يزيد، وعنده سعيد بن المسيب، وعنده كثير من الصحابة، ما قال: يا سعيد بن المسيب يا أفقه التابعين تعال استسقِ بنا، ولا قال للأسود بن يزيد النخعي: تعال استسقِ بنا لأنك أفقه أصحاب بن مسعود، قال: يا يزيد بن الأسود، ليس معدود من فقهاء التابعين، إنما معدود مع عبادهم وزهادهم؛ لأننا في هذا الموضع نحتاج لمثل هذا، الأمة كما هي محتاجة إلى سعيد في علمه، ومحتاجة إلى الأسود بن يزيد في علمه، هي أيضًا محتاج إلى مثل يزيد بن الأسود، ومثل أويس القرني وغيرهم من العباد، ممن يتحرى منهم إجابة الدعوة، والله المستعان.
"إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون" رواه البخاري، وقال الدارقطني: لم يروه غير الأنصاري عن أبيه، وأبوه عبد الله بن مثنى ليس بالقوي" لكن الخبر في البخاري فلا كلام للدارقطني ولا لغيره.
[ ٥٠ / ٣١ ]
"وعن عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- كان إذا رأى المطر قال: «صيبًا نافعًا» " صيبًا الصيب هو الذي ينزل، وجاء في صفة صلاته -﵊-: "إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه" يشخصه يرفعه، ويصوبه ينزله، فالصيب هو الذي ينزل في الأرض، يعني المطر معروف أنه ينزل "رواه البخاري" فيشرع هذا الدعاء إذا رئي المطر.
"وعن أنس -﵁- قال: أصابنا ونحن مع رسول الله -ﷺ- مطر، قال: فحسر رسول الله -ﷺ-" كشف رسول الله -ﷺ- "ثوبه حتى أصابه من المطر" أصاب جسده من المطر، ويحسر رأسه وقدميه وذراعيه، لكي يصيبها هذا المطر المبارك، هذا الماء المبارك، "أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: «لأنه حديث عهد بربه -﷿-» " الآن ينزل من جهة العلو، حديث عهد بأمر الله -جل وعلا- " «حديث عهد بربه -﷿-» رواه مسلم".
"وعن عائشة بنت سعد أن أباها حدثها أن رسول الله -ﷺ- نزل واديًا دهشًا" الذهبي وغيره حكموا على هذا الخبر بأنه موضوع، وفيه ألفاظ غريبة ينبو عنها السمع السليم، فلا يتصور أنها ثابتة عنه -﵊-.
[ ٥٠ / ٣٢ ]
"أن رسول الله -ﷺ- نزل واديًا دهشًا، لا ماء فيه، وسبقه المشركون إلى القلات" القلات نُقَر في الجبال كأنها أوعية، يجتمع فيها الماء "فنزلوا عليها" وعرفنا أن الحديث موضوع، فلا يتكلف اعتباره، ولا الاستنباط منه، لكن لا مانع من أن ننظر إلى بعض الألفاظ الغريبة فيه "فنزلوا عليها، وأصاب العطش المسلمين" لأن المشركين استولوا على أماكن تجمع المياه "فشكوا إلى رسول الله -ﷺ- ونجم النفاق" في هذه الأزمات ينجم النفاق، في الأزمات ينجم النفاق، وإذا حصل على المسلمين شدة أو ضر أو نزل بهم شيء برز المنافقون "فقال بعض المنافقين: لو كان نبيًا كما يزعم لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النبي -﵊- فقال: «أو قالوها؟ عسى ربكم أن يسقيكم» ثم بسط يديه وقال: «اللهم جللنا» " يعني: ظللنا، وعمم ما حولنا من أرض «سحابًا كثيفًا» يعني متكاثفًا متراكمًا بعضه فوق بعض «قصيفًا» فيه قصف الرعد يسمع بقوة «دلوقًا» يعني ينصب بقوة كأفواه القرب كما حصل في بعض الأحيان «مخلوفًا» يعني: يخلف بعضه بعضًا لا ينقطع «ضحوكًا» مصحوبًا بالبرق «زبرجًا» فيه سحاب ملون، مما يدل على أن هذا اللفظ يعني ينبو عنه السمع، كون السحاب ملون فيه حمرة وفيه ألوان هل هذا من المقاصد؟ على كل حال الخبر لا يتكلف اعتباره، ولا الإجابة عنه؛ لأنه من أصله باطل، موضوع.
«تمطرنا منه رذاذًا قطقطًا» رذاذًا مع قوله: «دلوقًا» تنافر «قطقطًا سجلًا بُعاقًا» يقولون: متواصلًا لا انقطاع له " «يا ذا الجلال والإكرام» فما رد يديه من دعائه حتى أظلتنا السحاب التي وصف" بهذه الصفات التي ذكرت "تتلون في كل صفة وصف رسول الله -ﷺ- من صفات السحاب، ثم أمطرنا كالضروب التي سألها رسول الله -ﷺ-، فأفعم السيل الوادي، وشرب الناس وارتووا" رواه أبو عوانة الإسفرايني في صحيحه" وعرفنا أن الحافظ الذهبي حكم عليه بالوضع.
[ ٥٠ / ٣٣ ]
فيما يتعلق بصلاة الكسوف، واختلاف الروايات في عدد الركوعات، بعضهم يبدي جوابًا عن الروايات الواردة في الصحيح من عدد الركوعات التي تخالف ما في الصحيحين، فيقول: إن الركوعات التي ذكرت من الثالث والرابع والخامس ليست هي ركوعات في الحقيقة، وإنما النبي -﵊- يرفع رأسه لينظر هل انجلى الكسوف أو لا؟ ثم يعود، هذا لا شك أنه محاولة فيها شيء من النباهة، لكنها لا تكفي؛ لأن الركوع يعني يختلف عن مجرد رفع الرأس وإنزاله، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
طالب: إذا كانت الركعة الأولى لا تدرك بالركوع الثاني
إيه.
طالب: هل الركعة الثانية تدرك بالركوع الثاني؟
كذلك مثلها، الركوع الثاني لا يدرك به شيء لا في الركعة الأولى ولا في الركعة الثانية.
طالب: هل يتوسل بآل البيت
بالصالح منهم، إذا كان فيهم من فيه صلاح، ظهر صلاحه، العبرة بالتقوى، ومع ذلك أهل البيت لهم حقهم ولهم شأنهم، وقربهم من النبي -﵊- له منزلة في الشرع، وهم وصيته -﵊- فلهم حق على الأمة حق عظيم.
طالب:. . . . . . . . .
نعم، يقلب الشماغ، الذي ما عليه إلا شماغ إيش يسوي؟ يفسخ ثوبه!
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا ما عنده إلا شماغ في حكم الرداء، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
هو يرفع يديه عادي هكذا حذاء وجهه، ثم بعد ذلك مع الإلحاح والتضرع يرفعها حتى يبالغ، ويرى بياض إبطيه، ويترتب على ذلك أن يكون ظهورها إلى السماء، ومن أهل العلم من يقول: إن ظهورها إلى السماء هكذا.
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٥٠ / ٣٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم