٣٨٦ - وَعَن عَمْرو بن سَلمَة الْجرْمِي قَالَ: " كُنَّا بِمَاء ممر النَّاس، وَكَانَ يمر بِنَا الركْبَان فنسألهم مَا للنَّاس؟ مَا للنَّاس؟ مَا هَذَا الرجل؟ فَيَقُولُونَ: يزْعم أَن الله ﷿ أرْسلهُ، أَو أوحى الله بِكَذَا، فَكنت أحفظ ذَلِك الْكَلَام فَكَأَنَّمَا يقر فِي صَدْرِي. وَكَانَت الْعَرَب تلوّم بِإِسْلَامِهِمْ الْفَتْح فَيَقُولُونَ: اتركوه وَقَومه، فَإِن ظهر عَلَيْهِم فَهُوَ نَبِي صَادِق. فَلَمَّا كَانَت وقْعَة [أهل] الْفَتْح بَادر كل قوم بِإِسْلَامِهِمْ، وَبدر أبي قومِي بِإِسْلَامِهِمْ. فَلَمَّا قدم قَالَ: جِئتُكُمْ وَالله من عِنْد النَّبِي حَقًا، فَقَالَ: صلوا صَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا وصلوا صَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا، فَإِذا حضرت الصَّلَاة فليؤذن أحدكُم وليؤمكم أَكْثَرَكُم قُرْآنًا. فنظروا فَلم يكن أحد أَكثر قُرْآنًا مني لما كنت أتلقى من الركْبَان فقدموني بَين أَيْديهم وَأَنا ابْن سِتّ أَو سبع سِنِين، وَكَانَت عَلّي بردة وَكنت إِذا سجدت تقلصت عني، فَقَالَت امْرَأَة من الْحَيّ: أَلا تغطون عَنَّا است قارئكم!؟ فاشتروا، فَقطعُوا لي قَمِيصًا فَمَا فرحت بِشَيْء فرحي بذلك الْقَمِيص " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَعند أبي دَاوُد: " وَأَنا ابْن سبع سِنِين أَو ثَمَان سِنِين " وَعند النَّسَائِيّ: " وَأَنا ابْن ثَمَان سِنِين ".
فهذه الأحاديث هي الأحاديث المتبقية من باب صلاة الجماعة عند ابن عبد الهادي في المحرر وأولها هذا الحديث عن عَمرو بن سَلَمَة الجَرْمِي ﵁ أنهم كانوا في طريق في ممر الناس، يأتون ذاهبين وآيبين يمرون، فكانوا يتلقون الركبان الذين يأتون من مكة والمدينة، وكان يتلقون عنهم، ويأخذون عنهم، وكان عَمْرو بن سَلَمَة يتلقى الأحاديث عن رسول الله -ﷺ- من طريق هؤلاء الركبان الذين يمرون بالمكان الذي هم فيه، فكان يتلقى، وكان أكثرهم قرآنًا، لأنه كان يحرص على السماع من هؤلاء الذين يمرون بهم، فكان يحرص على ذلك، وكان أكثرهم قرآنًا، ولما جاء وقت الصلاة، صلوا وجعلوه إمامًا لهم، لأنهم وجدوا أنه أكثرهم قرآنًا، وقد جاء في الرواية عند البخاري أنه "ابن ست أو سبع سنين"، وجاء عند أبي داود، وغيره أنها "سبع أو ثمان"، وجاء أيضًا أنه "ثمان سنين"، وعلى هذا فإن إمامة الصبي إذا كان مميزًا، والتمييز يكون ببلوغ السبع، لأن النبي -ﷺ- قال: «مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع» وهم قبل السبع ليسوا مأمورين، وإنما يؤمرون عند بلوغ السبع، وعلى هذا فإن المميز الذي بلغ سبع سنين فأكثر، فإنه يؤم الناس عند الحاجة إليه، لا سيما إذا كان أكثر من غيره قرآنًا، فهذا يدل على إمامة الصبي إذا كان مميزًا، وهذا عمل حصل في زمن النبوة، ولو كان ذلك غير صحيح لنزل الوحي ببيان أن عملهم هذا أنه ليس بصحيح، ومثله الحديث الذي جاء عن جابر ﵁ أو قال: "كنا نعزل والقرآن ينزل، لو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن"، فلو كانت صلاتهم غير صحيحة وأن هذا العمل غير صحيح لنزل القرآن ولجاء الوحي بذلك عن رسول الله -ﷺ-، وعلى هذا فإن إمامة الصبي إذا كان مميزا أنها صحيحة، والعمدة في ذلك هذا الحديث.
