٩٨ - وَعَن يَحْيَى بن أبي كثير عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " إِذا تغوط الرّجلَانِ فليتوار كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه وَلَا يتحدثان عَلَى طوفيهما فَإِن الله يمقت عَلَى ذَلِك " أخرجه ابْن السكن (وَقَالَ ابْن الْقطَّان: (هُوَ حَدِيث صَحِيح)، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن ثِقَة)، والطوف: الْغَائِط - قَالَه الْجَوْهَرِي.
فهذا الحديث من الأحاديث المتعلقة بآداب قضاء الحاجة وقد مر في الدرس الماضي ذكر بعض الأحاديث التي أوردها ابن عبدالهادي في هذا الباب وهذا الحديث الذي معنا هو أول الأحاديث التي بقيت من هذا الباب الذي هو باب آداب قضاء الحاجة ذكر حديث جابر بن عبدالله ﵄ أن النبي -ﷺ- قال إذا خرج الرجلان لقضاء حاجتهما فيتوارى كل واحد منهما عن صاحبه ولا يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك، هذا الحديث فيه بيان أن من آداب قضاء الحاجة أن الناس يتباعد بعضهم عن بعض عند قضاء الحاجة فإذا كانوا في الفلات ما يكونوا متقاربين وإنما يكونوا متباعدين وأيضا كذلك لا يتحدث بعضهم لبعض ولا يتكلم بعضهم مع بعض وإنما عليهم الإمساك عن التحدث والكلام لكن إذا كان الإنسان في قضاء الحاجة واحتاج إلى من يساعده في شيء وطلب منه أن يحضره فإن هذا لا بأس به لأن هذا ليس من التحدث وإنما هو من طلب شيء يحتاج إليه وكذلك إذا كان الإنسان في محل قضاء الحاجة في دورة المياه فإنه لا يتكلم مع غيره ولا يتحدث مع غيره ممن هو خارج هذه الدورة دورة المياه وإنما عليه أن يصمت وإن احتاج إلى شيء من أجل مساعدته فله ذلك أما الحديث وكأنهم في مجلس يتحدثون فإن هذا مما يمقت الله عليه كما جاء في هذا الحديث عن رسول الله -ﷺ- وهذا الحديث صحيح وهذا من آداب قضاء الحاجة أن الإنسان لا يتحدث مع غيره ولا يكون قريبا من غيره ولا يرى عورة غيره وإنما يتباعدون بعضهم عن بعض وإذا احتاج إلى أمر يحتاج إليه فله أن يطلبه على مقدار الحاجة والحديث صحيح.
[ ١٠٦ ]
٩٩ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " مَا بَال رَسُول الله ﷺ َ مُنْذُ أنزل عَلَيْهِ الْقُرْآن قَائِما " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو عوَانَة فِي " مُسْنده الصَّحِيح " بِهَذَا اللَّفْظ. وَعند التِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه، وَابْن حبَان، وَالْحَاكِم نَحوه. (وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: (هُوَ أحسن شَيْء فِي هَذَا الْبَاب وَأَصَح».
ثم ذكر هذا الحديث عن عائشة ﵂ وهو أنه من آداب قضاء الحاجة أن الإنسان يقضي حاجته عن جلوس لأنه أستر ولأنه أمكن من عدم تطاير البول على شيء من جسده، عائشة ﵂ تحكي عن رسول الله -ﷺ- أنه ما بال قائما منذ أنزل عليه القرآن يعني معناه أن الأصل عنده أنه لا يبول إلا جالسا -ﷺ- فهذا يدل على أن السنة المعروفة عن رسول الله -ﷺ- أنه كان يقضي حاجته عن جلوس لكن سيأتي ما يدل على أنه جاء أنه يقضي حاجته وهو قائم ولكن هذا كما هو معلوم عند الحاجة إليه كما سيأتي.
[ ١٠٧ ]
١٠٠ - وَعَن ابْن جريج عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " لَا تبل قَائِما " رَوَاهُ ابْن حبَان وَقَالَ: (أَخَاف أَن ابْن جريج لم يسمع من نَافِع هَذَا الْخَبَر) وَقد ثَبت عَن ابْن عمر ﵄ أَنه بَال قَائِما.
