٣٤٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " أَوْصَانِي خليلي بِثَلَاث لَا أدعهن حَتَّى أَمُوت: صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، وَصَلَاة الضُّحَى، ونوم عَلَى وتر " مُتَّفق عَلَيْهِ. وَلَفظه للْبُخَارِيّ، وَرَوَى مُسلم نَحوه من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء، وَأحمد وَالنَّسَائِيّ نَحوه من حَدِيث أبي ذَر.
فهذه الأحاديث التي أولها هذا الحديث عند ابن عبدالهادي ﵀ في المحرر تشتمل على صلاة الضحى وعلى مشروعية صلاة الضحى وهي من صلوات التطوع وذكر أولها هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ أنه قال أوصاني خليلي -ﷺ- بثلاث لا أدعهن ما حييت صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أرقد وهذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ جاء أيضا عن أبي الدرداء ﵁ عند مسلم وجاء عند أبي ذر ﵁ عند غيره وهو حديث ثابت عن رسول الله -ﷺ- وفيه هذه الأعمال الثلاثة التي هي مما أوصى به رسول الله -ﷺ- أبا هريرة وأبا الدرداء وأبا ذر ﵃ وهؤلاء الذين رووا هذا الحديث عن رسول الله -ﷺ- اشتهروا بكناهم أكثر من أسمائهم وقوله ﵁: أوصاني خليلي، عبر هنا بخليلي والخلة نهاية المحبة ومعلوم أن الرسول -ﷺ- قال: «لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا» يعني أن الله اتخذه خليلا ولو كان متخذا خليلا من أمته لاتخذ أبا بكر ﵁ خليلا ومعنى ذلك أنه نفى الخلة أن تكون حصلت منه لغير الله ﷿ وهذا الحديث يقول فيه أبا هريرة ﵁ خليلي ومعلوم أن هذا إنما هو من جانب أبي هريرة هذا لا يعارض الحديث الذي فيه أن الرسول -ﷺ- خليل الرحمن لا يعارضه لأن قول أبا هريرة ﵁: خليلي، يريد أن محبته شديدة لرسول الله -ﷺ- فلا تنافي بينه وبين الحديث الذي فيه أن الرسول -ﷺ- لو كان متخذا خليلا لأن الرسول -ﷺ- ما اتخذ أبا هريرة ﵁ خليلا وإنما أبو هريرة ﵁ هو الذي اعتبره خليلا له ولهذا قال خليلي يعني الذي بلغت محبته في قلبي شيئا عظيما وقع في قلبه من محبته للرسول -ﷺ-، ثم ذكر هذه الثلاثة قال: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وذلك أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر كما جاء في بعض الأحاديث يعني أن اليوم بعشرة أيام فإذا صام من كل شهر ثلاثة أيام كأنه صام الدهر يعني صام السنة كلها لأن اليوم عن عشرة أيام والحسنة بعشر أمثالها فهذا يدل على عظم شأن صيام ثلاثة أيام وأن الإنسان إذا فعل ذلك في كل شهر يكون كمن صام الدهر وصام السنة كلها يعني في الأجر ثلاثة أيام في الفعل وثلاث مائة وستين يوما بأيام السنة، ثم قال: وصلاة الضحى، وهذا محل الشاهد من إيراد الحديث في باب التطوع هنا أورده من أجل صلاة الضحى وهذا يدلنا على عظم شأن صلاة الضحى وأهميتها وأن الإنسان يحرص عليها وإنما جاء الترغيب فيها لأنها تقع في وقت طويل بين الصلوات لأن صلاة الفجر ينتهي وقتها بطلوع الشمس ثم يكون زمن طويل من بعد طلوع الشمس إلى قبل الزوال هذا ليس فيه صلوات مفروضة المفروضة كلها محصورة من دخول وقت الظهر إلى آخر وقت الفجر والمسافة التي بين طلوع الشمس وبين الزوال هي مسافة طويلة وليس