ولكن كما قلتُ أن الروايات الأخرى التي جاءت "ست" "سبع" أو جاءت "ثمان"، هذه روايات صحيحة، وهي التي تكون مطابقة لقوله -ﷺ-: «مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع».
[ ٣٩٤ ]
٣٨٧ - وَعَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: " يكره أَن يؤم الْغُلَام حَتَّى يَحْتَلِم " رَوَاهُ الْأَثْرَم وَالْبَيْهَقِيّ، وَلَفظه: " لَا يؤم الْغُلَام حَتَّى يَحْتَلِم ".
وهذا أثر جاء عن ابن عباس ﵄، وهو أنه يكره للغلام أن يؤمّ حتى يحتلم يعني حتى يبلغ، ولكن هذا الأثر غير صحيح، لأن في إسناده رجلًا متروكًا يعني لا يعول على روايته والحديث السابق هو الواضح في صحة إمامة الصبي الذي لم يبلغ.
[ ٣٩٥ ]
٣٨٨ - وَعَن أبي مَسْعُود قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " يؤم الْقَوْم أقرؤهم لكتاب الله، فَإِن كَانُوا فِي الْقِرَاءَة سَوَاء فأعلمهم بِالسنةِ، فَإِن كَانُوا فِي السّنة، سَوَاء فأقدمهم هِجْرَة، فَإِن كَانُوا فِي الْهِجْرَة سَوَاء، فأقدمهم سلما، وَلَا يؤمّنّ الرجلُ الرجلَ فِي سُلْطَانه، وَلَا يقْعد فِي بَيته عَلَى تكرمته إِلَّا بِإِذْنِهِ " وَفِي رِوَايَة: " سنا " بدل سلما. رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁، أنه قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة»، وهذا يدل على أن الأكثر قراءة، وأن الذي يكون أكثر من غيره قراءة أنه هو الأولى بالإمامة، وأنه إذا تساووا في القراءة فإنه يصار إلى من كان أعلم بالسنة، وإن كانوا اتفقوا بكونهم في الحفظ وفي العلم بالسنة سواء، فيقال أقدمهم هجرة يعني انتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا أي إسلامًا، من كان أسلم، إسلامه متقدمًا، وفي بعض الروايات أقدمهم سنًّا يعني إذا كان أكبر فإنه يقدم على غيره، وهذا الحديث يدلنا على بيان أولى الناس بالإمامة، وهو حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه، وفي بعض الروايات بدل «سلمًا»، «سنًّا» يعني أكبرهم، وقد جاء في الحديث أن النبي -ﷺ- قال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم»، وهذا فيما إذا كانوا متماثلين، فإذا كانوا متماثلين ولم يبق إلا السنّ، فإنه يقدم من كان أقدم سنًّا، ولهذا جاء في الحديث «أقدمهم سنًّا» يعني الذي هو أكبر من غيره، وعلى هذا فإن الإمامة أول ما تكون، إنما تكون للأقرأ، ثم يكون من عنده علم بالسنة، ثم يكون من أقدم هجرة، ثم يكون من أقدم سلمًا، وفي بعض الروايات «سنًّا» بدل «سلمًا»، «ولا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه» يعني الحاكم والإمام إذا حضر فهو الأولى بالإمامة من الإمام الراتب، ولهذا قال: «ولا يَؤُمَّنَّ الرجلُ في سلطانه» يعني أنه هو الأولى، وهذا يدلنا على أن المرأة ليست أهلًا للولاية، لأنه قال: «يؤمهم» المرأة لو حصل هذا ما تصلي بالناس، ما تكون إمامة للرجال، فهذا يدلنا على أن المرأة لا تصلح للإمامة، وأنها لا تكون لها ولاية على الرجال، وإنما الرجال هم الذين لهم الولاية على الرجال والنساء، والنساء لا يكن لهن ولاية على الرجال لأنه قال: «ولا يؤم الرجل في سلطانه» والمقصود بذلك الرجل، وأما المرأة فليس لها حق الولاية، ولا يصح أن تتولى الإمامة لأن المرأة لا تؤم الرجال، فلا تؤمهم في الولاية، ولا تؤمهم في الصلاة، «ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه» إذا جاء الإنسان في مجلس إنسان، فإنه هو الذي ينزل الناس منازلهم، وهو الذي يقول لفلان "اجلس هنا، اجلس هنا" هذا إليه، ليس إلى الداخل، وليس إلى الضيف الذي يأتي، وأنه يتخير أحسن مكانٍ أو أقرب مكان فيصير يجلس فيه، وإنما المكان الذي يضعه فيه صاحب البيت هو الذي يجلس فيه، أما كونه يختار له مكانًا لا يرضاه صاحب البيت ولم يأذن له صاحب البيت فليس له أن يفعل ذلك.
