هذا الباب يتعلق بسجود التلاوة وسجود الشكر، والصلاة أقل شيء فيها ركعة واحدة وهي الوتر ولا يؤتى بالتقرب إلى الله تعالى بركعة واحدة إلا بالوتر ثم بعد ذلك التقرب إلى الله يكون بركعتين أقل شيء ركعتين «إذا دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» جاءت الأحاديث في صلاة التطوع ذكر ركعتين في الرواتب مر بنا ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر، فأقل ما يتقرب به إلى الله ﷿ الوتر، وهذا ركعة واحدة تكون في آخر صلاة الليل وتكون أيضا بعد ذلك ركعتان، وقد مر بنا صلاة الليل مثنى مثنى ومر صلاة الليل والنهار مثنى فهذا يدلنا على أن أقل شيء يتقرب إلى الله ﷿ به في غير الوتر إنما هو ركعتان، ويأتي أحيانا في ذكر السجود الذي ليس معه ركوع ولا قيام وإنما هو سجود فقط جاء في موضعين في سجود التلاوة وسجود الشكر، الإنسان يسجد سجدة واحدة ليس معها ركوع وإنما هي سجدة واحدة لا ركوع فيها ولا قيام، وسجود
التلاوة جاء في القرآن الكريم وقد أجمع العلماء على أنه ليس في القرآن أكثر من خمسة عشر سجدة يعني سجود القرآن منحصر في خمسة عشر ليس هناك أكثر من خمسة عشر سجدة هذه الخمس عشرة عشرٌ منها مجمع عليها وخمسٌ منها مختلف فيها والصحيح ثبوت الأحاديث في هذه الخمس المختلف فيها والخمس هي السجدة الثانية من الحج وسجدة ص وسجدات المفصل الثلاث التي هي النجم والانشقاق والعلق هذه هي السجدات المختلف فيها وأما العشر الباقية فإنه متفق عليها وقد أجمع العلماء على السجود فيها وعلى هذا فإن القرآن أجمع على أنه ليس فيه أكثر من خمسة عشر سجدة وأن عشر منها مجمع عليها لا خلاف فيها بين العلماء وخمس مختلف فيها والحق أنها كلها ثابتة وأن هذه المختلف فيها الصحيح ثبوتها لأنها جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله -ﷺ- بالسجود في هذه الخمس المختلف فيها.
[ ٣٦٥ ]
٣٥٦ - عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " إِذا قَرَأَ ابْن آدم السَّجْدَة فَسجدَ، اعتزل الشَّيْطَان يبكي يَقُول: يَا ويله! أُمر ابْن آدم بِالسُّجُود فَسجدَ فَلهُ الْجنَّة وأُمرت بِالسُّجُود فأبيت، فلي النَّار " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن الشيطان إذا سجد ابن آدم أي قرأ آية فيها سجدة وسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار، هذا يدل على حزن الشيطان وأنه يتألم ويحزنه أنه حصل لابن آدم أنه أمر بالسجود فسجد وأما هو فأمر بالسجود فلم يسجد، وهذا الحديث يدل على فضل السجود لأنه أول حديث ذكره في هذا الباب والمقصود بيان فضل سجود التلاوة وأن إبليس يتألم ويتحسر لكونه أمر بالسجود فلم يسجد وابن آدم أمر بالسجود فسجد فله الجنة وأما هو فأمر بالسجود فلم يسجد فله النار، إذًا الحديث يدل على فضل سجود التلاوة لكنه ليس بواجب وإنما هو مستحب لأنه جاء ما يدل على أن للإنسان أن يسجد وله أن لا يسجد لكن الأولى أن يسجد لأنه يحصل له الأجر والثواب الذي جاء الوعد به في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث.
[ ٣٦٦ ]
٣٥٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " ﴿ص﴾ لَيست من عزائم السُّجُود، وَقد رَأَيْت النَّبِي ﷺ َ يسْجد فِيهَا " رَوَاهُ البُخَارِيّ.
ثم ذكر هذا الحديث في سجدة ص وهي مختلف فيها كما عرفنا ولكن ثبت السجود فيها كما جاء في هذا الحديث، قال ابن عباس ﵄: ص ليست من عزائم السجود وقد رأيت النبي -ﷺ- يسجد فيها، يعني أن السجدات متفاوتة يعني فيها ما يقال لها من عزائم السجود وفيها ما يقال
ليس من عزائم السجود كما جاء في هذا الأثر، فقوله: رأيت النبي -ﷺ- يسجد بها، يعني هذا يدل على أن السجود فيها ثابت عن رسول الله -ﷺ- التي هي سجدة ص.
[ ٣٦٧ ]
٣٥٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ يقْرَأ فِي الْجُمُعَة فِي صَلَاة الْفجْر ﴿الم تَنْزِيل﴾ السَّجْدَة، و﴿هَل أَتَى عَلَى الْإِنْسَان﴾ " مُتَّفق عَلَيْهِ. وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ أَيْضا.
