عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه.
[ ٥٩ / ١٦ ]
وعن عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- خرج ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلى فصلوا بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله -ﷺ- فصلى بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: «أما بعد: فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» فتوفي رسول الله -ﷺ- والأمر على ذلك" متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
وعنها -﵂- قالت: "كان رسول الله -ﷺ- إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله" متفق عليه.
حسبك.
يكفي.
قال -﵀-:
باب: في قيام شهر رمضان
[ ٥٩ / ١٧ ]
في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ما فرقه البخاري -رحمه الله تعالى- «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» وهنا: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» الجملة الثالثة: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» والذي عندنا ما يناسب قيام شهر رمضان قوله: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا» يعني قاصدًا بذلك وجه الله، مخلصًا في ذلك لله -جل وعلا-، لا يبعثه ولا ينهزه على ذلك إلا الإيمان الواقر في قلبه، واحتساب الأجر من الله -جل وعلا-، لا لأمر من الأمور ليترتب على ذلك جواب الشرط «غفر له ما تقدم من ذنبه» وأي حرمان بالنسبة لمن يسمع مثل هذه الأحاديث الصحيحة، ولا يقوم رمضان، وقد يقوم رمضان ويتعب نفسه ولا يحقق القيد الوارد في الحديث الذي يرتب عليه الأجر إيمانًا واحتسابًا، فتجد بعض الناس يصلي مجاملة، أو يصلي مراءاة لغيره، فلا بد من أن يكون قيامه رمضان إيمانًا واحتسابًا، والمراد بالقيام القيام في لياليه، الصيام في النهار، والقيام للصلاة والذكر والتلاوة في الليل «غفر له ما تقد من ذنبه» على الإنسان أن يحرص، المسألة لا تكلف شيئًا، الآن بما يتحقق القيام؟ «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» وبعض الأئمة قيامه لا يزيد على نصف ساعة، لكن الحرمان لا نهاية له، تجده يبحث عن إنسان أخف من صلاة هذا الإمام الذي لا يزيد عن نصف ساعة، وعنده استعداد أن يمشي، وأن يركب السيارة مدة ساعة ذهابًا وساعة إيابًا لإمام أخف من الإمام الذي بجوار مسجده الذي لا تزيد صلاته على نصف ساعة، قالوا: فلان ينتهي بعشرين دقيقة من القيام، يركب السيارة، مهما كلفه ذلك، ويرجع مثل ذلك، ويستغرق في ذهابه وإيابه وقتًا طويلًا؛ ليحصل وليوفر عشر دقائق، وما ذلك إلا لثقل العبادة على كثير من الناس.
[ ٥٩ / ١٨ ]
يعني يصل الأمر إلى حد أن يُسأل عن آية الدين، هل تقسم في ركعتين؟ هذا سؤال جاد، إمام مسجد يسأل عن آية الدين، وفي الحديث الصحيح: «من قام مع إمامه حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» وإذا كان في المسجد أكثر من إمام فحكم الجميع حكم الإمام الواحد، لا بد أن يبدأ مع الأول وينتهي مع الآخر؛ لأن الأصل أن الإمام واحد، لكن إذا كانت الصلاة مراوحة بين أكثر من إمام فلا يتحقق القيام إلا من أوله إلى آخره، من التكبيرة الأولى إلى السلام؛ لأن بعض الناس يصلي مع الأول، ثم ينصرف معه ويقول: صليت مع الإمام حتى انصرف، نقول: لا، هذا نصف إمام، وليس بإمام كامل، المنظور إليه الصلاة حتى تنتهي الصلاة.
«غفر له ما تقدم من ذنبه» ومثله: «رمضان إلى رمضان، والصلوات الخمس، والعمرة إلى العمرة» كلها كفارات، وأسباب لمغفرة الذنوب، لكن الجمهور يحملون هذا الغفران وهذا التكفير على الصغائر دون الكبائر، وأما الكبائر لا بد فيها من التوبة، عند جمهور أهل العلم؛ لأنه جاء هذا القيد: «ما اجتنبت الكبائر» «ما لم تغش كبيرة» فالكبيرة لا بد فيها ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [(٣١) سورة النساء] فكل هذه المكفرات إنما هي للصغائر دون الكبائر.
