عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري -والله ما كذبني- سمع النبي -ﷺ- يقول: «ليكونن من أمتي أقوامًا يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوامًا إلى جنب علم تروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم رجل لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله، ويضع العِلْم».
العَلَم.
[ ٤٩ / ٣ ]
«ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به، فقال: قال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد عن عبد الرحمن بن يزيد عن عطية بن قيس عن عبد الرحمن بن غنم، ولا التفات إلى ابن حزم في رده له، وزعمه أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام، وقد رواه الإسماعيلي والبرقاني في صحيحيهما المخرجين على الصحيح بهذا الإسناد، ولفظهما: «ويأتيهم رجل لحاجة» وفي رواية: «فيأتهم طالب حاجة» وفي رواية: حدثني أبو عامر الأشعري ولم يشك، ورواه الطبراني عن موسى بن سهل الجوني البصري عن هشام، ورواه أبو داود ولفظه: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير» وذكر كلامًا، قال: «يمسخ منهم آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» والخز هنا: نوع من الحرير.
وعن حذيفة -﵁- قال: "نهانا النبي -ﷺ- أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليها" رواه البخاري.
وعن أبي عثمان النهدي قال: أتانا كتاب عمر بن الخطاب -﵁- ونحن بأذريبجان مع عتبة بن فرقد أن النبي -ﷺ- نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بإصبعه السبابة والوسطى، فيما علمنا أنه يعني الأعلام" متفق عليه.
ولمسلم عن عمر -﵁- قال: "نهى نبي الله -ﷺ- عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربع".
وقال الدارقطني فيما انفرد به مسلم: لم يرفعه عن الشعبي غير قتادة، وهو مدلس لعله بلغه عنه، وقد رواه شعبة عن ابن أبي السفر عن الشعبي عن سويد عن عمر قوله، وكذلك رواه بيان وداود بن أبي هند عن الشعبي عن سويد عن عمر قوله.
وعن أنس بن مالك -﵁- أن النبي -ﷺ- رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير -﵄- في قميص الحرير في السفر من حكة كانت بهما" متفق عليه.
وفي البخاري: "شكيا إلى النبي -ﷺ- يعني القُمل- فأرخص لهما في الحرير، فرأيته عليهما في غزاة".
وعن علي بن أبي طالب -﵁- قال: "كساني رسول الله -ﷺ- حلة سَيَراء
سِيَراء.
[ ٤٩ / ٤ ]
سِيَراء فخرجت فيها، فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي" متفق عليه، واللفظ لمسلم.
وعن أبي موسى -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «أحل الذهب والحرير لأناث أمتي، وحرم على ذكورها» رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه، وقيل: إنه منقطع.
وعن الشعبي عن الفضيل بن فضالة عن أبي الرجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف خز، فقلنا: يا صاحب رسول الله -ﷺ- تلبس هذا؟! فقال: إن رسول الله -ﷺ- قال: «إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه» رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر والبيهقي واللفظ له، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: فضيل بن فضالة الذي روى عنه الشعبي ثقة
شعبة، شعبة.
الذي روى عنه شعبة ثقة، وقال أبو حاتم: هو شيخ.
وعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: "رأى رسول الله -ﷺ- عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: «أأمك أمرتك بهذا؟!» قلت: أغسلهما؟ قال: «بل أحرقهما».
وعن علي بن أبي طالب -﵁- أن رسول الله عليه وسلم نهى عن لبس القِسي والمعصفر.
القَسِي.
القَسِي والمعصفر. رواهما مسلم.
وروى من حديث مصعب بن شيبة عن صفية بنت شيبة عن عائشة -﵂- قالت: "خرج النبي -ﷺ- ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، والمرحل الذي قد نقش فيه تصاوير الرحال".