ثم ذكر هذا الحديث الثابت عن رسول الله -ﷺ- وأن النبي -ﷺ- كان يقرأ في فجر يوم الجمعة ب الم السجد وهل أتى على الإنسان يأتي بهاتين السورتين وذلك لما اشتملتا عليه من البعث والمعاد والجزاء والحساب والثواب والعقاب وغير ذلك من الأمور التي اجتمعت فيهما وذلك لأن يوم الجمعة هو اليوم الذي جاء أنه يحصل فيه أمور متعددة.
[ ٣٦٨ ]
٣٥٩ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - ﵁ - قالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - النَّجْمَ، فَلَمْ يَسْجدْ فَيْهَا. متفقٌ عَليْه، واللفظُ للبخاريِّ أَيضًا
ثم ذكر هذا الحديث عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قرأت على النبي -ﷺ- النجم فلم يسجد فيها، فهذا يدل على أن السجود ليس بلازم لا يقال أنه لمّا لم يسجد فيها يعني ما فيها سجود وإنما الإنسان له أن يسجد وله أن لا يسجد والرسول -ﷺ- حصل منه السجود في بعض الأحيان وفي بعض المواضع ولم يحصل منه السجود في البعض الآخر.
[ ٣٦٩ ]
٣٦٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس " أَن النَّبِي ﷺ َ سجد ب ﴿النَّجْم﴾ وَسجد مَعَه الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنّ وَالْإِنْس " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَقَالَ: " كَانَ ابْن عمر يسْجد عَلَى غير وضوء ".
ثم ذكر هذا الحديث الذي في سجدة النجم وأن الرسول -ﷺ- صلى وسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس وقال: كان ابن عمر ﵄ يسجد على غير وضوء، لأن سجود التلاوة وسجود الشكر لا يلزم أن يكون على وضوء فهو ليس صلاة لأن الصلاة أقلها ركعة وإنما هذا سجود عند التلاوة فللإنسان أن يسجد وله أن لا يسجد ولكن السجود أولى لأن فيه ثواب وفيه جزاء كما هو الشأن في المستحبات الإنسان إذا فعلها فإنه يؤجر وإذا لم يفعلها فإنه لا يعاقب، وهذه من سجدات المفصل وكلها مختلف فيها ولكنه ثابت وهذا مما يدل على ثبوت السجود فيها.
القارئ: أحسن الله إليكم كيف سجد معه المشركون؟
الله سبحانه أسجدهم وجعلهم عندما قرأ النبي -ﷺ- وسجد سجد معه الجميع.
[ ٣٧٠ ]
٣٦١ - وَعَن خَالِد بن معدان أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: " فضلت سُورَة الْحَج عَلَى الْقُرْآن بسجدتين " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي " الْمَرَاسِيل ". وَقَالَ: «وَقد أسْند هَذَا وَلَا يَصح».
ثم ذكر هذا الحديث الذي يتعلق بسجدتي الحج وذكر فيه هذا الحديث أنها فُضلت يعني معنى ذلك أن جميع سور القرآن السجدة تكون في موضع واحد من السورة إلا في هذه السورة فإنه يكون فيها سجدتان لكن السجدة الأولى متفق عليها ومجمع عليها والثانية التي في آخر الحج مختلف فيها والصحيح أن السجود فيها ثابت عن رسول الله -ﷺ- وليس معنى ذلك أنها أفضل من غيرها من السور ولكن كما هو معلوم بعض السور تفضل بشيء يخصها ولا يعني ذلك أنها تكون أفضل من غيرها فإن تفضيل هذه السورة لوجود السجدتين فيها وأن الإنسان إذا قرأها يسجد وأنه يثاب وأن الشيطان كلما سجد ابن آدم يحصل له تألم وتحسر ويقول ابن آدم سجد فله الجنة وأنا أمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار فالمقصود من ذلك أن هذه السورة فيها سجدتان وأن الإنسان يؤجر إذا سجد في كل منهما ولكن لا يعني ذلك أنها أفضل من غيرها من سور القرآن وإنما هذا تفضيل خاص من أجل ما يوجد فيها من السجدتين.
[ ٣٧١ ]
٣٦٢ - وَعَن عَطاء بن ميناء عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: " سجدنا مَعَ النَّبِي ﷺ َ فِي ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ و﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ ". رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه السجود في سورتين من المفصل سورة الانشقاق وسورة العلق، فقال أنهم سجدوا مع الرسول -ﷺ- وهذا الحديث رواه مسلم، فإذًا هذا كله يبين لنا أن السجدات الثلاث التي في المفصل أنها كلها ثابتة عن رسول الله -ﷺ- وهي محل خلاف بين العلماء ولكن من حيث الثبوت هي ثابتة ولهذا قلت في الأول أن المختلف فيها خمس ومنها سجدات المفصل الثلاث وهذه السجدات الخمس المختلف فيها ثبتت السنة بها عن رسول الله -ﷺ-.