فيها صلوات مفروضة ولهذا جاء الترغيب في هاتين الركعتين لأنها تقع في زمن طويل ليس فيه شيء من الصلوات ولهذا جاء التأكيد عليها والترغيب فيها في حديث أبي هريرة ﵁ وحديث أبي الدرداء وأبي ذر ﵄ وذلك لكون الإنسان يكون على صلة بالله ﷿ في الصلاة يقوي صلته بالله ﷿ فيصلي في هذا الوقت الطويل الذي ليس فيه وقت لصلوات مفروضة فيأتي به بصلاة مستحبة من آكد المستحبات وآكد السنن، ثم قال: وأن أوتر قبل أن أنام، معناه أنه ينام على وتر حتى يتحقق ويطمئن بأنه أوتر بالليل لأن الإنسان إذا كان ما يتحقق من قيامه في آخر الليل فإنه إذا نام قبل أن يوتر قد يطلع الفجر وينتهي وقت صلاة الليل وينتهي وقت صلاة الوتر وهو ما أوتر ولهذا جاءت هذه الوصايا الثلاث من الرسول -ﷺ- لأبي هريرة ولأبي الدرداء وأبي ذر ﵃ وهذا يدل على عظم شأن هذه النوافل الثلاثة واحدة تتعلق بالصيام وواحدة تتعلق بصلاة الضحى وواحدة تتعلق بختم صلاة الليل بوتر وأنه إذا لم يتحقق من أنه يقوم آخر الليل فإنه لا ينام إلا وقد أوتر وهذا الحديث هو أقل شيء في صلاة الضحى لأنه ركعتان لأن التطوع لا يكون بأقل من ركعتين الركعة الواحدة لا يؤتى بها إلا في الوتر وإلا فإن … أقل النوافل ركعتين إلا ما يتعلق بالوتر والوتر ركعة واحدة تكون في آخر صلاة الليل.
[ ٣٥٧ ]
٣٤٩ - وَعَن أم هَانِيء بنت أبي طَالب قَالَت: " ذهبت إِلَى رَسُول الله ﷺ َ عَام الْفَتْح فَوَجَدته يغْتَسل وَفَاطِمَة ابْنَته تستره بِثَوْب، قَالَت: فَسلمت عَلَيْهِ، فَقَالَ: من هَذِه؟ فَقلت: أم هَانِيء بنت أبي طَالب، فَقَالَ: مرْحَبًا بِأم هَانِيء. فَلَمَّا فرغ من غسله قَامَ فَصَلى ثَمَانِي رَكْعَات ملتحفا فِي ثوب وَاحِد، فَلَمَّا انْصَرف قلت: يَا رَسُول الله! زعم ابْن أُمِّي عَلّي بن أبي طَالب أَنه قَاتل رجلا أجرته: فلَان ابْن هُبَيْرَة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: قد أجرت من أجرت يَا أم هَانِيء، وَذَلِكَ ضحى " مُتَّفق عَلَيْهِ.
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله -ﷺ- الذي فيه بيان أكمل صلاة الضحى وأتمها وهي ثمان ركعات لأن الحديث الأول يتعلق بأقلها وهو ركعتان وهذا الحديث الذي بعده يتعلق بكمال صلاة الضحى وأنها تكون ثمان وما بين ذلك يكون بين الأقل وبين الأتم فالأربع تلي الاثنتين والست تلي الأربع والثمان التي هي الأتم تكون بعد الأربع والست التي في الوسط وهي أقلها اثنتان ثم أربع ثم ست ثم ثمان وهي أتمها وأكملها، أم هانيء ﵂ جاءت إلى الرسول -ﷺ- عام الفتح وكانت ابنته فاطمة ﵂ تستره بثوب يعني معناه أن الرسول -ﷺ- وراء الثوب وهي رافعة الثوب تستره يعني لا تراه ولا تنظر إليه ولكن تسمع كلامه والثوب يستره حائل بينها وبين الرسول -ﷺ- فجاءت أم هانيء ﵂ وسلمت على رسول الله -ﷺ- وهذا يدلنا على أن الإنسان إذا كان يقضي حاجته لا يسلم عليه ولا يتكلم معه ولا يتكلم مع أحد إلا للضرورة لكن في ما يتعلق بكونه يسلم عليه ويخاطب وهو يغتسل يعني لا يقضي حاجة هذا الحديث يدل عليه ولهذا قالت: فسلمت عليه، ورد ﵍ ثم قال: مرحبا بأم هانيء وهذا يدلنا على أن السلام هو أول ما يكون في الكلام يسلم على الذي يغتسل والمغتسل يرد