الصفة المقصود بها الكيفية وهي بيان الوضوء من أوله إلى آخره وكيفيته من أوله إلى آخره وهذه الصفة والكيفية منها ما هو فرض لازم لا يصح الوضوء إلا به ومنها ما هو مستحب إذا أتى به صار أكمل وإن لم يأت به فإنه لا شيء عليه لا يؤثر عليه في وضوءه.
[ ٤٧ ]
٣٧ - عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب أَن عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ أخبرهُ أَن حمْرَان مولَى [عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ أخبرهُ: " أَن] " عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ دَعَا بِوضُوء فَتَوَضَّأ فَغسله كفيه ثَلَاث مَرَّات ثمَّ تمضمض واستنثر ثمَّ غسل وَجهه ثَلَاث مَرَّات ثمَّ غسل يَده الْيُمْنَى إِلَى الْمرْفق ثَلَاث مَرَّات ثمَّ غسل يَده الْيُسْرَى مثل ذَلِك، ثمَّ مسح رَأسه ثمَّ غسل رجله الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاث مَرَّات ثمَّ غسل رجله الْيُسْرَى مثل ذَلِك، ثمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ تَوَضَّأ نَحْو وضوئي هَذَا ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: من تَوَضَّأ نَحْو وضوئي هَذَا، ثمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يحدث فيهمَا نَفسه غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه ". قَالَ ابْن شهَاب: وَكَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ هَذَا الْوضُوء أَسْبغ مَا يتَوَضَّأ بِهِ أحد للصَّلَاة - مُتَّفق عَلَيْهِ، وَهَذَا لفظ مُسلم، وَقَالَ البُخَارِيّ: " ثمَّ تمضمض واستنشق واستنثر ".
ثم ذكر حديث عثمان بن عفان ﵁ عن مولاه حمران ﵁ وكان مولاه مولى عتق لأنه أعتقه والولاء يكون بولاء العتق وولاء الرق وولاء الحلف وولاء الإسلام إذا أسلم على يديه وهذا الولاء الذي في الإسناد إنما هو ولاء عتق لأن عثمان ﵁ أعتق حمران فهو مولاه عن عثمان رضي الله أنه دعا بوضوء يعني طلب أن يحضر له ماء يتوضأ به وكان يريد من وراء ذلك أن يبين للناس الكيفية التي كان رسول الله -ﷺ- يتوضأ بها وهذا من التعليم بالفعل لما فيه من المشاهدة والمعاينة وهذا من كمال حرص الصحابة ﵃ وأرضاهم على بيان السنن وبيان الأحكام الشرعية فكانوا يبذلون ما يستطيعون في بيان ذلك وإيضاحه ومن ذلك فعل عثمان ﵁، وقوله دعا بوضوء هذا يدل على أن الإنسان يجوز له أن يستعين بغيره في ما يتعلق بالوضوء وذلك بإحضار الماء إليه أو بمساعدته عليه وهو يتوضأ بأن صب عليه كما فعل المغيرة بن شعبة ﵁ مع رسول الله -ﷺ- فإنه كان الرسول -ﷺ- يتوضأ ويصب عليه من الإداوة التي فيها الماء فدل هذا على أن مثل ذلك أنه سائغ وأن ذلك حصل من المغيرة بن شعبة ﵁ مع الرسول -ﷺ- وكذلك حصل من عثمان ﵁ أنه دعا بوضوء وكلمة وضوء بفتح الواو المقصود بها الماء الذي يتوضأ به وقد سبق أن مر بنا أن هناك كلمات إذا جاءت مفتوحة الأول فإن المقصود بها الشيء المستعمل وإذا كانت مضمومة الأول فإن المقصود به نفس الاستعمال وهي الوَضوء والوُضوء الوَضوء بالفتح للماء المستعمل وبالضم لنفس الاستعمال الوَضوء والوُضوء والسَحور والسُحور والطَهور والطُهور والوَجور والوُجور واللَّدود واللُّدود كل هذه إذا جاءت بالفتح فإن المقصود بها الشيء المستعمل وإذا جاءت بالضم فإن المقصود بها نفس الاستعمال وقد جاء في هذا الحديث ذكر الوَضوء مرة