"وعن عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- خرج ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد" في ليلة من ليالي رمضان "خرج ليلة من جوف الليل" يعني من أثنائه، وفي وسطه "فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته" اقتدوا به، فصلاة الليل سواءً كانت في رمضان أو في غير رمضان، لا مانع من أن تكون جماعة، هذا في غير رمضان، دليله حديث ابن عباس صلى مع النبي -﵊- وصلى معه ابن مسعود، المقصود أنها لا مانع من أن تصلى جماعة، ما لم تتخذ عادة، إلا في رمضان؛ لما سيأتي.
[ ٥٩ / ١٩ ]
النبي -﵊- صلى ليلة في جوف الليل من رمضان، فصلى رجال بصلاته "فأصبح الناس فتحدثوا" هؤلاء الذين صلوا مع النبي -﵊- نقلوا ذلك للناس، والله صلينا مع النبي -﵊- البارحة صلاة تهجد، فزاد العدد في الليلة الثانية، فصلى فصلوا بصلاته، ثم تحدثوا من الغد، فزاد العدد، فلما صار في الليلة الثالثة أو الرابعة، هنا يقول الرابعة، وفي بعض الروايات: فلما كان في الليلة الثالثة أو الرابعة "عجز المسجد عن أهله" يعني امتلأ المسجد، عجز المسجد، فلم يخرج إليهم -﵊- "حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر" صلى الفجر "أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: «أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم» " المسجد مملوء، والمسجد بجوار الحجر، يسمع، «فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم» الرسول -﵊- ترك صلاة الليل في المسجد جماعة رفعًا لحكمها أو خشية أن تفرض عليهم؟ خشية أن تفرض عليهم، فبهذا يستدل على أن صلاة التراويح جماعة في المسجد مشروعة، لكن النبي -﵊- إنما تركها خشية أن تفرض، فلما أمن هذا المخشي بموته -﵊- جمع الناس عمر -رضي الله تعالى عنه- على إمام واحد، جمع الناس عمر -رضي الله تعالى عنه- على إمام واحد، فيما عرف فيما بعد بالتراويح، التراويح؛ لأنهم يتروحون، يستريحون بين كل تسليمتين، وهذا مأخوذ من حديث عائشة: "ما زاد رسول الله -ﷺ- في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا" يعني فاصل بين الأربع الأولى والثانية راحة، هذه تسمى تراويح؛ لأنهم يستريحون بين كل أربع ركعات، بين كل تسليمتين يستريحون، طيب عمر -﵁- لما جمع الناس على التراويح جماعة، دليله هذا الحديث، الرسول -﵊- ما استمر، أبو بكر ما فعل.
طالب:. . . . . . . . .