السلام وله أن يقول بعد ذلك مرحبا لأن الرسول -ﷺ- قال مرحبا بعد السلام ولكن لا يؤتى بمرحبا بدون رد السلام، إذا قال السلام عليكم ورحمة الله ما يقول مرحبا وإنما يقول عليكم السلام ورحمة الله وبركاته مرحبا، فالإتيان بمرحبا بعد رد السلام هذا سائغ ولكن الذي لا يسوغ أنه يتخذ سلاما بدل السلام فلا يأتي الداخل ويقول مرحبا، وإذا جاء الداخل وسلم فإنه يرد ﵇ ثم يقول بعد ذلك مرحبا لأن مرحبا من الكلمات اللطيفة والكلمات الجميلة والتي تدل على الاحتفاء بالداخل فقال: مرحبا بأم هانيء، فلما انتهى من الاغتسال التحف بثوب واحد وصلى فيه وهذا يدل على أن الثوب الواحد الذي يستر الإنسان أنه يكتفى به وأنه يصلي الإنسان فيه لأن العورة مستورة وأكثر الجسم مستور، والمراد بالثوب القطعة من القماش وليس القميص وإنما القطعة من القماش هذا هو المقصود من التحف بثوب مثل الشملة التي يشتمل بها الإنسان ويضعها على جسده تستره فصلى بها -ﷺ-، ولما فرغ قالت له أم هانيء ﵂ حاجتها التي أتت من أجلها وهي أن أخاها علي بن أبي طالب ﵁ زعم أنه قاتل من أجارته وكان هذا عام الفتح فالرسول -ﷺ- قال: قد أجرنا من أجرتي يا أم هانيء، يعني ليس لأحد أن يتعرض لمن أجرتي لا علي ﵁ ولا غيره قالت: وكان ذلك ضحى، يعني هذه الصلوات التي صلاها كانت في الضحى ومعنى ذلك أنها صلاة ضحى فالحديث الأول يدل على أقل ما تصلى به صلاة الضحى والحديث الثاني يدل على أكمل ما جاء عن رسول الله -ﷺ- في صلاة الضحى لكن لا يعني ذلك أنه لا يجوز الزيادة على ثمان ولكن هذه الأولى عند الأكثر لكن إن زاد وصلى عشر فإنه … لا بأس بذلك.
[ ٣٥٨ ]
٣٥٠ - وَعَن زيد بن أَرقم: " أَنه رَأَى قوما يصلونَ من الضُّحَى فِي مَسْجِد قبَاء، فَقَالَ: أما لقد علمُوا أَن الصَّلَاة فِي غير هَذِه السَّاعَة أفضل، إِن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: صَلَاة الْأَوَّابِينَ حِين ترمض الفصال " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن زيد بن أرقم ﵁ وأنه رأى أناس يصلون في مسجد قباء فقال أما علموا أن الصلاة في غير هذا الوقت أنها أفضل، وهذا كله في الضحى لأن الضحى تبدأ من بعد طلوع الشمس إلى قرب الزوال ولكن هذا الزمان كله وقت لصلاة الضحى لكن الأولى أن يكون في شدة الحرارة وفي شدة الرمضاء التي تكون الأرض حارة إذا وطئت عليها الفصال التي هي أولاد الإبل فإنها تضرها وتؤثر عليها لأن خفافها خفيفة طرية ليست قوية مثل الإبل فقال: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» يعني في وقت شدة الحرارة هذا أفضل ما تؤتى به صلاة الضحى وإن أتي بها بعد طلوع الشمس بقليل الذي هو بعد ارتفاع الشمس وانتهاء وقت التحريم الذي هو الصلاة عند طلوع الشمس فكل ذلك سائغ لكن بعضه أفضل من بعض، لكن كونه يؤتى بها في شدة الحرارة، صلاة الأوابين إلى الله ﷿ حين ترمض الفصال والفصال هي أولاد الإبل التي تتأثر من حرارة الرمضاء عندما تشتد الشمس وعندما تشتد حرارة الأرض بشدة حرارة الشمس عليها قال: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» يعني تصيبها الرمضاء وتؤثر الرمضاء على الفصال وأما الإبل الكبيرة فإنها لا تؤثر عليها الرمضاء.
