فقد مر قبل ذلك باب المياه وباب الآنية ثم أتى بعده بباب السواك وذكر في هذه الترجمة عدة أحاديث منها ما هو خاص بالسواك ومنها ما هو بأمور أخرى غير السواك ولكنها تتفق مع السواك في أنها من سنن الفطرة ولهذا اكتفى بترجمة في السواك وأتى بسنن أخرى وأمور مشروعة هي من سنن الفطرة ستأتي في آخر الباب.
[ ٣٣ ]
٢٤ - عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " السِّوَاك مطهرة للفم، مرضاة للرب " رَوَاهُ أَحْمد، وَالْبُخَارِيّ تَعْلِيقا مَجْزُومًا بِهِ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن حبَان، وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة بطرِيق أُخْرَى فِي صَحِيحه، وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي بكر الصّديق، وَابْن عمر ﵃، وَرَوَاهُ ابْن حبَان من حَدِيث أبي هُرَيْرَة.
وهذا الحديث الذي أورده عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» فيه بيان أن الحكمة والفائدة المترتبة على استعمال السواك وأنها مشتملة على أمرين وفائدتين إحداهما فائدة دنيوية والثانية فائدة دنيوية وأخروية أما الفائدة الدنيوية فإنه قوله: «مطهرة للفم» لأن هذه فائدة حاصلة بالسواك وهي تحصل في كون الإنسان يستاك ففيه تطهير للفم وتطييب له فهي فائدة دنيوية والفائدة الدنيوية والأخروية في قوله: «مرضاة للرب» لأن هذا الفعل سنها رسول الله -ﷺ- فيكون فيها رضا الله ﷿ ويكون فيها الفائدة التي تترتب على ذلك من الأعمال الصالحة في الدنيا والثواب عليها في الآخرة ففيه الجمع بين الفوائد الدنيوية والفوائد الأخروية ومن أمثلة ذلك يعني مما يماثل ما جاء في هذا الحديث أنه مطهرة للفم مرضاة للرب الأثر الذي جاء عن عمر ﵁ والذي أخرجه البخاري في صحيحه في قصة استشهاد عمر واستخلاف عثمان ﵄ وأنه لما طعن وكان الناس يعودونه ويأتون إليه ويثنون عليه وهو قد أصيب فجاء شاب وأثنى عليه وقال هنيئا لك يا أمير المؤمنين صحبت رسول الله -ﷺ- فأحسنت صحبته ثم صحبت أبا بكر ﵁ ثم الشهادة فقال وددت أن يكون ذلك لا علي ولا لي ثم إنه ذهب هذا الغلام وإذا ثوبه يمس الأرض يعني معناه أنه نازل ثوبه عن الكعبين فقال ردوا علي الغلام ثم قال له يابن أخي ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك، ارفع ثوبك يعني معناه ما يتوسخ لأنه إذا نزل إلى الأرض أصابه الوسخ هذه فائدة دنيوية فالإنسان إذا رفعه يحصل له من الفائدة الدنيوية أن ثوبه لا يتوسخ والفائدة الدنيوية والأخروية أن فيه تقوى الله ﷿ فإذا هذا فيه الجمع بين الفائدة الدنيوية والأخروية مثل الحديث الذي معنا والذي هو: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» يعني جمع بين الفائدة الدنيوية والأخروية.
[ ٣٤ ]
٢٥ - وَعَن الْمِقْدَام بن شُرَيْح، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة ﵂: " أَن النَّبِي ﷺ َ كَانَ إِذا دخل بَيته يبْدَأ بِالسِّوَاكِ " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث كان من فعله -ﷺ- أنه إذا دخل بيته يبدأ بالسواك وهذا حتى إذا دخل ووصل إلى أهله وإذا رائحته طيبة وأن فمه حصل فيه السواك وحصل فيه الرائحة الطيبة لأهله وكونه -ﷺ- لا يحب إلا أن يشم منه الرائحة الطيبة فكان هديه وهذه طريقته -ﷺ- فكان من هديه أنه إذا دخل بيته
بدأ بالسواك وهذا الفعل الذي هو السواك من الأعمال التي يقل فعلها عند الناس والتي قد يطلق على مثلها السنن المهجورة التي لا يفعلها كثير من الناس وهذا هو الواقع فإنه لا يحصل فعل ذلك الذي هو كون الإنسان كلما دخل بيته يستاك ويحصل منه السواك.