واحدة وذكر الوُضوء بالضم مرتين في آخر الحديث الأول في أول الحديث للماء المستعمل وفي آخر
الحديث لنفس الاستعمال لأن عثمان ﵁ قال من توضأ نحو وُضوئي هذا ثم قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من توضأ نحو وضُوئي هذا» فجاء ذكر الوضوء مضموما والمقصود به نفس الاستعمال، دعا عثمان ﵁ بوضوء فتوضأ يعني شرع في الوضوء، فغسل كفيه ثلاث مرات يعني أنه قبل ما يبدأ بالوضوء فإنه يغسل كفيه حتى تكون نظيفة وإذا كان فيها شيء من الأوساخ فإنه يبدأ بوضعها على أعضاء الوضوء وعلى فروض الوضوء وهي نظيفة ليس فيها شيء من الوسخ، فغسل كفيه ثلاثا وهذا تمهيد للوضوء هذا ليس من الوضوء وإنما تمهيد للوضوء بأن تكون اليد في غاية النظافة وذلك بغسلها ثلاث مرات وهذا الغسل إنما هو مستحب ليس بواجب هذا من السنن التي قال فروضه وسننه لأن هذا من السنن فلو توضأ بداية ومضمض واستنشق وغسل وجهه دون أن يغسلهما ثلاثا فإن ذلك صحيح لأن ذلك يكفي والاتيان بهذا الغسل إنما هو مستحب وليس بواجب فهو من سنن الوضوء وليس من فروضه، ثم تمضمض واستنثر وهنا جاء ذكر المضمضة بدون تفصيل والاستنثار بدون تفصيل والمقصود بتمضمض يعني أدخل الماء في فمه وأداره فيه ثم أخرجه فهذه هي المضمضة وذلك فيه تنظيف للفم وفي داخله مما يكون فيه مما علق فيه بحيث يخرج فيكون الفم نظيفا عندما يدخل في الصلاة وعندما يأتي إلى الصلاة وإذ فمه نظيف وكذلك استنثر أن معناه أدخل الماء في أنفه وأخرجه لأن هناك استنشاق وهناك استنثار فالاستنشاق إدخاله إلى داخل الأنف يعني سحبه بالنفس وإخراجه الذي هو الانتثار ومعلوم أن الانتثار يكون بعد الاستنشاق الإنسان يدخل ثم يخرج وليس المقصود بالاستنشاق يدخل ولا يخرج وأنه يذهب إلى جوفه وإنما ينظف داخل أنفه ثم يخرج ذلك الماء الذي حصل فيه التنظيف والذي حصل فيه الوسخ من داخل أنفه فإذا ذكر الانتثار معناه يسبق إدخال الذي هو
الاستنشاق وإذا ذكر الاستنشاق فإنه إذا كان الماء دخل فإنه يخرج لا يبلع لأن ما فيه إلا خروجه أو بلعه، ثم غسل وجهه ثلاث مرات والمضمضة والاستنشاق اختلف العلماء فيهما منهم من قال أنها من فروض الوضوء وأن هذا من غسل الوجه لأن هذا داخل في غسل الوجه إلا أن فيه ما هو بارز وما هو مستتر فيكون غسل الوجه واليدين وما بعد ذلك من أمور ظاهرة وأما ما يتعلق بالمضمضة والاستنشاق فهي أمور داخلة فيكون هذا من جملة غسل الوجه وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنها مستحبة وليست بواجبة ولكن
