لما فرغ من الطهارة الأصلية التي هي الماء أتى بما يقوم مقامها عند فقدها أو عدم القدرة على استعمالها وهو التيمم وذلك بأحاديث جاءت عن رسول الله -ﷺ- وجاء في القرآن ذكر التيمم ولكن يعني بيان صفته وكيفيته جاءت مبينة عن رسول الله -ﷺ-
[ ١٣٩ ]
١٢٨ - عَن جَابر بن عبد الله ﵄ أَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: " أَعْطَيْت خمْسا لم يُعْطهنَّ أحد قبلي، نصرت بِالرُّعْبِ مسيرَة شهر، وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا، فأيما رجل من أمتِي أَدْرَكته الصَّلَاة فَليصل، وَأحلت لي الْغَنَائِم وَلم تحل لأحد قبلي، وَأعْطيت الشَّفَاعَة - وَكَانَ النَّبِي ﷺ َ يبْعَث إِلَى قومه خَاصَّة، وَبعثت إِلَى النَّاس عَامَّة " مُتَّفق عَلَيْهِ. وَرَوَى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث عَلّي: " وَجعل التُّرَاب لي طهُورا ".
وذكر حديث جابر ﵁ قال: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، وهذا الحصر لا يدل على أنه ليس له من الخصائص إلا هذه الخمس بل هناك غيرها وقد جاء ذلك في أحاديث ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري في شرح هذا الحديث جملة من الأحاديث التي فيها الزيادة على ذلك وذلك أن قوله: «أعطيت خمسا» لا يعني ذلك الحصر فيها وإنما أُطلع على أنها أعطي خمس ثم ذكر بعد ذلك أطلع على أنه أعطي أكثر من ذلك فهذه الخمس التي جاءت في هذا الحديث أولها قوله: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» يعني أن الرسول -ﷺ- من خصائصه أن الله يقذف الرعب في قلوب أعدائه من هذه المسافة التي هي مسافة شهر وذلك أنه -ﷺ- ينصره الله ﷿ بأن يقذف الرعب في قلوب أعدائه وإذا حصل الرعب في قلوب أعدائه حصل الهزيمة وحصل النصر عليهم فكان -ﷺ- أخبر بهذا وأن هذه المدة أنه -ﷺ- ينتصر على أعدائه ولو كان بينه وبينهم هذه المدة التي هي شهر وقد قيل إن التنصيص على هذه المدة لأنه لم يكن بينه وبين أعدائه مسافة أطول من هذا بل ذكرت لأن هذه هي المسافة التي تكون بينه وبين أعدائه -ﷺ-، والرعب هو الخوف والذعر ومعلوم أن الرعب والذعر إذا حصل فإن القوة الحسية لا يستفاد منها ولا يحصل من ورائها شيء يعني مع حصول الرعب الذي يكون في قلوب الأعداء، «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في هذا الباب يعني أن الإنسان عندما يأتي وقت الصلاة فإن كان الماء موجودا فإنه يتوضأ به وإذا كان غير قادر على استعماله لمرض أو غير ذلك فإنه يتيمم ويأتي بما أوجبه الله عليه من الصلاة ولهذا قال: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» يعني بعد أن يتيمم يعني حيث كان عادما للماء أو موجودا ولكنه غير قادر على استعماله فإنه يعدل عن الأصل الذي هو استعمال الماء إلى التيمم وقد جاء في بعض الروايات «وجعلت تربتها لي طهورا» كما ذكرها عن أحمد في آخر الحديث ولكنها أيضا هذه الرواية أو هذا المعنى جاء في صحيح مسلم حيث قال -ﷺ-: «وجعلت تربتها لنا طهورا» فدل هذا على أن هذه الرواية التي ذكرها في الآخر عن أحمد هي موجودة في صحيح مسلم والتعبير بالتربة لا يعني ذلك أن الاستعمال لا يكون إلا للتربة وإنما الحكم هو أن الإنسان عندما يأتي وقت الصلاة وليس عنده ماء فإنه يتيمم على الأرض الذي هو عليها سواء كانت ترابية أو غير ترابية ولكنه ذكر التراب لأنه هو الغالب في الأرض الغالب في الأرض أنها ترابية لكن قد تكون يعني أرض جبلية والإنسان يكون في محل ليس فيه تراب فإنه يتيمم على الأرض التي هو فيها ولا يكون الحكم مقصورا