[ ٥٩ / ٢٠ ]
نعم ما استمر الرسول -﵊- للعلة التي ذكرها " «خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» فتوفي رسول الله -ﷺ- والأمر على ذلك" يصلون أوزاعًا، وكل واحد يصلي لنفسه، وجاءت خلافة أبي بكر وهي قصيرة، والأمر على ذلك، ثم صدر من خلافة عمر الأمر على ذلك، ثم رأى أن يجمع الناس عليها، مستدلًا بهذا، خرج عليهم كما في الصحيح ليلة من الليالي، وأعجبه المنظر، أعجبه اجتماع الناس، وكثرة الناس على إمام واحد، واجتماع كلمتهم، فقال -﵁-: "نعمت البدعة هذه" "نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل منها" يعني هذه التي يصلونها في أول الليل ممدوحة، يعني نعمة، والتي ينامون عنها في آخر الليل أفضل، لا شك أن صلاة آخر الليل أفضل من أوله، طيب نعمت هذا مدح، والبدعة مذمومة، وكل بدعة ضلالة، فكيف يقول: نعمت البدعة؟ نعم من أهل العلم من يرى أن من البدع ما يمدح؛ لأن هناك بدع مستحسنة، وبدع سيئة، «من سن سنة حسنة» «ومن سن سنة سيئة» وهنا يقول: "نعمت البدعة" ما فعله عمر -﵁- بدعة وإلا سنة؟ نعم؟ سنة، هل هي بدعة لغوية؟ والبدعة في الأصل ما عمل على غير مثال سابق، هذه البدعة اللغوية، عمر عمل التراويح على غير مثال سابق؟ لا، عمل ذلك على مثال سبق، سبقه النبي -﵊-، فليست بدعة لغوية، هل هي بدعة شرعية؟ ليست بدعة شرعية؛ لأن لها دليل من السنة، والبدعة الشرعية ما عمل مما يتعبد به ويتقرب به إلى الله من غير أن يسبق له شرعية من كتاب ولا سنة، والتراويح سبقت شرعيتها في السنة، وإنما تركها النبي -﵊- لا نسخًا لها، ولا عدولًا عنها، وإنما خشيت أن تفرض، طيب كيف يقول: بدعة؟
[ ٥٩ / ٢١ ]
الشاطبي يقول: مجاز، وشيخ الإسلام يقول: بدعة لغوية، والتعريف للبدعة اللغوية لا ينطبق عليها، كما أن البدعة الشرعية من باب أولى لا تنطبق، كيف يقول: نعمت البدعة؟ التعبير بالبدعة هنا وهي ليست بدعة لا لغوية ولا شرعية، ماذا يبقى لنا؟ أن يكون من باب المشاكلة، المشاكلة التي هي المجانسة في التعبير ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [(٤٠) سورة الشورى] الجناية سيئة، لكن عقوبة الجاني سيئة وإلا حسنة؟ حسنة بلا شك، تسميتها سيئة إنما هي مشاكلة في التعبير، في العبارة، مثلما ذكرنا البيت السابق.
قالوا: اقترح شيئًا نجد لك طبخه قلت: اطبخوا لي جبة وقيمصا
مشاكلة مجانسة في التعبير، كأن قائلًا: ابتدعت يا عمر، فقال: "نعمت البدعة هذه" فشاكله وتنزل على أسلوبه وعلى حسب دعواه، والمشاكلة لا يلزم أن تكون بلفظ محقق؛ لأنهم في كتب البديع يقولون: تحقيقًا أو تقديرًا، ولذا قالوا: أو قلنا: كأن قائلًا: ابتدعت يا عمر، هذا تقدير.
"متفق عليه، وهذا لفظ البخاري".
"وعنها -﵂- قالت: كان رسول الله -ﷺ- إذا دخل العشر" التي هي أرجى الليالي بالنسبة لليلة القدر، النبي -﵊- اعتكف العشر الأول من رمضان، يتطلب ويرجو ليلة القدر، ويتحرى ليلة القدر، ثم اعتكف العشر الأواسط، ثم استقر اعتكافه في العشر الأواخر.