القول بالوجوب هو الأظهر لأنه جاء الأمر به وأيضا فعل الرسول -ﷺ- الذي جاء عنه أنه كان يتمضمض ويستنشق وهو مبين لما جاء في القرآن الكريم من بيان غسل الوجه وأنه يدخل فيه المضمضة والاستنشاق فغسل وجهه ثلاثا يعني ثلاث مرات، ثم غسل اليدين ثلاث مرات إلى المرفقين والمقصود أن المرفق هي النهاية ولكنها داخلة في الغاية وذلك في الحديث الذي سيأتي عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول -ﷺ- توضأ وغسل يديه حتى أشرع في العضد يعني أنه دخل في العضد وقوله أشرع في العضد معناه أن المرفقين داخلان وليسا خارجين فقوله إلى المرفقين يعني مع إدخال المرفقين في الغسل فالغاية داخلة في المغيّا وليست خارجة عن المغيّا بحديث أبي هريرة ﵁ الذي قال: حتى أشرع في العضد وغسل الرجلين حتى أشرع في الساق، ثم مسح رأسه يعني مرة واحدة وقد جاء في بعض الروايات كما سيأتي أنه مرة واحدة والمسح هو الإمرار وليس الغسل لأن الغسل يختلف عن المسح الغسل يتكرر وقد جاء أنه يتكرر والمسح ما جاء أنه يتكرر وإنما جاء أنه مرة واحدة، وما يتعلق في غسل الرجلين مثل ما حصل في غسل اليدين الغاية داخلة في المغيّا وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أنه غسل رجليه حتى أشرع في الساق يعني معناه أنه دخل في الساق وعلى هذا فتكون الغاية داخلة في المغيّا وأن الكعبين وهما العظمان الذين في جوانب القدم يعني في الجانبين داخلين في الغسل فهذه الصفة التي بينها عثمان ﵁ بالفعل مبينا كيفية وضوء رسول الله -ﷺ-، ثم قال رأيت رسول الله -ﷺ- توضأ نحو وضوئي هذا هنا قال بالضم، وهذا فيه بيان السنة في الوضوء أن الإنسان إذا توضأ يصلي ركعتين ولكنها ليست بواجبه ولكنها مستحبة فقط وقوله ركعتين لا يدل على أنه لا يزيد على ركعتين وإنما المقصود أنه لا ينقص عن ركعتين ما يصلي ركعة واحدة لأن الركعة
الواحدة لا يؤتى بها إلا في الوتر وأما الركعتان فإن ذكرهما بيان أنهما أقل شيء فلو أراد أن يصلي أربعًا له أن يصلي أربعًا وهذا مثل قوله -ﷺ-: إذا دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين يعني موب معناه يصلي ركعتين ولا يزيد وإنما المفهوم أنه لا ينقص منهما وإنما الزيادة له أن يزيد، وهذه الكيفية التي ذكر فيها الفروض وسننه هي مرتبة بهذا الترتيب بحيث أن الوجه لابد أن يكون في الأول ثم بعده اليدان ثم بعد اليدان مسح الرأس ثم بعد ذلك غسل الرجلين فلا يقدم بعضها على بعض أما بالنسبة للمضمضة فيمكن إن
حصلت قبل الوجه أو حصلت بعد غسل الوجه لأنها كلها مع الوجه فسواء قدامها أو أخرها سواء غسل وجهه قبل المضمضة والاستنشاق أو قدم المضمضة والاستنشاق لأن كل ذلك داخل في غسل الوجه لأن المضمضة والاستنشاق جزء من غسل الوجه فله أن يقدمها وله أن يؤخرها ثم أيضا فيما يتعلق في غسل اليدين اليمنى قبل اليسرى يعني هذا هو الأصل وهذ هو الذي ينبغي أن يكون لكن لو حصل أن قدم اليد اليسرى على اليمنى فإن ذلك يصح بالإجماع يجوز بالإجماع لأن الإنسان لو غسل يده اليسرى قبل اليمنى فإن ذلك صحيح وكذلك لو غسل الرجل اليسرى قبل اليمنى فإن ذلك صحيح لكن الأولى أن تكون اليمنى في الأول وأن تكون الآخرة هي الأخيرة.