على التراب وما جاء في بعض الروايات لا يعني الاقتصار عليه لأنه هناك قاعدة مشهورة في هذا الباب وهي أن الحكم العام إذا أطلق على بعض أفراده فإنه لا يقصر حكمه عليه يعني الحكم العام الذي هو كونه جعلت الأرض مسجدا وطهورا يعني هذا يشمل التراب وغير التراب وقد جاء التنصيص على التراب في بعض الروايات فلا يعني القصر عليه لأن القاعدة المشهورة أن الحكم العام إذا ذكر بعض أفراده فإنه لا يقتصر عليه وإنما يكون نص عليه لكونه الغالب يعني في الأرض أنها ترابية وإلا فإن الإنسان قد يكون في أرض جبلية يكون في أرض لا تراب فيها فإن عموم الحديث في قوله: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» أي بعد أن يتيمم يعني يتيمم على الأرض التي هو فيها فإذًا ذكر التربة لا يعني الاقتصار عليها وإنما ذكر التنصيص عليها لكون الغالب على الأرض أنها ترابية هذا هو وجه الاقتصار ووجه الاختصاص وذكر التربة دون غيرها، «وأحلت لي الغنائم» هذه من خصائص هذه الأمة أنها أحلت لها الغنائم بخلاف الأمم السابقة فإنها لم تحل لهم الغنائم وهذا من خصائص هذه الأمة أمة محمد -ﷺ- فإنها ميزت عن الأمم السابقة بأن الأمم السابقة لم تحل لهم الغنائم وإنما إذا جمعت الغنائم تأتي نار وتحرقها وأما هذه الأمة فإن الله رخص لهم في الغنائم وجعلها يستفيدون منها ويستعينون بها على الجهاد وعلى غير الجهاد، «وأعطيت الشفاعة» وهذه الشفاعة (أل) يعني الشفاعة العظمى التي فيها إراحة الناس من الموقف فإن هذه هي الشفاعة التي اختص بها رسول الله -ﷺ- وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون لأن الناس إذا كانوا في صعيد واحد يموج بعضهم في بعض والعرق يتفاوتون فيه بحسب أعمالهم منهم من يلجمه ومنهم من يكون إلى صدره ومنهم من يكون إلى حقوته ومنهم من يكون إلى ركبته على حسب أعمالهم فإنهم يذهبون إلى آدم ويعتذر ثم يذهبون إلى نوح ويعتذر ثم يذهبون إلى إبراهيم فيعتذر ثم يذهبون إلى موسى فيعتذر ثم يذهبون إلى عيسى فيعتذر ثم يحيلهم إلى نبينا محمد -ﷺ- فيقول أنا لها ويتقدم ويشفع ويشفِّعه الله ﷿ ويأتي للفصل بين العباد ولهذا قيل لها المقام المحمود لأنه يحمده عليها الأولون والآخرون كلهم استفادوا من شفاعته من لدن آدم إلى لدن الذين قامت عليهم الساعة كلهم استفادوا من شفاعة النبي -ﷺ- وقيل أيضا مما اختص به -ﷺ- أنه يشفع في الخروج من النار لمن لم يكن عنده إلا أصل التوحيد يعني ليس عنده أعمال وإنما عنده التوحيد فقط وعنده شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإنه الله تعالى يشفعه ولهذا يأتي كثيرا بعد ذكر حديث الشفاعة العظمى حديث المقام المحمود أنه يذكر بعد ذلك الشفاعة في الإخراج من النار وقد بين -ﷺ- أنه قال: «كل نبي أعطي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة لمن كان لا يشرك بالله شيئا»، «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» كل رسول بعث إلى قومه وأما نبينا محمد -ﷺ- فأرسل إلى الثقلين الجن والإنس فرسالته وشريعته اتصفت بصفات ثلاث الكمال، والبقاء والخلود، والعموم والشمول فهي شاملة لكل أحد شاملة للجن والإنس كل إنسي وجني من حين بعثته -ﷺ- إلى قيام الساعة فهو من أمة محمد -صلى الله عليه
وسلم- كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه قال -ﷺ-: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار» فرسالته عامة للثقلين الجن والإنس ولا يخرج أحد من رسالته من حين بعثه الله إلى قيام الساعة فكل من لم يؤمن به ومات غير مؤمن به فليس أمامه إلا النار.