[ ٥٩ / ٢٢ ]
"كان رسول الله -ﷺ- إذا دخل العشر شد مئزره" يعني اجتهد في العبادة، واعتزل النساء، وطوى الفراش "وأحيا ليله، وأيقظ أهله" مفهوم هذا أنه يحيي الليل كله، مع أنه جاء عنه -﵊- أنه ما أحيا ليلة كاملة إلى الفجر، فإما أن يقال: ما أحيا ليلة في غير العشر، أو نقول: أحيا ليله يعني غالبه، فعلى الإنسان أن يجتهد في هذه الليالي العشر، وأن يحفظ صيامه وقيامه مما يخدشه، لا يكون حظه من الصيام الجوع والظمأ، وحظه من القيام السهر والتعب؛ لأنه يسمع حتى من بعض المعتكفين كثير من القيل والقال، وقد يستدرجون في الكلام، فيصل إلى حد المكروه أو المحرم أحيانًا، فضلًا عن كون بعض المعتكفين يتوسع، يتوسع توسعًا غير مرضي، وبعضهم يدخل معه المعتكف الآلات، الكمبيوتر، والإنترنت والجوالات، وقد يمضي الساعة في مكالمة، ويمضي الوقت الطويل مشاهدًا لبعض الأشياء التي لا تسوغ، ولا تليق في أوقات الرخاء، فضلًا عن أوقات الشدة، مثل هذه الساعات النفيسة، وبعضهم يدخل الجرائد، نعم بعض الناس وإن كان ليس هذا وقته يستعمل التليفون ليرد على فتاوى المستفتين، هو من أهل العلم معتكف ويرد على الفتاوى، وقد تضيع الليلة كلها في الرد على الفتاوى.
[ ٥٩ / ٢٣ ]
الرسول -﵊- هذا وضعه، يستغل هذه الليالي بالصلاة والذكر والتلاوة لا غير، وأهل العلم قاطبة على ذلك، فيتركون التعليم، ويتجهون إلى قراءة القرآن، بل منهم من يترك التعليم من دخول الشهر إلى خروجه؛ لأن هذا شهر القرآن، لكن المقرر عند عامة أهل العلم أن النفع المتعدي أولى من القاصر، فإذا وجد النفع المتعدي والنبي -﵊- جاهد في رمضان، كثير من الغزوات حصلت في رمضان، فبدر والفتح في رمضان، لكن من قال: أنا أستدل بالسلف وأهتدي بهديهم، وأترك كل شيء، وأقطع الصلات، وأتجه إلى قراءة القرآن، وأدارس القرآن في ليالي رمضان، وأكثر من التلاوة في نهار رمضان، وأحفظ صيامي في المسجد، ولا أختلط بالناس هذا عمل خير، لا يمكن أن يقال له: إلا أحسنت، لكن الإشكال إذا استدل في الترك وتوقف عن أفعال الخير، وما استغل الوقت كاستغلال السلف، يكون هذا حينئذٍ من تلبيس الشيطان عليه، فيترك ما كان يزاوله من أعمال الخير قبل رمضان وبعد رمضان، ويتفرغ في رمضان على حد زعمه مقتديًا بالسلف، وهو بعيد كل البعد عن حال السلف، تجده سهر ليل إلى الفجر في القيل والقال، ويقول: لا، أنا أقتدي بالسلف، نقول: لا، ما هو بهذا فعل السلف، نعم اقتدي بالسلف والزم المصحف، واختم مثلهم في كل ثلاث كما جاء عن بعضهم، أو في كل ليلة كما جاء عن بعضهم أيضًا، هذا الذي يقتدي بالسلف، يقول: والله أقتدي بالسلف وبعدين يتكلم في موضوع الاعتكاف، ويقول: لا تقول لي: أنا معتكف، ثم تمر عليك العشر ما ختمت ولا ختمة، اقرأ يا أخي القرآن، وأكثر، اقرأ جزء، جزأين.
طالب:. . . . . . . . .
هذا يقرأه عادي الناس بغير الاعتكاف.
على كل حال المسألة الناس منازل ومقامات، ما يمكن أن ينزلوا منزلة وحدة مع الأسف تدخل المسجد الذي فيه معتكف تجد فيه عشرات الجوالات في شواحنها من كهرباء المسجد، وتجد هذا يكلم، وهذا يتصل، وهذا يسولف، وهذا يتناول شيء يأكله، وهذا يشرب، وهذا ما أدري ويش؟ ويتحلقون على هذه الأمور التي قد تضرهم ولا تنفعهم.
سيأتي في الاعتكاف شيء من هذا -إن شاء الله تعالى-، لكن على الإنسان أن يحفظ وقته، وأن يتجه إلى ما هو بصدده.
سم.
وقال -﵀-:
[ ٥٩ / ٢٤ ]