[ ٤٨ ]
٣٨ - وَعَن فطر عَن أبي فَرْوَة عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى قَالَ: " رَأَيْت عليا تَوَضَّأ فَغسل وَجهه ثَلَاثًا، وَغسل ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمسح بِرَأْسِهِ وَاحِدَة، ثمَّ قَالَ: هَكَذَا وضوء رَسُول الله ﷺ َ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن زِيَاد بن أَيُّوب عَن عبيد الله مُوسَى عَن فطر، (وَرُوَاته صَادِقُونَ مخرّج لَهُم فِي " الصَّحِيح "، وَأَبُو فَرْوَة: اسْمه مُسلم بن سَالم الْجُهَنِيّ).
ثم ذكر هذا الحديث عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه توضأ فغسل وجهه ثلاثا وذراعيه ثلاثا ومسح برأسه وهذا معلوم أنه مختصر وقد جاء عند أبي داود من طرق أخرى وفيها ذكر الرجلين ولكنه هنا ذكره من أجل مسح الرأس أنه مرة واحدة لأن فيه التنصيص على المرة الواحدة جاء في هذا الحديث ولا يعني ذلك أن هذا هو الوضوء الكامل وإنما ترك منه أو في هذه الرواية ليس فيها ذكر الرجلين مع أنها فرض من فروض الوضوء وقد جاءت في بعض الأحاديث عن علي ﵁ عند أبي داود.
[ ٤٩ ]
٣٩ - وَعَن عَمْرو بن يَحْيَى الْمَازِني عَن أَبِيه قَالَ: " شهِدت عَمْرو بن أبي حسن سَأَلَ عبد الله بن زيد عَن وضوء النَّبِي ﷺ َ فَدَعَا بتور من مَاء فَتَوَضَّأ لَهُم فكفأه عَلَى يَدَيْهِ فغسلهما ثَلَاثًا ثمَّ أَدخل يَده فِي الْإِنَاء، فَمَضْمض واستنشق واستنثر ثَلَاثًا بِثَلَاث غرفات من مَاء، ثمَّ أَدخل يَده فِي الْإِنَاء فَغسل يَدَيْهِ إِلَى الْمرْفقين مرَّتَيْنِ، ثمَّ أَدخل يَده فِي الْإِنَاء فَمسح بِرَأْسِهِ فَأقبل بيدَيْهِ وَأدبر بهما، ثمَّ أَدخل يَده فِي الْإِنَاء فَغسل رجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، فَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ يتَوَضَّأ " وَفِي رِوَايَة " فَمَضْمض واستنثر ثَلَاث مَرَّات من غرفَة وَاحِدَة " وَفِي رِوَايَة: " بَدَأَ بِمقدم رَأسه حَتَّى ذهب بهما إِلَى قَفاهُ، ثمَّ ردهما إِلَى الْمَكَان الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ". مُتَّفق عَلَيْهِ.
ثم ذكر هذا الحديث عن عبدالله بن زيد ﵁ أنه توضأ من ماء في تور وأنه أفرغ على يديه لأنه ما غمسهما في البداية بل أفرغ حتى يغسلهما وحتى ينظفهما ثم بعد ذلك يتوضأ ويدخل يده بعد أن صارتا نظيفتين بالغسل الذي حصل بإكفاء الإناء حتى غسلهما ومعنى ذلك أن اليد إذا دخلت في الإناء فإنها تكون نظيفة لا يكون فيها شيء من الوسخ ولهذا لا يغمسها في الأول عندما يغسل يديه وإنما غسل اليدين هذا مستحب ولكنه يكون خارج الإناء فلو أدخل يده في الإناء من أول وهلة فإن ذلك لا يؤثر ولكن الأولى أن يكون الإنسان يكفئ إذا كان يتوضأ من إناء فإنه يكفئ على يديه ويغسلهما خارج الإناء ثم بعد ذلك يبدأ بالوضوء، ثم ذكر بعد ذلك أنه يعني بعدما غسل يديه خارج الإناء صار يدخل يده في الإناء لكل عضو من الأعضاء فكان أخذ بيديه وتمضمض واستنشق بثلاث
غرفات بأن يجمع بين المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة بحيث غرفة واحدة يجعلها في فمه يعني بعضها في فمه وبعضها في أنفه فيكون ثلاث مرات وهذا يدل على استحباب التثليث في المضمضة والاستنشاق كما حصل، وحديث حمران ما ذكر التكرار في المضمضة والاستنشاق وإنما ذكر أنه تمضمض واستنشق ولم يذكر التكرار وفي هذ الحديث بيان التكرار وبيان العدد وأن هذا هو المستحب ومعلوم أن الثلاث أو ذكر الثلاث يعني في جميع المواضع في الوضوء أنها كلها من قبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب وإنما الواجب هو غسلة واحدة مستوعبة للأعضاء هذا هو الواجب وهذا