[ ٣٩٦ ]
٣٨٩ - وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " لِيَلني مِنْكُم أولو الأحلام والنُّهى ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا، وَإِيَّاكُم وهيشات الْأَسْوَاق " رَوَاهُ مُسلم أَيْضا.
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى» يعني أقرب ما يكون إلى الإمام وهو يصلي، «أولوا الأحلام والنهى» يعني أصحاب العقول، الأحلام والعقول، «والنهى» هي المقصود بها العقول، يعني من كان متصفًا بهذه الصفات هو الأولى أن يكون قريبًا من الإمام، لا سيما وأنه إذا كان قريبًا من الإمام وهو صاحب عقل، وحافظ شيء من القرآن، فإنه يفتح على الإمام إذا أخطأ، وكذلك لو نابه شيء فإنه يمكن أن يكون أهلا للإمامة، وأنه يتولى الإمامة، فإذًا الذين يلون الإمام هم أهل العقول وأهل النهى، وأهل العلم والمعرفة، فهم يقدمون على غيرهم، ثم الذي يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم قال: «وإياكم وهيشات الأسواق» يعني هو الصخب الذي يكون في الأسواق، واللغط هو الذي يكون الناس في الأسواق لا يتورعون من أن يتكلموا بكلام غير لائق، وإنما عليهم أن يكونوا متأدبين بالآداب الحسنة، وأن لا يحصل منهم أمور منكرة.
[ ٣٩٧ ]
٣٩٠ - وَعَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: " رصوا صفوفكم وقاربوا بَينهَا وحاذوا بالأعناق، فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأرَى الشَّيَاطِين تدخل من خلل الصَّفّ كَأَنَّهَا الْحَذف " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، النَّسَائِيّ وَابْن حبَان البستي. والحذف بِالتَّحْرِيكِ: غنم سود صغَار من غنم الْحجاز الْوَاحِدَة حذفة، قَالَه الْجَوْهَرِي.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه أن الجماعة عندما يقومون للصلاة فإنهم يتراصون فيها، ويتقاربون، ويتساوون، بحيث لا يكون بينهم فجوات، ولا يكون تقدمًا وتأخرًا، وإنما يكون الصف مستقيمًا مع التراص ومع المحاذاة في الأعناق، بحيث أنه لا يتقدم ولا يتأخر، فالرسول -ﷺ- أرشد إلى هذا، وذكر أن الشياطين أنها تكون إذا وجد خلل، فإنها تدخل معه كما تدخل البهائم، الشياطين تدخل كهيئة البهائم التي تدخل بين الأماكن التي فيها مجال للدخول معه.