[ ٣٧٢ ]
٣٦٣ - وَعَن عَلّي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: " أَنا أتعجب من حدبي لَا يسْجد فِي الْمفصل " رَوَاهُ الْحَاكِم بِإِسْنَاد صَحِيح.
ثم ذكر هذا الأثر عن علي ﵁ وفيه أنه قال: الم السجدة وحم السجدة والنجم والعلق هذه من عزائم السجود وإني أتعجب ممن لا يسجد بها، المقصود من ذلك أن الإنسان يحرص على أن يسجد بها ولا يترك السجود بها ولكنه كما عرفنا ليس بلازم، قال وقد عجبت ممن حدثني لا يسجد في المفصل يعني معناه أنه يعرف أن المفصل فيه سجدات وأنه جاء في بعض الأحاديث ما يدل عليه ويتعجب ممن لا يسجد بهذه السجدات.
[ ٣٧٣ ]
٣٦٤ - وَعَن الْبَراء ﵁ قَالَ: " بعث النَّبِي ﷺ َ خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى أهل الْيمن يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام فَلم يُجِيبُوهُ، ثمَّ إِن النَّبِي ﷺ َ بعث عَلّي بن أبي طَالب، وَأمره أَن يقفل خَالِدا وَمن كَانَ مَعَه، إِلَّا رجل مِمَّن كَانَ مَعَ خَالِد أحب أَن يعقب مَعَ عَلّي فليعقب مَعَه، قَالَ: فَكنت مِمَّن عقب مَعَه، فَلَمَّا دنونا من الْقَوْم خَرجُوا إِلَيْنَا، فَصَلى بِنَا عَلّي، وَصفنَا صفا وَاحِدًا، ثمَّ تقدم بَين أَيْدِينَا، فَقَرَأَ عَلَيْهِم كتاب رَسُول الله ﷺ َ فَأسْلمت هَمدَان جَمِيعًا، فَكتب عَلّي إِلَى رَسُول الله ﷺ َ بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُول الله ﷺ َ الْكتاب خر سَاجِدا، ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ: السَّلَام عَلَى هَمدَان، السَّلَام عَلَى هَمدَان " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ: (أخرج البُخَارِيّ صدر هَذَا الحَدِيث وَلم يسقه بِتَمَامِهِ، (وَسُجُود الشُّكْر فِي تَمام الحَدِيث [صَحِيح] عَلَى شَرطه».
ثم ذكر بعدما فرغ من الأحاديث التي فيها سجود التلاوة وهي ثمانية أحاديث عند ذلك أتى بهذا الحديث والأثر الذي يتعلق بسجود الشكر وذكر هذا الحديث وهو أن الرسول -ﷺ- أرسل خالد بن الوليد ﵁ إلى اليمن وبعد ذلك أرسل عليا ﵁ وأمره بأن يُقفل خالدا يعني يطلب من خالد أن يرجع إلى المدينة وأنه يرجع من أراد أن يرجع معه ومن أراد أن يبقى فليبقى مع علي ﵁ وكان البراء ﵁ ممن بقي وذكر فيه أنه لما جاء الخبر بإسلامهم أن الرسول -ﷺ- سجد لكن هذا الحديث في إسناده من هو متكلم فيه فهو غير ثابت عن رسول الله -ﷺ- وكذلك الأثر الذي بعده.
[ ٣٧٤ ]
٣٦٥ - وَعَن أبي عون الثَّقَفِيّ، عَن رجل لم يسمه: " أَن أَبَا بكر ﵁ لما أَتَاهُ فتح الْيَمَامَة سجد " رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي " كتاب الْفتُوح ".
وذكر هذا الأثر عن أبي بكر ﵁ أنه لما جاء فتح اليمامة سجد وهذا فيه رجل مبهم فهو غير ثابت هذا الأثر لأن فيه رجل مبهم غير معروف في إسناده واحد غير مسمى فهو غير معروف فلا يكون ثابتا، فإذًا الحديث المرفوع فيه ضعف وهذا الأثر أيضا فيه ضعف ولكنه جاء ما يدل على سجود الشكر من رسول الله -ﷺ- ومن بعض أصحابه فهو ثابت فمما جاء في ذلك الحديث الذي رواه أبو داود عن رسول الله -ﷺ-: «أنه كان إذا جاءه أمر يسره أو بشّر فإنه يخر ساجدا لله ﷿» وهذا ثابت عند أبي داود وكذلك جاء أثر عن كعب بن مالك ﵁ أنه لما بلغه توبة الله ﷿ عليه خر ساجدا، فإذًا هذا الذي ذكره المصنف حديث مرفوع وحديث موقوف وكل منهما غير ثابت ولكنه جاء في حديث أبي بكرة ﵁ أن الرسول -ﷺ- كان إذا بشّر أو جاءه شيء يسره فإنه يسجد وجاء عن كعب بن مالك ﵁ لما بشّر بتوبة الله ﷿ عليه خر ساجدا.
[ ٣٧٥ ]