هو الفرض في الوضوء وما زاد على ذلك فإنه مستحب وهو من إسباغ الوضوء فإذًا هذا الحديث فيه بيان التثليث في المضمضة والاستنشاق وكما أن التثليث يكون في الوجه، ثم ذكر غسل اليدين يعني المرفقين مرتين مرتين وهذا يدل على أن إسباغ الوضوء ينتهي عند ثلاث ولكن يمكن أن يكون ثلاثا ثلاثا من أوله إلى آخره ويمكن أن يكون اثنتين اثنتين من أوله إلى آخره ويمكن مرة مرة من أوله إلى آخره ويمكن أن يكون بعضه مره وبعضه مرتين وبعضه ثلاث كل ذلك سائغ يعني معناه أن التثليث هو آخر شيء وأعلى شيء وأنه يمكن أن يكون مرتين في جميع الأحوال ويمكن أن يكون مرة واحدة في جميع الأحوال وهذا لابد منه لأن هذا هو الفرض مرة واحدة مستوعبة ويمكن أن يكون بعضه مرة وبعضه مرتين وبعضه ثلاث كل هذا سائغ وكل هذا جائز ولهذا جاء في هذا الحديث في حديث عبدالله بن زيد ﵁ أن من صفات وضوئه -ﷺ- التي شوهدت منه أنه كما جاء في حديث عبدالله بن زيد ﵁ هذا أنه غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده في الإناء معناه أن كل فرض يأتي بماء جديد، أدخل يده في الإناء فأقبل وأدبر جاء هنا أقبل وأدبر وقد جاء في الرواية التي ستأتي أنه بدأ بمقدم رأسه حتى بلغ إلى قفاه ثم أعادهما إلى المكان الذي بدأ وهذه هي
الصفة صفة مسح الرأس يبدأ من مقدم رأسه ويذهب إلى قفاه الذي هو آخر الرأس ثم يرجع إلى المكان الذي بدأ منه أما قوله أقبل وأدبر ليس معنى ذلك أنه يقبل وأن أول الرأس إنما يوصل إليه بعد أن أقبل وإنما المقصود أقبل أنه بدأ بمقدم الرأس الذي هو القبل وأدبر جاء بعده مؤخر الرأس الذي هو الدبر وهذا من جنس كما يقولون أتهم وأنجد يعني إذا دخل في نجد ودخل في تهامة معنى ذلك أقبل مسح أول الرأس الذي هو أوله وأدبر
يعني مسحه وهذا يتفق مع رواية بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب إلى قفاه ثم رجع إلى المكان الذي بدأ منه يعني معنى ذلك أنه يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب إلى مؤخر رأسه متصل ثم يرجع إلى المكان الذي بدأ منه هذا هو صفة مسح الرأس وعلى هذا فقوله أقبل وأدبر لا تنافي الرواية التي جاءت بعد ذلك أنه بدأ بمقدم رأسه لأن المقصود بذلك أقبل يعني أنه بدأ بالمقدم الذي هو قبل الرأس وثم أدبر استمر إلى الدبر الذي هو دبر الرأس الذي هو الآخر والمقصود من ذلك أن النهاية في آخر الرأس لكن إذا كان الشعر مسترسل يعني ضفائر وغير ضفائر فإنه لا يلزمه مسحه لأن المسح إلى نهاية الرأس أما ما استرسل بعد ذلك إذا كان مثل شعر المرأة أو شعر الرجل إذا كان له شعرا طويل وأنه ينزل عن رأسه فإنه لا يمسح هذا الذي يسترسل وإنما يمسح إلى آخر الرأس قال فأقبل وأدبر إذًا هذا معنى الإقبال والإدبار وليس معنى ذلك الإقبال أنه يأتي من الخلف إلى الأمام وإنما المقصود به بدأ بما هو مقدم وانتهى بما هو مؤخر ثم رجع إلى المكان الذي بدأ منه وبذلك تتفق الروايتان رواية بدأ بمقدم رأسه حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ورواية أقبل وأدبر، ثم أدخل يده في الإناء وغسل رجليه إلى الكعبين والكعبان داخلان في المغيّا كما عرفنا، قوله هذه الرواية فمضمض واستنثر من غرفة واحدة قال الحافظ ابن حجر في شرح هذه الرواية أنه يعني يحتمل أن يكون المقصود بها أن المضمضة والاستنشاق أنها ثلاث مرات ولكن يجمع بين المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة فتكون مثل الرواية التي تقدمت والذي فيها أنه يتمضمض ويستنشق من غرفة واحدة ويحتمل أن يكون أن الثلاث مرات أنها من غرفة واحدة قال والأول هو الأولى لأنه هو المطابق أو الموافق للرواية التي فيها المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة.