[ ٣٥٩ ]
٣٥١ - وَرَوَى عَن عَائِشَة قَالَت: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبعا وَيزِيد مَا شَاءَ [الله] ".
ثم ذكر هذا الحديث عن عائشة ﵂ أن النبي -ﷺ- كان يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله، يزيد ما شاء الله يعني أنه يزيد فتصير ست وثمان وما فوق ذلك لكن أعلى شيء ثبت من فعله -ﷺ- هو ثمان كما في حديث أم هانيء ﵂ المتقدم، وهذا يدل أن الرسول -ﷺ- كان يصلي أربعا للضحى ويزيد ما شاء الله عن الأربع ومعنى أربع يعني ركعتين ركعتين لأن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى كما سبق أن مر بنا، يصلي أربعا يعني يصلي ركعتين ثم يصلي ركعتين وقد جاء ما يدل على صلاة أربعا في الضحى الحديث الصحيح الذي ثبت عن رسول الله -ﷺ-: «يقول الله ﷿: يا ابن آدم اكفني أربع ركعات في أول النهار أكفك بهن بقية يومك» وهذا يدلنا على أن صلاة الضحى تكون أربع وتكون في أول النهار لأن من العلماء من قال أن الصحيح فيها أنها صلاة الضحى هذه الأربع التي جاءت في الحديث، ومن العلماء من يقول أنها ركعتا الفجر وركعتا الفريضة فيكون المجموع أربع ركعات هذه أول النهار لكن القول بأن الأربع صلاة الضحى وأنها في وقت الضحى هذا هو الأقرب وهو الأولى وهو الذي يدل على أن التطوع الذي يحصل من الإنسان في أول النهار يكفيه الله ﷿ به الشرور في بقية يومه.
[ ٣٦٠ ]
٣٥٢ - وَله عَن عبد الله بن شَقِيق قَالَ: " قلت لعَائِشَة هَل كَانَ النَّبِي ﷺ َ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَت: لَا، إِلَّا أَن يَجِيء من مغيبه ".
ثم ذكر هذا الحديث عن عائشة ﵂ أنها سئلت هل كان الرسول -ﷺ- يصلي الضحى قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه، يعني إذا جاء من سفر ومعلوم أنه إذا جاء من سفر أول شيء يبدأ به أنه كان يأتي المسجد ويصلي ركعتين فكان هذا هو الذي كانت تعلمه أنه يفعله بحضرة الناس وذلك أنه إذا جاء من مغيبه جاء مسافرا فإنه يصلي ولكنه يصلي في المسجد ما يصلي في بيته يعرف الناس ذلك الناس يعرفون ذلك وليس هذا تختص به عائشة ﵂ وإنما هذا معلوم للناس أنه يأتي المسجد ويبدأ به ويصلي فيه ركعتين -ﷺ- ومعلوم أنه -ﷺ- كان يحرص على أن يأتي في الضحى وأنه يدخل في الصباح في الضحى فيكون يبدأ بالمسجد ويصلي فيه ركعتين.