[ ٣٥ ]
٢٦ - وَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند: قَرَأت عَلَى عبد الرَّحْمَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ َ أَنه قَالَ: " لَوْلَا أَن أشق عَلَى أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ مَعَ كل وضوء " (رُوَاته كلهم أَئِمَّة أثبات. وَرَوَاهُ أَحْمد عَن روح عَن مَالك، مَرْفُوعا أَيْضا، وَمن رِوَايَة روح رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه)
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله -ﷺ-: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» وهذا يدل على استحباب السواك ومشروعيته في جميع الأوقات ولكنه في بعض الأحوال التي ورد فيها فإنه يسن أن يؤتى به مثل ما جاء في هذا الحديث «عند كل وضوء» وكذلك ما سيأتي «عند كل صلاة» فإن الإنسان عندما يتوضأ ويستاك عند الوضوء فمعنى ذلك أنه ينظف فمه بالسواك وإظهار الأشياء التي قد تكون عالقة في فمه فتظهر بالسواك ثم يأتي بعد ذلك الماء الذي هو المضمضة في فمه ثم يخرجه فيكون فمه نظيفا فتنظف من جهتين جهة السواك ومن جهة الماء وإدارته فيه، وعلى هذا فإن هذا الحديث يدل على مشروعية السواك عند الوضوء ويدل على استحبابه وهو أن الإنسان عندما يريد أن يتوضأ فإنه يستاك عند وضوءه.
[ ٣٦ ]
٢٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " لَوْلَا أَن أشق عَلَى أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة " مُتَّفق عَلَيْهِ.
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» وذلك أن الإنسان إذا استاك قبل أن يدخل إلى الصلاة فإنه يكون فمه طيبا وهو يناجي الله ﷿ في صلاته يعني فمه فيه رائحة طيبة فهو يناجي الله ﷿ في صلاته وفمه فيه الرائحة الطيبة التي تنبعث منه بسبب السواك وهذا الحديث يدل على أن ما جاء عن الفقهاء في أن الرسول -ﷺ- جاء عنه استحباب السواك وجاء في أحاديث كثيرة تدل على استحبابه وإنما الشيء الذي تركه الرسول -ﷺ- أمر إيجاب يعني أن يأمرهم أمر إيجاب «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» يعني أمر إيجاب وإلا فإنه قد أمرهم أمر استحباب وجاء في الأحاديث الكثيرة التي تدل على استحباب السواك ومنها الحديث الأول الذي قال فيه -ﷺ-: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» فالأحاديث كثيرة التي تدل على استحبابه والذي امتنع
منه الرسول -ﷺ- ولم يحصل منه الرسول -ﷺ- أن يأمرهم به كونه يأمرهم بأمر إيجاب وهذا هو الذي يستدل به بعض الفقهاء على أن هناك الأمر منه ما هو أمر إيجاب ومنه ما هو أمر استحباب وأن أمر الإيجاب يتعين الإتيان به ويثاب فاعله ويعاقب تاركه وأمر الاستحباب فإنه يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه ولهذا النسائي ﵀ أورد هذا الحديث تحت ترجمة قوله: باب الاستياك في العشي للصائم يعني كون الإنسان يستاك في آخر النهار لأن الرسول -ﷺ- قال: «عند كل صلاة» ومن الصلوات صلاة العصر التي هي في العشي فهو يدل على استحباب السواك للصائم ولو كان في آخر النهار، وقال بعض العلماء لا يستاك في آخر النهار لأنه يذهب الخلوف فهذا الحديث يدل على أن الرسول -ﷺ- أرشدهم إلى أنه في جميع الصلوات لأن قوله: «عند كل صلاة» ومنها صلاة العصر التي هي في العشي.
[ ٣٧ ]
٢٨ - وَعَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قَالَ: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ إِذا قَامَ من اللَّيْل يشوص فَاه بِالسِّوَاكِ " مُتَّفق عَلَيْهِ ويشوص بِمَعْنى يدلك، وَقيل: يغسل، وَقيل: ينقي.