[ ٥٠ ]
٤٠ - وَعَن حبَان بن وَاسع أَن أَبَاهُ حَدثهُ أَنه سمع عبد الله بن زيد بن عَاصِم يذكر: " أَن رَسُول الله ﷺ َ تَوَضَّأ - وَفِيه: وَمسح رَأسه بِمَاء غير [فضل يَده] فَغسل يَدَيْهِ وَغسل رجلَيْهِ حَتَّى أنقاهما " - رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث في صحيح مسلم وذكر بعض ما يتعلق في آخره وهو المسح وغسل الرجلين، معنى ذلك أن الإنسان إذا توضأ وغسل المرفقين ما يذهب ويمسح رأسه ببقية الماء الذي حصل به غسل اليدين للمرفقين وإنما يأخذ ماء جديد لمسح الرأس يعني لا يكون بفضل يديه الذي كان لغسل اليدين إلى المرفقين يعني لا يكتفي بذلك وإنما عليه أن يغرف وأنه يأخذ ماء لمسح رأسه قال غير فضل يديه يحكي عن فعله -ﷺ- أنه ما كان إذا
غسل ذراعيه مسح ببقية الماء الذي علق بهما رأسه وإنما يأخذ ماء وتكون يديه مبلولة بماء جديد غير فضل غسل ذراعيه.
[ ٥١ ]
٤١ - وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: " أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ َ فَقَالَ: يَا رَسُول الله كَيفَ الطّهُور؟ فَدَعَا بِمَاء فِي إِنَاء فَغسل كفيه ثَلَاثًا، ثمَّ غسل وَجهه ثَلَاثًا، ثمَّ غسل ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ، وَأدْخل أصبعيه السباحتين فِي أُذُنَيْهِ، وَمسح بإبهاميه ظَاهر أُذُنَيْهِ، وبالسباحتين بَاطِن أُذُنَيْهِ، ثمَّ غسل رجلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ: هَكَذَا الْوضُوء، فَمن زَاد عَلَى هَذَا أَو نقص فقد أَسَاءَ وظلم - أَو ظلم وأساء ". رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفظه، وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ، (وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة، وَإِسْنَاده ثَابت إِلَى عَمْرو، فَمن احْتج بنسخته عَن أَبِيه عَن جده فَهُوَ عِنْده صَحِيح) وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَالنَّسَائِيّ: " فَأرَاهُ الْوضُوء ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ هَذَا الْوضُوء فَمن زَاد عَلَى هَذَا فقد أَسَاءَ وتعدى وظلم "، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أحد مِنْهُم: " أَو نقص " غير أبي دَاوُد. وَقد تكلم فِيهِ مُسلم وَغَيره، وَالله أعلم.