ثم ذكر هذا الحديث أن الرسول -ﷺ- قال لابن عمر ﵄: «لا تبل قائما» وهذا الحديث فيه علة وهي أن ابن جريج مدلس وقد روى بالعنعنة ويكون فيه راو بينه وبين نافع وهو ابن المخارق فهذا فيه تدليس لأنه أسقط واسطة بينه وبين نافع وهذا الحديث ضعيف ولهذا ابن عمر ﵄ الذي روى هذا الحديث ثبت عنه أنه بال قائما وابن عمر ﵄ من أتبع الناس للسنة ومن أحرص الناس على اتباع السنة فلو كان صح أو ثبت عنده شيء ما كان يخالفه ما كان يبول قائما لكن لما بال قائما دل على أن ذلك الحديث الذي جاء عنه أنه لم يثبت عنده ولو كان ثابتا لما عدل عنه ولكنه لما عدل عنه وبال قائما وهو من أتبع الناس للأثر ومن أحرص الناس على اتباع السنة دل على أنه لم يثبت الحديث وأن ابن عمر ﵄ حصل منه ذلك الفعل وقد جاء عن النبي -ﷺ- أنه فعل ذلك للحاجة كما سيأتي.
[ ١٠٨ ]
١٠١ - وَعَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قَالَ: " أَتَى النَّبِي ﷺ َ سباطة قوم فَبَال قَائِما ثمَّ دَعَا بِمَاء فَجِئْته بِمَاء فَتَوَضَّأ " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَلَفظه للْبُخَارِيّ. وَلَيْسَ فِي مُسلم: " فَدَعَا بِمَاء فَجِئْته بِمَاء ".
ثم ذكر هذا الحديث المتفق عليه وهو أن النبي -ﷺ- أتى سباطة قوم فبال قائما والسباطة هي التي تكون يعني قريبة من المنازل بحيث يكون فيها كناسة البيت وما فيه من مخلفات يضعونها فترتفع فتصير كوما وهذا الذي فعله الرسول -ﷺ- لا شك أنه للحاجة وأنه احتاج أن يفعل ذلك دل هذا على أنه عند الحاجة لا بأس في ذلك لأن الرسول -ﷺ- بال قائما ولكن الأصل كما جاء عن عائشة ﵂ منذ أنزل عليه القرآن هذا هو الأصل يعني
في فعله -ﷺ- ولكنه جاء عنه في هذه المرة التي جاءت في هذا الحديث عن حذيفة ﵁ عن رسول الله -ﷺ- أنه بال قائما.
[ ١٠٩ ]
١٠٢ - وَعَن عَاصِم بن بَهْدَلَة، وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان عَن أبي وَائِل عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة: " أَن رَسُول الله ﷺ َ أَتَى عَلَى سباطة قوم فَبَال قَائِما " قَالَ حَمَّاد: " ففحّج رجلَيْهِ " رَوَاهُ أَحْمد وَهَذَا لَفظه، وَابْن خُزَيْمَة فِي " صَحِيحه "، (وَأعله أَحْمد بِرِوَايَة مَنْصُور وَالْأَعْمَش عَن أبي وَائِل عَن حُذَيْفَة).
ثم ذكر هذا الحديث عن المغيرة بن شعبة ﵁ وهو مثل الحديث السابق حديث حذيفة ﵁ ولكن هذا الحديث متكلم فيه وهو إن صح فإنه شاهد لحديث حذيفة ﵁ وإن لم يصح فحديث حذيفة ﵁ المتقدم والذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما يغني ويكفي عنه فهذا الحديث عن المغيرة ﵁ إن صح فهو شاهد وإن لم يصح فإن الحكم ثابت بغيره وهو حديث حذيفة ﵁ المتقدم.