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله -ﷺ- أنه كان إذا قام من الليل - يعني من نوم الليل إذا استيقظ وقام من نوم الليل - فإنه يشوص فاه بالسواك يعني يستاك يعني يدلك فاه بالسواك وذلك لأن الإنسان إذا نام فإنه ينبعث منه شيء من الروائح فكونه يبادر بالسواك فإنه يزيل هذا الذي يكون فيه بسبب النوم فيقوم ويتوضأ ويصلي فيكون فمه تنبعث منه الرائحة الطيبة بسبب السواك ومعلوم أن هذا فعل الرسول -ﷺ- وأمته تبع له لأن الرسول -ﷺ- يتابع في أقواله وفي أفعاله -ﷺ-.
[ ٣٨ ]
٢٩ - وللنسائي عَن حُذَيْفَة قَالَ: " كُنَّا نؤمر بِالسِّوَاكِ إِذا قمنا من اللَّيْل ".
ثم ذكر هذا الحديث في أنهم كانوا يؤمرون بالسواك إذا قاموا من الليل وهذا معناه أن الاستياك عند القيام من الليل جاء من فعله ومن قوله -ﷺ- ففعله الذي «كان إذا استيقظ يشوص فاه بالسواك» وقوله «كنا نؤمر» ومعلوم أن الآمر للصحابة رضوان الله عليهم هو رسول الله -ﷺ- حتى لو لم يأتي ذكر الآمر هنا فإن مجرد فعل الرسول -ﷺ- حيث لم يأتي شيء يدل على أنه من خصائصه فإنه هو الأسوة والقدوة لأمته -ﷺ- فأفعاله -ﷺ- والتي تثبت عنه فإن الأصل أنه يتابع فيها إلا ما عرف اختصاصه -ﷺ- فلا يفعل الشيء الذي يختص به.
[ ٣٩ ]
٣٠ - وَعَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ: " أتيت النَّبِي ﷺ َ فَوَجَدته يستن بسواك بِيَدِهِ يَقُول: أع أع، والسواك فِي فِيهِ كَأَنَّهُ يتهوع " لفظ البُخَارِيّ، وَلَفظ مُسلم، " دخلت عَلَى النَّبِي ﷺ َ وطرف السِّوَاك عَلَى لِسَانه " فَحسب.
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي موسى رضي الله أنه دخل على النبي -ﷺ- وهو يستاك يعني وهو يتهوع فالسواك يكون بدلك الأسنان بالعرض ويأتي أيضا على اللسان وهو بالطول من أقصاه إلى أدناه وذلك ليحرك عليه السواك بحيث يزيل ما فيه قال: «يتهوع» وذلك أن السواك يصل إلى قريبا من حلقه فيتهوع يعني يحصل منه كأنه يتقيأ يعني له صوت الشيء الذي يخرج من الحلق فكان -ﷺ- يستاك عرضا فيما يتعلق بالأسنان ويستاك طولا فيما يتعلق باللسان وهذا يدل على أن الاستياك يفعل في مجامع الناس وأنه ليس من الأشياء التي يستخفى فيها وإنما استعماله في حضرة الناس وفي مجامع الناس سائغ من استاك فله ذلك ومن لم يستك فله ذلك وليس من الأشياء التي يختفى فيها ولا تفعل إلا في حال الخفاء لأن النبي -ﷺ- كان يفعل ذلك ولهذا ترجم لهذا الحديث بعض الأئمة: باب استياك الإمام بحضرة رعيته يعني أنه ليس من الأشياء التي يستخفى فيها وأنها لا تفعل إلا خفاء.
[ ٤٠ ]
٣١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: " لخلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك ".
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» وهذا الحديث جاء في حديث طويل وفي أثنائه: «ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» خلوف الصائم يعني الرائحة التي تنبعث منه بسبب الامتناع عن الأكل والشرب وذلك يكون في الغالب آخر النهار لأنها تتغير الرائحة بسبب بعد العهد بالأكل والشرب فتنبعث منه رائحة وهذه الرائحة شأنها عظيم عند الله ﷿ لأنها حصلت بسبب الطاعة وبسبب الصيام الذي هو عبادة لله ﷿ وقد استدل بعض العلماء بهذه الجملة من الحديث الطويل على أنه لا ينبغي الاستياك بالعشي يعني في آخر النهار للصائم لأنه يذهب الخلوف لكن الحديث الذي سبق أن مر وهو قوله -ﷺ-: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» يدل على أن جميع الصلوات يستاك عندها ومنها صلاة العصر والتي هي في العشي وهي آخر النهار فإذًا هذا الحديث: «لولا أن شق على أمتي» يعني مقدم على هذا الحديث الذي فيه أن الإنسان لا يستاك خشية ذهاب الخلوف لأنه جاء ما يدل على استحبابه جميع الصلوات ولهذا ترجم له النسائي: باب الاستياك بالعشي للصائم وذلك أن صلاة العصر هي من صلوات العشي
ومع ذلك فهي داخلة في قوله: «لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» فإذًا الاستياك في العشي في آخر النهار مقدم في الاستدلال وأنه أرجح في الاستدلال من حديث: «لخلوف فم الصائم» بترك الاستياك في آخر النهار.