ثم ذكر هذا الحديث من أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده والمقصود جده عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ هو الصحابي صحابي الحديث وفيه أن رجلا جاء للنبي -ﷺ- وسأله كيفية الوضوء فدعا بماء وتوضأ وغسل كفيه ثلاثا هذا قبل الوضوء وهنا ما ذكر المضمضة والاستنشاق وقد جاءت في الأحاديث السابقة ذكر المضمضة والاستنشاق، فغسل يديه ثلاثا هذا الغسل المستحب الذي يكون قبل الوضوء ليدخلهما وهما نظيفتان ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا كما تقدم ثم مسح برأسه يعني مرة واحدة ومسح الأذنين كما يمسح الرأس لأن الأذنين حكمهما حكم الرأس فيمسحان وليس حكمهما حكم الوجه فيغسلان مسح على أذنيه يعني جعل السبابة داخل الأذن وجعل الإبهام خلف الأذن ومسح بهما وحكمهما المسح وليس حكمهما الغسل وقد جاء كما سيأتي موقوف على بعض الصحابة قال الأذنين من الرأس يعني في المسح فيمسحان وليس من الوجه فيغسلان وبين كيفية مسح الأذنين وأن السبابة تكون في صماخ أذنيه وأدار إبهامه على ظاهر الأذنين، قوله من زاد على ذلك أو نقص فقد أساء وظلم يعني مسألة الزيادة لا يزيد لا تجوز الزيادة وأن إسباغ الوضوء ينتهي عند الثلاث وما زاد على الثلاث فهذا غير سائغ وجائز وأما قوله نقص فهذه رواية غير صحيحة ذكر النقص غير صحيح لأنه يدل على ذم المرتين والمرة الواحدة ومعلوم أن الرسول -ﷺ- فعل ذلك مرتين ومرة واحدة ولكن هذا يدل على أن هذه الرواية شاذة وأنها غير صحيحة لا تعتبر لأن مفهومها أن ما دون الثلاث مذموم وقد فعل ذلك رسول الله -ﷺ- كما مر أنه غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين وكما سيأتي بعد ذلك أنه توضأ مرة مرة وتوضأ مرتين مرتين فعلى هذا فيكون قوله المحفوظ ما زاد على الثلاث وأما هذه غير محفوظة التي هي النقص وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا كان مستقيما إلى عمرو فإنه يكون من قبيل الحسن لأن كلا من عمرو
بن شعيب وأبوه شعيب بن محمد كل منهما صدوق فحديثه من قبيل الحسن ثم إن العلماء اختلفوا في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فمنهم من يقول أن جده المقصود به
عبدالله بن عمرو وعلى هذا يكون متصلا لأن شعيبا روى عن جده لأنه ما روى عن أبيه محمد وإنما روى عن جده يعني معناه أنه جد شعيب يعني شعيب روى عن جده وليس المقصود به أن الضمير يرجع إلى عمرو وإنما يرجع إلى شعيب فالرواية متصلة لأنه تابعي روى عن صحابي وليس المقصود من ذلك أنه جده محمد فيكون مرسل لأن محمد ليس صحابي.
[ ٥٢ ]
٤٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: " إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليجعل فِي أَنفه مَاء ثمَّ لينثر ".
٤٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: " إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من مَنَامه فليستنثر ثَلَاث مَرَّات فَإِن الشَّيَاطِين تبيت عَلَى خياشيمه " - مُتَّفق عَلَيْهِ.
ثم ذكر هذين الحديثين عن أبي هريرة ﵁ قال إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر يعني يجعل في أنفه ماء يعني يستنشق لأن جعله في الفم هو الاستنشاق ثم لينتثر يعني يخرجه معناه حصل تنظيفه في الأنف بإدخال الماء في فيه ثم أخرجه ففيه ذكر الإدخال ثم الإخراج الإدخال الذي هو الاستنشاق والانتثار الذي هو إخراجه من الأنف، قال إذا استيقظ أحدكم من نومه فلينتثر ثلاث مرات فإن الشيطان يبيت على خياشيمه هنا جاء مطلقا وقد جاء في بعض الروايات أنه في الوضوء وأنه إذا قام يتوضأ وأنه يستنثر يعني في أول وضوئه وبعض أهل العلم قالوا إن هذا يكون عند الاستيقاظ وإذا توضأ يكون أيضا كذلك يستنشق وينتثر.