[ ٣٩٨ ]
٣٩١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " خير صُفُوف الرِّجَال أَولهَا، وشرها آخرهَا. وَخير صُفُوف النِّسَاء آخرهَا وشرها أَولهَا " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث في أفضلية صفوف الرجال والنساء، أما صفوف الرجال والنساء فهي على الإطلاق، لأن خيرها أولها وشرها آخرها، لأن أولها فيه تقدم للصلاة، وفيه القرب من الإمام، وسماع لقراءته وسماع تذكيره وبيانه إذا حدّث الناس أو نصحهم أو ذكّرهم، فإن من يكون قريبًا من الإمام يحصل له هذه الفضائل، ويحصل له هذه المنافع، وأما آخر الصفوف، إنما يكون فيه الذين جاؤوا متأخرين، ومعنى ذلك أن المتقدمين كما قال: «خير الصفوف الرجال أولها وشرها آخرها» يعني معناه هذه أعظم أجرًا، وأعظم ثوابًا، وهذه أقل ثوابًا، ثم إذا كان معهم نساء، فإن قرب آخر صفوف الرجال ويليه أول صفوف النساء يكون بينهم شيء من التقارب، وقد تحصل فتنة بين الرجال والنساء بسبب ذلك، وأما إذا النساء صلين وحدهن، فإنه لا يقال "إن خير صفوفهن آخرها"، بل خيرها أولها، يعني إذا كانت النساء يصلين وحدهن، وإنما تكون إذا كن مع الرجال فآخرها هو الأفضل، لأنه فيه الإبتعاد عن الرجال وعن رؤية الرجال والإفتتان بالرجال، فإذا كن النساء وحدهن ويصلين وحدهن وليس وراء إمام من الرجال، فإن هن يكن مثل الرجال صفوفهن الأول هي الخير وهي الأفضل.
[ ٣٩٩ ]
٣٩٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " صليت مَعَ رَسُول الله ﷺ َ ذَات لَيْلَة فَقُمْت عَن يسَاره فَأخذ رَسُول الله ﷺ َ برأسي من ورائي فجعلني عَن يَمِينه " مُتَّفق عَلَيْهِ.
ثم ذكر هذا الحديث عن ابن عباس ﵄، وهذا حصل عندما بات عند خالته ميمونة ﵂ لينظر إلى صلاة الرسول -ﷺ-، والرسول -ﷺ- قام في الليل، وتوضأ ودخل في الصلاة، يصلي صلاة الليل، وابن عباس قام وتوضأ مثله، وجاء وصفّ عن يساره، فالرسول -ﷺ- أداره عن يمينه، وجعله بمحاذاته من جهة اليمين، وهذا يدلنا على أن الواحد إذا كان مع الإمام فإنه يكون عن يمينه، ولا يكون عن يساره، لكنه لو صلى عن يساره صحّت صلاتُه، لأن الرسول -ﷺ- لما دخل في الصلاة وابن عباس عن يساره، اعتبر له دخوله في الصلاة، وأن ما مضى أنه صحيح، ولو كان ذلك غير صحيح لنبّهه بأن يقطع الصلاة وأن يدخل فيها من جديد، لكنه اعتبر تكبيرته للإحرام ودخوله للإحرام وهو على يساره،
فدل هذا على أنه لو صلى فإن صلاته صحيحة، لكن السنة أن يكون على يمين الإمام وليس عن يساره، فإذًا الرسول -ﷺ- بعدما دخل ابن عباس في الصلاة عن يساره أداره حتى جعله عن يمينه، فدل هذا على أن الجماعة أقلها اثنان، وأن من يكون مع الإمام في صلاة الجماعة وهو واحد فإنه يكون عن يمينه.
[ ٤٠٠ ]
٣٩٣ - وَعَن أنس قَالَ: " صَلَّى رَسُول الله ﷺ َ فِي بَيت أم سليم، فَقُمْت ويتيم خَلفه وَأم سليم خلفنا " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ. وَلمُسلم: " أَن النَّبِي ﷺ َ صَلَّى بِهِ وبامرأة فَجعله عَن يَمِينه وَالْمَرْأَة خَلفه ".
ثم ذكر هذين الحديثين عن أنس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وهو أنه كان صلى مع الرسول -ﷺ- يعني مرة معه امرأة، فصار عن يمينه، والمرأة وراءهم، والرواية الثانية أنه كان معه يتيم، وأنه صلى مع اليتيم وراء النبي -ﷺ-، والمرأة بعدهم، فدل هذا على أن المرأة تكون صفًّا وحدها، وأنها ليست كالرجال، الرجال لا يجوز، لأن للإنسان أن يصلي منفردًا خلف الصف، وأما المرأة لا تصلي في صف الرجال، وإنما تكون وراء الرجال، إن كان رجلًا، لو كان رجلًا واحدًا فإنها تكون صفًّا وراءه وحدها، ولا تصف بجواره، وإن كان في صفوف، فإنها تكون وراء الصفوف إذا كانت وحدها، وصلاتها تصح وهي منفردة، بخلاف الرجال أنه لا تصح صلاة المنفرد خلف الصف كما سيأتي في الحديث عن رسول الله -ﷺ- ويدل أيضًا على مصافة الصغير لأنه قال: "ويتيم" يعني معناه أنه صغير، فدل على أن الصغير يكون صفًّا ويكون مع غيره صفًّا لأنه صلى ومعه اليتيم خلف رسول الله -ﷺ- والمرأة وراءهم يعني صفًّا ثانيًا.