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: ما يُمنع لبسه أو يكره وما ليس كذلك
يعني: باب اللباس، واللباس أدخله المؤلف هنا بين أبواب الصلاة باعتباره شرط من شروط الصلاة، والأصل أن الشرط يتقدم المشروط، فلو قُدم قبل الدخول والشروع في كتاب الصلاة كان له وجه، كان هو الأوجه كما تُقدم الشروط الأخرى من الطهارة واستقبال القبلة والنية وغير ذلك.
[ ٤٩ / ٥ ]
والغريب أن المؤلف -رحمه الله تعالى- جعله بين باب العيدين وبين صلاة الكسوف والاستسقاء، يعني لو أخره عنهما كما فعل ابن حجر مع أن ابن حجر أيضًا قدمه على الجنائز، المقصود أن الترتيب فيه شيء من الخلل، يعني يحتاج إلى إعادة وضع لهذا الباب في موضعه المناسب، فإما أن يقدم باعتباره شرط من شروط الصلاة، أو يؤخر في أبواب الأدب كما يفعله الأئمة الكبار، يعني يجعلونه بعد الأحكام من العبادات والمعاملات.
على كل حال الترتيب ينبغي أن يكون دقيقًا، وإن كان لا يخل في أصل ما وضع الكتاب من أجله؛ لأن القصد الفائدة، وتحصل في أي مكان وُضع، لكن الترتيب يرتب ذهن القارئ، ويجعل المعلومات بعضها مرتب على بعض، وهذا يعين في فهم الأبواب والعلوم.
قال: باب: ما يُمنع لبسه أو يكره وما ليس كذلك
[ ٤٩ / ٦ ]
اللباس الأصل فيه الحل، وهو أيضًا خاضع للأعراف والعادات عادات البلدان، ما لم يرد فيه نص بخصوصه فيمنع من أجله، في جميع البلدان إذا ورد فيه نص، قد يقول قائل: الناس اعتادوا أن الرجال ثيابهم طويلة، والنساء ثيابهم قصيرة، في بلدان الدنيا العالم كله على هذا، هل نقول: إن العرف يبيح مثل هذا؟ لا، لكن إذا كان العرف المتفق عليه في بلد ما جرى على لباس لم يرد به منع من الشرع فلا مانع من لبسه، والمانع ما ورد فيه بخصوصه منع فيما يتعلق بلباس الرجل، وما يتعلق بلباس المرأة، بخصوصه، وما ورد فيه المنع على جهة العموم كالتشبه بالكفار مثلًا، أو تشبه الرجال بالنساء، أو النساء بالرجال، أو لبس ثياب الشهرة التي يتفرد بها الإنسان عن غيره بحيث من رآه من بعد عرف أنه فلان؛ لأن هذا لباسه يتميز به عن الناس، فلباس الشهرة ممنوع، لباس النساء ممنوع بالنسبة للرجال والعكس، لباس الكفار ممنوع بالنسبة للمسلمين، ما يتعلق بألبسة النساء وضوابط ألبسة النساء ما يخرج عنها كله ممنوع، فيما يبدي شيئًا من العورة أو من مفاتن المرأة، أو من محاسن المرأة هذا كله ممنوع، وكذلك ما يتعلق بلباس الرجال من الحرير، وأيضًا المعصفر والأحمر، وما أشبه ذلك، وما كان من خصائص النساء هذا كله ممنوع، يعني يأتي نساء من بعض الأقطار من المغرب أو من الشام، أو من جهات أخرى، يعني ما تختلف عن لباس الرجال يلبسن الأبيض، والتفصيل قريب من تفصيل الرجال بالنسبة لبلد آخر، أما رجالهم يختلف لباسهم عن نسائهم، نقول: هذا عرف ما دام ثوب الرجل أو ثوب المرأة ما في منع يخصه فما كان تابعًا للعرف فإنه حينئذٍ الأصل فيه الإباحة، مع أن الرجل الأولى به أن يلبس الأبيض «البسوا من ثيابكم البياض، وكفنوا فيهن موتاكم».