[ ٥٣ ]
٤٤ - وَعنهُ أَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: " إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من نَومه فَلَا يغمس يَده فِي الْإِنَاء حَتَّى يغسلهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده " لفظ مُسلم، وَعند البُخَارِيّ: " وَإِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من نَومه فليغسل يَده قبل أَن يدخلهَا فِي وضوءه فَإِن أحدكُم لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده " وَرَوَى ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ: " إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من نوم اللَّيْل فَلَا يدْخل يَده فِي الْإِنَاء حَتَّى يفرغ عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا ".
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده وهذا اختلف فيه العلماء هل واجب كونه يغسلهما خارج الإناء إذا كان من نوم الليل أنه مثل غيره في الأحوال الأخرى فمن العلماء من قال أن هذا نهي للتحريم وأن هذا هو الأصل وقد علّل بأنه لا يدري أين باتت يده لأنها قد تكون وقعت مما يعلق بها من النجاسات وقد تقع يده يصير فيها عرق ويكون حصل شيء من النجاسات التي تقع عليها يده فإذا غسلها فإنه يذهب ذلك الذي يخشى من أن يكون حصل له ذلك وبعض العلماء قال إن هذا من جنس غسل اليدين ثلاثا عندما يريد أن يتوضأ وأن هذا من قبيل الاستحباب ولا شك أن الاحتياط أنه إذا كان من نوم الليل أنه يغسلهما خارج الإناء.
[ ٥٤ ]
٤٥ - وَعَن لَقِيط بن صبرَة قَالَ: قلت يَا رَسُول الله أَخْبرنِي عَن الْوضُوء؟ قَالَ: " أَسْبغ الْوضُوء وخلل بَين الْأَصَابِع وَبَالغ فِي الِاسْتِنْشَاق إِلَّا أَن تكون صَائِما " رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، (وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم وَغَيرهم).
٤٦ - وَزَاد أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَة: " إِذا تَوَضَّأت فَمَضْمض "، وَرَوَاهُ الدولابي فِيمَا جمعه من حَدِيث الثَّوْريّ، وَلَفظه: " إِذا تَوَضَّأت فأبلغ فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق مَا لم تكن صَائِما "، (وَصَححهُ ابْن الْقطَّان).
ثم ذكر هذا الحديث عن لقيط بن صبرة ﵁ أنه سأل النبي -ﷺ- عن الوضوء فالرسول -ﷺ- أخبره في هذا الحديث الذي أورده فيما يتعلق بالاستنشاق وكذلك في التخليل بين الأصابع وكذلك قال إسباغ الوضوء وإسباغ الوضوء يحتمل أن يكون المقصود به الإسباغ الذي هو الفرض الذي لابد منه وهو أن يغسل غسلة واحدة مستوعبة أو أن يكون المستحب الذي ينتهي إلى ثلاث غسلات هذا المستحب، والتخليل بين الأصابع يعني إذا كان تحقق أن الماء وصل إليها وأنه جرى بينها فإن ذلك يكفي وإذا كان حصل منه أن أدخل الأصابع في يديه وشبك بينهما وغسل فإن هذا يكون فيه مبالغة وفيه إسباغ أما إذا كان غلب على ظنه أن الماء استوعب ودخل بين الأصابع فإنه لا يحتاج إلى تخليل وأما الاستنشاق فإنه يبالغ فيه «إلا أن تكون صائما» يعني معنى ذلك أنه يستنشق بقوة إلا أن يكون صائما خشية أن يصل الماء إلى حلقه فيؤثر ذلك في صيامه قال وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما، وهذا الحديث من أدلة سد الذرائع وهو أن الرسول -ﷺ- نهاه أن يبالغ لأن المبالغة ذريعة ووسيلة إلى أنه يؤثر على صيامه بحيث يخرج الماء من أنفه إلى حلقه فيذهب إلى جوفه.
[ ٥٥ ]