[ ٤١ ]
٣٢ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " عشر من الْفطْرَة: قصّ الشَّارِب، وإعفاء اللِّحْيَة، والسواك، واستنشاق المَاء، وقص الْأَظْفَار، وَغسل البراجم، ونتف الْإِبِط، وَحلق الْعَانَة، وانتقاص المَاء - قَالَ مُصعب: ونسيت الْعَاشِرَة إِلَّا أَن تكون الْمَضْمَضَة "، قَالَ وَكِيع: انتقاص المَاء يَعْنِي الِاسْتِنْجَاء، رَوَاهُ مُسلم، (وَذكر لَهُ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ عِلّة مُؤثرَة، وَمصْعَب: هُوَ ابْن شيبَة تُكُلِّمَ فِيهِ، قَالَ النَّسَائِيّ: (مُنكر الحَدِيث»
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه عشر من الفطرة قال: «عشر من الفطرة» والفطرة هي السنة يعني سنة الرسول -ﷺ- ولكن ليس معنى ذلك أنها السنة المستحبة وأنها لا تكون إلا مستحبة لأن السنة سبق أن مر بنا أنها تطلق إطلاقات أربعة فتطلق بمعنى كل ما جاء عن الرسول -ﷺ- من القرآن والسنة فإنه يقال له سنة ويدل له قوله -ﷺ-: «من رغب عن سنتي فليس مني» والمقصود بذلك هو السنة والمنهج والطريقة التي كان عليها رسول الله -ﷺ- وهي العمل بما جاء في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله -ﷺ-، فإذا من الفطرة التي هي من السنن ولكن كما هو معلوم أن من السنن ما هو واجب ومتعين ومنها ما هو مستحب وهذا الحديث الذي فيه عشر من الفطرة يعني فيه ما هو واجب ومتعين وما هو مستحب، فمنها قص الشارب وهي الأولى فلا يترك حتى يطول وينزل على الفم وإنما يقص ويكون القص بالمقص وذلك بأن يؤخذ بعضه ويترك بعضه وقد جاء في بعض الروايات: «جزوا الشوارب» وبعضها: «قصوا الشوارب» فهذا من سنن الفطرة التي جاءت عن رسول الله -ﷺ-، وإعفاء اللحية وهذه من الأمور الواجبة المتعينة التي ليس للإنسان أن يتهاون بها فلا يحلق لحيته ولا يقصرها وإنما يعفيها ويتركها وقد جاءت في ذلك السنة عن رسول الله -ﷺ- من قوله وفعله وتقريره لأن سنة الرسول -ﷺ- تعرف بأمور ثلاثة بفعله وقوله وتقريره ولهذا يعرف المحدثون السنة أو الحديث فيقولون: ما أضيف إلى النبي -ﷺ- من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خلقي أو خلقي هذه سنة الرسول -ﷺ- وهذا هو حديثه، ما أضيف إلى النبي -ﷺ- من قول قاله أو فعل فعله أو تقرير بأن فعل في حضرته شيء وأقره فإنه يكون سنة أو وصف خلقي بأن يكون وصف خلقته -ﷺ- وأنه ليس بالطويل البائن ولا
بالقصير وإنما هو وسط معتدل بين الرجال أو خلقي يعني كونه شجاعا وكريما وحليما وغير ذلك من أخلاقه الكريمة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه وعلى هذا فإن إعفاء اللحى اجتمعت فيه الأمور الثلاثة التي تعرف
بها السنة القول والفعل والتقرير، القول: «أعفوا اللحى» وفي بعضها: «أرخوا اللحى» فقد جاء بصيغ متعددة والفعل كان معفيا للحيته كان لا يأخذ منها شيئا كان كث اللحية -ﷺ- ووجهه أجمل الوجوه وأحسن الوجوه وكان كث اللحية -ﷺ- ما كان يأخذ منها شيئا، وقد ورد حديث ضعيف في سنن الترمذي وفيه راو متروك هو عمر بن هارون البلخي الذي قال: «كان -ﷺ- يأخذ من عرضها وطولها» فهذا فيه رجل متروك ولكن الأحاديث التي وردت إنما هي كونه يعفي لحيته وما كان يأخذ منها شيئا ولهذا الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا يعرفون قراءته في الصلوات السرية عندما يكون أمامهم يصلي بهم يعرفون قراءته باضطراب لحيته لأن العوارض من اليمين والشمال يرونها وهم وراءه -ﷺ- وهي تتحرك بالقراءة كون هذا الشعر عوارضه من يمين وشمال يرونه من ورائه فهذا من فعله وأما تقريره فأصحابه أصحاب لحى وكان يراهم ويقرهم على ذلك فإذا الأمور الثلاثة التي يعرف بها السنة اجتمعت كلها في إعفاء اللحى، وقد ذكر شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان في تفسير سورة طه عند قصة هارون وموسى قال: (يابنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) قال هذا يدل على أن إعفاء اللحى أنه من سنن المرسلين ثم قال ونبينا محمد -ﷺ- كان كث اللحية وكان وجهه أحسن الوجوه ثم قال إن الذين فتحوا البلاد وجاهدوا في سبيل الله وأخذوا كنوز كسرى وقيصر ليس فيهم رجل حالق يعني كلهم أصحاب لحى ما يحلقون لحاهم، إذًا هذه الخصال التي من الفطرة منها ما هو مستحب مثل السواك ومنها ما هو واجب مثل إعفاء اللحية، والسواك هذا استعمال
السواك وقد مر بنا الأحاديث العديدة المتعلقة بالسواك، واستنشاق الماء هو عند الوضوء يعني كون الإنسان يستنشق الماء بأن يجذبه إلى داخل أنفه ثم يخرجه وهذا في الوضوء وقد اختلف فيه، من العلماء من قال أن الاستنشاق والمضمضة من الأشياء المستحبة وأن الإنسان لو لم يفعلها صح وضوءه ومنهم من يقول إنها واجبة لأن النبي -ﷺ- لما بين غسل الوجه الذي جاء في القرآن: (فاغسلوا وجوهكم) كان تمضمض واستنشق -ﷺ- فكانت السنة مبينة لما جاء في القرآن فبعض أهل العلم قال إنه مستحب أي المضمضة والاستنشاق ومنهم من قال إنها واجبة وأن غسلها مثل غسل الوجه وأنه جزء من غسل الوجه وأن الوجه يغسل ومنه المضمضة والاستنشاق، وقص الأظفار تقليمها لا تترك تطول حتى يكون منظرها سيئا يعني قبيحا وإنما تقص
لاسيما وأنه يدخل تحتها شيء من الوسخ والقذر والإنسان عندما يأكل قد يعني يصل إلى جوفه شيء مما تحت أظفاره من الأشياء التي قد تحصل أحيانا يكون تحتها شيء من الأوساخ القذرة، وغسل البراجم قيل هي العقد عقد الأصابع ومفاصلها وذلك أن الإنسان يعني للوضوء لابد أن يأتي على جميع اليدين من أطراف الأصابع إلى ما بعد المرفقين بحيث تدخل المرافق في الغسل والماء إذا جاء لليدين فإنه يحصل به المقصود ولكن السنة أن الإنسان يدلك إحدى يديه بالأخرى عندما يتوضأ بحيث يصل الماء إلى جميع أجزائها وإلى مفاصلها وعلى ما يكون بينها وإلا الواجب يحصل بحصول الماء على اليد وإن لم يحصل في ذلك فإذًا يكون ما يتعلق بغسل البراجم أن هذا يكون من قبيل المستحب لأنه زائد على وصول الماء إلى الكفين، ونتف الإبط وكذلك إذا لم يمكن نتفه فيمكن حلقه ولكن نتفه يكون فيه طول أمد عدم خروجه ونتفه لأنه يكون في مكان فيه رطوبة وفيه لين بحيث يعني نتفه يكون سهلا ليس مثل الشيء البارز مثل الشارب فإنه لا ينتف وصعب نتفه وكذلك العانة يعني نتفها صعب وأما الإبط جاء نتفه لأن حصول ذهاب الشعر بالنتف سهل لأنه مكان فيه رطوبة التي هي من العرق الذي يكون في الإبط، وحلق العانة إزالتها والحلق يكون بالموس يعني إزالتها من أصلها، وانتقاص الماء الذي قيل أنه الاستنجاء يعني عندما يريد يقضي حاجته فإنه يستنجي بالماء لأنه فيه الاستجمار والاستنجاء فالاستجمار بالحجارة وذلك بأن يزيل الأشياء التي قد تكون لها جرم بالحجارة ثم يأتي الماء ويزيل الأثر، قال مصعب فنسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة لأن الاستنشاق ذكر في الحديث والمضمضة لم تذكر فإذا تكون المضمضة والاستنشاق، والحديث صحيح ثابت عن رسول الله -ﷺ-.