[ ٣٦١ ]
٣٥٣ - وَعَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: " مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ يُصَلِّي سبْحَة الضُّحَى قطّ، وَإِنِّي لأسبحها، وَإِن كَانَ رَسُول الله ﷺ َ ليَدع الْعَمَل وَهُوَ يحب أَن يعْمل بِهِ، خشيَة أَن يعْمل بِهِ النَّاس فيفرض عَلَيْهِم " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن عائشة ﵂ أنها ما رأت النبي -ﷺ- يصلي سبحة الضحى وأنها تسبحها، السبحة هي الصلاة لأن النوافل يقال لها سبحة ولهذا جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ في السفر قال: لو كنت مسبحا لأتممت، يعني لو صرت آتيًا بالرواتب مع القصر لأتممت وما دمت أن الأربع تصير ثنتين فكيف آتي بالنوافل مع الفرائض والفرائض بدل ما تكون أربع صارت ثنتين، تقول ما رأته يصلي سبحة الضحى، وذلك أنه -ﷺ- في الغالب ما يكون عندها في الضحى لأنه في الغالب إما أن يكون في سفر أو يكون عند زوجاته في بقية الأيام لأن زوجاته تسع وكان يكون عند كل واحدة يوم فكانت ﵂ ما يكون الرسول -ﷺ- عندها لأنه إما أن يكون عند زوجاته وإما أن يكون مسافرا وإما أن يكون جالسا للناس في المسجد يحدثهم ويعلمهم ويرشدهم ويفقههم في الدين -ﷺ- فلهذا أخبرت عن الواقع من فعله -ﷺ- لأنه في الغالب ما يكون عندها في الضحى إما مسافر وإما عند زوجاته بقية الأيام وإما أن يكون في المسجد يعلم الناس وإما أن يكون ذهب لحاجة كأن يكون ذهب إلى قباء أو ذهب إلى بعض الجهات فالحاصل أنها أخبرت عن شيء لا يكون عندها بحيث أنها تعلم بأنه تراه عندها ويصلي عندها وإنما أخبرت عن شيء لا يختص بها.
[ ٣٦٢ ]
٣٥٤ - وَعَن مُورق قَالَ: " قلت لِابْنِ عمر: أَتُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا، قلت: فعمر؟ قَالَ: لَا، قلت: فَأَبُو بكر قَالَ: لَا. قلت فالنبي ﷺ َ؟ قَالَ: لَا إخَاله " رَوَاهُ البُخَارِيّ.
ثم ذكر هذا الحديث عن ابن عمر ﵄سئل- تصلي الضحى قال: لا قال: أبو بكر قال: لا قال: عمر قال: لا قال: فالرسول -ﷺ- قال: لا إخاله، يعني لا أظنه ومعنى ذلك قيل أن هذا محمول في السفر وأما الحضر فقد جاءت الأحاديث الأخرى الدالة على كونه يفعل ذلك وإنما هذا محمول على السفر ومعلوم أن الرسول -ﷺ- كان يصلي النوافل على الدابة وصلاته تكون في الأوقات المختلفة يعني غير أوقات النهي التي لا يتنفل فيها فيصلي بالليل وهو على راحلته ويصلي في الضحى وهو على راحلته ولكن كونه يقال أنه صلى صلاة الضحى بالتحديد وإنما هذا شأنه في السفر يصلي النوافل وهو راكب وأما الفرائض فإنه إذا جاء وقتها ينزل ويصلي -ﷺ- وعلى هذا فإن ما جاء في الحديث من قوله: لا إخاله وكذلك عن أبي بكر وعمر ﵄ وعنه المقصود من ذلك ما كان في السفر وأما ما كان في الحضر فإن هذا جاءت الأحاديث فيه ومنها ما تقدم.
[ ٣٦٣ ]
٣٥٥ - وَعَن جَابر بن عبد الله قَالَ: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ يعلمنَا الاستخارة فِي الْأُمُور كَمَا يعلمنَا السُّورَة من الْقُرْآن، يَقُول: إِذا هم أحدكُم بِالْأَمر فليركع رَكْعَتَيْنِ من غير الْفَرِيضَة، ثمَّ ليقل: اللَّهُمَّ إِنِّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وَأَسْأَلك من فضلك الْعَظِيم، فَإنَّك تقدر وَلَا أقدر وَتعلم وَلَا أعلم، وَأَنت علام الغيوب، اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر خير لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي - أَو قَالَ عَاجل أَمْرِي، وآجله - فاقدره لي ويسره لي ثمَّ بَارك لي فِيهِ، وَإِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر شَرّ لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي - أَو قَالَ عَاجل أَمْرِي - وآجله فاصرفه عني واصرفني عَنهُ واقدر لي الْخَيْر حَيْثُ كَانَ ثمَّ ارضني بِهِ قَالَ: ويسمي حَاجته " رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ - عَن الشَّيْخ الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ البُخَارِيّ - وَعِنْده: " ثمَّ أرضني بِهِ " وَعند أبي دَاوُد، وَهُوَ رِوَايَة للْبُخَارِيّ: " ثمَّ رضِّني بِهِ ".