[ ١١٠ ]
١٠٣ - وَعَن أبي قَتَادَة الْأنْصَارِيّ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " لَا يمسكن أحدكُم ذكره بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُول وَلَا يتمسح من الْخَلَاء بِيَمِينِهِ وَلَا يتنفس فِي الْإِنَاء " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَهَذَا لفظ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: لا يمسك الإنسان ذكره بيمينه وهو يبول ولا يستنجي بيمينه وهذا من آداب قضاء الحاجة أن اليمين لا تستعمل في الاستنجاء ولا في مسك الذكر في حال كونه يبول فهذا من آداب قضاء الحاجة أن الإنسان لا يفعل ذلك وكذلك أيضا لا يتنفس في الإناء ومحل الشاهد من إيراده الفقرتان الأوليان وهما كونه يمسك ذكره بيمينه وهو يبول وكذلك كونه يستنجي بيمينه وإنما هذا الاستعمال يكون من اليسار ولا يكون في اليمين وأما التنفس في الإناء فإن هذا من آداب الشرب وأن الإنسان جاء في بعض الأحاديث أنه يتنفس ثلاثة أنفاس يعني ثلاث مرات يعني يشرب ثم ينحي عندما يتنفس ينحي عن فمه ثم يعود فيشرب وهكذا ثلاث مرات هكذا جاءت به السنة عن رسول الله -ﷺ- كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وصحيح مسلم وإنما منع من ذلك لأن الماء إذا كان مشترك وأن الإناء كبير وأنه سيشرب منه بعده فإنه يقذزه على من يشرب بعده وأما إن كان الشرب له وحده فإن تنفسه فيه قد يحصل منه شيء يقذره على نفسه وإذًا فالسنة هي أن الإنسان يشرب ثلاثة أنفاس وإذا شرب في النفس الأول نحَّى وتنفس خارج الإناء ثم رجع وهكذا كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله -ﷺ-.
[ ١١١ ]
١٠٤ - وَعَن سلمَان الْفَارِسِي ﵁ قَالَ: قيل لَهُ قد علمكُم نَبِيكُم كل شَيْء حَتَّى الخراءة! قَالَ: فَقَالَ أجل: لقد " نَهَانَا أَن نستقبل الْقبْلَة لغائط أَو بَوْل أَو أَن نستنجي بِالْيَمِينِ أَو أَن نستنجي بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أَحْجَار أَو أَن نستنجي برجيع أَو بِعظم " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن سلمان ﵁ أنه قال: قيل له أخبركم النبي -ﷺ- عن كل شيء حتى الخراءة! -يعني حتى ما يتعلق بقضاء الحاجة يعني أخبركم وهذا الذي قاله بعض الكفار هم الذين قالوا له هذا الكلام- قال: أجل -يعني نعم أنه علمنا- ثم ذكر هذه الأمور التي تتعلق بقضاء الحاجة فقال: نهانا أن نستقبل القبلة ببول أو غائط -يعني عندما يقضي حاجته لا يستقبل القبلة وإنما يتجه إلى جهة غيرها فلا يستقبلها ببول أو غائط ولا يستدبرها وإنما يتجه إلى غير جهة القبلة فهذا من آداب قضاء الحاجة- أو أن نستنجي باليمين -يعني كون الإنسان يستعمل يمينه في الاستنجاء كما مر في الحديث السابق- أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار -يعني الأحجار التي للاستجمار لأن الاستجمار يكون بالحجارة والاستنجاء يكون بالماء والاستجمار يكون بثلاثة أحجار لكن إذا كان الحجر كبيرا وله ثلاث شعب فتعتبر هذه بمثابة ثلاثة أحجار ومن المعلوم أن الاستجمار يحتاج إليه لاسيما إذا كان هناك جرما خارج فإنه بدل ما تباشره اليد يباشر بالحجارة التي تزيله وتنحيه ثم بعد ذلك يأتي الماء الذي ينظف ذلك المكان الذي قد علق بالجسم بسبب انتشاره بكونه مسح بالحجارة وانتشر في مكان من جسده من دبره فيزيله بالماء فهذا كله من آداب قضاء الحاجة- أو أن نستنجي برجيع أو بعظم -العظم إما أن يكون نجسا كأن يكون عظم الميتة أو عظم ما لا يؤكل لحمه كالحمير فإنه هذا لا يجوز الاستنجاء به لنجاسته وأما إذا