[ ١٤٠ ]
١٢٩ - وَعَن عمار بن يَاسر قَالَ: " بَعَثَنِي النَّبِي ﷺ َ فِي حَاجَة فأجنبت فَلم أجد المَاء فتمرغت فِي الصَّعِيد كَمَا تمرغ الدَّابَّة ثمَّ أتيت النَّبِي ﷺ َ فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَن تَقول بيديك هَكَذَا، ثمَّ ضرب بيدَيْهِ الأَرْض ضَرْبَة وَاحِدَة ثمَّ مسح الشمَال عَلَى الْيَمين وَظَاهر كفيه وَوَجهه " مُتَّفق عَلَيْهِ. وَاللَّفْظ لمُسلم، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: " وَضرب ﷺ َ بكفيه الأَرْض وَنفخ فيهمَا ثمَّ مسح بهما وَجه وكفيه ".
ثم ذكر كيفية التيمم وذكر عمار بن ياسر ﵁ أن الرسول -ﷺ- بعثه في حاجة فأجنب قال فتمرغت كما تمرغ الدابة في الصعيد -يعني
تمرغ في الأرض وكأنه فهم القياس لأنه لما علم بأن التيمم يكون بدل الماء والماء غير موجود فظن أن الطريقة التي يتطهر بها من الجنابة في التيمم أنها موافقة للطريقة التي يكون بها الاغتسال لأن الاغتسال يكون لجميع الجسد ففهم منه أن التيمم شامل لجميع الجسد ولهذا تمرغ بالتراب كما تمرغ الدابة يعني حتى يصيب التراب جميع جسده فاجتهد والرسول -ﷺ- أقره على ذلك وقال- إنما كان يكفيك -يعني بدل أن تفعل هذا بجسدك كله- يكفيك أن تضرب بيديك الأرض وتمسح وجهك وظاهر كفيك- فالرسول -ﷺ- أقره على هذا ولم يقل أعد فدل هذا على الاجتهاد وأن الصحابة ﵃ كانوا يجتهدون في زمانه -ﷺ- وأنه إذا بلغه حالهم فإنه يبين لهم -ﷺ- والرسول -ﷺ- بين له قال- إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا -وهذا فيه دليل على القياس وعلى أن القياس معتبر وأن الصحابة كانوا يستعملون القياس لأن عمار ﵁ تمرغ كما تمرغ الدابة قياسا للتيمم على الاغتسال بالماء وأقره الرسول -ﷺ- على ذلك لكن في المستقبل ليس لأحد أنه يفعل مثل هذا الفعل لأنه عرف بيان ذلك بسنة الرسول -ﷺ- وعرف الحكم الشرعي بسنة الرسول -ﷺ- وأنه يكفيه أن يضرب بكفيه الأرض ويمسح ظاهر كفيه ووجهه هذه هي الصفة التي تكون للتيمم من الحدث الأصغر والأكبر، الحدث الأصغر والأكبر الطريقة فيه واحدة وهي أنه يتيمم بهذه الطريقة لكن ليس لأحد في المستقبل أن يفعل كما فعل عمار ﵁ لأنه اجتهد ولم يكن يعرف التفصيل ولم يعرف السنة من رسول الله -ﷺ- فبعد معرفتها ليس لأحد أن يفعل كما يفعل عمار ﵁ وإنما يفعل ما أرشد إليه الرسول -ﷺ- عمارا رضي الله بأن قال: إنما يكفيك أن تفعل هكذا، ثم ذكر رواية البخاري التي فيها ذكر النفخ ولعل النفخ سببه من أجل أنه علق بيده شيء من التراب أو يعني أنه غبار كثير إذا مسح بوجهه يظهر أثره على وجهه فنفخ حتى يخفف أو حتى يزول هذا في يده مما علق بها مما قد يكون يقع على وجهه عند مسح الوجه فالرسول -ﷺ- نفخ يعني حتى يخف الغبار أو حتى يذهب التراب الذي … علق بيديه -ﷺ-.