ثم ذكر ابن عبدالهادي ﵀ هذا الحديث في ختام أحاديث صلاة التطوع وأورد فيه صلاة الاستخارة ودعاء الاستخارة بعد الصلاة فقال في هذا الحديث أن الرسول -ﷺ- كان يعلمهم الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن فكان يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة» يعني ما يجعل الفريضة هي التي يستخير بعدها لأنه قال من غير الفريضة ركعتين تطوع يأتي بهما تطوعا لله ﷿ ويدعوا بعدهما ولا تكون الاستخارة من الفريضة لأن الإنسان يحرص على أن يكون متطوعا بالصلوات لا يكون شأنه الاقتصار على الفرائض وأنه حتى الاستخارة لا يأتي بركعتين يتطوع فيهما لله ﷿ ويستخير بعدهما وإنما يكون فعله بعد الفرائض قال: «من غير الفريضة» يعني صلاة التطوع يطلق عليها صلاة الاستخارة أي من أجل الاستخارة فكان -ﷺ- يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليدعوا» وهذا يدلنا على أن الدعاء يكون بعد الصلاة ثم يقول: «اللهم إني أستخيرك بعلمك» يعني أطلب منك الخير وأطلب منك الخيرة لعلمك لأنك تعلم كل شيء وتعلم عواقب الأمور وتعلم ما فيه الخير في المستقبل وما فيه خلاف ذلك في المستقبل لأنه عالم بكل شيء عالم بما كان وما سيكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون مثل ما قال الله ﷿ عن الكفار: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) فالله علم أنهم لا يردون وعلم أنهم لو ردوا لحصل منهم العود فهو عالم بما كان وما سيكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون، «وأستقدرك بقدرتك» أطلب منك القدرة والإقدار على العمل الذي أريده والذي أرجوا أن أصل إليه لأن الله تعالى على كل شيء قدير وهو بكل شيء عليم فهو يستخيره بعلمه ويطلب منه ما فيه الخيرة له بعلمه لعلمه بكل شيء ويستقدره بقدرته بأن يقدره الله ﷿ على ذلك العمل الذي يريده وأن يهيئ ذلك الشيء الذي يريده، «وأسألك من فضلك العظيم» لأن كل شيء من الله هو من فضله ﷾ ولا يكون عمل الإنسان أنه يستحق به الجزاء من المعاوضة وإنما هو فضل من الله ﷿ كما جاء عن الرسول -ﷺ-: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه»، فالله ﷿ كل ما يحصل للإنسان من خير فهو بفضل الله ﷿ هو الذي تفضل عليه بأن أقدره على العمل الصالح وتفضل عليه بالعمل الصالح وتفضل عليه بالجزاء بعد هذا العمل الصالح، «فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم -أي هذا الأمر يعني في إقدامي على هذا الزواج أو إقدامي على هذه التجارة أو إقدامي على هذا العمل الذي يعين ويسميه- خير لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ورضني به وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه ويسر لي الخير حيث كان ثم رضني به» يعني هيئ لي الخير بعد ذلك مما تعلم أن فيه الخير لي ثم رضني به يعني يجعله رضيا بهذا الشيء الذي قدره الله ﷿ عليه أو قدره له من الخير فهذا دعاء الاستخارة الذي أرشد إليه الرسول -ﷺ- وأنه يؤتى به بعد ركعتين غير الفريضة لكنه لا يأتي بذلك في أوقات النهي وإنما يأتي به في غير أوقات النهي يأتي به في الضحى ويأتي به في الليل ويأتي به بعد المغرب ولكنه لا يتعمد أنه يأتي بصلاة الاستخارة في أوقات النهي لأن الرسول -ﷺ- قال: «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس».
[ ٣٦٤ ]