[ ٤٢ ]
٣٣ - وَعَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان عَن أبي عمرَان الْجونِي عَن أنس بن مَالك قَالَ: " وُقِّت لنا فِي قصّ الشَّارِب، وتقليم الْأَظْفَار، ونتف الْإِبِط، وَحلق الْعَانَة، أَن لَا نَتْرُك أَكثر من أَرْبَعِينَ لَيْلَة " رَوَاهُ مُسلم وَقَالَ ابْن عبد الْبر: (لم يروه إِلَّا جَعْفَر بن سُلَيْمَان (وَلَيْسَ حجَّة لسوء حفظه). وَقد وثّق جَعْفَر: ابْن معِين وَغَيره. وَقَالَ ابْن عدي: (هُوَ مِمَّن يجب أَن يقبل حَدِيثه). وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث أَحْمد وَأَبُو دَاوُد من رِوَايَة ابْن مُوسَى الدقيقي - وَفِيه ضعف - عَن أبي عمرَان، وَفِيه:) " وقَّت لنا رَسُول الله ﷺ َ ".
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه المدة التي لا ينبغي للإنسان أن يتجاوزها دون أن يأخذ ما أمر بأخذه من قص الشارب ومن حلق العانة وإنما له أن يأخذها قبل هذه المدة يعني لا يتركها حتى يصل إليها وإنما يمكن يأخذها قبل لكن لا ينبغي له أن يتجاوزها فإذا أخذها قبل ذلك فله وإلا فإنه لا يتركها وقوله: «وقت لنا» هذا مبني للمجهول وهذا معلوم أنه الرسول -ﷺ- لأن الصحابة ﵃ إذا قالوا أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو وقت
لنا كذا فالآمر الناهي الموقت هو رسول الله -ﷺ- فهو شيء مرفوع إلى رسول الله -ﷺ- يعتبر في حكم المرفوع أو من قبيل المرفوع إلى رسول الله -ﷺ- أما رسول الله -ﷺ- إذا قال أمرت بكذا أو نهيت عن كذا فالآمر الناهي له هو الله ﷿ لأن السنة وحي من الله كما قد عرفنا ذلك من قبل فإذًا قولهم: وقت لنا أن لا نتركها أكثر من أربعين ليلة هذا يدل على أنه من الرسول -ﷺ- لأنه هو الذي يوقت لهم ويذكر لهم الأوقات وهو الذي يأمرهم وينهاهم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه فإذا هذا مما يبين أن الإنسان له أن يزيل هذه الأشياء في أي وقت يعني يحصل له ويريد ولكنه لا ينبغي له أن يتجاوز بها أربعين ليلة.
[ ٤٣ ]
٣٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ َ: قَالَ: " اختتن إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن بَعْدَمَا أَتَت عَلَيْهِ ثَمَانُون سنة، واختتن بالقدوم " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَهَذَا لفظ البُخَارِيّ.
ثم ذكر هذا الحديث الذي يتعلق بالاختتان والاختتان هو من سنن الفطرة جاء في بعض الأحاديث أنه من سنن الفطرة والاختتان هذا واجب في حق الرجال وذلك لأن الطهارة لا تحصل إلا به لأن بدون الاختتان إذا خرج البول من الذكر فإنه يبقى في هذه الغلفة التي هي خارجة عن الذكر فالطهارة في إزالتها وإذا بقيت فإن الطهارة لا تكون كاملة ما تحصل كاملة لأنه يبقى شيء داخل الغلفة فإذًا الاختتان واجب في حق الرجال وأنه لابد منه وقد جاء في بعض الأحاديث أنه من الفطرة وهنا ذكر أن إبراهيم اختتن وعمره ثمانون سنة بالقدوم وقيل أنه اسم للآلة وقيل إنه اسم موضع ومعلوم أن هذا من فعل إبراهيم وهذا مما جاء به إبراهيم الخليل ﵊ وجاء به سنة الرسول -ﷺ- وكان إبراهيم اختتن وعمره ثمانون سنة وكان فيما مضى أعمارهم طويلة وقد جاء في القرآن أن نوحا مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وعلى هذا فإن الاختتان سنة سنها رسول الله -ﷺ- وهي من الأمور الواجبة وهي أيضا من سنة إبراهيم وهو متعين والطهارة إنما تكون بإزالة هذه الغلفة التي على رأس الذكر حتى تتحقق الطهارة وحتى لا يحصل شيء من النجاسة خارج الغلفة.