[ ١٤١ ]
١٣٠ - وَعَن هِشَام بن حسان، عَن مُحَمَّد [بن] سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم وَإِن لم يجد المَاء عشر سِنِين، فَإِذا وجد المَاء فليتق الله وليمسه بَشرته فَإِن ذَلِك خير لَهُ " رَوَاهُ الْبَزَّار، (وَقَالَ ابْن الْقطَّان: إِسْنَاده صَحِيح، وَأرَى الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ: (الصَّوَاب أَنه مُرْسل)، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي حَدِيث أبي ذَر: (ضَعِيف)، (وَهُوَ غَرِيب من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَله عِلّة، وَالْمَشْهُور فِي الْبَاب حَدِيث أبي ذَر الَّذِي صَححهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره».
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته»
وهذا حديث صحيح وهذا يدل على أن الصعيد الذي هو ما يتصاعد من الأرض إذا ضرب على الأرض أنه وضوء المسلم يعني أنه يقوم مقام وضوئه لأنه إذا عدم الماء أو وجد ولكنه لم يقدر على استعماله فإن صعيده يقوم مقام وضوئه لأن التيمم بدلا عن الوضوء فإذا عدم الماء أو وجد ولكن لم يقدر على استعماله فإن الإنسان يصير إلى التيمم وهو وضوئه ولو لم يجد الماء عشر سنين هذا مبالغة وأنه لو كثر ولو استمر فإن هذا هو الحكم يعني ليس الحكم لمدة قصيرة أو مدة محددة معينة بل لو طالت لكنه إذا وجد الماء وحصل الماء فإنه يغتسل، فليمسه بشرته فإذا وجد الماء بعد ذلك فإنه يغتسل لأنه كان بعد ذلك عليه جنابات وعليه أشياء تقع على جسده هذه المدة الطويلة يكون على جسده أشياء وأوساخ وأقذار فإن عليه أن يستعمل الماء وأن يغتسل عندما يحصل الماء ولو مكث مدد طويلة ولو مكث عشر سنين كما جاء في هذا الحديث وهذه العشر ذكرها للمبالغة وبيان أنه حتى لو حصل هذه المدة فإن عليه أن يستمر إلى هذه المدة وكذلك أيضا يحصل منه استعمال الماء والاغتسال بالماء يعني إذا وجده بعد ذلك، والحديث صحيح ذكره الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة.
[ ١٤٢ ]
١٣١ - وَعَن عَطاء بن يسَار، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: " خرج رجلَانِ فِي سفر فَحَضَرت الصَّلَاة وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاء فتيمما صَعِيدا طيبا فَصَليَا ثمَّ وجدا المَاء فِي الْوَقْت فَأَعَادَ أَحدهمَا الصَّلَاة وَالْوُضُوء وَلم يعد الآخر ثمَّ أَتَيَا رَسُول الله ﷺ َ فذكرا ذَلِك لَهُ، فَقَالَ للَّذي لم يعد: أصبت السّنة وأجزأتك صَلَاتك، وَقَالَ للَّذي تَوَضَّأ وَأعَاد: لَك الْأجر مرَّتَيْنِ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَتكلم عَلَيْهِ، وَالْحَاكِم (وَقَالَ: (عَلَى شَرطهمَا) وَفِي قَوْله تساهل، وَقَالَ أَبُو دَاوُد (وَذكر أبي سعيد هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِمَحْفُوظ».