[ ٤٠١ ]
٣٩٤ - وَعَن أبي بكرَة: " أَنه انْتَهَى إِلَى النَّبِي ﷺ َ وَهُوَ رَاكِع فَرَكَعَ قبل أَن يصل إِلَى الصَّفّ فَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ َ فَقَالَ: زادك الله حرصا، وَلَا تعد " رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَأبي دَاوُد: " أَنا أَبَا بكرَة جَاءَ وَرَسُول الله رَاكِع، فَرَكَعَ دون الصَّفّ، ثمَّ مَشَى إِلَى الصَّفّ فَلَمَّا قَضَى النَّبِي ﷺ َ قَالَ: زادك الله حرصًا وَلَا تعد ".
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه أن أبا بكرة ﵁ جاء إلى النبي -ﷺ- وهو يصلي وهو راكع، وركع قبل أن يصل إلى الصف، ثم دبّ حتى دخل في الصف، والرسول -ﷺ- قال له بعد ذلك لما عَلِمَ وسأله وقال أنه هو الذي فعل هذا، وقال -ﷺ-: «زادك الله حرصًا ولا وتعد»، يعني زاده الله حرصًا على تحصيل الفضائل، وعلى تحصيل الفضل، ولكنه أرشده أن لا يعود إلى مثل هذا، وإنما عليه أن يأتي فما أدرك صلى وما فاته قضى، ما أدركه مع الإمام صلاه، وما فاته قضاه، كما سيأتي في حديث بعد هذا، فهذا يدلنا على أن الرسول -ﷺ- اعتبر هذه الركعة له، ولكنه أرشده إلى أن لا يعود إلى ذلك في المستقبل، وإنما يأتي وعليه السكينة، فما أدرك صلى، وما فاته قضى.
[ ٤٠٢ ]
٣٩٥ - وَعَن هِلَال بن يسَاف، عَن عَمْرو بن رَاشد، عَن وابصة بن معبد: " أَن رَسُول الله ﷺ َ رَأَى رجلا يُصَلِّي خلف الصَّفّ [وَحده] فَأمره أَن يُعِيد الصَّلَاة " رَوَاهُ أَحْمد وَحسنه، وَأَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفظه، وَابْن حبَان فِي " صَحِيحه "، (وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: (حَدِيث حسن). وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: (ثبّت الحَدِيث أَحْمد وَإِسْحَاق). وَقَالَ ابْن عبد الْبر: (فِي إِسْنَاده اضْطِرَاب».
ثم ذكر هذا الحديث عن وابصة بن معبد ﵁ أنه رأى رجلًا يصلي خلف الصف -يعني وحده-، فأمره بإعادة الصلاة -يعني معناه لم يعتبر له هذا الموقف أنه يكون صفًّا وحده-، وإنما المرأة هي التي تكون صفًّا وحدها، إذا لم يكن معها أحد فإنها تكون صفًّا وحدها بخلاف الرجال، فإن الواحد لا يكون صفًّا وحده، وإنما عليه إذا وجد له متسعًا، وإلا فله أن يتقدم ويصلي على يمين الإمام، يعني بدل ما يصلي وحده ولا تصح صلاته، فإنه يتقدم ويصلي على يمين الإمام، يعني فيكون مع الإمام على يمينه، وبذلك تصح صلاته، ولهذا الرسول -ﷺ- أرشد من صلى وحده خلف الصفّ أن يعيد الصلاة لأن صلاته لا تصح إذا كان وحده، ولكنه عند الحاجة يتقدم حتى يكون بجوار الإمام ولا يكون صفًّا وحده، وإنما يكون بجوار الإمام، ولكن لو أن إنسانًا صفّ وحده ثم جاء أحد ودخل معه قبل أن يركع، فإنه يصح لأنه حصل الركوع وهم جماعة، لكن كونه يركع وهو وحده فهذا مثل ما تقدم أنه يعيد الصلاة، لكن إذا كان أنه جاء أحد ودخل معه في الركعة الثانية فإنه الركعة الأولى غير معتبرة، وإنما عليه أن يقضيها مثل ما لو أنه صلى صلاة كلها وهو منفرد فإنه يقضي الصلاة كلها.