[ ٤٤ ]
٣٥ - وَعَن ابْن عمر ﵄: " أَن النَّبِي ﷺ َ نهَى عَن القزع " مُتَّفق عَلَيْهِ.
ثم ذكر هذا الحديث عن ابن عمر ﵄ أن النبي -ﷺ- نهى عن القزع والقزع هو أن يؤخذ بعض الرأس ويترك بعضه يعني يحلق بعض الرأس ويترك بعضه هذا هو القزع وقد جاء النهي عنه عن رسول الله -ﷺ-.
[ ٤٥ ]
٣٦ - وَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ حَدثنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ: أَنا معمر عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر: " أَن النَّبِي ﷺ َ رَأَى صَبيا قد حلق بعض شعره وَترك بعضه فنهاهم عَن ذَلِك وَقَالَ: احلقوه كُله أَو اتركوه كُله "، (وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح، وَرُوَاته كلهم أَئِمَّة ثِقَات)، وَالله أعلم.
الحديث الأول قال: «نهى رسول الله -ﷺ- عن القزع» والقزع هو حلق بعض الرأس وترك بعضه ثم ذكر الحديث الثاني الذي فيه أمر الرسول -ﷺ- لمن رآهم حلقوا بعض رأسه وتركوا بعضه قال: «احلقوه كله أو دعوه كله» يعني لا تجعلوه مجزأ بعضه محلوق وبعضه غير محلوق وإنما احلقوه جميعا أو اتركوه جميعا فهذا يبين معنى قولنا عن القزع وهو حلق بعض الرأس وترك بعض فهذا نهى عنه الرسول -ﷺ- ويدل على ذلك أيضا أن الرسول -ﷺ- أمر الذين رأى معهم صبيا قد حلق بعض رأسه وترك بعضه قال احلقوه كله أو دعوه كله يعني ليس لكم أن تعملوا به القزع الذي هو حلق بعضه أو ترك بعضه وهذا من الأشياء التي جاءت بها السنة أنها لا يحصل بها التجزئة وإنما يبقى الشيء كله أو ضعوه كله الرسول -ﷺ- قال احلقوه كله أو ضعوه كله يعني أن التجزئة لا تكون ومن أمثلة ذلك يعني من الأشياء التي لا يجوز فيها مثل هذا الذي لا يجوز الحديث الذي فيه أن الرسول -ﷺ- نهى أن يمشي الإنسان بنعل واحدة وإنما يمشي بنعلين أو يحفيهما جميعا إما يمشي محتفي أو بهما جميعا أما أن يمشي بنعل واحدة فهذا مثل حلق بعض الرأس وترك بعض الرأس هذا لا يجوز ومشي الإنسان بنعل واحدة لا يجوز فهو إما ينعلهما جميعا أو يحفيهما جميعا كما جاء ذلك عن رسول الله -ﷺ-، ومن أمثلة ذلك أيضا النوم بين الظل والشمس يعني الإنسان ينام بعض جسمه بالشمس وبعضه بالظل فإن هذا لا يجوز نهى رسول الله -ﷺ- نهى رسول الله -ﷺ- والإنسان بعضه بالشمس لأن الجسد بعضه يصير حار وبعضه يصير بارد بعضه يصير فيه حرارة وبعضه يصير فيه برودة فإما أن يكون كله في الشمس وإما كله في الظل فهذه أمور ثلاثة التجزئة فيها لا تصلح وإنما يكون الإنسان يعني يحلق رأسه كله أو يتركه كله فلا يكون قزع وكذلك لا
يمشي بنعل واحدة بل يمشي بالنعلين أو يمشي بدون النعلين وكذلك لا ينام بين الظل والشمس وإنما يكون كله في الشمس أو كله في الظل.
[ ٤٦ ]