كان من مأكول اللحم يعني من بهيمة الأنعام التي ذبحت فإنه يكون طاهرا لكنه ينهى عنه لأنه قد جاء في الحديث الصحيح في صحيح مسلم أن النبي -ﷺ- قال: أن العظام الطاهرة لا يستنجى بها لأنها طعام إخواننا من الجن وأن الله ينشئ عليها لحما فيأكلونه وكذلك أيضا الروثة الطاهرة لا يستنجى بها لأنها طعام دوابهم ثبت هذا في صحيح مسلم عن رسول الله -ﷺ- وأن هذا هو وجه يعني المنع من استعمال الأشياء الطاهرة عظاما أو روثا لأن العظام طعام إخواننا والروثة طعام دوابهم هكذا ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله -ﷺ- يعني بيان الحكمة في المنع من ذلك وعلى هذا فهذه أمور ثبتت في هذا الحديث الصحيح عند مسلم أنه لا يستنجي بها وهي من آداب قضاء الحاجة وهذا يدل على كمال الشريعة وأنها إذا كانت آداب قضاء الحاجة قد أتت عليها وبينتها فدل هذا على أن كل شيء قد جاء مبينا عن رسول الله -ﷺ- إذا كانت هذه الأمور التي هي أمور من آداب قضاء الحاجة فإن الأمور الأخرى لا شك أنها مبينة يعني بيانا واضحا ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة قيمة اسمها معارج الوصول إلى معرفة أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول -ﷺ- فالرسول -ﷺ- بين للناس كل ما يحتاجون إليه وقد جاء عن أبي ذر ﵁ أنه قال: توفي رسول الله -ﷺ- وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وأعطانا منه علما، وهذا يدل على كمال الشريعة وعلى شمولها وأنها مستوعبة لما يحتاجه الناس إليه وهي وإن لم تكن شاملة بنصوصها إلا أنها شاملة لكل ما يحتاجه الناس إليه بالأقيسة بالقياس وكذلك بعمومات الأحاديث وكذلك القواعد العامة في الشرع فإنها ما لم يكن في زمنه -ﷺ- فإنها تستوعبه بعموماتها وبأقيستها وبقواعدها العامة ولهذا جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن الباذق -والباذق نوع من الأشربة- فقال: سبق محمد -ﷺ- الباذق، يعني أن الرسول -ﷺ- جاء عنه كلام عام يدل على الباذق وعلى غير الباذق ما كان في زمنه وما سيأتي بعد زمنه قال -ﷺ-: كل مسكر خمر وكل خمر حرام، يعني معنى ذلك أن هذا لفظ عام إن كان هذا الباذق يسكر فإنه داخل تحت هذا الحديث العام وإن كان لا يسكر فإنه مباح وأنه يسوغ استعماله فهذا يدلنا على كمال الشريعة وعلى استيعابها لكل ما يحتاج الناس إليه ولهذا قال: سبق محمد الباذق.
[ ١١٢ ]
١٠٥ - وَعَن عبد الله بن عمر قَالَ: " ارتقيت فَوق بَيت حَفْصَة لبَعض حَاجَتي فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ يقْضِي حَاجته مستدبر الْقبْلَة مُسْتَقْبل الشَّام " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه يعني لما ذكر الحديث الأول الذي فيه النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في البول والغائط ذكر هذا الحديث الذي فيه أن ابن عمر ﵄ رقى على بيت أخته حفصة ﵂ بيت الرسول -ﷺ- فرآه يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة وهذا قال بعض أهل العلم إن هذا كان من أجل البنيان وأن ما جاء مطلقا من النهي يكون في الفضاء فإنه لا يستقبل ولكن إذا كان في البنيان فإنه يجوز وبعض أهل العلم يقول إنه يحرص على أن لا يستقبل وأن هذا الاستقبال قد يكون لحاجة ولأمر يقتضيه ولهذا فإن الذي ينبغي عندما تبنى دورات المياه أن المقاعد التي يجلس بها عند قضاء الحاجة لا تكون متجهة إلى القبلة ولا مستدبرة القبلة وإنما تكون في اتجاه آخر هذا هو الذي ينبغي وإذا ما وجد إلا أنه مستقبل القبلة أو مستدبرها فإن ذلك يجوز له للضرورة وللحاجة التي دعت إلى ذلك.