[ ٤٠٣ ]
٣٩٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: " إِذا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَة فامشوا إِلَى الصَّلَاة وَعَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار وَلَا تسرعوا فَمَا أدركتم فصلوا وَمَا فاتكم فَأتمُّوا " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ. وَفِي لفظ لمُسلم: " صل مَا أدْركْت واقض مَا سَبَقَك " وَرَوَاهُ أَحْمد عَن ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة: " وَمَا فاتكم فاقضوا ". وَقد وهم بعض المصنفين فِي قَوْله: (إِن لفظ الْقَضَاء مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ). وَقَالَ أَبُو دَاوُد: (قَالَ يُونُس الزبيدِيّ، وَابْن أبي ذِئْب، وَإِبْرَاهِيم بن سعد، وَمعمر، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن الزُّهْرِيّ: " وَمَا فاتكم فَأتمُّوا " وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة: عَن الزُّهْرِيّ وَحده: " فاقضوا "). وَقَالَ مُسلم: (أَخطَأ ابْن عُيَيْنَة فِي هَذِه اللَّفْظَة، وَلَا أعلم من رَوَاهَا عَن الزُّهْرِيّ غَيره). وَفِي قَول أبي دَاوُد وَمُسلم نظر! فَإِن أَحْمد رَوَاهَا عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، وَقد رويت من غير وَجه عَن أبي هُرَيْرَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: (وَالَّذين قَالُوا " فَأتمُّوا " أَكثر وأحفظ وألزم لأبي هُرَيْرَة فَهُوَ أولَى) وَالتَّحْقِيق أَنه لَيْسَ بَين اللَّفْظَيْنِ فرق فَإِن الْقَضَاء هُوَ الْإِتْمَام لُغَة وَشرعا.
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال -ﷺ-: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار» يعني إذا سمع الإقامة ما يسرع، يأتي وهو مسرع حتى يدرك الركعة الأولى أو الركعة التي فيها الإمام، وإنما يمشي وعليه السكينة والوقار، فما أدرك صلاه وما فاته أتمه أو قضاه، وقد جاءت الروايات كثيرة بلفظ «أتموا»، وجاء في بعضها «اقضوا»، ولكن القضاء يحتمل معنيين، يحتمل أن يكون يقضي الشيء الذي فات، ويحتمل أن يكون أنه يتم الشيء الذي مضى، فتكون بمعنى الإتمام.، وهذا مثل ما قال الله (فقضاهن سبع سماوات) يعني أتم خلقهن، فالقضاء يأتي بمعنى الإتمام، ولكن ذكر الإتمام والقضاء يترتب عليه مسألة وهي "هل ما يقضيه المسبوق أول صلاته أو آخر صلاته؟ "، فالصحيح أن ما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته، وما يفعله مع الإمام هو أول صلاته، فيكون آخر صلاة الإمام أول صلاة للمأموم المسبوق يعني يكون أول صلاته، الأول أول، والآخر آخر، الأول للإمام أول والآخر آخر، والأول للمسبوق أول والآخر آخر، فإذًا ما يقضيه المسبوق هو أول صلاته لأنه قال: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» فأتموا يعني معناه آخر الصلاة يأتي به، لأن أول الصلاة هو الذي أدركه مع الإمام، والذين قالوا إنما يقضيه المسبوق هو أول صلاته، قالوا يعني ذكر القضاء وأنه يقضي ما فات، ولكن القضاء يأتي بمعنى قضاء الشيء، ويأتي بمعنى إتمام الشيء، والرواية التي فيها القضاء تكون بمعنى الإتمام، ولا تنافيها، فيكون بذلك المعنى واحد، وهو أنما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته، وما أدركه مع إمامه هو أول صلاته.
[ ٤٠٤ ]