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله -ﷺ- وهو أن رجلين من أصحاب رسول الله -ﷺ- ذهبا يعني في حاجة أو في مهمة وأنهما حصل منهما أنهما صليا بالتيمم ثم وجدا الماء في الوقت فأحدهما اجتهد ولم يعد الصلاة لأنه قد أدى ما عليه والثاني اجتهد وأعاد الصلاة فالرسول -ﷺ- لما جاؤوا إليه وأخبروه الخبر قال للذي لم يعد الصلاة: «أصبت السنة» يعني أنك أديت ما عليك وفعلت الشيء الذي عليك وهو أنك صليت بالتيمم لأنك فقدت الماء فأنت أصبت السنة وأديت ما عليك وأبرأت ذمتك والذي عليك وهو الصلاة أديته وأما الآخر فرأى أن ذلك لا يكفي وأنه لما وجد الماء عليه أن يتوضأ فتوضأ وصلى فقال له: «لك الأجر مرتين» لاجتهاده مرة لكون الصلاة التي صلاها قبل أن يجد الماء والمرة الثانية من أجل الصلاة التي فعلها بعد ما وجد الماء فهذا يدل على أنه أُجر على عمله الأول وعلى عمله الثاني لكن تبين بهذا أن السنة هو ما قاله الرسول -ﷺ- للأول قال أصبت السنة وعلى هذا فإن من حصل منه ذلك في المستقبل ليس له أن يجتهد
وإنما عليه أن يفعل ما أرشد إليه الرسول -ﷺ- من قوله أصبت السنة ليس لأحد أن يفعل فعل هذا الذي فعله الثاني الذي صلّى مرتين وإنما عليه أن يفعل ما أقر النبي -ﷺ- الرجل الأول الذي لم يعد الصلاة لأنه أدى ما عليه وحصل منه أداء ما عليه والحديث صحيح وقد ذكره الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود.
[ ١٤٣ ]
١٣٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: " إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم " مُتَّفق عَلَيْهِ.
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» وآخر الحديث: «وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» وأتى بهذه الجملة التي هي قوله: «إذا أمرتكم بأمر» يعني فيه الإشارة إلى أنه لما أمر الناس بأنهم يتوضؤون ويصلون فإنهم يتوضؤون ويصلون كما أمروا والصلاة إذا كان الإنسان قادر على أن يأتي بها على القيام ليس له أن يأتي بها عن جلوس وإذا كان يقدر على الجلوس ليس له أن يصلي وهو مضطجع ولهذا جاء عن النبي -ﷺ- في حديث عمران بن حصين ﵁: صلّ قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب، الأوامر يأتي بها الإنسان على قدر طاقته لأنه لما ذكر الوضوء وذكر الصلاة وذكر التيمم ذكر أن الإنسان على حسب طاقته يعني يفعل هذا الشيء لا يكلف الله نفسا إلا وسعها صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب، الأوامر يؤتى بها على قدر الطاقة لأنها قد تستطاع وقد لا تستطاع وأما النواهي فلم يتقيد بالاستطاعة ما قال وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه لأن الترك مستطاع كل يستطيع أن يترك لكن ليس كل يستطيع أن يفعل المأمور لأنه قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه فمثلا لو قيل لإنسان احمل هذه الصخرة صخرة كبيرة إن استطاع أن يحملها يحملها وإذا ما استطاع يتركها في مكانها لكن إذا قيل لا تدخل مع هذا الباب لا يدخل مع الباب لأن الترك مستطاع ما يقول والله أنا لازم أدخل فإذا قيل لا تدخل ولا تخرج مع هذا الباب فإنه يقدم على هذا ولا يحصل منه لأن الترك مستطاع وإنما الذي قد لا يستطاع الفعل فقد يستطاع وقد لا يستطاع إذًا ذكر هذا الحديث يعني هذه القاعدة التي فيها أن كل ما أمر بأمر يأتي به على قدر طاقته لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وأما الترك فإنه مستطاع وليس لأحد أن لا يجتنب المحظور لأنه قادر عليه ولأنه متمكن منه.
[ ١٤٤ ]