[ ١١٣ ]
١٠٦ - وَعَن جَابر بن عبد الله قَالَ: " نهَى نَبِي الله ﷺ َ أَن نستقبل الْقبْلَة ببول، فرأيته قبل أَن يقبض بعام يستقبلها " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَابْن مَاجَه، (وَالتِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: (حسن غَرِيب)، وَابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان، وَالْحَاكِم، وَصَححهُ البُخَارِيّ. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: (وَلَيْسَ حَدِيث جَابر مِمَّا يحْتَج بِهِ عِنْد أهل الْعلم بِالنَّقْلِ».
ثم ذكر هذا الحديث عن جابر ﵁ أنه قال: نهى رسول الله -ﷺ- أن نستقبل القبلة ببول أو غائط ثم قال رأيته قبل أن يقبض بعام استقبل القبلة، يعني فعل ذلك فهذا لا يدل على النسخ وإنما المعتبر هو القول الذي قاله الرسول -ﷺ- والذي فيه تشريع للناس والذي فيه نهي فما فيه قول مقدم على الفعل لأن القول خطاب للأمة وأما الفعل فيه احتمالات وهذا فيه احتمال أنه كان مضطرا إلى ذلك وأنه احتاج إلى ذلك ليس معنى ذلك أن هذا ديدنه وهذه حاجته فإذًا هذا الذي حصل منه في هذه المرة لا يعني ذلك أن هذا ناسخ وإنما حصل للحاجة وأنه احتاج إلى أن يفعل هذا الفعل وإلا فإن الأصل هو أن يؤخذ بما جاء عنه -ﷺ- من الأمر والنهي لأن هذا خطاب للأمة وأما فعله فهي قضية خاصة تحتمل التأويل وأن يكون حصل لأمر عارض أو لأمر ألجأه إلى ذلك، وهذا الحديث تكلم فيه من جهة محمد بن إسحاق فإنه أحد رواته ولكنه جاء عنه أنه صرح بالتحديث عند بعض الكتب، بعض الأئمة نقلوا عنه أنه صرح بالتحديث فزال ما يحتمل من التدليس وابن إسحاق يعني الكلام الذي انتقد عليه التدليس ولكنه إذا صرح بالتحديث فإن حديثه حسن لأنه صدوق.
[ ١١٤ ]
١٠٧ - وَعَن أبي بردة قَالَ: حَدَّثتنِي عَائِشَة " أَن النَّبِي ﷺ َ كَانَ إِذا خرج من الْغَائِط قَالَ: غفرانك " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَابْن مَاجَه، وَابْن حبَان، وَالنَّسَائِيّ، (وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: (حَدِيث حسن غَرِيب). وَعِنْده: " إِذا خرج من الْخَلَاء "، وَالْحَاكِم وَصَححهُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: (هُوَ أصح حَدِيث فِي هَذَا الْبَاب».
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله -ﷺ- أنه كان إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك» وقد سبق أن مر أنه إذا دخل قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» فعند الدخول دعاء وعند الخروج دعاء وإنما ذكر هذا الدعاء الذي هو غفرانك قيل لأنه في الفترة التي كان في محل قضاء الحاجة ممتنع من ذكر الله ﷿ فهو يطلب الغفران لكونه حصل منه عدم الذكر في هذا المكان في هذه الفترة أو هذه المدة التي كان فيها في محل قضاء الحاجة وقيل أيضا في تعليل ذلك أن استذكار نعمة الله ﷿ وأن الله منَّ عليه بالطعام الذي أكله واستفاد منه وحصل لجسمه منه طيب والخبيث خرج فهو يشكر الله ﷿ على هذه النعم وأنه لا يستطيع أن يشكره حق شكرها فهو محتمل لأن يكون لكونه ما ذكر الله ﷿ وأنه ممتنع من ذكر الله ﷿ في قضاء الحاجة ومن جهة أن هذه النعمة العظيمة التي يشكر الله ﷿ عليها أنه لا يؤدى حقه ويشكره حق شكره لأن هذه نعمة عظيمة أنعم الله بها على الإنسان فاستفاد من
طيب هذا الطعام وخبيثه خرج منه فهو يسأله المغفرة لتقصيره في شكر نعم الله ﷿.
[ ١١٥ ]